..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
د.عبد الجبار العبيدي
.
رفيف الفارس
امجد الدهامات
.......

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


زواج أحمر في المكاوي

د. أسامة غاندي

كل شيء سار على ما يرام في خطبة صبيحة بنت ذنون على محمد القصاب,  الشاب الساكن على مقربة من بيت المخطوبة في المكاوي , لم يكن هناك من مشاكل نسائية في هذه الخطبة ولا قول ولا حكي ولا (لقلقة) من التي تصاحب الخطوبات مابين حاسد وشامت, وبين امرأة وضعت عينها عليها وبين شاب تقدم للخطبة ورُفض .

كل نسوان المحلة كانوا مستخطئين صبيحة ذات ال 25 ربيعا , التي فاتها القطار عدة محطات كما يقولون وكادت أن تدخل العنوسة من بابها العريض لولا هذه القسمة , شابة متوسطة الجمال قصيرة نوعا ما , أدمنت الحياة في بيت صغير لا تعرف شيئا خارج حدوده , غشيمة تحتاج الى من يعيدها الى البيت اذا خرجت الى البقال في الشارع لتشتري شيئا , كما احتاجت سابقا الى التذكير أكثر من مرة بان طاقية الرأس (العرقجين ) يختلف عن حمالة الصدر النسائية (الزخمة) .

 لكنها عجّانة خبّازة ومعدلة ونظيفة , وتصنع  كبة الجريش الكبيرة وعروق التنور الشهية , تسببت في أن ترفع الضغط عند أبيها ذنون ( أبونفس الدنيئة  ) أكثر من مرة فتراها يستيقظ من القيلولة عصرا وقد جحظت عيناه واحمرت أوداجه واختنق ,من أثر تلك الوجبة الدسمة , وتبعث أم صبيحة , أحد الاولاد ليستدعي  محمود الحلاق من ( رأس الكور) ويأتي محمود على عجل مع حقيبته الجلدية الحمراء (مال المطهرجية ) , وأول عمل يقوم به محمود هو حلاقة الرأس نمرة صفر , والى الآن لا افهم أنا شخصيا علاقة الشعر بالكبب ( الكبة ) , وان كان محمود يبرر هذا العمل بان الحرارة تأتي من الرأس سواءا تناول المريض العغوق ( عروق التنور ) أم تناول  . ويشعر ذنون بالراحة قليلا وينقد محمود الحلاق أجرة الكشف والمعاينة .بعد أن يُشبع صبيحة وأمها سبا وشتما (خلوقة ) :\\ ميت مرة قلتولكم لا تخلون طغف كثيغ \\ . ويأخذ طريقه الى المرافق (الادبخانة ) التي عادة ما تكون على السطوح والتي يحتاج الصعود اليها إعدادا مسبقا , ويصعد اليها عبر درج صغير مبني من الجص ململم يتسلقه الصاعد بالأيدي والأرجل خشية الانزلاق . لهذا اقتصر الصعود الى المرافق عند كبار السن والعجائز على أداء العمليات الثقيلة , أما العمليات الخفيفة فتتم عند الباب أو قريبا من الحنفيات . وحتى الثقيلة كانت تتم أحيانا في الأسفل خاصة في الليل والأجواء الممطرة , ذنون كاد ان يتزحلق على الدرج لان كثرة غسل وفرك الدرج من قبل صبيحة قد اذهب شكلها الهندسي وجعلها أشبه ما تكون بالوسائد (المخاديد ), وأيضا أمطر الانسة صبيحة بعضا من السباب والشتائم . باختصار فان صبيحة كانت (راسكوب) كما يقول أولاد صلاوي عن الساعات الرديئة .

