..... 
....
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


النصوص الفائزة بجائزة النور السابعة للابداع- النقد الادبي \ الفائز الثالث( الجزء الثاني من البحث)

د. عبير يحيي

استراتيجية الصقل وإعادة البناء( Refinement and Rebuilding Strategy)


ونخصّ بالتفصيل استراتيجية الصقل وإعادة البناء، فهي تعمل في التشابك السردي وتختصّ أكثر بعناصر الجمال,  فالرؤية الذرائعية تنظر للعمل الأدبي السردي على أنه منزِل أُرسِيَت دعائمه الأولية واكتملت هيكليته البنائية، ويحتاج العوامل الجماليّة من الصقل والصباغة والأثاث و التي ستسبغها عليه تلك الاستراتيجية لتجعله مناسبًا للسكن بشكل مبهر ومريح، والعوامل الجمالية تتلخص فيما يلي:

1-السرد Narration : وهو الطريقة اللغوية التي يحكى فيها النص ابتداء من الشخص السارد, والنص المسرود, ثم المتلقي المسرود له, وبواسطته يتحقق ترابط الأحداث وتسلسلها.  

عناصر الحدث السردي :

عنصر التشويق: 

وفائدة هذا العنصر تكمن في إثارة اهتمام المتلقي, وشدّه من بداية العمل القصصي إلى نهايته، وبه تسري في القصة روح نابضة بالحياة, لقد بدا الكاتب روايته بهذا العنصر, عندما كان عنوان الاستهلال ( الآخر أنا) عقب قول للآخر: راكب البحر الذي رافقته منذ ولادته حتى الآن يحاول تجاهلي. وبقي الكاتب حتى النهاية وهو يشدّ خيط التشويق ويرخيه بتوالي السرد حتى النهاية, يسردالحدث, وفي لحظة حاسمة يقطع هذا السرد مستخدمًا إحدى تقنيات السرد المعاصرة والتي يتقن اللعب بها, كالحوار المباشر أو المنولوج أو الخطف خلفًا أو تدفق سيل الوعي, فما أن يستقر على إحدى هذه التقنيات ويبلغ فيها لحظة مثيرة حتى يقطعها فجأة بالعودة إلى السرد, وكأنه يقفز قفزات مباغتة قد يجفل منها المتلقي ليبقى على أهبة التيقظ. إضافة إلى أن عناوين الفصول بحدّ ذاتها كانت عناصر تشويق ( الراقص المذبوح- عصافير الذاكرة- مسارح الخوف والإثارة- الثوب والعطر .. مخاطر الرغبة – الأرض الممنوعة .. زمن المتغيرات ...) 

العاطفة :

هي الروابط التي تشدّ الشخصيات المكونة لعملية القص, والمحرّك الأساس في توالد الأحداث فيها. تلك الروابط التي كانت بين البحار ونصفه الآخر وهي متقلبة بين ( الكره والحب, الرفض والقبول, العبودية والانعتاق, الفراق, التشابه والاختلاف, الرغبة بالتحرر والحنين بعد الفراق....).

أما الروابط بين البحار وباقي الشخصيات المكونة للعمل القصصي, كانت قائمة على التعاون والمحبة واللطف والاحترام والتقدير والمساندة, سوى بعض النفور من عاصم البحري المتمارض. 


زمن الحدث :

أهم هذه العناصر، وهو ينطوي على مجموعة من الأزمنة، وهي :زمن الحبكة( وذكرنا أنه الزمن الذي قضاه في الرحلة على الباخرة تراتشي) وزمن القصة( عمر السارد منذ ولادته وإلى نهاية العمل), و زمن العمل القصصي نفسه, ثم زمن قراءته، كما أن للحدث مجموعة من الخصائص, من شأنها أن تزيده قوة وتماسكًا. 



