..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


النضوج الأدبي وانعكاساته التربوية في قلم الكاتبة المصرية سحر النحاس

د. عبير يحيي

النضوج الأدبي وانعكاساته التربوية في قلم الكاتبة المصرية  سحر النحاس  في مجموعتها القصصية /ضغط عالي/ 

دراسة نقدية ذرائعية مستقطعة تقدمها الناقدة السورية  د. عبير خالد يحيي 


أولًا- مقدمة: 


-" لا يهم الزمن .. فنحن من نصنع الزمن والتاريخ,  نحن نقدّم الحلم.. نعلو فوق السحاب .. نعانق الخيال, نعلّم الناس الإنسانية والحق والخير والجمال, والواقعية التي تتحدّث عنها لا تعني الانحطاط  بأخلاق الناس, أليس هذا ما أقسمت عليه ضمائرنا يوم اتخذنا من القلم مهنة ورسالة ومن الكلمة شرفًا وأمانة؟".


هكذا فهمت سحر النحاس الأدب, وهكذا قدّمته لنا... 


ولأن الأدب إبداع قِيَمي وأخلاقي, استغنى عن دلاله ولهوه ليقوم بمهام جسيمة, وتجنّد بطواعية ليكون في خدمة الأمة والمجتمع, واعتبرها أمانة ثقيلة تشبّثتْ في عنقه, حملها بكل نبل, ليدفع عن مجتمعه الجهالات والآفات الفكرية والأخلاقية الفتاكة, والتي تقوض بنيانه من القاعدة, إبداع تغلغل في أقلام رصينة ألقتْ بحبرها فكرًا مسؤولًا التزمَ الأدبَ إمتاعًا وتقنياتٍ ورسالة... 


إلى هذه الأقلام الرصينة المسؤولة ينتمي إبداع سحر النحاس... أُجمِلُها- وما أَجملَها- بسطور ...  من هي سحر النحاس؟


 


سحر محمد جابر النحاس


 


المهنة : محاسبة- بكالوريوس تجارة جامعة الاسكندرية- كاتبة قصصية وشاعرة وصاحبة مدونة شروق الشعرية, وصفحة حكايات أنتيكا الأدبي.


 


مساميرها على حائط الأدب:


 


1-   (حكايات أنتيكا) إصدار 2014


2-   ( حدث في كالكتا) إصدار 2016


3- حاصلة على مركز أول في مسابقة أفضل نص مسرحي عن المسرحية الاستعراضية ( المجد لأمنا كانكا ) بقصر ثقافة مصطفى كامل نادي أدب التذوق بالاسكندرية ( شهادة تقديرية من الهيئة العامة لقصور ثقافة غرب الدلتا)


4-   شاركت بعدة كتب جماعية نشرت من قبل دار الحكمة .


5- عضو بمختبر السرديات بمكتبة الاسكندرية, وعضو مؤسس بمبادرة(أكوا) الثقافية بالثغر, عضو بندوات الاثنين بقصر ثقافة الأنفوشي, ومنتدى المحكيات


ولديها تحت الطبع :


1-   رواية (أجينا)


2-   ديوان ( قمر في سمائي)


 


 


ثانيًا – المستوى البصري و اللساني الجمالي External and Linguistic Level::


 


يضمّ هذا المستوى مداخل الجوانب العينية والمنظورة في النص.


1- المدخل البصريExternal Trend :


 


·       العتبة العينية الأولى  الغلاف:


وسارع النص الأدبي باتجاه النص الموازي ( النص الأصلي مضافًا إليه العتبات), فأصبح النص الموازي مركزًا جماليًّا ومعرفيًّا  للنص الأصلي, يأخذه باتجاه الفن التشكيلي والتلوّن الطيفي, مما يجعل النص الموازي أكثر جمالًا وتزويقًا من النص الأصلي, وتلك حقيقة صناعية تثبّت جمالية النص الأصلي وتلقيه في سلة الثبات حين تخصص له مكانًا في باب ليوغرافية ( فهرست) المعرفة, وهو إضافة لا بد منها, أصبحت في عالم الأدب حقيقةٌ وثابتة من ثوابته وستصبح لدينا يومًا بعد يوم عمودًا مهمًّا رئيسيًّا في النقد العلمي حين يدركه الآخرون.    


الغلاف الأمامي والصراع اللوني:


صورة لوجه تغيب ملامحه بألوان الشحوب, الأسود والأزرق بتدرجاتهما, فقط الشفتان واضحتان ومحددتان باللون الأحمر, وهذا ما دلّنا على أن الوجه لامرأة, يداها تمسكان بالرأس من الأعلى والأسفل بإشارة واضحة إلى الألم والصداع المسيطر عليها, أعلى الغلاف, عنوان المجموعة ( ضغط عالي), (ضغط) بالبنط المتوسط وباللون الأزرق الغامق, (عالي) بالبنط الكبير وباللون الأحمر, إلى الأسفل منه وباتجاه الحاشية اليمنى ختم بالأحمر فوقه تجنيس العمل ( مجموعة قصصية), ثم في الأسفل من جهة الحاشية اليسرى الحرة مستطيل أحمر وبداخله اسم صاحبة العمل ( سحر النحاس) باللون الأبيض, بمحاذاته من جهة الحاشية الثانية شارة دار النشر ( النابغة) وتصنيف خاص بالدار ( سلسلة الإبداع العربي).


الغلاف الخلفي:


باللون الأزرق الغامق, صورة للكاتبة تالية للعنوان, وتحتهما فقرة سردية من إحدى قصص المجموعة ( حريم درغام).


اللون الأزرق:


من ألوان المجموعة الباردة, وهو لون الهدوء والصفاء, ويقلّل الهياج والثورة, ويعبّر عن الحساسية والحيوية, وهو أيضًا لون شفاف  يشير إلى الخوف, وفي علم النفس هو لون الناس الذين يميلون إلى الصراحة والإخلاص, وإلى الغوص في الأفكار الفلسفية مع إمكانية أخذهم لقرارات خاطئة.