كانت صبيحة من قسمة محمد الذي يعمل صانعا لقصاب في منطقة المكاوي , وكان شابا ممتلئا يرتدي الشروال المتسخ وقدعلقت به بقايا اللحم والشحم ,( وقوندرة لاستيك انشرمت احدى فردتيها من الاعلى الى الاسفل وخيطها بتيل مال الشبابيك) , ويحمل على الدوام مجموعة من السكاكين والمستحد الحديد معلقا بزنجيل بالحزام . محمد القصاب يصغر صبيحة بسنتين له مزاج بليد يركب الصعب من الأمور يسبح بالماء البارد في الشتاء القارص ويهوى مساعدة الناس في حمل الأشياء الثقيلة , و( سقيع ) تراه يحمل أي رجل عجوز يريد أن يعبر الشارع بدل أن يقوده بيده , ويتطفل في المساعدة , يريد أن يقلد هرقل وماجستي , يضحك لاقل حركة صبيانية تصدر من احد , لا اهتمامات حياتية بحدها الأدنى لديه , واشك ان لا اهتمام جنسي طبيعي أيضا لديه ,

طرحته أمه حين الخطبة على انه رجل مستقيم لا شرب لا جكاير لا لا لا , وانه لا يؤذي ذبابة ولا يستطيع قتلها , ولكنه في الحقيقة يصرع الحولي والعجل في المسلخ ( المجزرة ) , ويكتفه ويذبحه وسط هتافات القصابين وأولادهم , وغالبا ما يتطوع بمساعدة الحمالين في رفع أكداس الخشب من المخازن إلى النجارين الذين يكثرون في المكاوي دون أن يطلب منه ذلك أحد , ويرتاح الحمالون لهذه المساعدة ويستغلون هذه الطبع الذي يعرفونه , فيما يغتاظ استاده القصاب من هذا التصرف و غيره كمثل المرات التي يبعثه فيها لذبح الخرفان في البيوت والتي يتسبب بها في قلق اهل البيت حينما يترك الخروف مذبوحا (عالنص) بقصد التباهي , إلا أن استاده لا يستطيع الاستغناء عنه لانه أمين و لا يجد (هكذ اكديش ) سيما وان استاده مشغول باهتمامات أخرى( نسائية ) غير القصابة يترك بها الدكان .

فرحت ام صبيحة بهذه القسمة كثيرا لان صبيحة (حمضت عالقلب) وفرح الأقارب خاصة النسوان وراح الجميع يطرق باب فطومة الحفافة بانتظار يوم الزواج الموعود والقريب, حتى عمة صبيحة راحت (انحفت ) وفي مناسبات كهذه نشهد حفلات عرس جماعي حيث الجميع يتذكر شبابه وأيام زواجه , وعلى قولة المثل \\ الخنفساني تغشع الفرس رفع غجلو عند النعلجي هي هم ترفع غجله \\ .

فرحت المسكينة خديجة أم صبيحة بهذه القسمة وسارعت في اليوم الثاني للعقد الى الذهاب الى مرقد الشيخ فتحي لتقديم النذر والشكر لله الذي استجاب دعاءها وأعطاها مرادها . وأخذت معها دست (الشفتايات ) والكبب والدولمة التي (لزقها) أبو عبد خادم المرقد نيابة عن الفقراء وكان بها من الزاهدين . ورجعت خديجة تحضر لمستلزمات العرس .

يقع بيت صبيحة في الفرع النازل محلة الجماسة باتجاه المكاوي , وعلى مقربة منه يقع بيت خطيبها محمد الذي يقع في الفرع المؤدي الى مسجد البدش في الفرع العريض الذي يربط المكاوي بدكة بركة , ويقع مقابل المسجد بيت سعد الله الشيخ علي صاحب الحلويات المعروف والذي تمتهن عائلته هذه الصناعة منذ زمن , ومن المسجد نسير يسارا لنخرج على السنتر الرئيس لمحلة المكاوي , عند تقاطع الطرق الذي يذهب يمينا الى دكة بركة ويسارا الى الباب الثاني لجامع جمشيد ومن ثم قهوة السويدية ومحلة باب الجبلين , وشمالا الى حضيرة السادة وجنوبا الى منطقة راس الكور , في هذا المربع يقع جامع عبد الله المكي رجل صالح سكن المنطقة ودفن فيها وكان مدرسة دينية درس فيها عدد من كبار علماء الموصل . ومن سياج الجامع تخرج دكاكين , إسماعيل البقال , وبجانبه محل لتصليح البريمزات , ومن ثم رجل فحام في دكان صغيرة يعيش فيها و يعتاش منها يفترش الفحم في أقصى الدكان وكانت الدكان مظلمة طوال الوقت حتى في النهار ولم يكن بها تأسيس كهربائي على ما أظن , لهذا كان لا يبدو من الدكان الا بريق عيون هذا الرجل الفحام تلمع حينما تلفحه الشمس , وكان لا يتكلم ولا يتدخل يعيش على حب الله كما يقولون .هذا ما على الجانب الايمن من باب الجامع , أما علي الجانب الايسر , فهناك  ,وليد ابو الطرشي وكان رجلا ايدلوجيا يصب مجمل ايدلوجيته الحمراء في الطرشي التي يضعها في أواني فخارية كبيرة مكشوفة أمام المحل فيها الكثير من التوابل الحارة والحمراء, لكنها بالخل الطبيعي وغير مغشوشة ولا تحتوي على التيزاب ولا على حامض الخليك ولا على اليورانيوم المخصب التي نجدها في معامل الصحة والهناء والبركة . بجانب وليد , القصاب حميد , الذي ذهب فيما بعد ضحية الاغتيالات السياسية , . 