التعبير :

عن نفوس الشخصيات، توفر ذلك من خلال فسحات قليلة أتاحها الكاتب لشخصيات معينة سوى نفسه, جعلها تعبر عن مكنوناتها مثل ( أبو النون):

سألته: 

-تحب الغناء أكثر أم العمل؟

- لا أحب مغادرة الإثنين إلا عند النوم.

الحكايات الجنسية لم تبتعد عن تفاصيل كلامه, يطلق العنان لحنجرته مغردًا فخورًا في خبرته الذكورية بفن ملامسة النساء والمداعبة وكلام الغزل, الكلام يسقط دفعة واحدة حين يذكر لي زوجته, يتقد الحماس في وجهه كلما وصل إلى حاجته الملحة إلى رؤية أولاده, ويضحك حين يقول:" وليلًا أمهم". 

وحسن التوقيع والانتظام في حبكة شديدة الترابط:

 وأن يكتسب صفة السببيّة, وحتى يبلغ الحدث درجة الاكتمال، فإنّه يجب أن يتوفّر على معنى، وإلّا ظلّ ناقصًا, وهذا يأخذنا إلى تحديد البؤرة الثابتة للعمل وهذا ما سنبحثه في المستوى الأخلاقي .

طريقة بناء الحدث: 

اتبع الكاتب الطريقة التقليدية( مقدمة عقدة نهاية) في بناء أحداث الرواية ( على تراتشي), طعّم بناءه التقليدي بالكثير من التقنيات الحديثة والتي تعتمدها الطريقة الحديثة, من العودة إلى  الماضي ( Flashback) أو إلى الخلف ليروي بداية أحداث في قصته, مستعينًا في ذلك ببعض التقنيات والأساليب مثل مجرى اللاشعورStream of Consciousness  , و  المناجاة  Soliloquy  والذكريات . Memories 


سردية الحدث :

 يعرض الأحداث بطريقة الترجمة الذاتية, بلسان شخصية من شخصيات العمل وهي هنا البطل والكاتب, بضمير المتكلم, يعرض الشخصيات من وجهة نظره, ويحللها,  ولأن العمل سيرة ذاتية, وعلى عكس يقال أنه عيب في هذه الطريقة -فيما لو لم يكن العمل سيرة ذاتية – أن القاص يتدخل في الأحداث وفي مسار نمو الشخصيات, لدرجة أن يقنعنا أن الأحداث حدثت للكاتب, فإن  البراعة في السيرة الذاتية  أن يقنعنا بأن الأحداث حقيقية وقد حدثت له فعلًا, وأرى أن الكاتب قد نجح في ذلك فعلًا.

2-الأسلوبstyle :  


وهو النسيج السردي الذي يشير نحو درجة الأدب وعمقه السردي وذلك بدرجة انزياحه نحو الخيال والرمز..

استخدم الكاتب المدارس الأدبية بالأسلوب, ما أدخل عمله في ساحة الرواية الحديثة, سيما وأنه خلط بين هذه المدارس, ما نتج عنه لوحة فنية تداخل فيها الجمال اللغوي, والجمال العلمي, تناولنا الجمال اللغوي في المستوى اللساني الذي يضّم علمَي البيان والبديع, أمّا الجمال العلمي فهو خلطة غير متجانسة من المدارس الأدبية المعاصرة المختلفة وهي (الواقعية, الرمزية, السريالية, البرناسة, الفن للمجتمع, الرومانسية, الطبيعية) لرسم لوحة بالكلمات, لأن الأدب المعاصر من أنواع الفن. 

 اللافت أن الكاتب استخدم علم الجمالAesthetics  في الأسلوب, ويعني علم الجمال بناء الجملة جماليًّا وليس لغويًّا, أي حساب التوافق بين عناصر الجملة ( الألفاظ ) للتعبير عن وحدة جمالية, فالجملة في الأدب أو في الأسلوب تُعدّ ذرائعيًّا وحدة جمالية عندما يصل الحبك فيها إلى شدّته للتأثير في المتلقي, بمعنى أن يكتب الأديب سرده بأسلوب متمكّن جماليًّا, والأساليب المتمكّنة هي التي تحوي في داخلها استخدامًا لعناصر الجمال, وخليطًا مدروسًا للمدارس الأدبية, مثال على ذلك (أسلوب الخطف) الذي عيّنته الذرائعية كنوع جمالي, لكونه خليط من مدرسة البرناسة والأدب للمجتمع والأدب للأدب والرومانس والمدرسة الطبيعية. 