اللون الأحمر:


هو لون الطاقة والنشاط والإثارة, وهو لون محفز, وفي الوقت نفسه يفسره البعض بأنه لون مجهد وعدواني, ونفسيًّا يرمز اللون الأحمر للجسد ومتعلقاته, للشجاعة والقوة والطاقة الإيجابية والدفء, والآليات الرئيسية للبقاء, حيث يسرّع اللون الأحمر دقات القلب وينشط الغريزة من أجل البقاء, كما أنه يرمز إلى الحب, ويرمز للانتماء, ويدخل في علاج حالات نفسية عديدة عند الأشخاص الذين يعانون من مشاكل أسرية أو الشخص المغترب الذي يحس بالوحدة بهدف تعديل شعور كل منهم حيث أن تردد موجة اللون الأحمر على الجهاز العصبي من شأنها تقوية روح الانتماء, وهذا هو سر فرش السجادة الحمراء للدبلوماسيين الذين يزورون بلدانًا غير بلادهم, الهدف رفع روح الانتماء للبلد التي يزورونها.  يستعمل  اللون الأحمرأيضًا كلون محفّز سلبيًّا لإثارة العناد والعدوانية.


اجتماع هذين اللونين معًا يمثّل توازنًا في معركة- بين كرّ وفر- غير محسومة النتيجة, وأرى أن الاختيار اللوني كان مناسبًا جدًّا لمواضيع المجموعة القصصية.


·       العتبة العينية الثانية هي العنوان ( ضغط عالي):


 جملة اسمية, المبتدأ (ضغطٌ) نكرة لأنه موصوف وهو مضاف, (عالي) صفة للمبتدأ مرفوع مثله بالضمة المقدرة على الياء, وحُذف الخبر لأنه دلّ عليه دليل. هذا العنوان  مفتوح على معان محتملة عديدة, فكلمة ضغط بمفردها تحتمل الكثير من التصورات على اعتبار تعريفها بأنها : القوة النوعية المؤثرة عموديًّا على مساحة سطح, وتأتي الصفة (عالي) ليحجّم بالوزن هذة القوة المؤثرة, هذا الضغط العالي يمكن أن يكون الضغط الجوي أو أي ضغط فيزيائي,  بينما صورة الغلاف تحدّد لنا مفهوم ( ضغط عالي) بارتفاع ضغط الدم عند الإنسان, سنجد أن معظم القصص أشخاصها موتورون بفعل تصاعد القوى الضاغطة على سطح حياتهم, وهو مفتاح فتح قفل باب الكاتبة المغلق, لنطل بعد فتح هذا الرتاج  على شيء من حياتها الخاصة وعندها نقف تحت ذريعة: أسرار الكاتب تتأرجح في  رأس قلمه. 


·       لم يكن هناك إهداء, وإنما جملة لافتة جدًّا هي  لوحة  تعريفية بمواضيع القصص  التي تسكن  المجموعة, والإهداء ثيمة للعرفان :


 


العلاقات العابرة


تصلح أحيانًا لنسج حكايات لا تنتهي


 


 


استوقفتني هذه الجملة  التي استهلت فيها الأديبة سحر النحاس مجموعتها القصصية هذه, فعرفت أنها تعمّدت أن تكون بعض النصوص فيها حكايات.


 


·       هناك استقبال في المجموعة, يأتي بعد الجملة تلك الجملة اللافتة, حيث استقبلتنا الكاتبة بخاطرة عنوانها( الملائكة لا يسكنون الأرض) تظهر فيها بوضوح تلك المعركة الشرسة الدائرة  في الذات الإنسانية بين اللونين الأزرق والأحمر التي أشرنا إليها سابقًا عند الحديث عن الغلاف, تقول :


" ماذا لو استيقظت ذات يوم وقد نبتت لك أجنحة أثيرية تحملك إلى السماء؟ وتخليت عن ذاتيتك المتوحدة بروحك, وطموحاتك المستعرة بأغراضك الدنيوية لتسمو بأخلاقيات ملائكية.. هل تستقيم الحياة ؟ ...."


سؤال في وجه إنسان أذهله التصوّر الذي ألقته الكاتبة في خضمّه, أن يكون ملاكًا! لن تتركه في ذهوله طويلًا, لكن ليس قبل أن تفرغ من طرح كل تساؤلاتها, وفي نهاية هذه الخاطرة تحسم الأديبة العميقة المعركة, قائلة:


" الحقيقة أننا لم نخلق لنكون ملائكة تمشي يظلّلنا الغمام, بل لنظلّ نلهث ونلهث مع أولى زفراتنا التي تعلن قدومنا في عالم مليء بالصخب والضجيج حتى النهاية ..."


تقرّر الأديبة نتيجة المعركة بنظرة تشاؤمية حزينة, لكنها بمقتضى الواقع المعاش هي حقيقة إلى أن نرى العكس, خلقنا بشرًا يتصارع فينا الشر والخير, والنتيجة أننا  خطّاؤون, والكثيرون  منّا لوّثتهم الرذائل حتى مجّتهم الأرض, فكانوا طغاةً بحق أنفسهم وبحق غيرهم, الملائكة فقط هم الأنقياء, والأزرق المخلص يكسب, كيف ؟ هكذا:


" ستبقى المنظومة العشوائية تحكمنا بسيادية مطلقة حتى تنطبق السماء على الأرض.... ويتساوى الجميع تحت الثرى, حاملًا كل منّا طائره في عنقه, ويئن جوف الأرض من ثقل خطايا البشر ورذائلهم بعد أن يصمتوا للأبد. وحدهم الملائكة من يرحلون للأعلى بدعة وسلام, تحملهم أجنحتهم البيضاء وقلوبهم النقية إلى الفردوس".


هكذا يصير الآدمي ملاكًا, عندما يرحّله الموت للسماء وليس إلى جوف الأرض, وطوبى للأنقياء...


·       تجنيس العمل: مجموعة قصص قصيرة, تتبع المدرسة الواقعية تحت نظرية الفن للمجتمع.


·       التراكيب والألفاظ: ألفاظ سهلة متداولة, تراكيب تراوحت بين القصيرة والمتوسطة مع بعض الأخطاء الإملائية والنحوية أوالمطبعية.   


·       أدوات التنقيط: تم مراعاتها بمستوى لا بأس, التنسيق المطبعي جيد,


·       عدد القصص 14 قصة, متفاوتة في عدد الصفحات بين بين الثلاث صفحات والعشر صفحات وما بينهما على مساحة كلية تبلغ حوالي90 صفحة من القطع المعروف للمجموعة القصصية .


