هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


(( أشجار لاهثة في العراء ))

د. سعد ياسين يوسف

  (( أشجار لاهثة في العراء )) 
  قراءة في غير المُفكر فيه وفق منهاج " فوكو"

أ . د . أيسر الهاشمي 
  أستاذ النقد الأدبي الحديث 
  كلية الآداب – جامعة الأنبار

    اعتمد شاعرنا العراقي، شاعر الأرض والوطن والهوية الدكتور سعد ياسين يوسف الأشجار رمزاً و (ثيمة) في مجموعته الشعرية (أشجار لاهثة في العراء) كما في سابقاتها ، وهنا لابد أنْ يتبادر إلى الذهن سؤال جوهري لماذا الأشجار؟
      يقول ابن عربي : "الشجرة: هي الإنسان الكامل" (ابن عربي معجم اصطلاحات الصوفية ج12/130-131) من هنا كانت الشجرة عند شاعرنا سعد ياسين يوسف تعني الانسان كله، تعني وجوده، ونهر مرجعيته الثقافية الذي ينهل منه وهو ما يُصدم القارئ  اعجاباً وهو يقرأ العنوان في أول وهلة حيث يتجلى ذلك التفكيك في ثنائية رائعة بين (الثبات / اللاثبات)، ثبات الأرض والوطن يقابله تشتت الانسان وضياعه وهو اللاثبات..، وفي نظري هذا ما يطلق عليه فوكو بالحفر المعرفي وهذه هي المنطقة التي حاول فوكو اقتحامها بتحليلاته الأثرية الاركيولوجية: الاشتغال على الخطابات بالحفر في طبقاتها وتفكيك بنياتها أو بتعرية بداهاتها وكشف طيّاتها، 
من هنا يتبادر للقارئ ومنذ اللحظة الأولى معاناة  شاعرنا  التي هي معاناة الوطن المتنقل بين صروف الدهر بلا مرسى لسفينته الحائرة، يقول في (عشبة السماء) وهي أول قصيدة في ديوان (أشجار لاهثة في العراء) موضوع البحث :
 ( قبل أنْ يختفي 
تحت سحابة البرق
أومأ إلى الجسور التي 
أحنى ظهرها انتظارٌ عتيق
وهي تتفقدُ كلّ يوم 
سلالَ زهورها البيضاء )) ص7

يلتمس هنا مرحلة الأمل الذي نأى عن الشاعر فقد ( اختفى تحت سحابة البرق ) وهي رسالة للأجيال وهو ( انتظار عميق ) من غير أن يرتاح في دنيا خُلق فيها من أجل تعب مستمر كلّ يوم ولكنْ (على امتداد خيط الدخان)، في رمزية واضحة لما يجري في عراق الحضارة من تفجيرات ومآسٍ تمرُّ على الوطن الجريح...
   ويستمر العناء في هذه الدنيا التي رمز اليها الشاعر ب(العراء)وكيف لا وهو القائل :
 ( بالصّرخاتِ المضرّجة ِباختناقِ الحروفِ 
قبلَّ أنْ يعبر جسر الأمنياتِ 
 لتضجّ فوق ظهره 
خطى العابرين المثقلين بلا وجوه
وهم يسرقون فضاءات الضياء ) ص8

ونحن هنا نتفق مع من يرى في أنّ المخيلة الابداعية عند سعد ياسين يوسف تفكك العالم وتعيد بناؤه وتنظيمه وخلقه على شكل عالم جديد بقوانين تنبعث من أعماق الذات الإنسانية ، أي بناء عالم غير واقعي بسبب الحاجة للهروب من الواقع الضيّق عكس ما موجود من نسخ للواقع كما هو وبما يشبه التصوير الفوتغرافي ."
وتشكل العنونة عند سعد ياسين يوسف إضافة نوعية للنصوص بوصفها عتبة الديوان، فهو يخطّ من الخيال خيالا ليُحاكي بصوره المتراكمة ذات البعد الإنساني في تصوير تلك المعانات بعمق وتحليل دقيق، ارتباط الإنسان بالوطن وهذا ما نلمسه في ديوانه السابق الصادر 2017(الأشجار لا تغادر أعشاشها) ليستمر بتصوير معاناة  الانسان ومأساتهِ  في هذه الأرض التي جاءت قصيدة (عيون الصبار) محملة بشحنة عالية من الدلالات  الضاجة بالألم إنَّها أسطورة (الألم والأمل ) الألم في مرارة ذلك النبات والأمل بالصبر على هذا الوجع والألم :
 ( فوق نافورةٍ من دم 
توضأ بالبراءة 
فالموت بجناحيه المهولين 
تسحّرَ بالكرادة ِ
وأفطر جثثاً متفحمةً ) ص9
كيف لا يكون هذا الصبار رمز الخلود، ولكن عذراً يا كلكامش ليس رمزاً لخلودِ الحياة، بل لخلود الموت الذي بات عند الشاعر مشهداً مألوفاً وهو يرى تلك الجثث، وصور الموت في كلّ مكان، لقد أعاد شاعرنا سعد ياسين يوسف كتابة التاريخ بصورته الرمزية كما يراها هو لا كما يراها الآخرون وعلى طريقة (فوكو) الذي يقترح كتابة تاريخ يضفي صفة الحياة على الفهم الاعتيادي للأحداث التاريخية، ولعل هذا العراء (الموت القاتل) يجعل الشاعر أمام النهايات المأساوية لصورة الأجساد التي تحولت إلى أشباح، ولكن تبقى القلوب ترتبط بالأرض ... بالتراب وتبقى تستمطر الرحمة من الخالق  لعلّها تُبقي شيئًا للأجيال القادمة :
( قلوبٌ غادرها النبض ُ
تتلو آياتك  ...
تحتَ ركام ِالنزواتِ
تستمطرُك الرحمة
والرحمةُ شجرة ... ) ص10