الأديب بهذا المنحى اتبع المدرسة الأسلوبية( Stylistic) كونه جمع بين الأدب واللغة والبلاغة.


كما أن الكاتب استخدم تقنيات سردية عديدة وراقية جدًّا, ساهمت إلى حدّ كبير برفعة هذا العمل, ووضعه بمصاف الأعمال السردية المعاصرة المميزة, منها: 


3-الحوارات الخارجية :Dialogue


حوارات قليلة و قصيرة لم تخرج عن نظام السؤال والجواب, كان يأتي بها عقب كلّ تدفّق لتيار الوعي, ليخرج المتلقي فجأة من عمق خيال الكاتب, ليساهم في  الكشف عن صفاته وعاداته الشخصية, ويبرز ذلك أكثر ما يمكن في حواراته الحادة مع الآخر:  

عدت إلى نوبة البكاء.... قلت في نفسي أنا أحلم .. كنت في أمس الحاجة إلى النسيان, ولابد لك من وقت إلى آخر من الاستسلام لمثل هذه الحاجة: 

- يعرفُ أبوكَ حالتك كما أنا!!

- ليس الآن

- أرأيت؟

- ماذا؟ 

- هو يقدّم لك نصيحتي! 

- عن ماذا تتكلّم ؟

- أتودّ أن يقال عنك البكّاء على غرار المشاع في كتب الفلسفة؟

- طبعًا لا.

- إذن اقطع هذه العادة. 

- ماذا تقصد؟ 

- البكاء لحظة هياج المشاعر بصحبة بعض الكتب التي كنت تقرأها.

 

وأحيانًا يستخدم الحوار لتسريع سرد الأحداث بأجوائها الانفعالية :

كنت أتصبّب عرقًا لحظة وقوفي أمام مهندس الخفر, ارتسمت على وجهه علامات استفهام وخوف.. ٍسألته:

- ما الذي يجري؟ 

فأجاب:

- رمَوا المخطاف فوق الكيبل الضوئي لمنطقة الخليج!

- ماذا؟!!

- هذا الذي حصل. 

- كيف وهو في منطقة محظورة مؤشرة في خرائط الملاحة ؟

- لا أدري, فقط سنرفع المخطاف ونغادر حالًا. 

- البحر هائج والريح عاصفة !

- ما الحل إذن؟ 

يقطع الحوار عند هذا السؤال ويعاود السرد.

   

4-الحوارات الداخلية :Monologue

يأتي بها الكاتب كلّما اشتدّ الصراع في نفس السارد الذي هو البطل, واحتاج إلى الكشف عن دواخله, بما يخدم سير الحدث وتطوّره, والرواية  المعاصرة بالأساس هي رواية نفسية بالدرجة الأولى:

هاهو في حوار داخلي يفرغ خلجاته بعتب وغضب اتجاه الآخر بعد أن اشتدّ عليه الفقد:

(.... لقد تجاوزت الخمسين وفي نفسي الحاجة إلى اللطف والعجب والتغنج والتمتع بالهزل والتأميل إليه. باختصار شديد وببساطة مفرطة لم تكن تشكل عندي شكلًا من أشكال الرفاهية, لقد كرهتني من أول خطوة خطوتها دون استشارتك. هذا الكره كنتَ تضمره وقد تصدّع به رأسي, وتعبتُ منك, ومن تكرار مجيئك المفاجئ واختفائك الغريب كرهتك . لماذا تكرهني؟ وما سبب هذا النكران اتجاه رغباتي في التواجد معك ؟ متعاليًا في تصرفاتك معي؟

مؤخرًا صار غيابك غريبًا. .....)   


