هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


سرديات محلية: حوار مع الأستاذ الدكتور كاظم خلف العلي

أ.د. كاظم خلف العلي

حاوره صفاء الشحماني

ولد الأستاذ الدكتور كاظم خلف العلي في العام 1964 بمدينة البصرة. و نال شهاداته في البكلوريوس و الماجستير و الدكتوراه من قسم اللغة الإنكليزية بكلية الآداب بجامعة البصرة في الأعوام 1986 و 1989 و 2006 على التوالي. و حاز على زمالة ما بعد الدكتوراه من جامعة وسترن سيدني بأستراليا في 2006. و تسنم الدكتور العلي العديد من المناصب الإدارية و منها إدارة مركز اللغات الحية بكلية الآداب وكالة و إدارة مركز انترنت رئاسة جامعة البصرة في موقع القبة الفلكية و نيابة رئاسة جمعية المترجمين العراقيين لفرع الجنوب و إدارة قسم العلاقات الثقافية و العامة برئاسة الجامعة و رئاسة قسم الترجمة لفترتين مختلفتين. كتب و ترجم العديد من المقالات و الدراسات في العديد من الصحف و المجلات العربية و الأجنبية و في مواقع الأنترنت. و له خمسة كتب مطبوعة و كتابان تحت الطبع. 

صفاء الشحماني: ما هو برأيكم أفضل وصف يمكن تقديمه لهذا الحوار؟

كاظم العلي: من ضمن الإشارات المهمة التي تعرضها لنا الباحثة البريطانية المصرية الأصل مونا بيكر في بحثها الموسوم "الترجمة و الحراك: نسق ظاهر من المجتمع السردي Translation and Activism: "Emerging Pattern of Narrative Community ضرورة قيام المترجمين في الوقت الراهن بتطوير سردياتهم التي تتحدى السرديات القمعية العامة و الكبرى لزماننا. و هو يعني فيما يعنيه ضرورة أن يقوم المهتمون بالترجمة في العالمين العربي و الإسلامي خاصة و العالم الثالث أو النامي عامة ، سواء كانوا مترجمين أم مدرسي ترجمة في المعاهد أو الجامعات أو منظرين يؤلفون كتبا و مقالات في الترجمة، بتقديم سردياتهم المحلية التي ستكون بالتأكيد مختلفة أو ذات خصوصية مميزة عن السرديات التي يقدمها مؤسسو منهج "دراسات الترجمة" أو الباحثون المتمركزون غربيا و أوربيا و باللغات المهيمنة ، و خصوصا اللغة الإنكليزية، و المترجمون من ذوي النزعات و التوجهات  الاستعلائية ، سياسية كانت أم حضارية. و أعتقد أن هذا يجب أن يكون هما و واجبا لكل مترجم عربي و إسلامي، على وجه الخصوص في تقديم سرديات بديلة أو مرادفة للسرديات الاستعلائية أو المتمركزة أوربيا و غربيا. مطلوب من المهتمين بالتنظير من العرب و المسلمين و العالم الثالث أن يخففوا من تمركز دراسات الترجمة على التراث الأوربي و الغربي و أن ينقلوا بعضا مما في تراثهم الغني من دراسات عن الترجمة و أن يناصروا و يدعموا كل من يحاول الخروج على الثوابت الغربية و الأوربية لأنها ليست مقدسة في المقام الأول و لأن العقل و المنطق لا يشترطان الوقوف عندها مثلما حاولت شخصيا الخروج على خارطة هولمز توري و فروعها مرات عديدة معانيا الأمرين من بعض المنغلقين أكاديميا باقتراحي لمشاريع بحوث على طلبة الماجستير تتناول تعريب العلوم في جامعة البصرة و قلة تمثيل الأدب الأسترالي في الترجمة إلى العربية أو بتحقيق بعض نصوص الترجمة القديمة مثل "رسالة إلى باماكيوس" للقديس جيروم و "في الطرائق المختلفة للترجمة" لشلايرماخر أو بترجمة و دراسة "هل يستطيع الهامشي أن يتكلم" لغياتري سبيفاك و دراسة الرضا لدى طلبة الترجمة في عدد من الجامعات العراقية. من الخطأ أن نقول أن دراسة عقود عمل المترجمين أو دراسة الأعمال المترجمة عن دار المأمون، مثلا، أو دراسة الآراء من قضايا ثقافية متعلقة بالترجمة هي ليست بدراسات ترجمية. و نحن بالتأكيد مدينون لهولمز لتسميته ميدان الترجمة بدراسات الترجمة و لتبيانه فروع الدراسات التي يمكن القيام بها لكن خارطته ليست نصا مقدسا لا يمكن التحرش به. و ثانيا على المترجمين من تلك المناطق أن ينقلوا الأعمال الأدبية و الفلسفية و الحضارية التي "تبيض الوجه" بمقابل الأعمال التي يكتبها عدد من المؤلفين المنقلبين من أمثال سلمان رشدي و إرشاد مانجي و كتابيهما "آيات شيطانية" و "مشكلة الإسلام اليوم" على التوالي.

صفاء الشحماني: و كيف بدأ ولعك و اهتمامك باللغات و الترجمة؟

كاظم العلي: بدأ بلطمة قوية على الوجه تلقيتها من معلم اللغة الإنكليزية المغفور له بإذن الله  الأستاذ علي العويد بمدرسة التميمية الابتدائية للبنين بمحلة العطيرية بالبصرة إذ كنت غائبا عن الدرس الأول بدرس اللغة الإنكليزية بصف الخامس الابتدائي و كان المعلم رحمة الله عليه قد علم التلاميذ فتح الكتاب من جهة اليسار و دربهم على أول محاورة. و حينما أعادوا القراءة في اليوم التالي فتحت الكتاب من جهة اليمين و قمت بالتأشير بأصبعي على الكلمات أسوة بزملائي التلاميذ. و ما أن أنتبه المعلم لذلك حتى وجه إلي صفعة مدوية. و حين عدت للبيت شرحت الأمر لأخي الأكبر الذي قام بتدريبي و تعليمي اللغة الإنكليزية. و من ثم بدأت بالتقاط بذور حب اللغة شيئا فشيئا بحب الأفلام و المسلسلات الأجنبية كالجذور و دخان البنادق و الممثلين الأجانب و الموسيقى الأجنبية. و أهم من هذا كله ربما تكون رغبتي في التميز بدرس اللغة الإنكليزية جاءت كرد فعل على فشلي و ضعفي بدروس أخرى كالرياضيات و الهندسة و الجبر.

صفاء الشحماني: و كيف تخصصت باللغة الإنكليزية و الترجمة في الدراسة الجامعية بمستوى البكلوريوس و الماجستير و الدكتوراه؟

كاظم العلي: من طرائف الأمور أن قبلت أنا و أبنتي التي أكملت شهادة الماجستير في الترجمة لاحقا في كلية الزراعة أولا بعد التخرج من الدراسة الإعدادية، و انتقلت لكلية الآداب من كلية الزراعة بجامعة صلاح الدين بأسكي كلك بتوجيه من صديقي الأستاذ المهندس كاظم عبد اللطيف لألتحق بقسم اللغة الإنكليزية أسوة بأبن أخته الأستاذ الدكتور علاء حسين عودة  (أحد أعمدة قسم اللغة الإنكليزية بكلية التربية للعلوم الإنسانية بجامعة البصرة حاليا) لأتمكن بعد التخرج من العمل في الشركات الأجنبية مثلما قال. و انتقلت أبنتي من كلية الزراعة بجامعة البصرة إلى كلية الآداب حسب رغبتي و معرفتي بمجال تميزها. و لم تقبلني كلية الآداب في بادئ الأمر لأنها قد استوعبت كفايتها من الطلبة إلا أن المغفور لها والدتي قابلت السيد معاون العميد في حينه الدكتور عماد عبد السلام و أبلغته بأني أخ أحد شهداء القصف الإيراني على مدينة البصرة فتم قبولي و لا أظن أنهم ندموا لأني تخرجت الأول على دورتي للعام 1986 (دورة الفاو المنتصر) و كان الثاني على الدورة الأخ الأستاذ الدكتور محمد جاسم السعيدي (أحد أعمدة قسم اللغة الإنكليزية بكلية التربية بجامعة ذي قار حاليا) و كانت الثالثة فتاة انكليزية الأم و تدعى نسرين سلمان.

