..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
 جمعية الراسخ التقني العلمية
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الـعـلامــَـة نـقـولا زيـادة: ذاكـِرة فـِلــِســطـيـنـيـة بـإمـتـيـازْ

بعـثرت الأقدار المريرة مصائر نقولا زيادة فما أمكنته من تخطي حاجز المئة، بعدما ظل، مثل أبطال الأساطير الاغـريقية، يصارع أيامه موعوداً بتدشين قرن جديد في عمره المديد، لكن تعب الأيام أوهنه فغادرنا في التاسعة والتسعين. 


كان يدرج نحو المئة بفرح غامر، ويخطط لأيامه المقبلة بنشوة الأيام الأولى. 


عاش نقولا زيادة ضاحكاً وساخراً معاً. عاش في هذه الدنيا نحو قرن من الزمان، 


عرفت نقولا زيادة، أول مرة، في مقر الموسوعة الفلسطينية في بيروت. كنا نفراً لم يتجاوز العشرة نتحلق حول أنيس صايغ الذي كان يرعى بالجهد والعذاب مشروع الموسوعة مثلما رعى بالدم وبالأصابع المقطعة مركز الأبحاث الفلسطيني. 


ولد نقولا زيادة في 2/12/1907 في حي باب المصلّى أحد أحياء منطقة الميدان في مدينة دمشق. 


عاش نقولا زيادة في بيت لا رجل فيه؛ فوالده عبده الذي عمل في سكة حديد الحجاز توفي في سنة ،1915 أي إبان الحرب العالمية الأولى. واضطرت والدته هيلين السعد الى العودة به وبأخيه ألفرد الى فلسطين في ما بعـد. وهذا الفتى الفقير الذي بدأ دراسته في دمشق وتابعها في فلسطين على ضوء قناديل الكاز صار، لاحقاً، أحد أهم المؤرخين وأساتذة التاريخ في العالم العربي بعدما حاز الدكتوراة مع مرتبة الشرف من جامعة لندن سنة 1950، وبعدما زاول التدريس في فلسطين وكيمبردج وليبيا وهارفارد، وترأس دائرة التاريخ والآثار في الجامعة الأمـريكية في بيروت بين 1965 و1973 



لم ينخرط نقولا زيادة في أي جهد سياسي مثل معظم الفلسطينيين في بلاد الشتات، ولم تشغله السياسة يوماً عن حياته الفكرية والثقافية والتربوية، لكن مذكراته الموسومة بعنوان: "أيامي: سيرة ذاتية" (1992) حفلت بأخبار رجال السياسة، فضلاً عن رجال الفكر والأدب والتربية. 


ويكاد نقولا زيادة يتفرد عن غيره من الأعلام الفلسطينيين بشجاعته على الذات ،وجرأته على المحرمات. ولعل ادوارد سعيد المقدسي تفوّق على نقولا زيادة الناصري في هذا الضرب من الكتابة، ولا سيما في سيرته “خارج المكان”. 


ونقولا زيادة الذي نشأ في بيت بلا رجل، فلا أب ولا عم أو خال، تجرأ على الحديث في سيرته الذاتية عن تفتح غرائزه ، وعن الإغـواء الذي تعرّض له من بعض الفتية في نابلس، ثم اعترف انه لم يعرف امرأة إلا سنة 1935 في أوروبا، وكان في الثامنة والعشرين. 


أن تعرف نقولا زيادة طالباً أو صديقاً أو نديماً او مسافراً أو زائراً معايداً أو سائلاً استشارة علمية أو نصيحة، او كل هذا معاً، او شيئاً من كل هذا، يعني انك إمام انسان ذي فرادة تكاد تكون نادرة الوجود وكلية الحضور معاً... 


ذاكرة حية مدهشة بيومياتها وتفاصيلها على امتداد قرن عربي طويل، يعج بالأحداث الكبرى، بدءاً من عشرينيات التغـلغـل الصهيوني في فلسطين حيث ولد ونشأ، وحتى العـدوان الوحشي الأخير على لبنان حيث درّس وكتب وبحث وعاش وتوفي... 


