هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


إن موعدكم الصفا

جنان نعمة

على شكل نصف دائرة جلستُ أنا وشقيقاتي، وتتوسطنا والدتي بعدما رجعت من بيت الله الحرام لإداء فريضة الحج الواجب. وكانت هذه هي عادتها عندما تريد أن تحكي لنا حكاية أو تحدثنا عن حدث تاريخي اسلامي كحادثة الطف العظيمة أو حديث أصحاب الكساء أو قصة يوسف والنسوة اللاتي قطعن أيديهن.  في ذلك الوقت كنت بين سن السابعة والثامنة من عمري، وأتذكر جيداً  كم كنت متلهفة لمعرفة سبب ذهابها الى بيت الله الحرام، لانني كنت اشتاق اليها كثيراً  في فترة غيابها. وقد شنفتُ آذاني لسماعها  عندما شرعت في الكلام  عن أعمال الحج بطريقتها البسيطة الخالية بالطبع من فلسفة الحج وغاياته وكيف قامت بأداء مناسك الحج مستعينة بعد الله بوالدتها ووالدها الذين كانا معها في الرحلة. وقد نُقشَ وحُفظَ هذا الحدث في ذاكرتي الصغيرة وقتها كما حُفظت بقية القصص والحكايات والاحداث الاسلامية.  

وكان ابرز مافي هذا الحدث بالنسبة لي هو  قصة هاجر وبحثها عن الماء مهرولة بين الصفا والمروة  . وقد احببت هذه القصة حتى اني رسمت في مخيلتي الصغيرة  صورة للسيدة هاجر وولدها الصغير اسماعيل عليهم السلام وصنعتُ فيلم قصير لحركتها مهرولة بين هذين الجبلين وكيف ان الطفل اسماعيل وبعد اتمام امه المحاوله السابعه للبحث عن الماء كيف انه عبث بيده في صحراء الوادي  وبدأ الماء يتدفق من جوف الارض من تحت يده كما روت لنا والدتي .  واضافت  والدتي قائله : هذا كله من عند الله ان الله على كل شيء قدير  . اكثر من هذا السرد لم تكن تمتلك والدتي . كبرتُ وانا احمل في ذاكرتي هذه القصه وفي كل مرحله من مراحل عمري حيث ينضج تفكيري يطفو هذا  الحدث على سطح بحر  تأملاتي وبدون تخطيط مسبق وكأن شيء خارج عن ارادتي ، أتساءل مع نفسي لماذا حدث هذا ؟ وما هي الغايه ؟ هل على الحجاج  الهروله بين الصفا والمروه لان هاجر فعلت ذالك ؟  

سألتُ جدتي وهي كثيرة الذهاب الى مكه وجاء الجواب بسيطاً وسطحياً جداً .   اصمت فترة من الزمن ولكني اعاود السؤال مرة اخرى بعد مضي سنين  وكأني اسمع صوت ما في داخلي  يقول لا تقتنعي هذه هي ليست الاجابه الكافيه بل هناك الكثير  ويوجد ما هو اعمق واغنى والا  لما كان الله ليأمرنا به ويجعله  منسكا من مناسك الحج .  

 بدأت رحلة البحث الحقيقي عن اسئلتي بعد  ان مَنَّ الله عليَّ بفضله ورحمته بحج بيته الحرام. وعزمتُ على التزود  بمعارف الحج واحكامه واعماله قبل الذهاب لاداء هذا الفرض العظيم . وكان هذا المقال هو حصيلة البحث فيما يتعلق بمنسك السعي بين الصفا والمروه استناداً لكتاب الله والسنه النبويه واحاديث اهل البيت كما جاء في كتب التفسير  والكتب الاسلاميه المتوفره لدي . 