يقابله في الجهة الثانية بيت كبير قديم متهدم من الداخل استعمل كراج لعربات بيع الكاز, والتي هي عبارة عن احواض كبيرة اسطوانية مربوطة على شاصي حديدي يثبت على عجلتين كبيرتين , وتصبغ عادة هذه العربات باللون الأزرق الداكن . وعرباين الحمل التي يجرها البشر وتلك التي يجرها الحيوان وتسمى (الطنبر) وعبر الفرع يأتي صالح الاوتجي الذي كان على الدوام بالفانيلة لحرارة الجو وحرارة البريمز الذي يسخن (الاوتي) بعدما يرش صالح الماء من فمه على الحاجة التي يكويها . بجانبه معمل يونس للنجارة , ثم دكان ادريس البايسكلجي , ومن ثم حميد ابو الفشافيش , صاحب نكتة وسخرية وفهلوة ,  وصاحب كيف كما يقولون , يقابله تماما دار رؤوف النقيب الكبيرة التي تطل على الشارع عهدتها يسكنها الأكراد المهاجرون من أطراف الموصل من عقرة وغيرها لاختلافات عشائرية , كل عائلة تسكن في غرفة يتجمعون صباحا امام الدار في ازياءهم التقليدية الخاصة بالبهدينان والتي يسميها الموصليون (شالوشبك ) وكانت اعراسهم التي تتم داخل صحن الدار الفسيح موضع فرجة ومشاهدة ابناء المنطقة , ويطلق عادة على مثل هذه التجمعات داخل الدار الواحدة كلمة (طاولة ) . هذه الدار هي التي كانت سببا في انحراف الشارع الذي يبدأ من راس الكور مستقيما ثم ينحرف عند هذه الدار ثم يكمل مستقيما الى حضيرة السادة , وسبب انحرافه كما يقول العارفون أن حبيب افندي العبيدي مفتي الشافعية عارض ( قص ) الدار عند فتح الشارع وربما رأى ان قصه يتعارض مع الثوابت الشرعية بينما يتوافق مع خطط المدينة الحديثة . وتتكرر هذه المعارضة في مناطق اخرى مثل الانحراف عند حمام بور سعيد في دكة بركة وانحراف الشارع القادم من باب لكش باتجاه السرجخانة التي سببت خللا في حركة السير في الموصل في السنين اللاحقة , وأصبحت بموجب هذه الرغبات الشخصية الخارجة عن التنظيم والمفتقرة لروح المسؤولية, أصبحت شوارع الموصل عبارة عن لعبة (سلم وحية ) .