صفاء الشحماني: و هل يمكنك أن تحدثنا عن دراستك الجامعية في مرحلة البكلوريوس؟

كاظم العلي: رغم أنها كانت فترة عصيبة حبلى بالحروب و الانتصارات و الهزائم و بتوابيت الضحايا و قصص الأسرى و المفقودين و الجوع و الحرمان و الطغيان إلا أنها كانت مميزة أيضا حيث تلقينا العلم على أيدي أساتذة عراقيين من أفضل ما يكون . فلقد درسنا مادة الأنشاء بالمرحلة الأولى أستاذ الدافعية و التحفيز هاشم كاطع لازم الذي كان حريصا على أن نقوم بكتابة أنشاء كل أسبوع و كان يصححه و يعيده لنا في الوقت المحدد و بملاحظات مكتوبة بغاية الأناقة و التشجيع. و في المرحلة الثانية درسنا الرواية (روبنسون كروزو لدانييل ديفو) الدكتور المعدوم حامد شاكر الذي علمنا من خلالها الكثير من المفاهيم عن الحرية و العبودية و أزمة الرجل الأبيض و التي جسدها الدكتور حامد بانقلابه على الحزب و النظام بعد غزو الكويت، و مادة الشعر في المراحل الثانية و الثالثة و الرابعة الأستاذ الألمعي الدكتور شهاب أحمد الناصر إضافة لمادة النقد الأدبي. و درسنا المسرحية ، قديمها و حديثها، المترجم الأديب الأستاذ الدكتور صبار السعدون في المراحل الثانية و الثالثة و الرابعة. و درسنا اللغوي و المترجم المعروف الأستاذ الدكتور مرتضى جواد باقر مادتي اللسانيات في المرحلة الثالثة و النحو التحويلي التوليدي بالمرحلة الرابعة.

صفاء الشحماني: و كيف اتجهت للتخصص باللسانيات التطبيقية و كنت موهوبا و ميالا للدراسات الأدبية مثلما عرف عنك؟

كاظم العلي: لم يكن لدينا في جامعة البصرة بمرحلة الماجستير سوى تخصص "اللسانيات التطبيقية Applied Linguistics" و كان معظم الطلبة الذين سبقونا كتبوا رسائلهم عن منهج اللغة الإنكليزية في المدارس العراقية المعروف بـ "The New English Course for Iraq" و اختصاره "NECI" و كان من تأليف الأستاذ العراقي الدكتور خليل الحماش و أساتذة آخرين، و علي أن أعترف بأني لم أكن شجاعا كفاية لأنخرط ببرنامج الماجستير للدراسات الأدبية في جامعة بغداد. و حدث في عامنا الدراسي المخصص لكتابة الرسائل أن قام أساتذة القسم بتغيير وجهة البحث من دراسة مشاكل و جوانب في منهج اللغة الإنكليزية في المدارس العراقية إلى الدراسات اللسانية التطبيقية الأخرى فكتبت رسالتي بعنوان "دراسة لغوية لبعض مشاكل الترجمة من الإنكليزية إلى العربية بالإشارة الخاصة إلى أربع ترجمات مختلفة للمشهد الخامس من الفصل الرابع لمسرحية شيكسبير هاملت "A Linguistic Study of Some Problematic Areas in English into Arabic Translation with Special Reference to Four Different Translations of Act IV, Scene V of Shakespeare's Hamlet" باشراف الدكتور كاظم حسين باقر. و كانت الرسالة متخصصة بالنقد الترجمي و قد تناولت فيها ترجمات كل من خليل مطران و غازي جمال و الطاهر الخميري و جبرا إبراهيم جبرا لمسرحية وليم شيكسبير الشهيرة "هاملت" و كان من بين الممتحنين لي المترجم و استاذ الترجمة المعروف عبد الوهاب النجم من جامعة بغداد.

صفاء الشحماني: و كيف بدأت رحلتك نحو الترجمة تأخذ بعدا تخصصيا عميقا و شاملا؟

كاظم العلي: بعد أن أنهيت دراستي للماجستير في العام 1989 تم سوقي لإكمال ما تبقى من خدمتي العسكرية البالغة في حينه سنتان، و تم انتدابي للعمل بمركز اللغات الحية بكلية الآداب بجامعة البصرة و كان يديره في وقتها الأستاذ هاشم كاطع. و اكتسبت من العمل في تدريس اللغة الإنكليزية لغير الاختصاص في مرحلتي الماجستير و الدكتوراه للأقسام العلمية بالجامعة خبرة عظيمة و علاقات زمالة مهمة مع الدارسين. و الشيء نفسه ينطبق على الدورات المختلفة التي كنا نقوم بتدريسها في المركز لشرائح مجتمعية متباينة و متنوعة لغويا و تربويا و عمريا.  و انتقلت من بعدها للعمل في قسم اللغة الإنكليزية بالكلية نفسها. و استمريت بالعمل مدرسا بالقسم و  محاضرا في أقسام التاريخ و المكتبات لمادة اللغة الإنكليزية لغير الاختصاص من دون الانخراط ببرنامج الدكتوراه الذي كان موجودا بالقسم بعنوان "اللسانيات العامة" على أمل أن تتحسن الأمور و يفتتح باب التسجيل في الزمالات و البعثات خارج العراق، لكن الأمور كانت تزداد سوءا يوما بعد يوما خصوصا مع فرض العقوبات الاقتصادية على العراق (المعروفة بالحصار) و لحين العام 2002 حينما يئست و قررت الالتحاق ببرنامج دكتوراه من صنع يدي!