 


2-  المدخل اللساني Linguistic Trend :


ندرس في هذا المدخل وحدات التحليل التالية :


·       الثقافة الأدبية الشاملة للكاتب:


 ومدى قدرته على توظيف مكتسباته الثقافية في مضمار عمله الأدبي, لقد استخدمت الكاتبة في هذه المجموعة بعض الألفاظ  تبرز ثقافة مهنية, منها على سبيل المثال في قصة الساحر والتي تدور أحداثها في استديو تصوير:


-         يبدو (اللوكيشن) كخلية نحل


-         في إحدى زوايا ( البلاتو) جلس يرتب مشاهد.


هناك أيضًا ثقافة شعبية نقلتها الكاتبة في بعض القصص منها مثلًا ما ذكرته بين هلالين في قصة صافرة الرحيل :


"ورنيش, تورنش, تلمع, أتاوة, الاصطباحة, المعلوم, البوكس, راكية حطب, مداسهم"


كذلك في قصة مانيكان نرصد ثقافة التجميل cosmatic :


" مانيكانات, الأتيليه, الماكياج, الماسكرا"


هناك أيضًا " النمكي" والتي تعني المهووس بالنظافة,


" تكعيبة العنب "


·       البنية اللغوية من مفردات وتراكيب وسياق:


انتقت الكاتبة ألفاظًا ومفردات سهلة ومتداولة, نظمتها بتراكيب تراوحت بين القصيرة والمتوسطة, دون أن تقع في أخطاء بالقواعد في ترتيب الجملة نحويًّا, فالجملة الفعلية جاءت بترتيب : فعل وفاعل ومفعول به أو حال أو تمييز أو صفة ...


لننظر إلى بعض هذه التراكيب, ولنتأمل في المفردات التي وظفتها الكاتبة في الجمل  لتخدم السياق الذي أرادته:


-         التقيت ذات صباح بجاري, أمام باب المصعد, وهو يهمّ باستقلاله للنزول إلى عمله, شرعتُ في معاتبته على رنين منبهه الذي يوقظ أهل الكهف إلا هو...


التقيتُ : فعل وفاعل( ضمير متصل)


ذات صباح : ظرف زمان


بجاري : جار ومجرور في محل نصب مفعول به


أمام باب المصعد: ظرف مكان


وهو يهمّ... : جملة فعلية في محل نصب حال


 الكاتبة راعت تمامًا هذا الاحتمال السحري الوحيد المقبول للجملة العربية, ولقد أصبحنا نرى تراكيب غريبة جدًا في بعض النصوص العربية, يُقدّم فيها الفاعل عن الفعل دائمًا من غير أسباب موجبة, أو المفعول به والحال والصفة عن الفعل, وكأننا نقرأ ترجمة فورية وحرفية عن اللغة الانكليزية, وهذا يفقد التراكيب العربية وقعها السحري وهو التركيب الاحتمالي الوحيد الذي يأخذه العقل البشري بشكل منطقي بعد تشفير الكلمات حسب نظرية المعرفة, فلكل لغة تراكيبها اللغوية التي إن فقدت ترتيبها السحري فقدت بنيتها.


·       البنية الإشارية ( الدلالة والمفهوم ):


وهي تدور في حلقة المفهوم, الدلالة تشير إلى المدلول, والمدلول يشير إلى المعنى, والمعنى يشير إلى المفهوم, نوضح ذلك من خلال خلال المثال المأخوذ من الفقرة التالية:


 


-         تشتدّ أعواد الصغار فينحني جذعها, يميل, يدنو من الأرض, يهبط الصغار بسلام, تضرب جذورهم في الأرض يزدادون عنفوانًا, تزداد انكسارًا, يجفّ جذعها ويتشقق, تسقط, يعفرّها التراب, عيناها دامعتان مثبتتان عليهم .. تضحك لهم.


هنا الدلالة هي (الزراعة )


المدلولات: ( تشتد, أعواد, ينحني, جذعها, يميل, يدنو, الأرض, تضرب جذورهم في الأرض, يزدادون عنفوانًا, يجف, جذعها, يتشقق)


المعنى: الرعاية,  التجذير, الترسيخ, النماء, اليباس, الهرم  ....


المفهوم : الأم


فالمفهوم يغلف المعنى: الأم ترعى أبناءها إلى أن تموت. 


فالمفهوم  أوقف مراوغة المدلولات بديناميكيتها الكبيرة, وهذا ما يوصلنا إليه التحليل الذرائعي تحديدًا, الذي يعتمد على تجاوز التحليل لدلالات النص بالمدلولات, لأن المدلولات تقف عند الحدّ السيمانتيكي, فتعتبر درجتها الدلالية عبارة عن متوازيات مترادفة لمعنى الدلالة, حتى يبلغ هذا التجاوز الركون عند المفهوم لإدراك المعاني المؤجلة عند المعنى الذرائعي, الذي يختزن اللغة الساندة التي تنتج عنها التأويلات المتعلقة في الخيال  والرمز, والتي تكون درجة تأجيلها إلى ما لا نهاية.  


        


·       البنية الجمالية ومتعلقاتها البلاغية – علم البديع وعلم البيان


هناك الكثير من الاستعارات والتشبيه نرصد بعضها:


-         العاصفة تقلع كل شيء تبتلعه في جوفها كدوامة.  تشبيه


-         المطر ينهمر غزيرًا من عينيها.       كناية


-         انسلخ النهار من الدجى وتنفس الصبح . استعارة  


-         تتعلق برقبة أبيها كقلادة يباغتهما الموج من الخلف      تشبيه


-         بوحي دموع سُكبت على الأوراق تئن منها المحبرة. استعارة


-         تعبّأتُ كقارورة أطفال مرتين, تحوّلت بعدها لجسد مستباح وروح مهزومة.  تشبيه


-         كنت أسمع عن الحب ولم أذقه, عرفت الكبت والقهر من التلظي بجوار جثة هامدة تلتهم جسدي, كطبق حساء تُرِك لزجًا بعد الفروغ منه. تشبيه


 


 


ثالثًا– المستوى النفسي Psychological Level


3-المدخل السلوكي Behaviorism Theory:


هي حالة من التداعي والاندماج بين شخصية الأديب والمتلقي, نتوصّل فيها إلى أعماق الأديب من خلال التساؤلات والإشكاليات التي يثيرها في نصه, وقد رصدت بعضها...


