..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


غيابة السندباد - رواية

حسين عيال

 على مرج اخضر تحيط به أشجار البرتقال وتطرزه شجيرات الرازقي ، رأى نفسه يقف بين مجموعة من الناس . الأريج الذي يتضوع من تلك الأشجار والشجيرات يبعث في روحه نشوة تجعلها تخف مضطربة ، لا يقر لها قرار. من خلال نشوته تلك أحس بحركة نشطة لشخص بدا مشغولا بتنظيم حفل يقف في وسطه. لم يعرف بالضبط طبيعة هذا الحفل . فالمكان كله محاط بجو ضبابي . في هذه اللحظات رآها تتقدم نحوه ، ثغرها يفتر عن ابتسامه رائعة ، سواد عباءتها الحريرية بدده إشراق وجهها ذي الغمازتين الفاتنتين . لم تطل وقفتها ازاءه . لكنها انتشلت ورقة كان ينشرها أمام عينيه ، في محاولة مشاكسة يبدو أنها تعودت عليها. لم يوفق في استعادة ورقته رغم المحاولات التي بذلها ، إلى هنا ينقطع حلمه . وقد بالغ في إجهاد ذاكرته ، في محاولة لاستعادة كلمات قصيدة الشعر التي تتضمنها الورقة المستلبة ، لكن عبثا . تماما كما يحدث له بعد كل حلم ، حيث يعجز عن تذكر تفاصيل ذلك الحلم . الفرق انه في هذه المرة لم ينس الحلم ، لكنه نسي كلمات قصيدة كان مشغوفا في استعادتها.

  الساعة تشير إلى الثامنة صباحا . وهذا موعد استيقاظه من النوم كل صباح . يبدو أن ساعته البايولوجية تعمل بدقة . عليه الان أن يغسل وجهه بعد أن أفرغ فضلات الليل والنهار. نوبة الصباح اليومية . ثم يرسل شعره إلى الخلف يميل به ناحية اليمين من الأمام . انه على ثقة تامة من أنه ليس وسيما إلا أنه مقتنع تماما بأن له جمالا خاصا لا يدانيه جمال اخر.

ثم الإفطار الذي تعده له والدته بعناية تامة . هذه الأم التي احبته بجنون كرهها بسببه! عجوز مهووسة ، تريده لها وحدها ، لا تتردد لحظة واحدة من القضاء على أية واحدة تشاركها فيه ، ليس مهما معرفة الطريقة التي تتخلص بها من غريمتها ، إنما المهم عندها هو القضاء عليهن كنساء قد يسقطن وليدها في حبائلهن .

ومع هذا فهي مستميتة في تلبية رغباته خارج هذا المجال . فهي التي تعد له إفطاره إعدادا خاصا وبالطريقة التي يفضلها . بيضة مخفوقة يختلط بياضها بصفارها أو ملمومة كزهرة بيضاء يتوسطها تويج اصفر، دهنها مساو لها أو يزيد عليها ، يتناولها مع الصمون الحار وكوبين صغيرين من الشاي ، تطغي حلاوتهما على نكهة الشاي فيهما ، أحدهما يشربه على جرعات يدفع بها طعام الصباح الذي يتلكأ في الدخول إلى جوفه ، وكوب اخر يشربه بعد جرعة الماء التي يشعر بالامتلاء والشبع بعد تناولها .

وهي التي يلجأ إليها كلما ألمت به ضائقة ، نفسية كانت أو اقتصادية . لها يشتكي أن ألمه عضو من أعضائه ، وإليها يلتجئ عندما يحتاج نقودا ، وتستجيب لكل طلباته ، تلك المرأة المهووسة بحبه ، والدته التي يضيق بها!

بعد ذلك يخرج إلى العمل . أين ؟ في محل أبيه . ذلك البلاء المقيم . يكره في أبيه خشونته ، وعدم اعتباره لمسائل الروح والمشاعر! أبوه هو الاخر يكره فيه ليونته  وعدم جديته في العمل ، هذا إلى كرهه الابدي للسياسة التي شغف بها ولده أولا ، ومن ثم عالم الفكر وطلب المعرفة التي استقر عليهما أخيرا .

وقد استمع إلى قصة مفصلة روتها له والدته ، تتحدث عن موضوع شجار الوالدين لهذا اليوم .

- تشاجرتم أيضا ؟

- ألا تعرف أباك ؟

- لماذا ؟ أعني ما سبب الشجار؟

- أبوك يتشاجر، حتى إذا لم يجد سببا كافيا للشجار.

- ومع هذا ، بربك اصدقيني القول ، فيم تشاجرتم اليوم ؟

- الدهن!

- الدهن مرة أخرى ؟  لماذا لا تقللين دهن بيضته ؟

- لم يبق إلا أن أقليها بدون دهن.