صفاء الشحماني: و كيف يكون برنامج الدراسة من صنع يد الطالب؟

كاظم العلي: لقد كان برنامج الدكتوراه في القسم بعنوان "اللسانيات العامة General Linguistics" و كنت قبل الانخراط بالدكتوراه قد تقدمت بطلب لفتح قسم للترجمة بجامعة البصرة أسوة بقسم الترجمة في جامعة الموصل الذي كان يغطي المنطقة الشمالية و قسم الترجمة بالجامعة المستنصرية الذي كان يغطي المنطقة الوسطى من البلاد. و رفض عميد الكلية في حينها المرحوم الأستاذ الدكتور غالب باقر مناقشة الطلب لسببين أولهما النظرة المتكبرة و الاستعلائية التي يمارسها اللغويون و غير اللغويين على الترجمة و على أنها عمل اشتقاقي و متطفل على إبداعات المؤلفين يمكن لكل من هب و دب القيام به و من هنا فهي لا تستحق أن تكون دراسة مستقلة بذاتها. و من طريف ما قاله لي العميد في حينها تسفيها لفتح قسم للترجمة أن جمعية المترجمين يرأسها استاذ من قسم اللغة العربية. و لم يتبادر لذهن العميد أن الاستاذ الدكتور عناد غزوان من قسم اللغة العربية بجامعة بغداد و الذي رأس الجمعية كان مترجما و له العديد من الكتب و المقالات المترجمة. و ثاني الأسباب أن الدكتور باقر كان في نيته التقدم بمشروع لافتتاح قسم يعنى بالدراسات الصوتية و اللسانية شبيه بالقسم الذي درس فيه بجامعة ليدز متجاهلا أو غير عارف بأن مثل هذه الأقسام لا تنجح سوى في البلدان المتقدمة حيث يسعى الطلبة من بلدان أخرى للتخصص العالي فيها. و يبدو أن الاستبانات التي وزعها على الأساتذة المتخصصين في الجامعات العراقية لم تأت بردود مناسبة فقبرت فكرته في مهدها. و حينما أصبح الدكتور عصام السالم عميدا للكلية و كان صديقا لي تقدمت بطلبي ثانية و مرر الطلب بمجلس الكلية و في مجلس الجامعة برئاسة الأستاذ الدكتور محمد عبد العال النعيمي و كان من أنجح رؤساء الجامعات الذين عرفتهم و أهدى وزير التعليم العالي الدكتور همام عبد الخالق افتتاح القسم لأهل البصرة من دون مناقشة في هيئة الرأي كما أبلغنا الدكتور النعيمي. و افتتح قسم الترجمة على هذا الأساس و كان أول رئيس له الدكتور سلمان داوود. و كان في برنامج الدكتوراه "اللسانيات العامة" أستاذ عرف بسلاطة لسانه و عدم تهذيبه و دكتاتوريته و لم أكن راغبا في حضور درسه و في تحصيل شيء من معرفته اللسانية فتقدمت بطلب لافتتاح مشروع برنامج الدكتوراه "اللسانيات و الترجمة Linguistics and Translation" و عززته بالحاجة لضرورة تخصص عدد من الأساتذة بالترجمة ليخدموا بقسم الترجمة و خضع الموضوع لمداولات و ضغوط و انسحابات و مجاملة بعض الأساتذة و الإداريين لذلك الأستاذ الذي أشرنا إليه لكن السيد رئيس الجامعة حفظه الله حسم الأمور جميعا بالطلب من السيد عميد الكلية مفاتحة عمادة كلية الآداب في الجامعة المستنصرية حول مشاركتهم لكلية آداب البصرة ببرنامجها. 

و لبت الجامعة المستنصرية  الطلب حينما وافق عميد كلية الآداب فيهاالاستاذ الدكتور خالص الأشعب على مشاركتنا لبرنامج الدكتوراه.  و  هكذا كان لنا في البصرة لأول مرة برنامجان للدكتوراه هما "اللسانيات العامة" و "اللسانيات و الترجمة" حيث شارك في تدريسنا من الجامعة المستنصرية الأستاذ الدكتور عبد الواحد محمد مسلط في مقرر "الترجمة: نظرية و تطبيق" لفصل دراسي واحد حيث اندلعت الحرب على العراق في العام 2003 و أكملنا السنة الدراسة كاملة بعدها بالبصرة. و كتبت بعدها أطروحتي بعنوان "استجابة القارئ و تقييم جودة الترجمة: دراسة في استجابات القراء غير العرب المتمكنين من الإنكليزية لترجمات من الشعر العربي الحديث  "Reader Response and Translation Quality Assessment: A Study of the Responses of Proficient Non-Arab Readers of English  to Different Translations of Modern Arabic Poetry" باشراف الاستاذ المساعد الدكتور عادل مالك خنفر. و تناولت في الأطروحة استجابات القراء الأجانب لترجمات مختلفة لقصيدة بدر شاكر السياب " أنشودة المطر" و دور الاستجابات في تعزيز تقييمات نوعية الترجمة . و ضمت عينة الدراسة ثلاث ترجمات للقصيدة المذكورة للناقد الفلسطيني المعروف عيسى بلاطة و للدكتورة نادية بشاي و ترجمة بالمشاركة لكل من باسمة بزركان و إلزابث فرنيا، و رغم قسوة المناقشة و "حماوتها" نالت درجة الامتياز من لدن السادة الممتحنين. و قد استفدت في بناء موضوعي من رسالة للماجستير كتبها Hong-Tae Jong في العام 2000 بعنوان "جودة الترجمة و استجابة القارئ Translation Quality and the Reader's Response" و أطروحة الدكتوراه لأستاذنا اللامع الدكتور شهاب الناصر أنجزها في العام 2005 بعنوان "نقد استجابة القارئ : دراسة في استجابات القراء للشعر الإنكليزي الحديث Reader-Response Criticism: An Investigation of Arab Readers' Responses to Modern English Poetry". و تميز الأعمال الثلاثة بحالاتها و عيناتها و تواريخ و أمكنة أنجازها واضح و بين رغم التشابهات الظاهرية في العناوين. 

صفاء الشحماني: و كيف تطورت مسيرة قسم الترجمة منذ افتتاحه و لحد الآن؟

كاظم العلي: لم يكن ممكنا أن أكون أول رئيس للقسم رغم أن مشروع تأسيسه كان من بنات أفكاري و كون السيد العميد صديقا لي فقد كنت ببساطة مفصولا من حزب البعث لمشاركتي في الانتفاضة الشعبانية المباركة في آذار 1991. و جاء دوري في رئاسته بعد أن انهى الزميل الدكتور سلمان داوود سلمان واجباته رغم صعوبة الفترة الممتدة من 2003 و لغاية تقريبا 2006 أو 2007 بسبب الانفلات الأمني و السلوكي و حملات الاغتيالات التي طالت بعض التدريسيين و عدم وجود مقر محترم و لائق بكلية الآداب و أقسامها بعد أن تم تدمير المباني الجامعية و الحكومية عامة خلال الحرب على العراق في 2003 و اضطرار الكلية إلى الدوام في بعض المدارس رغبة في تمشية الأمور بكل شكل حرصا على أن لا تضيع سنة من عمر طلابنا ، و تلك مجاهدة و تضحية كبيرة من جانب التدريسيين و الإداريين يجب أن لا ينساها ممن جاء بعدهم ليعمل بظروف "مريحة". و بجانب الفخر بمشروع التأسيس يمكنني الإشارة لافتتاح الدراسات العليا بالقسم بناء على مقترح لي و الكثير من المقترحات العلمية الأخرى. و لست أغمط هنا حقوق الزملاء الآخرين فيما إذا كانوا أنجزوا مما يستحق ذكره لكني أترك لهم الحديث عن انجازاتهم. لكن الأهم في كل هذا أن القسم قسم ناجح منذ لحظة افتتاحه و لحد الآن و تشهد على ذلك الأعداد الكبيرة من الطلبة في الصفوف النهارية و المسائية و طلبة الدراسات العليا و نيل الكثير من أعضائه لشهادة الدكتوراه متخصصين في الترجمة بعد أن كانوا من تخصصات أخرى كاللغة الإنكليزية و علم الأساليب و اللسانيات التطبيقية و غيرها. 