تساؤلات اجتماعية :


في قصة ( حريم درغام ) تسأل (ولاء) خطيبها الشكّاك سيء الظن:


" ماذا لو ساورتك شكوكك ونحن زوجان ؟" سؤال هام جدًّا بعرف المنطق والبصيرة, لو تطرحه كل فتاة على من تتهيأ للارتباط به بالرباط المقدس - وقد كان له من المغامرات العاطفية ما له, مهما كانت تحبه- لشهدنا انخفاضًا ملموسًا في حالات الطلاق, هذا السؤال يحتاج إلى إجابة عميقة تولّت القاصة الإجابة عنه على لسان الخطيبة (ولاء):


" وقتها لن أحتمل إهانتك الحياة بيننا لن تقوم إلا على الثقة المتبادلة, وأنت لن تثق بأحد بعد تجاربك السابقة, دعنا نفترق اليوم قبل غدًا" 


تساؤلات فلسفية:


في قصة (الليلة الأولى) , وبعد أن تقرّ بحقيقة الموت كفراق آت لا محالة, وبأنه الحقيقة الوحيدة التي لا تحتمل التأويل, تتساءل الأرملة :


".. ولكن ماذا بعد موتهم؟ ".


 تساؤل تطرحه لا لتستبين حالَ الفقيد, بل حال من فقدوه, حالَها هي تحديدًا, في البداية, كانت  إجابتها عن هذا السؤال إجابة ضبابية فيها ارتباك وخوف من مجهول من عالم جديد ستعيش به وحيدة, بفقد كامل لشخص اعتادته في عالمها, تقول:


" نقطة بعدها نتحوّل لعالم لم تستبن طقوسه الجديدة بعد.. تغيّر جذري لكل ما سبق واعتدنا عليه, فجأة أصبحت وحيدة ..بدون رفيق, رحل بلا عودة, فرغ العالم من حولي..."


بعد أن أخذتها صورة الزفاف التقليدية إلى ذكرياتها قبل أربعين عامًا, تغيّر إحساسها بمقدار الفقد إلى النصف, تقول:


" الآن فقط أحسست بغياب جزء مني, نصف لازمني طيلة عمري, نصف اقتلع من كياني وحياتي كثيرًا ".


 وتبرر سرعة تغير إحساسها بحقيقة أن الموت يولد كبيرًا ثم يصغر, وقد صغر عندها بسرعة.. بليلة واحدة! . 


 


رابعًا- المستوى الأخلاقي Moral Level


1-   التبئير الفكري:


إن المطلع على هذه المجموعة القصصية, سيجد أن الأديبة سحر النحاس هي أديبة حملت في أدبها المهمتَين الثقيلَتين (الإمتاع والرسالة), بوعي أخلاقي وإدراك إنساني ووجداني كبير, جعلت من الإنسان المأزوم بالصراع بين ضغوط الحياة والوجدان اليقظ والقيم الأخلاقية مادتها الرئيسية التي تغمس في دواتِها قلمَها, وتكتب به نصوصَها الوجدانية الرصينة, التي تدعو فيها إلى احترام الإنسان بقيمه الخيّرة, وتشير إلى مثالب المجتمع, و الشر والفساد المستشري في المؤسسات الثقافية والاجتماعية والقضائية والاقتصادية, تدين الرذائل والتحلّل الأخلاقي, كل ذلك يعكس أيديولوجيتها  الفكرية المستنيرة, حتى في القصص التي حملت تمرّدًا على التقاليد المستبدة كتسلّط الأم على ابنتها في قصة (امتثال), وبوح الأرملة بحياتها البائسة مع الفقيد في قصة ( الليلة الأولى) لم يكن التمرّد في هذه النصوص ريحًا عاصفة تدعو للعقوق والجحود, وتطيح بقيم الطاعة والبرّ والوفاء, بل كانت على العكس من ذلك, كانت زفرة لا أكثر, وعبر طرح أدبي بتكنيك راق, غير مباشر بالمجمل, ضمن إطار العصرنة, غلب عليه الشاعرية, وعبر تدفق سيل الوعي المثار بعتبة واقعية في الكثير من القصص, مثل ( وما توعدون, شارع المعسكر,النمكي, نور جيهان / تويتي, الليلة الأولى, المنبه, سلام عليك صديقي الغاضب....) استعرضت قيم الحنين والوفاء للأشخاص والأماكن, في قصة (الساحر) كانت المبادئ والمثل العليا  هي القضية الرئيسية التي تأزّمت حولها الشخصيات, أقتص من هذا النص هذه الفقرة الحوارية التي جرت بين المخرج الذي يطلب من المؤلف الرضوخ لرغبة الممثلة النجمة المشهورة بإضافة بعض المشاهد المبتذلة والألفاظ البذيئة, هذه القصة التي كانت بحق رسالة الكاتبة إلى مجتمعها, رسالة الأدب والأديب المعاصر الحقيقي إلى مجتمع العولمة الذي ضاعت فيه معالم الفن الجميل الراقي: 


هو ( المؤلف): "..سيحاسبنا التاريخ, فنحن مسؤولون أمام ضمائرنا عن تسفيه فكر الأمة وانحطاط أخلاقها".


المخرج: " فن! أمة! أفق يا عزيزي, إنك تهذي يا رجل, لم يعد هناك فن.. زمن الفن الجميل ولّى, نحن في زمن العولمة, كل شيء مقبول ومباح, نحن نقدّم واقعًا ملموسًا وليس عالمًا من الخيال, بحق السماء من أي زمن أنت؟


 


2-الخلفية الأخلاقية للنصوص أو الثيمة :Theme or Moral Background:


الثيمة التي طغت على كل مواضيع قصص المجموعة هي (الفقد), فقد كل غال وثمين,  فقد الأهل كما في  (صافرة الرحيل), الفتى المتشرد ماسح الأحذية الذي فقد أمه وأبيه وأخوته في انهيار منزلهم, ثم فقد حياته تحت قضبان القطار, أم تستشعر فقد ولديها لها في لحظة احتضارها في قصة( وما توعدون), الجار العجوز الذي يعيش وحدته, لكنه يقتات الحياة على ما يترامى إليه من قصص جيرانه من خلال منور العمارة, يفتقد زوجته وشبابه وحياته التي خلت من نعمة الذرية ومنها اقتص هذه الفقرة:


" وددت لو أن في العمر بقية من شباب وصحة لأتزوج مرة أخرى بمن تعيد الحياة لتلك الجدران الحجرية, وتملأ البيت بهواء ساخن محمّل بروائح الطعام الشهي في يوم عاصف, تسامرني في ليلة صيفية أمام التلفاز, فالمرأة نعمة لا يدركها إلا من افتقدها, مللت الوحدة ورياح الصمت تعصف بحواسي, أعد ما بقي لي من عمر وحيدًا..."