5-التغذية الخلفية flashback:

مثارة بعتبة واقعية, حدث أومشهد محفّز يأخذ السارد إلى الذكريات :

معارفي يرتادون بشكل مستمر المكتبات العامة, وفي بيوتهم أنشأوا المكتبات الشخصية.....كنت في العاشرة فقط, وحدث ذلك في تلك الليلة أو قبيل منتصفها بقليل, باب داكن اللون ينفذ من فتحته السفلية ضوء متوهج, يدهشني المنظر ! أتقدّم بخطوات خفيفة, ألمس الباب, أسترق السمع, أحرّك أصابعي على عروة الباب الفضية, على مهل أفتح الباب, لمحتُ رجلًا أشيب الرأس منحنيًا إلى طاولة التي أمامه قليلًا, كان يقرأ في كتاب .....ص 107 

 

6- تدفق تيار الوعي :Stream of consciousness 

هو نوع من الحوار الداخلي للشخص, ويقصد به الانسياب المتواصل للأفكار داخل الذهن, أو جريان الفكر باطنيًّا وذهنيًّا, ويدخل في إطار هذا التيار الكثير من التغيرات والتقلبات والتفاعل بين الماضي والحاضر, وغالبًا ما تكون الجمل مفكّكة والأفكار غير مترابطة والمشاعر متداخلة, يصعب معها متابعة النص, لكنها تعبّر فعلًا عن خلجات النفس الفطرية في اللاوعي, ولا أدَلّ عليها أكثر من أحلام اليقظة...

( وأنا أتابع المسير في طريق العودة إلى ذاتي, لم أكن قد وصلت غرفتي بعد, أنصتُ إلى صوت اعتدت على إخفائه بعيدًا عن مسامع العالم وأحيانًا عني, مدّ لي جناحه وارتقينا معًا من بلاط الباخرة إلى أعلى السقف! الرعب؟ لم يمسني الخوف ! قريبًا من مصابيح السقف وجدتُ بريقًا في عينيَّ يضحك, أخذني الدوار بعيدًا عن مكاني....ص131)  

       

7- الجمال : 

علم يقتضي حضوره في النص ليعكس الجمال الفني فيه, وهو دائمًا يخلط بينه والفن على الرغم من قربهما من بعضهما، إلّا أنّ الجمال يختلف عن الفن من جهة الأمور الحسية والوجدانية، فالجمال حسيّ أكثر من الفن... وقد غطّت اللوحات الفنية جدران البناء الفني لهذا العمل حتى يُظَنُّ أننا في معرض للفن التشكيلي, كان هناك رسم بالكلمات وهو يستدعي الذات الشاعرة: 

- باحثًا عن الأنس تخيلتُني وطنًا يخبّئ في دارها الماء وسرب العصافير وحفنة من النجوم وعطري, آه من عطري وما تحمله لغتي من أشعار تستعصي على الفهم.

- عدت بذاكرتي إلى ماض كانت فيه الشمس ترسل موالها إلى الحقول وبين شعاب الجبال وعند انحدار الروابي, ترسم أملًا على جدران الكلمات, لم أستطع إسناد رأسي إلى كتفي, كنت أحتضن باكيًا كل حرف, لا أستطيع الاستمرار أكثر ..مات في عيني اخضرار الرؤى. 

- يا فاتن الخيال متهمة أنا بحبكَ, وحدي في بلدي وغريبة, يا فاتن الخيال متهمة أنا بالحب والأمطار والغناء والموسيقى والنار.

- مُتهَمةٌ بكَ وفي مدح رجال الشرق, وبأني أهوى الشعر العربي والرقص العربي واللون العربي والغيرة العربية, وفي الشوارع متهمة بالشرود والتدخين.. 

- متهمة أنا بحب البحّارة وبالوقوف المتكرّر عند المرافئ والنظر إلى البحر وفي نشر الزهور التي تحب عند الشرفات......"