صفاء الشحماني: درستم مقرر "نظريات الترجمة" لفترة طويلة نسبيا و كان هناك عدد كبير من الطلبة يعاني من هذه المادة، فما السبب في ذلك؟

كاظم العلي: نعم، لقد درست الكثير من المواد كمبادئ الترجمة و الاستيعاب المقروء للمرحلة الأولى و الترجمة البصرية للمرحلة الثانية و من ثم انتقلت لنظريات الترجمة للمرحلة الرابعة لأنه درس يخلو من الواجبات البيتية التي يمكن أن يعطيها الأستاذ لطلابه، و ما لم يقم التدريسي بإعطاء الواجبات و يقوم بتصحيحها بوقتها إذا كان الدرس يتطلب ذلك فتلك خيانة كبيرة و هي سبب من أسباب تردي مستوى طلبة الترجمة. المهم. لست وحيدا ممن يعاني منه طلبته في مادة "نظريات الترجمة" بل هناك أساتذة كبار و عالميون قرأت عن مبلغ معاناتهم من طلبتهم في هذا الدرس. نؤكد كثيرا في أدبيات الترجمة على أن الشرط أو المتطلب الرئيس من متطلباتها اتقان اللغتين المنقول منها (لغة المصدر SL) و المنقول إليها (لغة الهدف (TL. و تحقيق هذا المتطلب يعد الخطوة الأولى لمتطلبات أخرى أوضحها منظرو الترجمة كالجاحظ و دوليه و تايتلر و جابمان. و الحاصل أن لدينا عددا كبيرا من الطلبة ممن لا يتقنون اللغتين حتى و هم على أبواب التخرج من القسم. تحتاج نظريات الترجمة إلى طلبة قادرين على دراسة الأفكار المجردة و حفظ المفاهيم و الاصطلاحات المختلفة و إلى طلاب جديين ليس همهم التبرج و الاستعراض و الاستمتاع بجوانب الحياة الجامعية فقط. و تلك أمور يمكن أن تستقيم باستقامة المناخ السياسي و طلاق الجامعة للكتاب المنهجي و الملزمة و صلاح في رؤية التدريسيين من أن النظرية و التطبيق شيئان متلازمان و لا يمكنهم فقط التأكيد على الجانب العملي و إهمال الجوانب النظرية استسهالا. إن الطالب المعتاد على الجوانب العملية فقط في المراحل الثلاث الأولى سيفشل حتما في درس نظريات الترجمة عندما يواجهه في المرحلة الرابعة.

صفاء الشحماني: لكن يبقى السؤال قائما و كثيرا ما يطرح على مستويات عالمية حول حاجة أو عدم حاجة المتدربين لنظريات الترجمة؟ 

كاظم العلي: علينا أن نعرف أن نظريات الترجمة أو التنظير للترجمة ترف فكري بالمقام الأول ، و مثلما أقول و أردد في دروسي، فإنها تمثل عمل البطران الذي ما أن تشبع حاجاته الأساسية من المأكل و المشرب و السكن إلا و ينطلق في التفكير ، و منه التفكير بالترجمة و كيف تعمل و كيف يقوم المترجمون ذهنيا و معرفيا بالعملية. فبعد أن تستكمل و تشيع حاجتك من ترجمة المصادر العلمية و الإنسانية الأساسية تنطلق إلى الآفاق الواسعة متدبرا و متأملا. من حالة الفراغ إذن يأتي التأمل و النظر و الاعتبار و لذلك يرفع السياسيون الطغاة شعار "جوع كلبك يتبعك" ، بمعنى أن الأفراد سيتبعون طغاتهم و ينفذون جميع ما يملونه عليهم طالما إن كانت (حاجة من) حاجاتهم الأساسية غير ملباة. الترجمة واحدة منذ أقدم الأزمان لكن طرق النظر إليها و تحليلها تباينت بتباين المدارس الفكرية و السياسية و الاجتماعية و النفسية التي ينتمي إليها المحللون. فالمحلل السياسي (الشيوعي) قد يفسر الدور الذي تقوم به الترجمة كأداة تغيير في الصراع الطبقي في المجتمع، بينما  قد يلجأ المحلل الأخلاقي إلى النظر في كيفية تعامل المترجمين مع المحظورات الأخلاقية و الدينية و أخلاقية الأعمال المترجمة و هكذا. و إذا كان العالم اللغوي إدوارد سابير يقول بأن جميع أنواع القواعد تنضح أو تعطب فإني أرى أن جميع النظريات، و منها نظريات الترجمة، تصاب بالعطب. و تلك الإصابة بالعطب هو ما يمنحنا الداينمية و المواصلة على ابتكار البدائل و على الخلق و الإبداع. و في كل مرحلة ، يخلق المنظرون ، فرادى و مجتمعين، مصطلحاتهم المعبرة عن رؤاهم  حيث تكون الترجمة translation و translationese و translatese و translatum و هو ما يعقد الأمور على البسطاء من المتلقين. و المهم أن درسا كنظريات الترجمة يزودنا كمتعلمين و دارسين نظاميين للترجمة بالجهاز المفاهيمي الذي يمكننا من الحديث بصورة مقبولة عن الترجمة و عملياتها و هو ما يميزنا عن المترجمين المهاريين  الذين يتقنون الترجمة من و إلى اللغات الأخرى و لا شيء غير ذلك.

صفاء الشحماني: إذا كانت نظريات الترجمة أو التنظير لها يمثل حالة من الترف الفكري، فهل تمثل الترجمة العملية ترفا أيضا؟

كاظم العلي: ربما كانت الترجمة في وقت من الأوقات ينظر لها برومانسية كبيرة على أنها جسر من جسور التواصل البشري و الحضاري و هو ما بات يستنكره العديد من الباحثين و على رأسهم مونا بيكر، و ربما كانت تعبيرا عن الحالة الإبداعية لدى المترجمين أو حاجة إلى أثبات الذات أمام الآخرين و لكن الأمور بدأت تأخذ منحى مختلفا في السنوات الأخيرة. فقد أصبحت الترجمة لدى الكثير من المترجمين و المترجمات هما سياسيا و اجتماعيا و أداة لتغيير الواقع بمستوياته المختلفة . و من المؤكد أن الترجمة لدى المترجمات النسويات مشروع يتعلق بتغيير السلطة الذكورية في المجتمعات المختلفة و هو ما يبرر التلاعب الذي تقوم به المترجمات النسويات لجعل المرأة مرئية و صوتها مسموعا، فالمترجمة سوزان دو لوتبنييه – هاروود تقول ، على سبيل المثال، أن ممارسة الترجمة بالنسبة لها هي فعالية سياسية تهدف إلى جعل اللغة تتحدث عن المرأة و أن توقيعها على ترجمة ما يعني أن الترجمة استعملت كل استراتيجية ترجمية لجعل المرأة مرئية. و مما تجدر الإشارة إليه أن التنظير ذاته لم يعد ترفا فكريا حيث نتلمس في كتابات الكثير من المنظرين الدعوة إلى التغيير و الانقلاب مثلما نرى في دعوة مونا بيكر إلى ضرورة قيام المترجمين، في العالم الثالث خصوصا، بإيجاد سردياتهم الترجمية التي تتحدى السرديات القمعية التي يحاول العالم المتقدم بسطها و نشرها أو في دعوة ماري سنيل هورنبي و ماريا تايموزكو  إلى توسعة ميدان دراسات الترجمة و تمكين المترجمين و في عمل تيجاسويني نيرانجانا في تفكيك الترجمة ما بعد استعمارية. و هي جميعها جهود مباركة و تؤشر بالتأكيد الأبعاد المختلفة التي بدأت الترجمة و دراساتها بالاتجاه إليها. و في النهاية فإن الأفراد يختلفون في همومهم ، فأقصى هموم بعض المترجمين أن يترجم الوثائق الرسمية من هوية أحوال مدنية و شهادة جنسية و عقد زواج أو طلاق لكي يكسب عيشه بينما يكون هم نخبة من المترجمين الآخرين هو كيفية إحداثهم لتغيير أو نقلة جمالية و معرفية في المجتمع الذي يعيشون فيه. و لا يمكننا بأي حال من الأحوال تغليب نوع من المترجمين على نوع آخر طالما أن الأمر متعلق بالاختيارات التي يقوم بها المترجم و مسؤوليته عن تلك الاختيارات.