فقد الابنة الوحيدة كما في قصة ( نور جيهان/ تويتي), فقد الصديق ( سلام عليك صديقي الغاضب).


فقد الأماكن والحنين إليها وإلى أيامها الغابرة, كما في قصة( شارع المعسكر) والكلام عن بيع فيللا العجمي التي شهدت أيام الطفولة والشباب مع الأسرة, ثم كان قرار البيع:


" بكينا يوم الفراق وكأنما اقتطعت من أرواحنا, وقبل المغادرة أصر كل منا صغارًا وكبارًا على كتابة كلمة وداع على جدرانها وحوائطها, حتى غطّت رسائلنا الدامعة واجهتها".


 


خامسًا-المستوى الحركي في التحليل  Dynamic  Level


ندرس في هذا المستوى:


v   البناء الفني  وعناصره:


 


1-   العنوان : عنوان المجموعة سبق أن تكلمنا عنه.


أما عناوين القصص فقد تنوّعت بين العنوان المفرد المعرف ( المنبه, النمكي, الساحر, نورجيهان/ تويتي) والمفرد النكرة( مانيكان, امتثال) والجملة ( صافرة الرحيل, وما توعدون, شارع المعسكر, سر النوتيلا, حريم درغام, سقوط مر, الليلة الأولى, سلام عليك صديقي الغاضب).


 لم تكن العناوين كاشفة لمضمون القصص, وبذات الوقت لم تنفصل عنها, بل كانت تلخيصًا لها بانتقاء جيد ومدروس, بل كانت أول عنصر من عناصر التشويق, نذكر مثلًا (صافرة الرحيل, المنبه, مانيكان, النمكي, الساحر, الليلة الأولى ...) كلها عناوين قصيرة وجاذبة تشدّنا إلى استجلاء مضامينها.


2-  المقدمة والزمكانية :


 نتكلم هنا عن الاستهلال الذي برعت الكاتبة به من جانب عنصر التشويق, الاستهلال الذي تنوّع بين الوصفي, والزمكاني, هناك استهلال وصفي لحال البطل, كما في ( صافرة الرحيل, امتثال, حريم درغام, سقوط, سر النوتيلا, سلام عليك صديقي الغاضب) نأخذ مثالًا عن الاستهلال الوصفي تعريفي بالبطل :


قصة ( صافرة الرحيل) استهلال وصفي لبطل القصة ( ماسح الأحذية) وصف غير مباشر وإنما مسبوق بفعل حركي ( يضرب بعصاه القصيرة على صندوقه).


" يضرب بعصاه القصيرة على صندوقه المتهالك كوجهه الشاحب, يحمله طوال ساعات النهارعلى كتفيه النحيلتين"  


استهلال وصفي مكاني: نشهده في نصوص كثيرة, مثل ( وما توعدون.., النمكي, الساحر), من نص ( وما توعدون ..) استشهد بهذا النوع من الاستهلال:


" أسرّة متوازية, مصفوفة في حجرة كبيرة, تفصل بينها ستائر مُعتمة, أجسادٌ مسجاة على الأسرّة, موصولة بأسلاك كهربائية, ودوائر تلفزية...)


استهلال زماني: كما في نصوص ( شارع المعسكر, نورجيهان/ تويتي, الليلة الأولى)


من نور جيهان/ تويتي هذا الاستهلال الزماني:


" إنها الخامسة الآن


لماذا تأخروا هكذا !


لم يتبق على الميعاد سوى ساعتين فقط! "


وهناك استهلال زمكاني, كما في نصي ( المنبه, مانيكان) ومن الأخير استشهد :


" لم يكن من المعقول أن يغادر باريس عاصمة النور – بعد أن أنهى جولته المكوكية في أرقى بيوت الأزياء حاملًا من كل بستان زهرة ومن كل بيت أزياء قطعة ملابس أجمل من مثيلاتها- من دون أن يصطحبني معه,...".


 الزمان والمكان في النصوص:


 


 القصة القصيرة هي أقرب للتوغل في أبعاد النفس, و ليست مثل الرواية التي هي أقرب للتوغل فى أبعاد الزمان والمكان، لكن لا يعني ذلك أن القصة القصيرة لا تحوي زمكانية, وهي قصة الحدث أو الموقف اللحظي الذي يحدث في مكان واحد خلال زمن قصير نسبيًّا, وبين شخصين أوثلاثة على الأكثر, وبهذا الاعتبار نجد أن بعض القصص قد تمدّد فيها الزمن, تجاوز الأيام والشهور,  وتعددت فيها الأماكن, كما تعددت فيها الأحداث, بما ينفع أن تكون ملخصًا أوحبكة لرواية, نجد ذلك واضحًا في نص ( النمكي) الذي عدّدت فيه الكاتبة الأماكن التالية : مطار القاهرة, بيوت الأهل, شقة البطل, المقهى .... مع سرد الكثير من الأحداث بإسهاب, خلال زمن طويل, وهذا ما أخرجها عن الإطار القصصي القصير  وألقاها خارجًا عن حدوده ومجاله, كان الأجدر توخي التكثيف وهو من أبرز أعمدة القص القصير, تجنّبًا للترهل أو الحشو الذي قد يفقد النص رونقه السحري وأحيانًا هويته التجنيسية ك(قصة قصيرة), فكلما زاد التكثيف قلّ الحجم وزادت نسبة التفكير عند المتلقي.


تنوّعت الأماكن التي اختارتها الكاتبة في قصصها, محطة القطار, فاترينة عرض, مستشفى, عمارة, مول تجاري, غرفة نوم, استديو, فيسبوك....


 


3-  التشابك السردي :


صراع بين الشر والخير بشخصيات يصنعها القاص مستوحاة من السلوك الإنساني في المجتمع, تلتقي خيوط هذا  الصراع في نقطة واحدة ( العقدة) ومن بعدها ينقلب نحو صراع مغاير إيجابي يسعى للانفراج والحل والنهاية.