تعتبر المكاوي من المناطق التي شملها الاستقطاب السياسي وصبغها بصبغة ايدلوجية كانت بعيدة عن طابع اهلها وناسها . وكانت تسمى شارع موسكو بعدما ظهر منها بعض كوادر الحزب الشيوعي وناشطيه وبعضا ممن تعاطفوا معه . واعتقد ان هذه الصبغة مبالغ فيها وهي من وحي الخيال الخصب لبعض المتأولين الذين رأوا بعض الاحداث . والحقيقة ان رياح التغيير أتت على الموصل كلها بكل مناطقها كونها مركز حضاري مدني ومدينة تعج بالطائفين والزوار والتجار والثوار الذين ينقلون الافكار والتيارات , وما حدث ان الجميع تأثروا بتلك التيارات كما يتأثر الجميع بلعبة كرة القدم الا ان منهم من يختار ان يكون مع الزوراء ومنهم من يختار ان يكون مع الطلبة . وزاد من دراما الموقف ان ايدٍ خبيثة دخلت في إذكاء الصراع بين التيارات, لتصرفهم عن هم واحد هو بناء الوطن مثلما يحدث الآن تماما , وتحرك الصغار المغفلين من التيارين ليتصارعوا ويورطوا الوطن في معركة ليست معركته وتثنيهم عن الهدف الرئيس (كما يحدث الآن أيضا ) فيما يظل الكبار بعيدا عن الخطر وعن الساحة لكنهم قريبون من البورصة السياسية يبيعون ويشترون بالمصائر . ولا يخفى دور بريطانيا المستعمرة في هذا , ولا يخفى دور جواسيسها الذين اختفوا فجأة بعد حركة الشواف , وادت الى القطيعة الكاملة بين تيارين لا يختلفان في الاهداف والرؤى من تحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات . وهذه حقيقة اعترف بها فيما بعد كبار علماء الاجتماع السياسي .ولم تكن احداث الشواف المؤلمة الا اشغالا لهذه الجمهرة وقتل لتلك الروح النضالية والوطنية التي كانت قد بدأت تتشكل .

نعود الى بيت صبيحة وكل العمات والخالات مجتمعات لاعداد صبيحة لليوم الموعود وذهبوا معها الى حمام بور سعيد ومعهم امها ومعهم كل مستحضرات التنظيف ( الليفي وصوابين الحلب والكيل ..) ودخلوا الحمام صباحا وخرجت صبيحة ومن معها عصرا وقد اضحت حمراء (مثل الشوندر)من كثرة السبح . وفي بيت محمد الختن تجري الاستعدادات على قدم وساق لتحضير الحوش لليلة الحنة ( وجابوا القنبات من الجيران ومن كل بيت كرسي ) وقاموا بمسح الحيطان حتى تلك التي هي خارج الدار , وعلى احد الحيطان كتب احد البائعين الجوالين او احد المارة عبارات عشوائية مثل حليب حر وخبز من ابو سعيد , لان البيوت القريبة من هذا البيت كانت لبعض الجماسة وكانوا يبيعون الحليب كما كان بعض الخبازات اللاتي يخبزن في البيوت . والكتابة كانت سوداء سطرت بالزفت الاسود (دهن الخبنكات ) حاول الاخوان مسح بعضها وما زال البعض الاخر عالقا .وألبسوا محمد القصاب (الختن ) قميصا ابيض وبنطرون نيلي عريض نسبيا( لانه متعود على الشروال ) وقد حزقه بحزام جلد , ولان البنطرون غير ملتصق بجسمه فقد انزلقت ادواته الاحتياطية الى احد الجانبين , ورشوه (بخونو ) بالكولونيا المعطرة .