صفاء الشحماني: إذن أنتم تتفقون مع شلايرماخر في تصنيفه للمترجمين؟

كاظم العلي: نعم ، بالتأكيد. فشلايرماخر يصنف المترجمين إلى مترجمين تجاريين و إلى مترجمي النصوص الفنية و الإبداعية. و المترجمون من الصنف الأول مثلما قلت في مناسبات عدة لا يتركون أثرا و لا بصمة و لا اسما يخلدهم، بينما يعمل الصنف الثاني، مثلما أرى، بمقولة جبران خليل جبران  "أريد أن آتي لهذه الحياة و أخرج منها لا كما يأتي و يخرج منها الآخرون" و بمقولته الأخرى " يقولون لي إذا رأيت عبدا نائما فلا توقظه لعله يحلم بحريته، و أقول لهم إذا رأيت عبدا نائما أيقظته و حدثته عن الحرية". فجبران كما هو واضح يريد أن يترك أثرا واضحا و ملموسا في مجتمعه و يريد أن يحدث تغييرا في وعي الناس و خصوصا المقهورين منهم. يقول الرسول محمد (ص) "إذا مات المرء انقطع عمله إلا من ثلاث :علم ينتفع به وولد صالح يدعو له و صدقة جارية"، و أحسب أن ترجمات الكثير من  المترجمين هي من الأعمال التي تديم حياة الإنسان و تبقي اسمه خالدا حتى بعد فناء الجسد. إن حفاظ الإنسان على أسمه و إبقائه نقيا طاهرا و خالدا كانت و ستبقى على الدوام من الأشياء التي يسعى إليها البارزون من الناس في المهن المختلفة و منها الترجمة. و لعل من النصوص الجميلة عن الاسماء ما قاله إياغو الماكر في مسرحية شيكسبير:

Good name in man and woman, dear my lord, is the immediate jewel of their souls. 

Who steals my purse steals trash; 'tis something, nothing; 

'Twas mine, 'tis his, and has been slave to thousands; 

But he that filches from me my good name 

Robs me of that which not enriches him, And makes me poor indeed.


صفاء الشحماني: و ما هي  من وجهة نظركم المتطلبات الرئيسة الواجب توفراها لدى المترجم ليكون مترجما ناجحا؟

كاظم العلي: من وجهة نظري هناك متطلبات عامة يجب توفراها في جميع المترجمين على اختلاف تخصصاتهم ، و يأتي على رأسها المتطلب اللغوي القاضي بضرورة امتلاك المترجم لناصيتي اللغتين المنقول منها و المنقول إليها و يمثل الشرط الأول لدى المفكر الفرنسي و شهيد الترجمة إتيان دوليه، و هو من بين ما أكد عليه المفكر الموسوعي العربي البصري الجاحظ حين يقول "... وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها، حتى يكون فيهما سواء وغاية" . و هناك أيضا المتطلب الثقافي حيث أن اللغة لا تعمل في فراغ بل في مجتمع يفرض عليها لونه و شكله و ذوقه و بيئته فيصبح المثل "كناقل التمر إلى البصرة" في الإنكليزية "carrying coal to Newcastle" حيث يتم استبدال التمر و البصرة بالفحم و نيوكاسل ليكون المثل فاعلا في الإنكليزية. أما في الترجمة الشفاهية الفورية فهناك متطلبات أخرى بالإضافة لهذه المتطلبات و منها ضرورة أن يأخذ المترجم بعين الاعتبار التدريب على لغة الاختزال و تدوين الملاحظات لتكون مرجعا له عند الترجمة و أن يدرب على الاهتمام و الانتباه لبعض أنماط السلوك و منها شكل ظهوره بين المسؤولين الذين يترجم لهم فلا يكون أكثر تأنقا منهم و لا أقل تأنقا بكثير ، فالملابس غير الرسمية لا تصلح للقاءات الرسمية. و من التدريبات غير اللغوية الهامة ضرورة أن يخضع المتدرب أو يخضع المتدرب نفسه لتمرينات في الصبر و المطاولة  فعمليات الترجمة المتمثلة بالقراءة و التحليل و صياغة المسودة الأولى و التنقيح و التحرير و صياغة المسودة النهائية تتطلب من المترجم جهدا كبيرا لابد أن يكون قادرا على تحمله و مقدرة على الصبر حتى الوصول إلى نتيجة مرضية و مقنعة. و ثمة وظيفة أخرى للمترجم و هي أن يكون متخصصا في الحقل الذي يترجم فيه كي يصبح مجيدا في ترجمته و تكون ترجمته معبرة جدا عن لغة القانون أو السياسة أو الطب و غيره ، و هو ما أكد عليه الجاحظ عندما أشار إلى ضرورة تساوي المعرفتين اللغوية و العلمية بقوله " و لا بد للترجمان من أن يكون بيانه في نفس الترجمة، في وزن علمه في نفس المعرفة...".

و الأهم من هذا و لكي يكون المترجم ، بل و كل طالب علم و مهنة، ناجحا فعليا لابد من الالتزام ببعض المسائل الروحية و الاخلاقية و منها ما جاء في رسالة الحقوق للإمام زين العابدين بن الحسين (عليهما السلام) في باب حقوق المعلم. فالمترجم المتدرب لن يصبح مترجما حقيقيا و مهنيا من دون العلاقة التعاونية و العاطفية التي يجب أن تربطه بمعلمه و مدربه و من دون حسن الاستماع و الأقبال على المدرب و المعلم و من دون افراغ العقل لاستيعاب ما يقوله المدرب و المعلم و إحضار الفهم و إذكاء القلب و إجلاء البصر و ترك اللذات و الشهوات التي لا تستقيم مع طلب العلم و أخيرا القيام بنقل رسالة المدرب و المعلم إلى الآخرين كرد للدين و وسيلة للزكاة و طريقة لترسيخ ما تعلمه متدرب الترجمة. يقول الأمام زين العابدين (ع) "ﻭﺃﻤﺎ ﺤﻕ ﺴﺎﺌﺴﻙ ﺒﺎﻟﻌﻠﻡ ﻓﺎﻟﺘﻌﻅﻴﻡ ﻟﻪ، ﻭﺍﻟﺘﻭﻗﻴﺭ ﻟﻤﺠﻠﺴﻪ، ﻭﺤﺴﻥ ﺍﻻﺴﺘﻤﺎﻉ ﺇﻟﻴﻪ، ﻭﺍﻻﻗﺒﺎل ﻋﻠﻴﻪ، ﻭﺍﻟﻤﻌﻭﻨﺔ ﻟﻪ ﻋﻠﻰ ﻨﻔﺴﻙ، ﻓﻲ ﻤﺎ ﻻ ﻏﻨﻰ ﻋﻨﻪ، ﺒﺄﻥ ﺘﻔﺭﻍ ﻟﻪ ﻋﻘﻠﻙ، ﻭﺘﺤﻀﺭﻩ ﻓﻬﻤﻙ، ﻭﺘﺫﻜﻲ ﻟﻪ ﻗﻠﺒﻙ، ﻭﺘﺠﻠﻲ ﻟﻪ ﺒﺼﺭﻙ، ﺒﺘﺭﻙ ﺍﻟﻠﺫﺍﺕ ﻭﻨﻘﺹ ﺍﻟﺸﻬﻭﺍﺕ، ﻭﺃﻥ ﺘﻌﻠﻡ ﺃﻨﻙ ﻓﻲ ﻤﺎ ﺃﻟقي ﺇﻟﻴﻙ ﺭﺴﻭﻟﻪ ﺇﻟﻰ ﻤﻥ ﻟﻘﻴﻙ ﻤﻥ ﺃﻫل ﺍﻟﺠﻬل ﻓﻠﺯﻤﻙ ﺤﺴﻥ ﺍﻟﺘﺄﺩﻴﺔ ﻋﻨﻪ ﺇﻟﻴﻬﻡ، ﻭﻻ ﺘﺨﻨﻪ ﻓﻲ ﺘﺄﺩﻴﺔ ﺭﺴﺎﻟﺘﻪ، ﻭﺍﻟﻘﻴﺎﻡ ﺒﻬﺎ ﻋﻨﻪ ﺇﺫﺍ ﺘﻘﻠﺩﺘﻬﺎ، ﻭﻻ ﺤﻭل ﻭﻻ ﻗﻭﺓ ﺇﻻ ﺒﺎﷲ..".