  طريقة بناء الحدث في هذه المجموعة القصصية :


استخدمت الكاتبة الطريقة التقليدية القائمة على التطور السببي المنطقي, مقدمة – عقدة نهاية كما في (صافرة الرحيل, المنبه, الساحر, حريم درغام, مانيكان, وداعًا صديقي الغاضب)


واستخدمت الطريقة الحديثة من لحظة التأزم, ثم العودة للماضي flashback مع الاستعانة بتقنيات تدفق سيل الوعي stream of consciousness والذكريات memories ( الليلة الأولى, سقوط, وما توعدون...) 


 


سردية الحدث:


استخدمت الكاتبة الطرق التالية لسرد الأحداث:


-         طريقة الترجمة الذاتية: ضمير المتكلم  بلسان الشخصية البطلة, استخدمتها في غالبية قصص المجموعة  ( المنبه, شارع المعسكر, مانيكان, النمكي, حريم درغام, نورجيهان, سقوط, الليلة الأولى, سلام عليك صديقي الغاضب)


-         طريقة السرد المباشر: ضمير الغائب بلسان السارد العليم( صافرة الرحيل, وما توعدون, سر النوتيلا , امتثال, الساحر)


 


4-   الموضوع:


تنوعت مواضيع المجموعة, ونجحت الكاتبة في جعل الأحداث والشخصيات تتحرّك في خدمة الموضوع, وكانت مواضيع القصص بالمجمل جيدة, مواضيع وجدانية محورها الإنسان, وتحديدًا الإنسان المأزوم نفسيًّا أو اجتماعيًّا, في البداية كان موضوع التشرّد والأطفال المشرّدين ( صافرة الرحيل) والآفات الكبيرة المرافقة لها من إدمان على المخدرات والاعتداء الجنسي والشذوذ والاستغلال وامتهان السرقة والتسول, ثم موضوع المرض والاحتضار( وما توعدون), موضوع الوحدة والشيخوخة( المنبه), الحنين إلى الأماكن( شارع المعسكر), الفساد بأنواعه في كل مجالات المجتمع الاقتصادية والأخلاقية والثقافية( مانيكان, حريم درغام, سقوط, الساحر), السطوة العائلية والخضوع لها (امتثال), وهدف هذه المواضيع خدمة الإنسان وتطويره بالاتجاه السوي, ومن هنا أستطيع أن أحدّد ثيمة النصوص, هي إضاءة قوية على قضايا الفساد في المجتمع, الفساد الاقتصادي والإداري والثقافي والفكري والأخلاقي, وكل هذا الفساد ينعكس سلبًا على الإنسان البسيط الذي يعيش في مجتمع حقُّه عليه أن يؤمّن له متطلباته للعيش بكرامة.  ولم أجد في النصوص ما فيه مخالفة للقيم والظواهر الأخلاقية والعرفية للمجتمع, وهذا يثبّت رؤية الكاتبة, ويعكس استراتيجيتها وأيديولوجيتها في رسالتها الأدبية والإنسانية.   


5-   العقدة:


نقطة التقاء جميع خيوط الصراع الدرامي وهي عقدة واحدة سلبية, تقلب مسير الأحداث وتنقل الصراع الدرامي السلبي نحو الانفراج.


إن عقدة القصة القصيرة الجيدة يجب أن تجيب عن سؤالين : وماذا بعد ؟ ولماذا؟ بينما نجد أن الحكاية القصصية البسيطة تكتفي فقط بالإجابة عن السؤال الأول.


العقدة عند سحر النحاس تأتي بعد سرد هادئ عاطفي طويل نسبيًا, ثم لا يلبث أن يتسارع متأزمًّا بأفعال متلاحقة لاهثة حتى تصل الذروة, ولكنها في غمرة هذه السرعة لا تنسى أن تتهيأ للإجابة عن سؤالَي المتلقي : ماذا بعد؟ ولماذا؟


في قصة (صافرة الرحيل) بعد سرد تجاوز الست صفحات, نجدها تبدأ بتجميع خيوط الحبكة, ثم تعقدها  هكذا:


انتابه الفزع, ( لماذا ؟)  فكم مرة ألقي به في الحجز, وحرّرت له محاضر تشرد, وانتهكت طفولته على يد العتاة من المجرمين وزبانية الأقسام.


انتشل صندوقه وعلق جرابه ( ماذا بعد), وأطلق ساقيه للريح( ماذا بعد).


سقط صندوقه على رصيف القطار ليستقر على إحدى القضبان ( ماذابعد)


قفز وراءه, تعثرت قدماه( ماذا بعد).


صيحة مروعة هزّت أرجاء المكان ( لماذا؟)


ورغم أن البعض بات يرى أن العقدة لم تعد من عناصر القصة الهامة, إلا أن هذا غير صحيح, فمع تطور فن القصة بقي عنصر العقدة أداة قوية لتشكيل لحظة التأزم داخل النص, يدخل فيها عنصر التشويق ويحتلها احتلالًا لإجلاء الإبهام المحيط بها, ما يخلق لذة جمالية, بالنتيجة, الأعمال القصصية الخالية من العقدة هي أعمال فيها نقص كبير يخلّ بتكامل كيان العمل الأدبي, لأننا لن نشهد فيه انقلاب نحو الانفراج والحل.  


6-  الانفراج:


يتضّح من خلاله مصير الشخصيات التي تعاني من ضغط وقساوة العقدة في حدث الذروة, وقد يسميها البعض النهاية وبذلك يرفعون شأن النهاية كونها جزءًا أساسيًّا من صلب القصة القصيرة.


في قصة ( مانيكان ) يبدو الانفراج جليًّا بعد موت صاحب المحل منتحرًا, يتوضّح مصير الشخصية البطلة ( المانيكان) بالانتظار:


" وها نحن أنا وباميلا بانتظار بيعنا ضمن منقولات المتجر في مزاد علني لنرى من المشتري القادم" .


 


 


7-  النهاية:


النقطة التي ينتهي فيها الحل, وتستقر عليها الأحداث, ولا يقع خلفها أي حدث, وهي لحظة التنوير النهائي للعمل القصصي المتماسك, وفيها الكشف النهائي لأدوار الشخصيات وتأثيرهم على المجتمع, النهايات المفاجئة غير المنطقية والمقحمة وغير المقنعة تكون بمثابة الجسم الغريب الملصق بالعمل القصصي, فالإقناع – بالدرجة الأولى- هو العنصر الأساسي في أي عمل فني جيد, اعتمدت الكاتبة على نهايات بعض القصص على المفارقة اللفظية, مثال على ذلك في قصة ( وما توعدون) :


تتلاشى تبتسم, ومن حولها يبكون


كما اعتمدت ( التدوير) كما في قصة ( مانيكان) حيث أعادتنا إلى حدث جاء ذكره في متن السرد, بالإضافة إلى التلميح إلى صفة ( عدمية الحركة ) بين العنوان ( مانيكان) وبين فعل الفتى المتسمّر:


"... بينما ذلك الفتى الأسمر ذو الثلاثة والعشرين ما زال يراقبني من بعيد, وما زال متسمّرًا في مكانه".