بعد المغرب كان مزاحم سهران مع بعض الشلة في أحدى الخرائب( عالماي ) يحتسون الخمر ويتبادلون الأحاديث الفارغة , ومزاحم هذا بائع متجول في سوق الهرج يبيع كل شيء بدءا من البيض والدجاج وانتهاءا باجهزة الراديو الخشبية , ورجل لا يجيد الا الشعوذة (والبيبختيه) وكان كلمة تجيبو وكلمة تودينو وبساع ينفخ . وكان حاقدا على اقطاعية سوق الهرج الصغار, لذلك كانت تثيره احاديث الزملاء اليساريين عن الثورة والابطال وتنفخه ويتبنى احيانا افكارهم التي تزول بمجرد( ان يحصل كم فلس زائد) ويعود ليستمع الى القوميين وهكذا , وربما كانت بعض الجماعات تريد ان تكسبه كبوق , وفي هذه السهرة الجميلة بالخربة يبدو ان الحديث كان عن الشيوعية وابطالها وشعارات الثورة , غادر مزاحم هذه الامسية معبئا في طريقه الى البيت في محلة اليهود , وكان عليه ان يجتاز الزقاق ( العوجي ) من دكة بركة مرورا ببيت عزيز الجماس ثم ينزل الى المكاوي ويدخل محلة المعاضيد ثم الى البيت , وصل مزاحم قريبا من بيت ( محمد) , الختن ( العريس ) الذين يقيمون في هذه الاثناء ليلة الحنة لمحمد (الكرم ) . وكان مزاحم قد اكمل ثلاثة ارباع البطل ( قنينة الخمر ) وأكل ربع كيلو فجل عليها ووصل الى دار محمد , هناك سمع صوت الغناء والزغاريد , وعلى الحائط قرأ ؟؟؟؟ حر و شع...ب سعيد , ولا ادري كيف قرأها ولم تكن بهذا السياق , كان يتراجع خطوة لكنه يدرك نفسه فيثبت , وضع اصبعه على صدغه وعيونه ترمش من السكر وتمنطق : \\ زين وطن حر وشعب سعيد \\ وحس الدنيبك والجمبارات \\ وبشارع موسكو ( يعني المكاوي ) ؟؟ هاي لازم اكو احتفال مال الشبيبة ( الشيوعية ) ودق اصباعة للصبح \\ , هنا هتف اخونا مزاحم بكل رجالات الثورة الحمر واللعنة على اعداء الثورة الزرق والخضر , ودخل المجلس وخنس صوت الدنبك وصمت الجميع .


فيما تحفز بعض القوميين من الجالسين وظن انها مؤامرة مقصودة ومبيتة سيعقبها محاولة اختراق المنظومات الكونية وان هذا استفزاز واضح واعتداء على حقوق الامة التاريخية , واندفع نحو مزاحم ولطمه وتحرك اخرون من التيار الاخر , وعلقت ( واشتغل دق النفاضات والبطولي مال الكوكا والكراسي بفلس ) , فيما سارع متطوعون اشراف الى استدعاء المدد القومي من راس الكور حيث الشباب القومي تلمهم في هذه الساعة قهوة محمود حياوي , واستدعاء المدد الاحمر من قهوة الحجار ومن طبلات الدومينة ,أو من حافات المياه والجرادغ , لكن مزاحم كان قد شبع دفرات وبوكسات ومحمد الختن يشترك في التهدئة مرة وفي الصراع مرة اخرى وتخرج سكاكين القصابين المدعوين لا لتطعن انما لتهدد فقط كما هي العادة . ووصلت طلائع الفتح المبين من كل الاتجاهات , ليأخذ مزاحم (قاط آخر من البوكسات من القوميين وبعض الشيوعيين الذين لا يعرفونه . فض النزاع وانسحب الجانبين وخرج مزاحم من البيت (وقد طاغت النشعة من الرأس ) في طريقه الى مركز الشرطة ليقدم شكوى ضد المعتدين عليه , وسار وهو يفكر أين سيقدم الشكوى , وقف بجانب دكان كيو البقال ذات الابواب الخشبية بجانب الفرع المؤدي الى المعاضيد يقابلها دكان احمد الصواف للبقالة أيضا . لا يزال مزاحم يفكر اين سيقدم شكيته . هل يقدمها في مركز شرطة النبي جرجيس وفيها مفوض مؤدلج ( يعني اكو فكرة بغاسو) ويخاف ان يقلبها الى قضية سياسية , ام يقدمها الى مركز شرطة الشيخ فتحي وفيها مفوض رأسمالي مسلكي لا يسمع الاخبار ( وكن دوخونو نسوان المحلي بالأكل البيّت , يحمونو ويخلون ماي علينو ويبعثوه له على اساس انو من غاس الدست ), ومركز الشيخ فتحي يقع في آخر الزقاق الذي يخرج على الشارع الذي يمتد من الخاتونية ويصل الى باب سنجار . في هذه الاثناء كان المفوض ممددا على سرير (قريولة حديد منسوج سطحها بالسبرنكات )يرتاح من تعب النهار وقد (صفق دست ايبرغ مفلش ) ( اكلة موصلية ) من أحد البيوت المجاورة للمركز حتما , ونزع حذاءه الجلدي الثقيل وفاحت رائحة الجوارب الصوفية وواصلت طريقها الى المخ فشكلت حالة مزاج (جرك ) فأخذ يتصور نفسه انه يقود اربعة من الشرطة ويحتل المركز العام ويقوم بانقلاب عسكري ويذيع بيان رقم واحد ( وينعل ابو الجزر وابو البزر ) واحلام وردية أخرى جبارة قطع تسلسلها دخول مزاحم الى مركز الشرطة ليشتكي , جعل المفوض يفيق من الحلم لكن بقايا النشعة والعنفوان لازالت في الرأس فنهض مزمجرا متوعدا \\ اشكو ...اشكو .... بس لا تقلي باقو بيتي ...كوي اشعلو لابوك \\ ( اي لاتقل لي أن داري سُرقت ) , لان سرقة البيوت دعوى حقوقية ومهنية لا تليق بعمل شرطي واشرجي , كما انها لا تجلب الى المفوض اي دخل قومي , والاهم ان المسروق يأتي عادة مجلد ( حافي ومفلس ) وليس هذا عمل الشرطة ولا اختصاصها انما اختصاصات منظمات حقوقية تابعة للأمم المتحدة , كما ان عملية السرقة ضمن المسؤولية الجغرافية للمركز تظهر ان المفوض زوج ( يعني مغفل بتعبير السوقية )) .

