..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


آهٍ ، نجــاة ..

زيد الشهيد

 نستقبلُها بشغف الملهوفين ، وتلتهم عيونُنا الرابضة فوق الحُجرات الطينية أو على الدكّات الأسمنتية وجهَها المبتسم حدَّ الوله .. تضحكُ لنا من وراء الأفق فتتولّى رموشنا مهمّة الرد باهتزازات خاطفة . هي الشمس ونحنُ الصبيةُ الرُعاة  . مواشينا في عهدتنا ، ونجاة كالشمس تبهرني بطلعتها . كل صباح أنتظرها عند الشريط العشبي , خلفَ الروف .. أعاتبها إنْ تأخرتْ فتضحك , وفي كلِّ مرَّةٍ تُجيب : أنتَ في الثانية عشرة وأنا أسبقك بثلاث سنوات , أنتَ ولد وأنا بنت , أنتَ تنهض من نومك وتأتي بأغنامك , وأنا أنهض من نومي فآتي بالماء من الساقية , وأجمع الحطب وأغسل صحون الشاي وأقداحها , وأشعل نار  الموقد  قبل أن آتي بالشياه من خلف الدار وأجيء إلى هنا .. نذهبُ إلى حيث النخلة المنتصبة قريباً من الشريط الرملي المحاذي للنهر فنجلس في ظلها .. أنظارنا تطالع الفرات , وتمسح الضفاف ثم تستقر على طيور تقف عند الجرف , تثير فضولنا بأشكالها البيض ومناقيرها الطويلة , وسيقانها المستدقَّة . تقول نجاة : عجيب أمر هذه البجعات لا تأتي إلا في الربيع , ولا تأكل إلا السمك , هي مولعة في الرحيل وتطير لأي ما مكان تستأنس فيه .. نعدو إليها لكنها تطير عند اقترابنا . تصفق بأجنحتها وتروح محلقة صعوداً إلى السماء , مستحيلة كتلاً ضوئية تندفع ببريق آخّاذ .. ينكمش وجه نجاة وتضيق عيناها , وكالحالمة أسمعها تهمس : انظر إليها , طيور حرة ترفض أن يمتلكها أحد , بل هي تملك الدنيا كلها .. ألا تحب أن تكون طيراً ؟.. أخلع ثوبي ونعليَّ واندفع إلى الماء وأرتمي .. أقول : أحب أن أكون كالسمكة , هكذا أعوم .. تعالي معي نزيل لدغات البعوض ولسعات الحرمس , وتراب وسائدنا الغبراء .. تعالي يا نجاة , تعالي لا تسخري مني _ أنتِ تحلمين بالطيور والطيران , وأنا أحلم بالنهر وأسماكه , أغوص معها وأصاحب أسرابها , أبحث عن قواقع الأعماق , وألاحق السلاحف السابحة بمجاذيف أقدامها القصيرة . تعالي يا نجاة , تعالي .. تركض نجاة تعدو ولكن ليس باتجاهي , بل صوب صخرة ملساء تعلو عن الجرف . تتوقف عندها ثم تجلس فوقها .. تدفع ذراعيها إلى الماء وتغرف منه بيدين مصفوفتين تدلقه على وجهها فينساب على بشرتها مبللاً حاجبيها السوداوين ورموش عينيها النافرة ماراً على شفتيها المزمومتين , منسرحاً على رقبتها السمراء . وكما لو أني أراها لأول مرة أكتشف كم هي جميلة , رهيفة , نضرة .. واعترف أني اكتشفتها تزيد من الاهتمام بنفسها هذه الأيام _ وحين تنهض كانت تسير بخطوات متكلفة وبحركات تتأمل فيها تمايل جسدها . 

   أقول : نجاة أنتِ تمشين كالبطّة .

   وأقول : لو شاهدكِ غيري لحسبك من بنات المدينة . 

   وأقول : لو كنتِ أختي لقتلتكِ .

   وأقول : آه لو رأتك جدتكِ . 