لقد أكد الله سبحانه وتعالى على ان  الصفا والمروه  من شعائرهِ  وشرع فيهما عبادة  حيث جعلهما معبدين يُعبد فيهم (( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ  ))

 ان الايه تبدأ بِ  ( إنَّ ) وهي تفيد التوكيد  لجذب  انتباه المسلمين على ان الله  يؤكد ان الصفا والمروه هي من شعائره وانها من معالم الاسلام ويُثَبتْ على انهما منسكاً يُعبد به بعد ان شك المسلمون  انهما  من مناسك الجاهليه وذالك لان كان هناك صنم على جبل الصفا  يدعى اساف واخر على جبل المروه يدعى نائله وكان المشركون اذا طافوا بها مسحوها , كما روي عن الامام الصادق عليه السلام  . فجاء هذا التأكيد من الله  انها منسكاً اسلامياً فلا اثم على من حج او اعتمر ان يطوف بهما . ومن اراد السعي تطوعاً اي في غير  نية الواجب للحج او العمره  سيشكر الله له ذالك.

وكذالك ان السعي بين الصفا والمروه فريضه كما روي عن الامام الصادق عليه السلام " السعي بين الصفا والمروه فريضه " 

 والشعائر جمع شعيره والشعيره هي العلامه فالشعائر هي الاعلام التي نصبها  الله لطاعته ليذكران بالله جل وعلا. وان الصفا  في اللغه هو الحجر الصلب الاملس والمروه هو الحجر الصلب كما جاء في الميزان للسيد الطباطبائي .  

إن تقديم ذكر  الصفا على المروه في الآية الآنفة الذكر ليس بمحض الصدفه فالقرآن دقيقُ بليغُ في تعبيراته وقد جاء هذا التقديم لتبيان مكانة واهمية جبل الصفا في شريعة السماء . لقد اكتسب هذا الجبل اهميته لانهُ  كان المكان الاول لانطلاق الدعوه الاسلامية حيث كانت بشارة الاسلام الاولى من هذا الجبل عندما وقف الرسول الاكرم عند جبل الصفا بعد ان  امرهُ  الله تعالى  ان يدعو للاسلام  ((وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)) وكذالك كان الصفا المكان الذي تجمع عنده المؤمنين بأمر من رسول الله صلى الله عليه واله في نهاية عمره الشريف  ليخطب بهم عندما دخل مكة فاتحاً حيث قال صلى الله عليه واله  "ان موعدكم الصفا  " 

ففي هذا المكان عارضوا دعوته وكذبوه وفي هذا المكان تجمعوا حوله وبايعوه لذالك كان لهذا  الجبل وقع كبير في نفس رسول الله صلى الله عليه وآله .


ان معرفة علة  تسنين التشريع السماوي لهذا المنسك العبادي لجميع خلق الله سبحانه وتعالى بما فيهم الانبياء والاولياء  وفهم واستيعاب المعاني والقيم  التي يحملها هذا المنسك الذي يحكي قصة هاجر عليها السلام  وبالتالي تعظيمه , هو  المدخل الرئيسي للتزود بالتقوى من هذا المنسك العظيم  بعد احداث الاثر في نفس العبد وهو ينتقل من مرحلة الى اخرى من مراحل  التكامل في سعيه  الى معبودهِ   

ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ

  وهذا هو المطلوب في هذا المقام.

ان ترك ابراهيم عليه السلام لهاجر وولدهما اسماعيل بهذا الوادي الغير ذي زرع وبأمر من الله انما يمثل الطاعه والتسليم الكاملين لارادة وحكمة الله جل وعلا  وهما الترجمان البليغ للعبوديه الحقه لله  التي كان عمادها الثقه والتوكل على الله سبحانه وتعالى.

لقد جسدت هذه المرأه المؤمنة بالله تعالى عبوديتها لخالقها ومالكها من خلال طاعتها لامر زوجها الذي هو أمر الله عز وجل حيث تُركت ووليدها في واديٍ صحراوي  لازرع  فيه ولا ماء تلفههُ جبال ذات احجار قاسية سوداء . 

ماالذي  يجعل أمرأة تركُن وتُسلم  لهذا الامر وتترك وراء ظهرها كل ما من شأنه حسب "الظاهر" ان يضمن لها ولوليدها الحياة ؟ !! 