بين النشأة والوفاة حمل نقولا زيادة ذاكرة كانت تعمل دون كلل ودون نسيان، ودون تفويت لأي تفصيل في الحياة اليومية، تسجل الأرقام والأيام والسنوات والأسماء والوجوه وتستحضرها في أية لحظة من لحظات المجالس والكتابة، صوراً ومشاهد آسرة للمستمع وللقارئ. 


كان مؤرخاً موسوعياً لأزمنة وأمكنة متعددة ومتنوعة ، بقدر ما كان صاحب ذاكرة حية غطت قرناً عربياً كاملاً من الأحداث والوقائع. 


منذ انتقل نقولا زيادة من مرحلة وطأة التاريخ القومي العربي، حيث عاش تأثيرات تلك المرحلة في اجواء الجامعة الاميركية في بيروت في الخمسينيات من القرن العشرين، الى مرحلة التأريخ للوقائع بشيء من "الحيادية" في مباحثه المتنوعة في التاريخ القديم والتاريخ الإسلامي والتاريخ اللبناني، تكوّنت لديه فكرة عن فلسفة التاريخ أخيراً، وهي أن لا فلسفة للتاريخ، ولا عبرة ولا درساً له... 


هذا ما وصل إليه أخيراً، وما حدثني به وما كتبه في يومياته (أيامي)، البشر لا يتعلمون من التاريخ، وإلا فما معنى تكرار الحروب وتكرار الأخطاء بشكل دائم؟! 


لقد طال صبر نقولا زيادة على الموت، فراوده ولكن دون ان يشتبك معه او يشعره أنه قريب منه، وظل في هامشه الواسع وكأن الموت بعيد عنه، وأنه على رغم الانتظار لم يجد سببا للقلق مما يحمله الغد، وإنما كان على طريقته المعهودة غير مبال ومستعدا للرحيل في أي وقت، وفي المقابل كان مفعماً بالأمل يعيش لحظته حتى التخمة ، ويدهشك في إصراره على الحياة، الحياة الكاملة وليس جزءا خاويا يلوك أيامه على كرسيه المتحرك، او على فراشه البارد تحت وطأة الهواجس الثقيلة. 


نقولا زيادة ندرك جيداً معنى رحيله في هذا الوقت بالذات، ولطالما، وهو القومي العربي الأصيل، ظل وفياً للناصرة والقدس وأم الفحم ونابلس ، ولم تبهره حياة المدن الأوروبية لينسى ذلك الماضي الجميل، كما لم تأخذه الثقافة الغربية عن أصالته فلسطينياً ، وإنما ظل في صميم حركة السياسة ممانعاً بقلمه وموقفه، وناشراً فكره التقدمي في عواصم الأمة العربية، التي غرس فيها مداميك راسخة عبر طلابه وكتبه وأبحاثه ومقالاته. 


نقولا زيادة لعله أكثر القامات العربية حضوراً في منتديات الفكر، فلم يفته مؤتمر للتاريخ او الحضارة، حيث كان المجلّي محاضراً ومناقشاً او خطيباً، يطوع له الكلام في انسياب شديد، وقد ظل مثابراً على حضوره الثقافي حتى وهو على كرسيّه. 


من الصعب جداً ان نعتاد غياب نقولا زيادة، خصوصاً في هذا الزمن الذي افتقد الكبار بقية السيوف. إن غيابه هو بحجم الحدث الكبير الذي رحل في أتونه، وتبقى فرادته في أنه ليس مؤرخاً كبيراً فحسب، بقدر ما هو مؤرخ ومفكر خلاق، مارس التأريخ من موقع المفكر، فرأى الى الحدث في تفاعله على مستوى الماضي، دون ان ينقطع استشرافاً على مستوى الحاضر الذي يستلهم منه. 


كانت فلسطين بالطبع في قلب هذه الفكرة إن لم تكن قلبها. في حياته الطويلة أنجز نقولا زيادة قائمة طويلة من المؤلفات وقائمة أطول من الأعمال. استاذ في فلسطين وهارفرد وبرقة وبيروت، عمر أكاديمي خصب لكن ايضا عمر سياسي واجتماعي لا يقل خصوبة. وأكثر من ذلك نموذج لممانعة قرن، وشهادة على قرون، ونمط من الرجال والحياة والسلوك لا مثيل له. سقطت حياة نقولا زيادة تحت المئة لكن عاشها حتى الثمالة وحتى آخر يوم. 