- والخبز؟

- أراد صمون من الفرن القديم ، وقد جلبته له .

- وذهبت إلى هناك ؟!

- ما العمل ، أنه لا يطيب له أكل الصمون المعد بواسطة الصواني، يفضل الصمون المخبوز على حجر. وارادت أن تعبر لوليدها عما تعانيه من غضب يمور في داخلها ، فصاحت : 

- لا ... يجب أن تبحثوا لكم عمن يخدمكم ، فما زال بيت أبي عامرا!

- وأنا ؟

- وهل احتمل اباك لحظة واحدة لو لم تكن موجودا ؟ ردت عليه بانكسار تعودت عليه !

- على كل... يبدو أنكما اخذتما على هذه الشجارات ، وقد يكون استمرارها بهذا الشكل مبعث سرور لكما. أما أنا... يا انا ، فهو الوحيد الذي يتعذب بسببها ، عندها شعر بموجة غضب مفاجئة هزت كيانه ، عبرت عنها الطريقة السمجة التي دفع بها مصراع الباب عند خروجه . 

لكن غضبه لم يلبث أن تبدد وهو يأخذ أول شهقة هواء وصلته من الشارع ، حلت محله نشوة أثارها نسيم الصباح العليل الذي داعب جسده .

أنه الان يسير بحيوية فجرتها دماء الشباب التي اندفعت بقوة في شرايينه ، لقد احس بهذه القوة تسري في كل جسده ، يديه المتوترتين ، قدميه الذي لم يتركا حجرا في الطريق دون أن يتعرضا له بالركل أو الملاحقة ، عينيه اللتين انفتحتا على ألأشياء بحدة شعر معها بأنهما يغوران فيها .

لمح بيت (الحاكم) الذي يقع في الجهة المقابلة للبيت الذي يجاورهم ، يقع في نهاية الزقاق ، ساكنوه الان ليسوا من القضاة ، بل عائلة يشتغل عميدها حلاقا ، لكن زوجته (أم فؤاد) تصر بعناد على أنه بيت معتبر شيد لاحد (الحكام) ، تقصد قاضي ، ثم ابتاعوه سكنا لهم . في كل مرة تلتقي بأم حليم تصرح لها ، بأن الناس هنا (تعني في هذه المنطقة) اكثرهم ناس همج متخلفون ! ثم تعقب : 

- أين هم من سكان المنطقة التي كنا نسكنها ، أنها منطقة مهمة تقع وسط بغداد ثم تستدرك : 

- إلا أنتم ! لا ادري لم اكن لكم كل هذا الحب! نعم انتم عائلة طيبة ونعم الجيران بعد ذلك تسهب في الحديث ، متناولة سيرة ابنها فؤاد الذي تعرف على حليم قبل أن تسكن عائلة حليم المنطقة ، وكيف ان ابنها فؤاد معجب باندفاع حليم نحو الدراسة وتفوقه عليه فيها.

رأى فؤاد أول ما رآه ، يمشي في صف طويل من طلبة السادس الابتدائي ، جاءوا إلى مدرستهم نقلاً من مدرسة أخرى ، كان اطول زملائه ، تبدوا عليه مظاهر الرجولة ، بدا كبيرا على المرحلة التي هو فيها ، ثم أصبحا صديقين .  رجاه مرة أن يؤلف له أغنية بلهجة الجنوب التي شاعت الأغاني فيها تلك الفترة ، إذ أنه وقتها كان مكبا على قراءة القصص والشعر، ويتحدث بهما ، بحيث لا يشك أحد من أصدقائه بأنه شاعر فعلا ، لكنه في الحقيقة لم يجرؤ في يوم من الأيام على الاعتقاد بأن ما يكتبه شعرا . وقد راوغ كثيرا في الرد عليه ، لكنه لم يترك الفرصة تمر دون ان يغتنمها، وذلك بالتعرف على أخيه سندباد، الذي عاد من رحلة له إلى المانيا مؤخرا، بعد أن حصل على شهادة في الفن التشكيلي (الرسم). وقد قلل البعض من قيمتها المادية بإزاء الجهد والمال اللذين صرفتهما العائلة طيلة مدة رحلته، حيث لا تمر فترة دون أن ترسل له رزما تحوي الشاي والملابس، زيادة على النقود التي تصل إليه حوالات بريدية أو بواسطة أشخاص يصادف سفرهم إلى نفس المدينة التي يدرس فيها.

وقد عرفه شخصيا ولمس فيه عن قرب إحساسه بالزمن. ولم يكن حينها يحس بالزمن، أو يهتم بالأسئلة الكبرى، إنما كان يعيش اندفاعه الشباب وبهجتها، ولولا بعض المنغصات التي يعاني منها، والتي تثار من قبل أبيه أو أمه ، لقلنا إنه كان يعيش سعادة حقيقية .