كانت هناك نهايات مفتوحة على تأويلات عديدة وضعتها الكاتبة في عهدة المتلقي..


كما في صافرة الرحيل :" صيحة مروعة هزت أرجاء المكان, لمع اسم الجلالة في السماء".


بعض النهايات كانت سعيدة ك نهاية الرجل العجوز الذي حظي بعائلة جديدة هي جيرانه


في قصة ( المنبه) : " رغم صخب المنبه, الذي أطاح بسكون عالمي, غلا ان عائلتي الجديدة ومنبهها الجديد منحاني ترياق الحياة , وكأنني عدت لنفسي بعد تيه..."


وبعضها كانت تراجيدية كما في قصة ( نور جيهان) حيث نكتشف أن الأم تحتفل بعيد ميلاد ابنتها التي توفيت قبل عام:


" امتلأت عينا زوجي دموعًا وهو يمسح على رأسي المتجه صوب صورتها على الحائط .... احتضنني بقوة :- هوني عليك غاليتي.. أنا مثلك لا أصدق أنه مضى عام على فراقها منذ حادثة اليخت المشؤوم".


8-  الحبكة   


لا يكتفي القاص المبدع بنقل المشاهد التي توضّح أحداث القصة, بل لا بد له - وهو يكتب عمله الإبداعي - من أن يتقن صنعة الكتابة, أن يولّد العاطفة, لا يكتفي بذلك بل أن يديرها أيضًا, يتزوّد بأدوات الكتابة التي تمكّنه من دمج الحبكة ( الأحداث) ورسم الشخصيات وتوليد العاطفة لتكوين قصة مؤثرة ذات معنى, ولا بد له أيضًا من أن يحقق أهم وظائف الحبكة وهي إثارة الدهشة في نفس القارئ, فيختلف عن الحكواتي الذي يحكي حكاية, فالحكاية تثير عند المتلقي حب الاستطلاع فقط, وفرق كبير بين إثارة حب الاستطلاع وإثارة الدهشة من حيث التأثير الفني, ثم هناك مهارة تتعلّق بمبدأ (السببية) في بناء الأحداث.


استطاعت الكاتبة أن تسلسل حوادث قصصها تسلسلًا متوافقًا منطقيًّا مع النتيجة, وذلك إما عبر الصراع  بين الشخصيات, كما في ( حريم درغام, الساحر, امتثال), أو بتأثير الأحداث الخارجية كما في ( صافرة الرحيل, وما توعدون, الليلة الأولى...)


كما تمكّت وببراعة من توليد العاطفة وإدارتها, وعلى سبيل المثال لا الحصر, نجدها في قصة( نورجيهان ) تحمل المتلقي على التعاطف مع الزوجة التي تتعقب الأمومة, حتى وصلت لقرار التلقيح الصناعي, والزوج الذي لم يدخر مالًا ولا جهدًا في سبيل تحقيق هذا الحلم,  الأبوة, تغذي هذه العاطفة باستمرار الحديث عن  الأفعال والأحداث  والمشاعر والحالات النفسية المرافقة لهذه الحالة وظروفها.


تقول :


"تسارعت نبضات قلبي عنفًا وصخبًا, وبهت وجه زوجي رغم كل محاولاته للتماسك أمامي, لم تستطع قدماه أن تحمله, فهوى على المقعد المقابل لي وشفتاه ترتعدان خوفًا وطمعًا, ولا يكف لسانه عن الابتهال والترجي....."


لم تعتمد على عامل الصدفة والقدرية, بل اعتمدت مبدأ السببية في بناء الحبكة, وأيضًا كمثال لا الحصر, نجدها في قصة ( حريم درغام) تطلعنا مسبقًا على الأسباب السيكولوجية  والسلوكيات المؤهبة لفعل الخيانة وانعدام الوفاء عند ذلك الدرغام المدعو نبيل, شاب عبث مع كثيرات, من المنطق أن يكون شكّاكًا وغيورًا و سيء الظن بخطيبته, فيتهمها بأنها تلتقي بحبيبها السابق في المتجر, وبأنها خبأته في غرفة القياس عندما سمعت صوته, ليطّلع بعدها على الحقيقة من أختها وأمها اللتين كانتا برفقتها, وهي أنها كانت تعدّ له مفاجأة وتجهز فستان الزفاف, ذات المبدأ الذي يجعلنا نقتنع بالنهاية المفاجئة وهي استجابته المباشرة لغواية صفاء التي التقاها في ذات المتجر وفي اللحظة التالية لافتراقه عن خطيبته ولاء التي أصرت على فسخ الخطوبة :


-" حسنًا أيها الوسيم, ذهبت ولاء, هل تصلح صفاء؟!"


- " ولمَ لا! هيا يا عزيزتي.. كلكن في الظلام صفاء".


9-  الشخصيات :


الشخصية الرئيسية:


انتقت القاصة شخصياتها المحورية بدقة سواء الواقعية أو الخيالية, لتكون الوسيلة التي تنقل القاصة من خلال آرائها وأفكارها المشهد الذي تريد تصويره, ونجحت في جعلها تستقطب اهتمام المتلقي وهي تؤدي الدور المناط بها بقيادة مجرى القصة العام, وهي شخصيات متنوعة, مبتكرة في بعض القصص كما هو الحال في ( مانيكان), وشخصيات مهمشة كماسح الأحذية في ( صافرة الرحيل), والعجوز في قصة المنبه, منحتها القاصة استقلالية في  الرأي كما منحتها حرية الحركة داخل مجال النص القصصي وجعلتها تتحرك وتنمو وفق قدراتها وإرادتها, رمت بها في ساحة صراع اجتماعي واقتصادي و فكري ونفسي, ترقب انتصارها وانكسارها  كالأرملة في  قصة الليلة الأولى-  المرأة في قصة سقوط,  نبيل الدرغام في قصة حريم درغام, المؤلف في قصة الساحر-  الشاعر في قصة وداعًا صديقي الغاضب....