فتضحك نجاة .. تضحك وهي تخطو لمسافة كأنها تبغي تركي , ثم تستدير بحركة غريبة .. ومن بعيد نلمح كريم يقف عند جادة الروف يبغي النزول إلى المدينة .. كريم يكبرني بسنوات , وكذلك يكبر نجاة .. هو أخو عطوي الأصغر . منذ كان بعمري الآن أخذه أبوه إلى المدينة , شغله هناك صانعاً عند حلاّق , ذلك جعله يتهندم , يلبس السترة والبنطلون , ويصفف شعره جيداً ويتصرف كالكبار .. ونجاة تتصرف بغرابة عندما تلمحه .. تتطلع إليه وتخطو كالقطّة أمامه , لكنّه لا يعيرها اهتمامه .. يصعد باص القرية دون أن ينظر إليها , فأبصر وجهها يتّشح بالحزن . حزنٌ كالذي أشاهده عندما تتأمل طيوراً راحلة ,, تكتئب نجاة وتتحسّر , تغرق في شرودٍ ثقيل . لا تُجدي محاولاتي في تخليصها من خيوطه .. أقترب محدِّقاً فيها باستغراب فتشيح بوجهها عني وتصير على وشك أن تبكي .. لا تتحسري يا نجاة , كثيراً ما تحذرني أمّي منه , ودائماً تقول : يا ولدي لا تجعل خيالك يسرح بعيداً , ولا تفكّر في أشياءٍ ليس لك قدرة على امتلاكها , فمن يشغل نفسه في ذلك يجن . وعطوي ما جنَّ إلا ّلأنه كذلك ( شاهدناه مرة ومرات يحدّق طويلاً في الفراغ . وشاهدناه يكلّم العصافير ويتابع الطيور الراحلة في السماء , يأكلُ مع القطط وينام مع الكلاب .. وكنا إذا أردنا إخراجه من شروده همسنا بصوتٍ خافتٍ : زهره .. زهـ..رة  فينتفض , يحدق فينا ويطيل النظر إلينا ثم ينفجر بضحكات طفولية متتالية , يغرق في ضحكة حتى تمتلئ عيناه بالدموع وينقلب فجأةً وينتحب , ثم يجهش في بكاءٍ مرير يسحق الروح ويكوي القلب , فيهشّم فينا رغبتنا بالتندّر عليه . نقترب منه بيدَ انّه يهرب .. يهرب ) أخاف عليكِ يا نجاة , لا تشردي بعيداً في أفكاركِ .. تتطلّع نجاة في وجهي وأسمعُها تتمتم : أنتَ ما زلتَ صغيراً .. تظلُّ ذلك النهار تعيسةً , ضجرةً ترفضُ الذهاب إلى النهر , ولا ترغب في الجلوس عند النخلة المنتصبة حيث اعتدنا تناول رغيفاً نجلبهُ معنا و "خبّاراً " أجمعهُ من حافات السواقي .. أتعقّب أغنامها المبتعدة وأجمعها مع أغنامي . أسألها : لِمَ كل هذا الحزن يا نجاة ؟ لِمَ أنتِ هكذا ؟ انهضي لنذهب إلى الروف ننصب شباكنا لاصطياد الزرازير , فجدّتُكِ ستبتهج كثيراً لها . ستكافئنا بالتمر المُداف في السمن .. هي تحب أكلَ الزرازير , تقضمُ عظامها بعد تحميصها وتطالبنا بالمزيد .. وفي كلِّ مرة تقول لي : يا جدَّة , عافاك اللّه لقد خففَّتَ آلامَ مفاصلي . اجلب لي المزيد ؛ وإنْ جلبت لي عظام الهداهد ستكون مكافأتكَ أكبر .. لماذا عظام الهداهد يا نجاة ؟! سنجلب لها الأرانب .. هيّا دعينا نلاحقها ونخرجها من جحورها . سيكون سرور جدتكِ أكبر .. ستتمتع كثيراً في سلخ جلودها ودبغها . هي ما زالت بحاجة لعمل أفرشة إضافية لها .. هي قالت : أريد عمل وسائد من جلود هذه الأرانب السمر . سأحشيها بريش زرازيركم الشهية .. وبالأمس طلبت منّي أن أجمع لها أغلفة القواقع من بين الرمال الساخنة .. لماذا تبدو هذه الجدّة غريبة الأطوار ( إليها تأتي الكثير من النساء تقرأ سعدهن وتصنع لهنَّ دواء لأمراض كاذبة تتلفّظ إزاءهنَّ بألفاظ مبهمة تثير في نفوسهن الرعب , وحينما تشاهدنا نتلصصُّ عليها من ثغرات جدار البيت المعمول من سعف النخيل تتوقف . ترمقنا بنظرات مخيفة فنهرب .. لا تود اقترابنا . تظننا نفسد أفعالها . أبسبب هذا تبُعدكِ عنها وتُلهيكِ برعي الشياه ؟ كلا  . كلا .. ترد نجاة : جدتي دائماً تقول : رحم اللّه أمكِ , لو كانت حية لساعدتني في عملي , ولكن لا بأس , عندما تكبرين ستجلسين إلى جانبي وتتركين شؤون البيت لأختكِ الصغرى ..ينتابني الفزع , وتتمثّل صورة نجاة أمامي بملامح مقيتة . يأخذ وجهها شكل الساحرات المسنّات , غضون نافرة وندب متناثرة , وضحكات متقطعة تقطر دهاءً ومكراً , ويدان متشنجتان بأصابع طويلة صبغتها مساحيق السحر بألوانها المتنافرة , فأنتفض صائحاً :