صفاء الشحماني: نعود للمسألة الحيوية المتعلقة بتدريس الترجمة و اسأل عن   كيفية "تضبيط" واقع حال دراسة الترجمة في قسمكم ؟

كاظم العلي: لربما السؤال مرتبط بسؤال أكبر منه ألا و هو كيف يمكن تضبيط حال الجامعة، و هو ما لا يكون إلا بصلاح الوضع السياسي العام ، فحين تستقيم الجوانب السياسية و تختفي المحاصصات و الصراعات السياسية المفتعلة من أجل المصالح الحزبية الضيقة و حين ينفذ القانون و يطبق على الكبير قبل الصغير ستنصلح جميع جوانب المجتمع و منها التربية و التعليم. أما فيما يخص الترجمة ، بل جميع أقسام الجامعة و كلياتها، فيكون بالاحتراف و أقصد به أن تكون لدينا حركة دؤوبة و استضافة مستمرة للمترجمين و الأساتذة العرب و الأجانب و ابتعاث الاساتذة العراقيين للتدريب في الدورات و الندوات و المؤتمرات الدولية. و اشتراط أن يكون للتدريسي نشاط ترجمي يدخل في تقييماته بل و في ترقيته حتى يكون متفاعلا حقيقيا مع الترجمة لا نظريا، و أيضا حينما يتم تقليل الأعداد الهائلة من الطلبة حتى تحتويهم القاعات بشكل نظامي و لكي يأخذون فرصتهم الحقيقية في السؤال و الجواب و المشاركة. لقد اكتشفت خلال السنوات المنصرمة وجود متوازية بين اعداد طلابنا و طريقة رعايتنا لعوائلنا و أسرنا حيث أننا ننجب بأعداد كبيرة و لا نحسن التربية و كذلك هو الحال حينما يقبل في المرحلة الواحدة مائتان و خمسون طالبا في الدراسات النهارية و مائة و خمسون في الدراسات المسائية على سبيل المثال و لا نقدر على استيعابهم و لا على تدريبهم بصورة مرضية. و حين تستقر أوضاع البلد السياسية و الأمنية يصبح بالإمكان إعادة توجيه موازنات البلاد من التوجهات العسكرية و الأمنية إلى القطاعات التربوية و التعليمية و الصحية و الخدمية، و يصبح بالإمكان أيضا غربلة المدخلات التعليمية بحيث يصبح البقاء و الرعاية موجهتين للمستحقين فقط.

صفاء الشحماني: و ما  الدور الذي يمكن أن يقوم به  المترجمون و الأساتذة الأجانب؟

كاظم العلي: الدور الذي يمكن أن يضطلع به المترجمون و الأساتذة الأجانب كبير جدا، و يمكن النظر فقط للتجربة المصرية في هذا السبيل لنعرف الخدمة العظيمة و الجليلة التي أداها دينيس جونسون – ديفيز و همفري ديفيز و جوناثان رايت و غيرهم الكثير من المترجمين في تقديم الأدب العربي للقارئ الأجنبي. لقد قضى و يقضي هؤلاء المترجمون فترات طويلة بالعيش في و مع المجتمع المصري و هذا أكسبهم خبرة عظيمة و معايشة  للواقع الأدبي و الاجتماعي لا غنى عنه و هم يسرحون و يمرحون في القاهرة ليل نهار يترجمون لمركز الترجمة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة و لغيره من دور النشر عيون الرواية و القصة المصرية خصوصا. من المؤسف أن المجتمع العراقي المعروف بكرمه و ضيافته و اجتماعيته اصبح غير قادر، منذ زمن النظام السابق الذي كان يقتفي أثر و حركة كل أجنبي، على استضافة المترجمين و الأساتذة الأجانب لأنهم يصبحون صيدا سهلا للفصائل السياسية المختلفة التوجهات. ربما تقول أنني بهذا النحو مجحف بحق المترجمين المحليين لكنني أقول أن اسم المترجم الأجنبي على غلاف الكتاب مفتاح لدخول الكتاب إلى عقل القارئ الأجنبي و قلبه بالرغم من الهنات الكثيرة التي يقع بها اولئك المترجمون بسبب بعدهم عن فهم كامل التفاصيل الدقيقة للحياة المجتمعية و الثقافية و السياسية و منه مثلا ما اكتشفه نجاح شمعة في اطروحته للدكتوراه عن ترجمات الرواية العربية و طالبتي نادية عودة في دراستها لترجمة وليم هجنز لعمل الأديب البصري محمد خضير "بصرياثا". و يؤكد ذلك ما يراه المترجم و الأستاذ إليوت كولا من أن القارئ الأمريكي خصوصا يحب التعرف على الآخرين من خلال قراءة مؤلفيه الأمريكيين. و مرة ثانية و بالإشارة إلى أسم المترجم الأجنبي على الترجمة العربية و كونها مفتاحا للدخول للعالم الأجنبي خذ مثلا ترجمة جوناثان رايت لرواية أحمد سعداوي "فرانكشتاين في بغداد" و مجموعة حسن بلاسم "مجنون ساحة الحرية" و أسم دينيس جونسون – ديفيز على رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح و كاثرين كوبهام على رواية نجيب محفوظ "الحرافيش" و غير تلك الأعمال الكثير.

صفاء الشحماني: و ما وجهة نظركم بصدد رأي بعض النقاد و المؤلفين الذين يرون أن الأعمال الأدبية العربية المترجمة إلى لغات العالم لا تترجم لقيمتها الفنية بل لكونها وثائق سياسية و اجتماعية يتم دراسة المجتمع العربي من خلالها؟

كاظم العلي: هذا الكلام مطروح و قد مررت به مرات عديدة لدى مجموعة من النقاد و المؤلفين العرب الذين ينتقدون عملية اختيار الأعمال للترجمة  على أساس أنها خاضعة لاعتبارات سياسية تجسسية أكثر منها أدبية و جمالية و يشيرون مثلا لترجمة عمارة يعقوبيان للأسواني و بنات الرياض لرجاء الصانع. و المهم أن مثل هذه الأعمال موجودة بالعربية و في الواقع الأدبي العربي و يمكن دراسة المجتمع العربي من خلالها لا بترجمتها كاملة بل باقتطاف ما يناسب المحلل السياسي أو الاستخباري. لا يمكننا بالتأكيد نفي تلك المزاعم كلية فلقد قام مكتب التحقيقات الفيدرالي بترجمة الروايات التي كتبها صدام حسين مثل "زبيبة و الملك" بقصد التعرف على آليات التفكير لدى صدام حسين. و الرد على ذلك التوجه الترجمي يكون بدعم ترجمة الأعمال الأدبية و نشرها بواسطة دور النشر الأجنبية ضمن برنامج ترجمي وطني أو قومي هادف.