طريقة عرض الشخصيات:


استخدمت الكاتبة طريقتي العرض المعروفتين :


-         الطريقة التحليلية :


 طريقة مباشرة, ترسم القاصة ملامح الشخصية من الخارج وتذكر تصرفاتها وعواطفها وأحاسيسها بصريح العبارة كاشفة للشخصية, وتوجيهها لها بما يخدم حاجتها, كتقديم ماسح الأحذية في ( صافرة الرحيل) وهناء في قصة ( امتثال) 


-         الطريقة التمثيلية:


 وهي غير مباشرة, تتنحّى فيها القاصّة جانبًا, متيحة المجال للشخصية لتقوم بتقديم نفسها والقيام بوظيفتها الفنية بمعزل عن التأثيرات الخارجية, وهي الطريقة التي استخدمتها القاصة في معظم قصص المجموعة. 


 


v  البناء الجمالي وعناصره:


المكملات الجماليات التي وجب أن تكسو البناء الفني  للعمل الأدبي, حتى يصبح كيانًا أدبيًّا متاحًا للتلقي والتداول.


1-  الأسلوب Style:


الأداة اللغوية التي ينقش بها  الأديب السرد والوصف والحوار, والأسلوب هو الذي يحوي العمق السردي  والانزياح نحو الخيال والرمز والجمال, وهو بصمة الكاتب وتكنيكه الذي يميزه عن غيره


بأسلوب واقعي  كتبت الأديبة مجمل قصصها, مع بعض الجمل التقريرية التي قادها إليها الإسهاب, منزاحة بشكل متوسط نحو الخيال وخالٍ من الرمزية. تاركة للشخصيات فرصة كبيرة لتتحدّث بلغتها ومستواها الفكري دعمًا للمنطقية والواقعية والصدق.


2-   السرد Narration:


أجرت الكاتبة السرد بالطريقة المباشرة على لسان السارد العليم ( ضمير الغائب), كما استخدمت طريقة الترجمة الذاتية بلسان الشخصية المحورية أو شخصية مشاركة ( ضمير المتكلم).


3-  الحوار Dialogue:


مُستَخدم لأداء وظائفه بالتخفيف من رتابة السرد والكشف عن الأفكار وآراء الشخصيات, وإظهار سويتها الثقافية, أدارت حوارات باللغة الفصحى كما في قصة ( الساحر) وقصة ( وداعًا صديقي الغاضب ) ومنها المثال :


يسألني صديقي دومًا :


-" عما أكتب اليوم؟ الآن لا أدري عن أي حديقة أكتب, فكل الحدائق ليست غوطة دمشق أو حدائق بابل المعلقة"


-" إذن اكتب حنينًا"


 


وحوارات أخرى باللهجة العامية مثال في قصة النمكي:


-         خلاص بقى صافي يالبن؟


-         خلاص ياستي هدية مقبولة.


 


  وزاوجت بينهما كما في قصة شارع المعسكر:


صرخت بوجه السائق: ما هذا يا رجل ؟ هل أنت أصم؟


يخرج رأسه من النافذة وعلامات الغضب تقفز من عينيه شذرًا: انتي بتعدي الشارع وانتي نايمة؟ فوقو بقى حتودونا في داهية ..... ماليتو البلد.  


 


4-  الوصف والصور:  


وهنا يلتقي الأدب مع الفن, مع الرسم والموسيقا, فيرسم صورًا بالكلمات بدلًا من الريشة, ويعزف أيضًا بالكلمات مستعيضًا بها عن النوتة, هذه بعضها, اما الاستعارات والتشبيه فقد عرجنا عليها في المدخل اللساني:


 


-         عدسات تقتنص اللحظة


-         اختلطت عليّ ملوحة الموج بدموعها المتسربة مع حلاوة ضحكاتها الأولى.


-         تهدمت وتساقطت الأحجار باكية محملة بذاكرة أيام كانت يومًا جزءًا من أعمارنا


-         هو فقط من يستقطب روحي الشريدة في فضاء أزرق


-         ازدادت سطوة الأم على الخطيب, وراحت ترصف العراقيل في ممشاه.


-         آمال قديمة طُمِست بذاكرة عمر منتهي الصلاحية.. يوم جديد يتنفس, يعلن قدومه


-         أفكارك تقتات بها روح الأمل لدي, كل فكرة / قصيدة هي مفتتح بهاء يومي, من غيرها أفقد يومًا كما فقدت وطنًا.


-         كنت أمتطي صهوة فحولته بجبروت أنثى ظمئة, لا تحدّها شرائع, ولا يشبع نهمها محيط.


-         وتغيّر مُقامي من محبس إلى محبس آخر, كنت أظن مبتغاي وخلاصي, فسرعان ما تبدّدت سحب أوهامي .. فهذا مثل ذاك " رجل" يملأ المكان صخبًا, فيدرك الجميع أنني بظل حائط


-         يقولون أن الصور هي حبس للضوء, هي حبس للذكرى, حبس انفرادي للروح القديمة مع كل ما مضى, وأنا أريد لما يمر أن يموت


-         كرهتُ أنفاسي اللاهثة وراء حقيقة لم تُكتشف أستارها, ولم تُفك أحجيتها إلا حين التقيته.


-         أعلم أن إكرام الأمر دفنه كما ينبغي.. فلا أحد يرغب أن تُدفن سيئاته معه.


 


التجربة الإبداعية عند الأديبة سحر النحاس:


هي قاصة تتقن بناء المشهد بكل عناصره, المكان والشخصيات والحوارات والانفعالات, ولا غرابة في ذلك إن علمنا أنها تكتب المسرحية بكل عناصرها كنص مسرحي ( من حبكة وشخصيات وفكر ولغة), وتعتني بوصف التفاصيل المرئية, وإن كانت القصة القصيرة لا تستوجب ذلك, عندما تطلق خيالها عبر المونولوج تتكاثر في فضائها سحب الجمال والشفافية, وهي بهذه الناحية مؤهلة لكتابة الرواية بمستوى ملفت, كاتبة وجدانية بكل مواضيعها. أبارك لها هذا الإصدار, وأتمنى أن أكون قد وُفّقت في الوقوف على محطات رئيسة في مجموعتها هذه, ونجحت في سبرٍ معقولٍ لأغوارها, إن قصّرت فمن نفسي, وإن وُفّقت فبفضل الله وعونه.


 

د. عبير يحيي


التعليقات




5000