إنَّها آهات الأنا التي تتشبث بالأمل بعد أن غادرت الحياة ، ليعود الشاعر بعد طول هذه الرحلة مع الشجرة موظفاً تقنية التناص بتداخل دراماتيكي مع التراث وأسطورة الطوفان، في مشهد تراجيدي وهو يصور مأساة الفرد العراقي في بلاد الرافدين، ولعل ذلك المشهد المأساوي يتكرر ونحن نقرأ  قصيدة (شجرة العروج) التي  أكملت ذلك المشهد الاستعاري الذي  يبدأ  بالصعود إلى السماء:
(عفوكَ ربّي 
قامتْ قيامتُهم 
سيأتونك عندَ سدرةِ المنتهى 
ولكنْ كما رسَمَتْهم النيرانُ ) ص11

هذا ليس بالغريب ولا سيما نحن نرى من خلال سعد ياسين يوسف الدمار الذي قتل الروح قبل الجسد لتسير نصوصه بانسيابية وخط زمني متراتب مع الحزن ، ليصور تلك الشجرة / الانسان، وهي تتجسد في الطفولة المفجوعة بالقتل ومواكب الأطفال الشهداء كأسراب الملائكة  وهي تعرج من الأرض إلى السماء :
( أطفال بلا عيون 
تشرقُ شمسُ الكركراتِ
من محاجرِهم 
يحملونَ ملابسَ بيضاء 
بلونِ الفرح القتيلِ لم تُلبس بعد 
ودمىً مبتسمةً ) ص11-12 

 يصور الشاعر فاجعة الكرادة التي أحرقت السنابل اليافعة أطفال العراق، وأزهقت أرواح العوائل البريئة ... إنَّها كرادة الوميض المتأتي من النار المحترقة بأجسادهم (الشجر/ أجساد) داعيا لهم بالرحمة  مترجيًا لهم الشفاعة :
( رحماك ....
فلا تردَّهم 
ولا تردَّ هداياهُم 
لانَّهم ومع تراتيلِ ليلةٍ
أسميتَها القدر
أتوكَ من مكانٍ بعيد ٍ
وقريبٍ جداً أتوكَ ...
من الكرادة ) ص13
وهنا نسجل وقفتين، الأولى: الرؤية الشمولية لدى الشاعر وهو يتحدث عن الوطن  ، ثم الوقفة الثانية هي تلك النهايات المفتوحة التي يتركنا فيها الشاعر معبراً بقوة الصمت عن المسكوت عنه من ألم ،تلك النقاط ولا سيما مع فاجعة الكرادة وسط مشهد سياسي معقد وأنا هنا ساترك النقاط مفتوحة لأنني لا أعلم إلى أين نتجه ......
هكذا هو شاعرنا سعد ياسين يوسف ينتقل بأغصان شجرته من غصن إلى آخر من قصيدة إلى أخرى ، انطلق من ( اللاهو ) ليضعنا أمام غريزة القتل الغائرة في أعماق التاريخ الإنساني منذ هابيل وقابيل واقتراف الجريمة الأولى رافضا أنْ يشرب الأنسان دم أخيه الإنسان ، ومستنكراً وحشيته حين تتلبسه ليصير كائناً آخر تشحب ملامحه وتفقد كلّ أفقها الإنساني وليتحول هذا العالم الفسيح إلى عالم موحش ،وهذه هي الصورة المخيفة التي تؤرق الشاعر وتقلقه وتخيفه مما سيؤول إليه العالم إذا ما استمر الإنسان على وحشيته هذه  :
(( سنواتُه ُ
تجاوزتِ الكهوفَ .....
والتواريخَ المسحوبةَ بالسُّرفات 
وما يزالُ .... )) ص15