قصّ مزاحم قصته للمفوض دون ذكر ملابسات الحادث ولا متعلقاته الاخرى , ولم ينسى مزاحم ان يلمّح للمفوض عن السعر التقريبي لهذه الدعوى , لان مزاحم بايع شاري يدرك بفطرته المكتسبة نوع الحبوب والمقويات التي يتناولها مثل هذا المفوض لانعاش الذاكرة وخلق الهمة , فقال له \\ سيدي قلتو لو تعال خذ ربع دينار وكف عني \\ هنا فهم المفوض حجم التداول في سوق الاسهم وعقّب مباشرة \\ لا هذا كلب ابن كلب \\ وبعث على الفور شرطيا كان نائما ليجلب الجناة الى محكمة لاهاي .

كثيرا ما كانت تقوم النزاعات في المكاوي وتأخذ الطابع السياسي ويتشنج الفريقان . لهذا نجد كيو البقال يخبيء اعيرة الوزن الحديدية ( الكيلوات ) ومن ثم استبدلها بالحجارة , وتعبر المكاوي التي يتجمع بها عدد من الشيوعيين مناوئة لرأس الكور التي كان فيها المد القومي طاغيا , الا ان المكاوي محمية جغرافيا بعدة عوامل يجعلها منطقة شبه مغلقة , فتحاددها حضيرة السادة وهي المنطقة التقليدية للسادة الاعرجية وهؤلاء ذوو ميول دينية صوفية ليس لهم كبير اهتمام بهذه الحركات ولا عداء لها ولا تنافس , ودكة بركة من الجهة الاخرى منطقة اشبه ما تكون عشائرية , والجامع الكبير وباب الجبلين منطقة متعددة المشارب والاهواء . تبقى منطقة رأس الكور , وهذه يفصلها عن المكاوي عدد من البيوت والمحلات لساكنين من عائلات عريقة ووجهاء محترمين شكلوا ارض حرام بين المكاوي ورأس الكور ومنعوا الاحتكاك والتصادم . ففي هذا الشارع الذي يبدأ من رأس الكور الى المكاوي تتوزع دكاكين عي اليمين والشمال وبيوت , تبدأ الدكاكين من اليمين بدكان سالم الحلاق الذي كان يعمل ممرضا في المستشفى أيضا ثم دكان يونس ابو ذنون الاوتجي, وهو رجل مثال للخلق والطيبة ادركته المنية باكرا رحمه الله , ثم بيت السيد برهان ثم يأتي الفرع النازل الى دكة بركة وفيه بيت السيد حمدون الصوفي واخوته بعد الفرع تأتي دكاكين ستة او سبعة كانت احداها تستخدم كراجا لسيارات الصابونجي الخاصة ومنها سيارة الشوفر ليت البيضاء ويستخدمها ايضا حمدون الصوفي لايواء سياراته البيك اب , فوق هذه الدكاكين كان هناك شقق للسكن مبنية حديثا سكنت في احداها لفترة السيدة خالدة عبد القهار الناشطة السياسية المعروفة . بعد هذه الدكاكين هناك بيت السيد ذنون الملا جاسم , وهو رجل أهيب وقور يلبس ملابس عربية ويرتدي العباءة فوقها دوما وينتعل بالحذاء الاحمر يكشف عن رجليه تحت الزبون القصير, له اولاد دائبي الحركة والنشاط في المنطقة يحترمه الجميع , ثم بيت صغير يسكنه حازم سائق التكسي ( ختن يوسف الاحمر ) . يأتي بعده بيت ذنون ابو محمد التتنجي وعباس ويونس الشكرجي وابو حمزة وحازم التاجرين في سوق البقوليات . وكان هذا البيت اشبه ما يكون بالكمرك لانه بيت شكرجية , وكانت السيدة الفاضلة الام سخية وكريمة تغدق من الفستق واللوز ومنّ السماء والملبس والجكليت والبقلاوة وووو على كل من يدخل بيتها زائرا او سائلا او مستطرقا , وكان ابنها يونس مضرب المثل في الكرم وموضع التندر أيضا في هذا المجال , بعده الفرع الذاهب الى بيت غانم الجماس وعزيز الجماس ومن ثم الى دكة بركة .