كان سعيدا بشيخوخته سعادته بشبابه. اما الذين عرفوه فقد رأوا كيف يبقى المرء حساساً لزمنه ولعصره مهما كان هذا العصر. الذين عرفوه ادركوا كيف يولد المرء ليكون مؤرخاً ولينجز تاريخاً او يسهم في صناعة تاريخ. 


كان ينقصه عام ليصبح عمره مئة عام... ويقضي قرناً بكامله، كان هو واحداً من الشهود الكبار له وعليه. نقولا زيادة، الرجل الموسوعي، لم يدع القلم يسقط من بين أصابعه حتى اللحظات الاخيرة.

وسنواته التسع والتسعون التي عاشها كما يجب أن تعاش، لم تحل دون توقد ذهنه وتماسك وعيه وقوة ذاكرته. فظل المرجع التاريخي الذي كانت تحسن العودة اليه ترسيخاً لحدث ما او تصحيحاً لخطأ وحلاً لإشكال مختلفٍ عليه. وكان هو دوماً العالم المتواضع، الرحب الصدر والمتابع الدؤوب لأي جديد في التاريخ على اختلاف أصنافه.


يكمن سرّ نقولا زيادة في جمعه بين الصفة العلمية والأكاديمية لفعل التأريخ والطابع «الحكواتي» الذي درج عليه في الآونة الاخيرة... كان عمله في حـقـل التأريخ، عمل أديب يهوى اللغة وجمالياتها وعمل أكاديمي، ذي منهج علمي، متين وواضح. ولذلك كانت قراءة كتبه محفوفة بالمتعة الأدبية التي لم تؤثر سلباً في منهجيته ورصانته العلمية.


جمع نـقـولا زيادة اعماله الكاملة فإذا بها تحتل ثلاثة وعشرين مجلداً. وعبّرت هذه الاجزاء المجموعة عن اتساع ميادينه في علم التاريخ ، كما في الجغرافيا والرحلات والعروبة والأدب والدين والفكر. 


لم يكن نقولا زيادة مؤرخاً، مجرد مؤرخ، بل كان واحداً من الذين صنعوا "علم" التاريخ، مرتكزاً على اختصاصه العلمي ومنهجه الأكاديمي وثقافته الشاسعة، الضاربة في أديم المعرفة الشاملة. ولعل وفرة المراجع التي كان يعود اليها تدل على مدى تضلعه في علم التاريخ والمعرفة. الا ان المؤرخ فيه لم يخضع للبعد العلمي الصرف والاسلوب الجاف والكتابة الرتيبة، بل كان مبدعاً في تأريخه، ذا نزعة أدبية بيّنة، ميالاً الى الأدب ولطائفه. وكان نصه التاريخي نصاً نثرياً، متين السبك، بهي الجمل، قوياً ومتماسكاً. وهذا الاعتناء بجمالية اللغة نابع من ذاته، هذه الذات التواقة دوماً الى الجمال والمعرفة.


رحل العلامة نقولا زيادة عن تسع وتسعين سنة، أمضى أكثر من سبعين منها كاتباً وباحثاً ومعلقاً ومحققاً ومترجماً. ولم يأخذه يوماً أي ملل او كلل، بل ظل منكباً على الكتابة حتى الرمق الأخير.


مات نقولا شاباً لأنه أبقى طفل قلبه في ملعب الحياة حتى الرمق الأخير. خانته قدماه. خانته عيناه. خانته مثانته، خانته رئتاه. لكن قلبه بقي وفياً لألق الفتوة، وبقيت ضحكته بحراً وردياً يغرق عينيه الرماديتين ويفيض وهجاً آسراً على ضيوفه. 


وبـعــد ؛

كان نقولا زيادة فـلـسـطيـنـيـاً بامتياز.

عاش راهـباً في محراب المعارف وكان صادقاً.

لم يحـتقـر شيئاً كما احتقـر الرياء والشهرة والثروة والمنافع.

فـلسطـيـنـه الضائعة بقيت في وجدانه حتى آخر نحـب من أنحابه.

أما حياته فكانت حرة ممتازة.

نـثـر بذور المعـرفة،

وكان قـنوعـاً بما زرع،  وبما حـصـد.


د. عبد القادر حسين ياسين


التعليقات




5000