صفاء الشحماني: ما  الثوابت التي تعتمدونها أو تؤكدون عليها في تدريبكم المبتدئين في الترجمة؟

كاظم العلي: خلال السنوات و بالخبرة طورت مجموعة من الثوابت التي قمت بصياغتها بواسطة الحكم و الأمثال ليسهل على المتدربين تذكرها و العمل بها على الدوام، وهي:

- عاش الدراخون Long live the memorizers 

و ذلك لأني بالتأمل في فصاحة الخطباء السياسيين و الدينيين وجدت أن مهاراتهم اللغوية متأتية من المحفوظات العديدة و المتنوعة من شعر و نثر و حكايات و أمثال. و لكي يتمكن المتدربون من اللغتين الأصل و الهدف أرى من الضروري أن يقوموا بحفظ المأثورات التي لها دور كبير في مراقبة ما نقوم بإنتاجه لغويا و تصحيحه بوعي و لا وعي منا و كون تلك المأثورات المحفوظة مواد جاهزة في التعبير و الكتابة مع شيء من التعديل و التغيير.

- التدريب ثم التدريب ثم التدريب. التدريب يقلل من دماء المعركة 

و هو شعار كانت ترفعه الوحدات العسكرية العراقية إبان الحرب العراقية الإيرانية على واجهات بناياتها أو معسكراتها. و أقول أنه مع التطورات العلمية الكبيرة التي تكاد تحصل يوميا لم نصل إلى مرحلة إعطاء الراغب بتعلم اللغات و الترجمة حبوبا لتمكينه من الفصاحة و حتى حبات الزبيب أو أفخاذ الدجاج التي ينصح الطب الشعبي العربي بتناولها لتحسين الذاكرة لا يمكن أن تؤتي أكلها من دون تدريب يومي و متواصل. الترجمة مثلما يقول المترجم المعروف وليم ويفر شيء نتعلمه بالتدريب. و إذا كانت دماء المعارك يمكن أن تشفى و تعوض فإن الترجمات الخاطئة التي نرتكبها بسبب عدم تدربنا بصورة يومية و متواصلة  لها آثار نفسية وخيمة و قد لا نشفى منها أبد الدهر و خصوصا اذا ما تم توثيقها و استمرار اطلاع اجيال  المتدربين على الترجمة عليها.

- يتعلم الحجامة برؤوس اليتامى 

و هو قريب من المثل الإنكليزي A barber learns by shaving fools. و الحمقى كما أرى هي النصوص السهلة البسيطة الخالية من أي تعقيدات و صعوبات أسلوبية و بلاغية. على المترجم المبتدئ أن لا "يخلي راسه براس" شيكسبير أو جيمس جويس و هو لا زال يحبو، بل أن يجرب ترجمة الجمل الأساسية kernel sentences أو أدب الأطفال و حينما يتمكن من مهارة التحويل يمكن له أن يتدرج في مواجهة النصوص الصعبة .

- الحكيم من يتعلم من أخطاء الآخرين  

و هو قريب من المثل الإنكليزي A wise man learns from the errors of others و يعني أن على المترجم المبتدئ أن يتعلم من ترجمات الآخرين ، صحيحها و خطأها، و خير المواد التي يمكن أن يتعلم منها هي القصص و الروايات المنشورة بالتوازي مع ترجماتها حيث يتعلم المترجم المتدرب كيفية معالجة المترجم للجمل البسيطة و المركبة و المعقدة و التعابير الاصطلاحية و غيرها. كما يمكن للمترجم أن يستفيد أيضا من الترجمات المتعددة لنص واحد حيث يتباين المترجمون هنا في اختياراتهم المعجمية و الجملية و غيرها.

- اعمل من الحبة قبة 

و قريب منه المثل الإنكليزي To make a mountain from a molehill و الذي أرى فيه أن على المترجم أن يزهو و يتباهى بما يتعلمه، الزهو و التباهي  غير المرضيين مطلوبان للأشخاص من أجل إدامة و استمرارية عملية التعلم.

- خير طريقة للتعلم هي التعليم 

و قريب منه القول الأمريكي If you want to learn something, teach it. فبالتدريس نركز الأفكار و نرسخها من خلال التكرار و الإعادة و ربما من خلال الاسئلة التي نتلقاها عن زوايا قد تكون خافية علينا.

- لا تطرق الفرصة بابنا سوى مرة واحدة 

و قريب منه المثل الإنكليزي Opportunity knocks but once و ذلك يعني أن الفرص قليلة و نادرة و علينا أن لا نضيعها و أن نصنع الكثير منها من أجل أن نتعلم. ففرص التعلم خلال الدرس الجامعي قليلة جدا و على المتدربين  مضاعفتها فيما بينهم و مع فرص التعلم من خلال البرامج و الفيديوات التعليمية في اليوتيوب و غيره كغرف المحادثة و الجماعات في الفيسبوك و غيره خصوصا عندما تضم فيها المترجمين. 

صفاء الشحماني: و ما رأيكم بواقع ترجمة الأدب العربي إلى اللغة الإنكليزية و غيرها من اللغات؟

كاظم العلي: ربما حصل الكثير من التطور على صعيد ترجمة الأدب العربي مذ أطلق المفكر الأمريكي الفلسطيني الأصل إدوارد سعيد صرخته في مقال بصحيفة ذي نيشن بعنوان " الأدب المحاصر" و يقصد به الأدب العربي مشيرا إلى عدم رغبة الناشرين الأجانب في ترجمة الأدب العربي و نشره و خصوصا ترجمة الأعمال القصصية و الروائية . لقد ازدادت  ترجمة الأعمال العربية  و خصوصا المصرية منها بنسب تعادل أضعافا مضاعفة للأدب المنتج من غير مصر. الأدب المصري يحظى برعاية عدد من مؤسسات النشر الأجنبية و المترجمين الأجانب مثلما قلت آنفا يسرحون و يمرحون بشوارع القاهرة لاعتبارات عديدة. و غالبا ما سمعت عددا من الأدباء و الكتاب العراقيين يناشدون و يطلبون ترجمة أعمالهم إلى اللغات المختلفة و أجبتهم أن ذلك المشروع يستلزم توفير ميزانيات خاصة لكي نستقطب الأسماء اللامعة من المترجمين و دور النشر و المؤسسات و الفعاليات الرديفة التي تقوم بتسويق الترجمة من الناحية القيمية الإبداعية و الفنية. و إذا كان الأدب العربي محاصرا (سابقا) فإن الأدب العراقي مهمل رغم أن السنوات القليلة المنصرمة أبرزت ألمعية عدد غير قليل من الكتاب العراقيين كأحمد سعداوي و حسن بلاسم و انعام كجه جي و مرتضى كزار و غيرهم.