فيما تبدأ الدكاكين من اليسار بدكان بقالية ثم دكاكين فاضل يستخدمها لشتى الاغراض \ بالات \ سندويج \ واخيرا استخدمها محمد علي ابو الكيك لبيع الطرشي والباسطرمة ثم دكان حاج محمد الخضارجي ثم دكان دلالية لموظف من الطابو اسمه عادل ثم دكان محمود الحلاق , وكان هذا الرجل الاعزب مهووسا بالنظافة الى درجة انه يمسح الجامات كل ثلاث دقائق ولا يتقبل الزبون الوسخ ولو اعطاه مال الدنيا وممنوع دخول الدكان لعمال البناء والصباغين وذوي الروائح الكريهة . بعده مدرسة البنات وتقع في الطابق العلوي ثم مخازن بيع الخشب ثم بيت فتحي الدهين او هكذا يعرف في المنطقة وهو رجل مستثمر عصامي يتصيد البيوت القديمة والخربات ويعمرها بنفسه طوبة طوبة ليبيعها او يؤجرها , وله ولع بالقضايا القانونية ومتابعة الدعاوى في المحاكم فظيعة والمطاولة فيها ويتمتع بها . ربّى من الاولاد من وصل منهم الى مراتب رفيعة . ثم يأتي الفرع الذي يسكن فيه اسطورة هذه المنطقة وديناصورها (الحاج يوسف الاحمر ) الذي قهر الزمن وقلب الروزنامة حيث عاش 103 سنة , اول سائق في الموصل قضى 56 سنة بالسياقة قبل ان يحصل في السبعينات على شهادة افضل سائق بلا مخالفة مروريه على مدى نصف قرن , كان يملك شاحنة دوج موديل الثلاثينات يعمل بها على خط البلدية \الرشيدية , ايام كانت الرشيدية قريبة من خط الاستواء . يحشر فيها الناس (بالبودي ) مع اغراضهم وسلعهم وحيواناتهم , ليس له سعر محدد للركوب ( على قد الفلوس يمشيك ) فاذا اردت ان تذهب الى الرشيدية واعطيته نصف المبلغ مثلا , ما يقول لا ولكن سوف يتوقف في القاضيّة وينزلك هناك . له هوس شديد بالمحاكم والدعاوي وله ثقة مطلقة بالقضاء العراقي يساوي ثقة الناخب العراقي الان بالطبقة السياسية . ثم ياتي بيت فتحي الفيلي , وأمام حائط هذا البيت كان يقف رجل عبوس كئيب اسمه بشير , ويضع أمامه صينية على محمل خشبي , فيها حلويات عبارة عن كرات صغيرة من الحلوى يشقها نصفين ويغمسها في دست الشيرة الموضوع أمامه ويضعها في طاسة بلاستيكية صغيرة بحجم هذه الحلوى , يقول أهل المنطقة عنه أنه يحمل ذكرى حادث مأساوي تعرض له لم أره يوما يتكلم . ثم يأتي بعده الفرع المؤدي إلى قنطرة الجان أو النبي جرجيس , وفيه بيوت محمد طاهر البطل والحاج رؤوف القهوجي وزوجته حمدية وكانت امرأة فاضلة مقعدة ولكنها مفعمة بالنشاط تدير البيت وحدها حيث لم يكن لها اولاد , وهي جالسة . بعد هذا الفرع ينحدر الشارع وتتراصف دكاكين متنوعة تنتهي بفرع ضيق لا يفضي الى شيء فيه بيتان سكن في احدهما الحاج مجيد كان يعمل قهوجيا في البلدية . ويستمر الشارع يمينا ويسارا لمحلات نجارة موزعة على الجانبين لتنتهي ببيوت هادئة تقع على الشارع العام .