نجاة : ستفقدين جمال الفتيات ورقتهن . 

نجاة : إيّاك أن تتعلمي هذا الفعل البغيض .

نجاة : ستصاحبين الجن ويمسخك اللّه . 

نجاة : سيكرهك الآخرون وينسلخوا عنكِ . 

    لا . لا , نجاة هذه جدّة مخيفة , لا تفعل الخير للآخرين . ألم تقل هي التي زرعت في رأس عطوي مَلكاً من ملوك الجن .. ألم تقل ذلك ؟.. ( جاءتها أم زهرة , وبحذر أفشت لها : عطوي يتابع ابنتي ويخطر كثيراً من أمام البيت , يتابعها إن خرجت للزرع , ولو عرف أبوها بحبها له وحبه لها سيقتلهما .. كل شيء إلا العار , أنت العارفة , العالمة , افعلي شيئاً .. ذلك اليوم استحضرت جدّة نجاة سائلاً استخلصته من خلط سوائل لها روائح مقززّة ملأت منها قنينة وضعوا محتوياتها في شراب تناوله عطوي .. أيام فقط بعدها طفق المسكين يشكو حرقة في جوفه , ووشيشاً في رأسهِ فيما راح عقله يتبخر فيقل نطقهُ , ويزداد شروده ) .. لا .. لا , نجاة أخاف عليكِ . لو فعلتِ مثل ذلك لأحد ستتصبحين شريرة .. تضحك نجاة . وكما لو ومضت فكرة في رأسها واستقرت راحت تتمتم : جدتي تستطيع فعل أي شيء , ويوم أريدها في حاجة سأجعلها تحضرها لي .. قالت ذلك واستدارت تنظر إلى الدرب النازل صوب المدينة , وإلى مكان توقُّف كريم .. ها نجاة ما بكِ ؟ منذ ذلك اليوم تغير حالها .. لم تعد سمحة , طيعة , رائقة . صارت تزداد شروداً , وتتابع طيوراً تمر في سماء قريتنا ترافقها بعينين متصالبتين حتى يغيبها الأفق البعيد .. لقد عادت نجاة تحلم بالطيور الراحلة , والمدن النائية .. وعندما تعود بأغنامها وقت تعامد الشمس وسخونتها فوق رؤوسنا , ونقطع أرضاً صعدت فيها سيقان الحنطة وتدلت سنابلها الخضر أقطع سنبلتين , , أمسك واحدة فيما أعطيها الثانية . أروح أقضم حبيباتها وأمتص حليبها بينما تظل نجاة تمسك سنبلتها , تضرب بها باطن كفها بعصبية واضطراب . اهدئي يا نجاة , لا تقلقي كثيراً . سأتزوجكِ عندما أكبر وسأبني لكِ غرفة , واشتري لكِ جهازاً من سوق المدينة . لن أدعكِ تجنّين ... تنحرف بأغنامها باتجاه بيتها .. تودعني بابتسامة باهتة من وجه شاحب .. أبتسم لها وأرجوها أن لا تتأخر في الغد . 