صفاء الشحماني: و هل للجامعات العراقية دور تقوم به في ترجمة و نشر الأدب العراقي؟

كاظم العلي: من المؤسف أن أقول أن ليس للجامعة أي دور ممكن أن تقوم به في هذا المجال في ضوء عجزها عن نشر بحوث و دراسات اساتذتها في المقام الأول. و من المؤسف القول أيضا أن مشاريع البحوث لطلبة المرحلة الرابعة، من زاويتي في الأقل، مشاريع هزلية و هي تتناسب كثيرا مع التعبير الشعبي "كفيان شر....". أما بالنسبة لمشاريع طلبة الماجستير و الدكتوراه فهي غير منضبطة و غير مخطط لها ضمن استراتيجية معينة بل تخضع لرغبات الطالب و الأستاذ. فالطالب و الأستاذ هما من يختار بحثه سواء في الماجستير أم الدكتوراه و ليس هناك خطة علمية موحدة للقسم يسير عليها الجميع سواء كانت تلك الخطة خمسية أم عشرية. و أقسامنا ، من زاويتي و هي زاوية كلية الآداب و ربما كليات الآداب في الجامعات العراقية جميعا ، بالرغم من الصلة الوثيقة التي تجمع بعضها متباعدة و كأن المحيطات تفصلها عن بعضها. و لو كنت مسؤولا عن تلك الكلية لجمعت أقسام اللغة العربية و اللغة الإنكليزية و الترجمة ببناية واحدة و أقسام التاريخ و الجغرافية و الفلسفة و المكتبات ببناية أخرى لكي  يكون هناك تفاعل حتى فيما بين الدقائق المعدودة بين المحاضرات. التدريسيون في هذه الأقسام يحتاجون للتشاور فيما بينهم و عزلة الفضاءات و المباني لا تخدمهم. و الأهم من هذا أنني لو أعطيت السلطة على كلية الآداب لجمعت اللجان العلمية و لجان الدراسات العليا في أقسام اللغة العربية و الإنكليزية و الترجمة ،مثلا، و قفلت باب غرفة الاجتماع عليهم مطالبا إياهم بالخروج بنسبة من مشاريع الماجستير و الدكتوراه تخضع لتداخلية المناهج، و لنفترض مشاريع تعبر عن حاجة قسم اللغة العربية إلى ترجمة كتب لغوية و نقدية غير متوفرة أو دراسات لغوية مشتركة بين أهل العربية و الإنكليزية و الترجمة، و يصدق الأمر نفسه على اقسام العلوم الاجتماعية الأخرى.

صفاء الشحماني: و هل لديكم القدرة في قسمكم على انتاج ترجمات جيدة؟

كاظم العلي: لدينا عدد من طلبة الدراسات العليا في كل عام طلبة مثابرون و منتجون و لدينا بعض الأساتذة الأكفاء في الترجمة و لديهم نتاجات ترجمية سابقة و هؤلاء يمكن أن ينتجوا لنا ترجمات و دراسات ترجمية ممتازة للأدب العراقي في اللغة الإنكليزية مثلا، و إن كان السادة الممتحنون لمثل هكذا دراسات بحثية لا يناقشون الطلبة في ترجماتهم و إنما يؤكدون فقط على المتون البحثية. فمثلا قام أحد طلبتي و هو السيد علي خليل بدراسة أسباب قلة ترجمة الأدب الأسترالي باللغة العربية و قدم ترجمته لرواية "باخ الأطفال" للروائية الأسترالية المعروفة هيلين غارنر و لم يتطرق السادة الممتحنون للترجمة على الأطلاق و كذلك الأمر مع ترجمة طالبي محمد حمود في دراسته لمقالة شلايرماخر "في الطرائق المختلفة للترجمة" فيما خلا ملاحظات قليلة من أحد الممتحنين. لو كان شعارنا في أقسام الترجمة و اللغة الإنكليزية القيام بترجمة واحدة من المجاميع القصصية و الشعرية للكتاب العراقيين فالنتيجة ستكون مبهرة في كل عام.

صفاء الشحماني: كيف تبدأ عملية الترجمة و كيف تنتهي حسب رأيكم؟

كاظم العلي: يتباين المهتمون و المنظرون للترجمة بأشكال طفيفة ، لكنها مهمة، في رؤيتهم لعملية الترجمة . و بالنسبة لي ، فإن الترجمة تسير حسب خمس مراحل هي:

- مرحلة تكوين الأعجاب و تشكيل الرغبة (interest formation) بترجمة نص ما ، فالمترجم لا يترجم مطلقا نصا لا يهواه حتى و إن كانت مضامين ذلك النص قد لا تتناغم مع رؤية المترجم. فمترجم كتاب "كفاحي" لهتلر حتى و إن كان صاحب موقف يتقاطع كلية مع مواقف هتلر من السياسة و الحياة إلا أن ترجمة كتابه أمر مختلف.

- مرحلة القراءة أو القراءات المتعددة (general reading(s))  من أجل تكوين معنى عام و هام عن النص.

- مرحلة تحليل النص  (text analysis)  و تبدأ بحل شفرات النص المعقدة و الجمل المعقدة و المصطلحات و التعابير الاصطلاحية و المجازات و المختصرات و غيرها من المشكلات.

- مرحلة المسودة الأولى  (first draft) و هي المرحلة التي يشكل المترجم فيها نسخته الأولى من الترجمة ، سواء كانت الترجمة حرفية، أم تضم بعض الحرفية غير المقبولة.

- مرحلة المراجعة و التنقيح   (revision and editing) و هي مرحلة مهمة يقوم المترجم فيها بغربلة نصه و تخليصه من كل ما من شأنه أن يقلل من جودته، و من الأفضل أن يطلب فيها المترجم مساعدة زميل أو صديق ليقوم بهذه المرحلة لأن عيون الآخرين تكون ماهرة في اقتناص الثغرات. و المسألة محلولة حين يقدم المترجم عمله لمؤسسة ثقافية ما فتلك المؤسسة هي من تقوم بإحالة الترجمة إلى مراجع له آهلية لغوية و أسلوبية تمكنه من إبداء الرأي السليم.

- مرحلة المسودة النهائية (final draft) ، و هي المرحلة التي يقوم فيها المترجم بتطبيق الملاحظات التي تم تجميعها في المرحلة السابقة آخذا منها ما يتناسب و تاركا ما يتقاطع مع آرائه لكن متحمل في الوقت عينه كامل المسؤولية.

و لا تعني المرحلة الأخيرة التي أشرنا إليها هي المرحلة الأخيرة حقا، فالترجمة تبقى خاضعة لآراء المثقفين و النقاد الذين يبينون رأيهم بجودة الترجمة و خصوصا عندما تكون تلك الآراء موضوعية قائمة على مقارنة النصين الأصل و الهدف مثلما فعل الدكتور عبد الواحد لؤلؤة حينما قدم ترجمته لقصيدة "الأرض اليباب" لتي أس إليوت بعد أن قام بمراجعة و نقد الترجمات السابقة لترجمته. و علاوة على ذلك، فإن المترجمين يتباينون في المسودة الأولى و المسودة النهاية، فالمترجمون المحترفون قد لا ينتجون ترجمة حرفية كمرحلة أولى ينتقلون منها إلى الترجمة النهائية بل يبدؤون بالترجمة النهائية بما لهم من مهارات و خبرات و تجارب تؤهلهم لمثل هذا العمل. و مما تجدر الإشارة له أيضا أن مركز ترجمة الشعر بجامعة لندن الذي كانت تديره المرحومة الشاعرة سارة ماكواير يقوم بترجمة الشعر على مرحلتين: الأولى ترجمة حرفية يقوم بها المترجمون (المحليون) و ترجمة شعرية يقوم بها المترجمون (الشعراء من أهل اللغة). و ربما تشبه هذه العملية، أي الصقل و التلميع ، ما رآه المترجم الإنكليزي إدوارد فتزجيرالد الذي قال حينما ترجم رباعيات عمر الخيام "من الممتع لي أن آخذ كل حرية أحبها مع هؤلاء الفرس و الذين كما أظن ليسوا شعراء كفاية بحيث يخيفون المرء من مثل هذه النزهات و الذين يحتاجون فعليا إلى القليل من الفن لتشكيلهم It is an amusement to me to take what liberties I like with these Persians, who, (as I think) are not Poets enough to frighten one from such excursions, and who really do want a little Art to shape them. " مع فارق أن العملية الأولى تتم بحب و عاطفة لا تعرف الكبر و الاستعلاء الواضحين في رسالة فتزجيرالد.


أ.د. كاظم خلف العلي


التعليقات




5000