هذا الفاصل الطبوغرافي فصل المكاوي عن رأس الكور وحدّ من المواجهات التي لم تكن الا تسميات لمسمى واحد اراد الاعداء ان يجعلوه اختلافا في العقيدة واختلافا اخلاقيا . دفع الشعب المسكين المتطلع للحرية والعدالة والرفه ثمن هذه الارادة . . 

عاد الشرطي الى المركز وقد جلب المدعوين ومعهم محمد القصاب أيضا من باب الاحتياط . وبادرهم المفوض \\ تعالو وركوم ليش تعتديتم على هذا \\ هنا اجاب أحد المدعوين وكان صاحب لسان وشرح القضية بما يوافق مزاج المفوض وعقله المحدود , وبدا على المفوض اللين الا انه يجب ان يؤمن الوارد فقال للمتكلم وهو يتصنع الانزعاج \\ زين ليش قلك خذ ربع دينار وكف عني ما قبلت \\ أجاب \\ سيدي انا اعطينوا سبع دراهم بس كان يلف الموضوع \\ هنا دخل المفوض في مزاد علني \\ لا لا اعمله نص دينار وغوحو اثنينكم قبل لا ابخر \\ وحلها المفوض بما يرضي الله ويؤمن الخرجية , وخرج مزاحم من تلك الحفلة خالي الوفاض من كل تلك الحفلة يلعن اليوم الاسود الذي مر به في تلك العوجي , وسار غير بعيد ليدخل بيته ويحتاج مرة أخرى الى مشروب .

محمد القصاب رغم ان فرحته لم تكتمل وبانتظار الدخلة في الغد الا ان الموقف البطولي للمناضلين استهواه ودغدغ نزعات النفخ والبوزة لديه وقال في نفسه بدل ان ارفع العجل واصرع البقرة واحول الكتل الصخرية من مكان الى مكان لماذا لا اسير مع هؤلاء الابطال وادافع عن المبادئ والقيمة (يقصد القيم ولكن لغته اللحمية لاتزال عالقة ) , واعتملت هذه الفكرة في رأسه ليجدها الاخرون فرصة للكسب في الشارع وهكذا اوكلت اليه مهمات دفاعية تليق بغباءه , فاصبح الرفيق محمد القصاب واسمه الحركي محمد لشّة واصبحت الرفيقة صبيحة ناشطة سياسية تقدم الدعم اللوجستي ( عبارة عن كبب وبرغل وعروق تنور ) للرفاق اثناء معارك التحرير . وبهذا الكسب تعزز الوجود السوفيتي في محلة المكاوي وارتفع حجم التنظيم الى مستوى كومينون قطري 


د. أسامة غاندي


التعليقات




5000