انها الثقة بالله والتوكل عليه والتصديق بوعده (( إن الله لايخلف وعده  ))  حيث وعد الله نبيه ابراهيم  انهم  - هاجر واسماعيل - سيكونون في امنه وامانه  بعدما أمرهُ ان يخرجهما  فسأله  ((.... يارب الى اي مكان ؟  فقال تعالى الى حرمي وامني واول بقعة خلقتها من الارض وهي مكة )) 

 هذه هي الركائز والاعمده  الاساسية التي وقفت وثبتت عليها هذه السيده العظيمه والتي عززت صبرها في هذه المحنه  فقد سلمت وفوضت امرها الى الله تعالى . وفي الكفه المقابله اخذت هاجر  بالاسباب الظاهريه لمحاولة البقاء على قيد الحياة هي ووليدها حيث اعتمدت على قدراتها الذاتيه وقواها العقليه والقلبيه التي منحها اياها الله تعالى وبدأت بالبحث عن الماء ليبقيها هي وولدها احياء في عالم الملك  ولكنها في الحقيقه هي بحثت عن اليقين الذي احياها وخلّدها في عالم الملكوت  حيث جعل الله سعيها سُنة في هذا المنسك !!  

ان يقينها كان القوة المحركه لها  لان تبحث ساعية عن الماء ولو لم تكن تملك اليقين لكان اصابها اليأس والقنوط من المحاوله الاولى او الثانيه للبحث ولكنها عاودت الكْرّه ولم تقنط من رحمة ربها الى ان وصلت الى المره السابعه . انها كانت تترجى رحمة الله  بها وبولدها وكانت تُحسنُ الظن بربها.

 ان الله سبحانه وتعالى بينَ مكانة المرأه المؤمنه عندما جعل سعي هاجر عليها السلام سُنة . وبالايمان والايمان فقط يرقى العبد وترتفع مكانته عند الله تعالى حيث ان هاجر لم تكن سيدة ذات مال وجاه ومن عُلّّيةِ القوم بل كانت أَمه وقد هُديت الى النبي ابراهيم عليه السلام ولكنها اصبحت سيدة عظيمه لانها  ارتبطت بالله العظيم بأعتصامها وثقتها به وتوكلها عليه وصبرها على الابتلاء الذي اختبرها به الله تعالى

((إنما يوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب ))

وبذالك جسدت  هذه السيده العظيمه العبودية الحقه لله تعالى وقد كرمها ربها  بحملها وليداً يرث النبوه ثم ارتقت عندما  جعل الله مسكنها بجوار بيته الحرام  وبعد ذالك سَمَتْ ودُفنتْ عنده ويُظم قبرها مع الطواف لتكون مصداقاً لقوله تعالى (( إن اكرمكم عند الله اتقاكم )) 

هكذا يجب ان يكون سعينا في الحياة الدنيا في مسيرنا الى الله متوكلين عليه واثقين بقدرته جل وعلا مسلمين لاحكامه مطيعين لاوامره عالمين عاملين متيقنين غير شاكين ولا ظانين  آخذين بالاسباب الظاهريه كوسائل لحدوث المطلب فقد ابى الله  ان تجري الامور  الا باسبابها .

ومن الملفت للنظر ان كلمة السعي تتضمن هذه المعاني : الجد ,النشاط والمحاولة وهذا يعني ان هناك جهدُ يُبذل للحصول على المراد وفي هذا المقام المراد هو  لقاء الله جلا وعلا .  ((ياايها الانسان إنك كادح الى ربك كدحاً فملاقيه )) 

كما إن على العبد ان يتوسط كفتي الرجاء والخوف وهو يسعى في تكامله من اجل الوصول  الى معرفة ربه كما نفهم من حديث الامام زين العابدين  مع الشبلي حين سأله  قال عليه السلام له : أسعيت بين الصفا والمروه ومشيت وترددت بينهما ؟  قال : نعم قال عليه السلام له : نويت أنك بين الرجاء والخوف ؟ قال : لا  قال عليه السلام : فما سعيت ولامشيت ولاترددت بين الصفا والمروه !  

ولم أجد اروع ولا ابلغ  تعبير عن هذين النورين نور الرجاء ونور الخوف  في قلب العبد المؤمن  -كما وصفهم امامنا الصادق عليه السلام-  من قول امير المؤمنين وهو يناجي ربه في دعاء الصباح   " إلهي قرعتُ باب رحمتك بيد رجائي  وهربتُ اليك لاجئاً من فرط اهوائي "  

واخيراً لااجدُ خيرا من هذه الاية الشريفه لأُذكر بها نفسي في كل حين ((   ومن أرادَ الاخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ))  


جنان نعمة


التعليقات




5000