كان قد اعد مجموعة من القصص القصيرة، كتبها تحت وطأة اندفاعه الشباب تلك، ولكي يعبر عما احتدم في نفسه من مظاهر الغضب على كل ما شعر به من ظلم، سواء كان ظلما مصدره المجتمع، أم الظلم الذي وقع عليه من أقرب المقربين إليه. وقدمها لسندباد، راجيا منه أن يصمم لها غلافا، بعد أن يقرأها.

رحب سندباد بالفكرة وتعهد بانجازها. وبعد مدة أرسلها له بواسطة أخيه فؤاد، مرفقا معها ملصق كارتوني (بالآبرو) وكان التصميم يمثل رجلا يحمل الشمس على رأسه... أبهجه التصميم ووطد في نفسه ثقة تؤكد قدرته على كتابة القصة .

على كل، فأن بيت (الحاكم) يعني له الكثير الذي سنتعرف عليه من خلال أحداث الرواية. انعطف إلى اليمين حيث امتداد الزقاق، وعند نهايته انعطف إلى اليسار، من ثم سوف ينعطف إلى اليمين مرة أخرى بعد أن يجتاز بيتا واحدا ، بعدها سيسير في فرع اعرض من زقاقهم، ويرى على يساره بيت مجيد السلمان مقاول البناء الذي بنى لهم بيتهم. وقد نشأت لهذا السبب علاقة بين العائلتين استمرت مدة طويلة  تعرف خلالها على ابنتهم وجدان، تلك الصبية التي تتقد حيوية ، بوجهها الساحر ذي الغمازتين الفاتنتين . عندما وصل الشارع الرئيس شعر بنفاد صبر لأن السيارة التي ركبها لم تنطلق مباشرة ، تلكأت في الانطلاق بسبب عدم امتلائها بالركاب ، عند انطلاقها تحركت الاشياء من حوله ، ثم أخذت الصور تتغير ، هواء الصباح ينعشه من جديد ، الكلمات تنطلق لكنها تظل تدور في دائرة تفكيره ، مشاكله في اكثرها ، مع نفسه . لقد اعتاد الناس وأنه من الوداعة والحكمة على صغر سنه يتحمل معايشتهم على الرغم من أنها ليست المعايشة التامة ، لأنه يفضل في اكثر الاحيان عدم الاختلاط بالآخرين مفضلا العيش وحيدا يوجه كلامه إلى نفسيه . الحركة التي اجتاحت الركاب اشعرته بالوصول إلى نهاية خط السيارة في ساحة الطيران .

مشى منتشيا على الأرصفة النظيفة ، يراقب بفضول أصحاب المحلات وهم يفتحون دكاكينهم ، ثم يكنسون واجهاتها ويرشونها بالماء . شملته النظافة والطراوة فابتلت بالماء اعمق اعماق روحه ، يسير على امتداد شارع الشيخ عمر، اثار انتباهه كشكا لبيع المرطبات ، كان نظيفا يمتلئ بالحاجيات، لابد أن صاحبه شخصية ناجحة  يعرف كيف يديره ، بدا ذلك واضحا من كثرة مرتاديه ممن يبتاعون حاجياتهم منه ، انه احسن بكثير من دكان أبيه والبضاعة الكاسدة التي يحتويها (القماش) ، وقد عانى كثيرا بسبب هذا الكساد ، الذي يحز في نفسه اكثر أن هذا الكساد ليس عاما ، إذ أن الكثير من أصحاب المحلات التي تجاورهم ، محلاتهم مزدهرة ، ومبيعاتها عالية . قد يكون السبب والده بالذات ، فهو والحق في غير موضعه ، لأنه شخصية متزمتة ، اعتاد حياة العمل العنيف التي كان يحياها قبل فتحه الدكان ، إذ اتخذ وجهه تعبيرا حادا افتقد المرونة والبشاشة التي يجب أن يتحلى بهما رجل في موقعه ، ثم أنه وبسبب انحداره من طبقة فقيرة تجمدت آراؤه في الناس والحياة ، وتجردت احكامه من كل طراوة أو لين.. فالحلال عنده حلال والحرام عنده حرام حتى قيام الساعة . على كل ، كان الأفضل له ولعائلته ، اعتزال العالم والذهاب إلى ركن بعيد عن الناس ليمارس حياة الزهد والتعفف التي يمارسها، ليجنب عائلته حياة العوز والضنك التي يسببها لهم .

حليم لم يكن بعيدا عن هذه المعاناة ، أو يعيش بمنجى عن الاكتواء بها وقد دفعه شعوره بها إلى أن يضحي بدوام المتوسطة النهاري في المدارس الرسمية لكي يلتحق بثانوية مسائية أهلية .

حسين عيال


التعليقات




5000