ما يزالُ يا شاعرنا ؟  ما يزال القتل والدمار والنوم على أرصفة الشوارع حيث الإنسان هو القيمة المهمشة في وطنه ،نعم قد يكون ذلك لكنْ الشاعر يتنبأ بأن الأرض ستلفظ كلَّ أولئك الذين فقدوا إنسانيتهم وأوغلوا في أذى الإنسان والشجر وسيشحبون وينبذهم التاريخ لأنهم لا يملكون من الصفات الإنسانية شيئاً :
( ستفزعُ منكَ يداكَ السّادرتانِ
وتنكِرُكَ الأرضُ وتلوذُ
بعباءةِ وحشتِها
راثيةً أنَّك انسان )) ص18

وفي قصيدته ( أشجار لاهثة في العراء ) وهي ما توشحت به مجموعته الشعرية التي تجسد مصير الانسان الذي وبفعل الظلام وجد نفسه في عراءٍ قاتل بعد أنْ أخرج قسراً من الدفء، من بيته ومدينته إلى الصحراء طلبا للنجاة من الموت والقتل وعلى شفتيه تموت الأسئلة المتلاحقة بلا إجابة   .. 
ليبدأ قصيدته متعمقاً في المعنى عمق جذور أشجاره  قائلا :
( الدمعُ صفيرُ الريحِ 
ونشيجُ الرّملِ 
إذ ينهمرُ على جدارِ لحمنا الحيّ 
عارياً تحت غيمة ٍ
تُمزقُها أنيابُ الظهيرةِ ) ص19

هذه اللوحة الدرامية هي (متلازمة الحزن) (دمٌ ، قميصُ دمٍ، رمال سفتها الرّيح ) بل هي تجسيد لدمارٍ  للشجرة  وللإنسان : 
( وقمصان دم ٍ
قُدّتْ من جهاتٍ أربع 
حتى استحالَ الدّمُ نهرًا
من رمالٍ سفتها الريحُ)  ص20
وبطبيعة الحال ستنتهي تلك الشجرة كما انتهى الانسان ولو أن الشاعر يرى في أنَّ شجرة القيم السماوية والقيم النبيلة ستظل تكابد لتبقى في العراق وهذا هو شاعرنا سعد ياسين يوسف لايعدم الحياة حتى وسط ركام الموت فهو يرى ثمة أمل :
( وتدافعتْ بحثًا عن نفسٍ من خُضرةٍ 
لما تبقى من شجرةِ الأنبياء. )
ويستمر المشهد في قصائده الأخرى التي هي امتداد لصورة تلك الشجرة المكابدة لعصف الريح، رديف ذلك الإنسان الذي لا يبحث إلاَّ عن ميناء ليُرسي في شواطئه بأمان (قلاع مخلعة الأبواب، عصافير ميتة، حادث دهس ليلي...) وتطول القائمة لينتهي بقصيدة تحت عنوان ( مكابدات خيمة) وهي تصور مكابدات من فُرض عليهم واقع مؤلم لم يكن بحسبانهم في يومٍ ما على الإطلاق .
( تعال بعريكَ
موسوماً بنقوش الرملِ ، 
بصرخةِ شمسِ الهاجرةِ
في جوفِ جبينِكَ
علَّكَ تدركُ هلعَ الخيمةِ 
حين تكابدُ عبثَ الرّيحِ... ) ص123

     المكابدة والضياع هنا تحت ظلال الخيمة، والخيمة وطن فكيف بوطن الحضارات وهو يتمزق ، لقد أثقلت الآلام التي يكابدها العراق سفن شاعرنا الذي أوجعه ما أوجع الوطن وأحزنه أن تذبل شجرته فجاءت قصائده برؤية ثاقبة وصوره بعمق دلالي وقّاد نسجها الشاعر لوحة حزن أسطورية لايمكن أن نفكَّ نسيج خيوطها في هذا الوقت القصير. 
   حاول الشاعر أن يخفي الجروح وأن لا يتكلم بما هو في عُتمته بيد أن شخصيته الطموحة والمفردات العميقة وقفت ندًّا وعنادًا لما أراد أن يخفيه والتي انمازت بجمال فني؛ إذ استطاعت مفرداته أنْ تصوّر لنا مرحلة مهمة من مراحل العراق وهذا يدلّ على شخصيته المقدّرة للمسؤولية تجاه شعبه ووطنه، فكانت شخصيته فعّالة ومؤثّرة في المشهد الثقافي والوطني فهو يدرك أنَّ الثقافة هي الطريق لحياة أجمل ، وهذا ما لمسناه من خلال قراءة الديوان الذي هزّ أعماقنا وجعلنا نتفاعل ايجابيا مع قصائده .

د. سعد ياسين يوسف


التعليقات




5000