نذهب في اليوم التالي إلى حيث الشريط العشبي , وتذهب عيونها تتابع جادة الروف , والنسوة النازلات إلى المدينة , والسيارات القادمة المخترقة قريتنا نحو قرى بعيدة , تتابع كريماً وهو ينتظر   الباص النازل . ومثل كل مرة يصعد إلى الباص ويذهب دون النظر إليها فتغرق في صمت ثقيل . أقول : آه من تصرفاتك يا نجاة .. ماذا سيقول لو شاهدك غيري .. ترمقني بغضب فأصمت , ومع صمتي يتفاقم الحزن في عينيها , ويروح وجهها يصفر ... قضت في ذلك أياماً حتى قدم ذلك الصباح الربيعي الذي فوجئت بها تصبحني بابتسامة نضرة , وتطالعني بوجه ألق وقد ارتدت ثوباً جديداً فصحت بها : أنتِ جميلة بهذا الثوب الأزرق , وجميلة بورودهِ الصفراء اللامعة .. وجهك يا نجاة يتورَّد .. ياه , أنتِ تغيرتِ حقّاً .. صارت نجاة تكثر من حركتها واهتزار جسدها .. وصارت تسمعني كلمات لا يقولها إلا الكبار .. وأنا في خضم ذهول وحيرة واندهاش أتساءل عن سر هذا التحول المفاجئ.. وفي حيرة أشد هويتُ حينما ألفيتها تبتعد عني وتقلل من مجيئها معي .. شرعت تقود أغنامنا إلى أرض خضراء تجاور بستاناً يحاذي الروف البعيد , وعندما أقترب تحاول تجنبي والهرب مني , لماذا ؟ . لماذا ؟. آه , ربما تكون جدتها قد فعلت أمراً جعلها تبتعد .. ذلك سيقودها إلى الجنون بالتأكيد .. لو حدث ذلك سأخنق هذه الجدة القبيحة .. سأحرق فراشها , ووسائدها التي تشبه جثث أرانب متوحشة .. أنا لا أرغب اللعب إلا مر نجاة .. مع من سأذهب إلى النهر , ومع من سألاحق البجعات , وأطارد الأرانب وأصطاد الزرازير ؟ .. آه , لقد باتت نجاة تبتعد أكثر .. تصاحب الفتيات اللاتي يكبرنها .. تشاركهن في جمع الحطب , وتساعدهن في الحصاد ... ويوم شاهدتُها مع بعضهن تحمل قشّاً من حنطة محصودة على رأسها باتجاه القرية عزمت على اللحاق بها وإيقافها ثم السؤال عن سر ابتعادها ,, شاهدتها تتخلف عن صاحباتها قريباً من البستان وترمي كومة القش من على رأسها .. وعبر ثغرةٍ في سياج البستان وبالتفاتةٍ حذرةٍ يميناً وشمالاً شاهدتها تدخل .. أسرعتُ إثرها . دفعتُ رأسي من ذات الثغرة وتطلعت . وإذ لم أرها دخلتُ متخفّياً خلف سيقان النخيل .. يصل مسمعي صوتٌ هامس صعُبَ عليَّ تفسيره . بوغِتُّ بعدها بنجاة تقف بارتباكٍ صارخ وقد إحمرَّ وجهها وارتعشت يداها وهي تتطلع بعينين قلقتين كأنها بانتظار أحد .. كنتُ على وشكِ أن أنده باسمها عندما قَدِمَ من عمق البستان شخصٌ لم أميّزه في البدء , حتى إذا اقتربَ ووقفَ إزاءها تبينتهُ بوضوح . آ .. إنّه كريم بلباسهِ المدني وشعرهِ المصفف . سمعتُه يسألُها بقلقٍ , ونفاذِ صبر : ماذا تريدين مني يا نجاة , ماذا تريدين ؟.. كانت نجاة تحاول أن تتفوَّه بكلام لكنها لم تقدر على ما يبدو .. فقد خذلتها عيناها اللتان تصببتا دمعاً .. كدتُ أصرخ بها , ثم أرتمي عليه أُشبعه ضرباً , بيد أني تمالكت نفسي كبرياءً بينما فمٌ في داخلي انفجر يصيح : لماذا تذلّين نفسَكِ هكذا يا نجاة ؟.. لماذا ؟.. لماذا ؟


زيد الشهيد


التعليقات




5000