التجربة الإبداعية:

 من خلال الانفعالات التي تكون في نفس الشاعر أو الكاتب ويصيغها في قالب أدبي، ومدى عمق وصدق ووضوح، و تلك المشاعر، تعدّ مختصرًا لكلّ من يريد الخوض في المجال الأدبي، فالبلاغة في التعبير هي محاكاة في الإبداع، والإبداع بكلمة موجزة هو إضافة الجديد، إن الإبداع المتنوّع لدى الأديب في مجالات متعدّدة من الأدب يحظى باهتمام النقّاد والدارسين في بلده وخارجها, حيث تنجز الكثير من الدراسات الأكاديمية لمنجزاته الأدبية, وذلك نوع من التوسع لدائرة التجربة الأدبية لدى الأديب.


 لقد استطاع الكاتب عبر هذه الرحلة التي أخذنا بها فوق عالمه الأزرق, أن يطوّف بنا وسط تقلباته المباغتة, وتحوّلاته المصيرية بين خطر الموت وفرح النجاة, قد تكون حبكة العمل السردي مطروقة قبلًا, لكن عندما ماهى الكاتب بين عالمه الخارجي وعالمه الداخلي بتقلباته وتحولاته, وعندما عرّفنا على ذواته العديدة وكأنه يعرّفنا على شخصيات عمله, كان هذا ابتكار يُحسب له, لم أجده بهذا الشكل إلا عند قلّة, حتى برائعة أرنست همنغواي(الشيخ والبحر) لم يكن على هذه الدرجة من التفاصيل, لقد استطاع أن يقدّم لنا ذوات عديدة, خلا نصفه الآخر, وجدنا:

   

الذات القارئة : القراءة عادة أكثر منها رغبة.

( إدمان القراءة والكتابة حيوات مختلفة عن الواقع, نابضة الدهشة,  متجدّدة الانبهار, مقنعة, أن تراودك الأحلام في كونك بطل الروايات وحدها متعة, القراءة عادة أكثر مما هي رغبة, وبالنسبة لي أعتقد أن سبب هذه الهواية المكتسبة بدأت في أواخر السبعينات, كان لانتشار المكتبات العامة في المدن الكبيرة منها والصغيرة شهية خاصة للقراءة والاطلاع والبحث والمقارنة. كنت- وأكثر العراقيين- كثير الاهتمام بالقراءة, حيث يجد المرء المتحكم بعواطفه سلم النجاة, يبعد فيه تدريجيًّا عن الانغماس في وحي الجهل والرياء, ويخطر لي أحيانًا بأني قد ارتميت بين أساطير البحر والحكايات والخرافات والواقع أثناء السفر المتكرر بين السطور). 

الذات الكاتبة : حياة كاملة ممتدة من الأب إلى الإبن. 

(أشتاق إلى الكتابة, " ماذا كتبت" الحب, الاشتياق, البقاء والصراع بين الصدق والخداع؟ عن الإنسان عن الحيوان؟ أو الروح والجسد؟البحر مملكة فيها أكثر من حياة يمنع فيها كل شيء إلا الخيال.... عن ماذا كتبت ؟ مخاطر الذاكرة ؟ عن الحاضر؟ بحر يكاد يسرق أرواحنا؟ البحارة في خطر؟ خلف أبواب الغرف المغلقة مستلقين على ظهورهم يتأملون في عقولهم الزمن الجميل لائذين بذاكرة ملؤها رؤية الكثير مما يبسط النفس: الأهل, الأصحاب, الرفيقات الحبيبات, الماء, الشمس, الأطفال, الشوارع وضجيج الناس, ملابس جديدة, وما إلى ذلك من الأماكن التي لا تخلو من المظاهر المترفة, السير حافيًا, الغرف الشخصية, عطر امرأة, رائحة أنثى, المقاهي, الحانات, السهر, التحرر, وعادة ما أسمع من بعضهم إطلاق اللعنات على اليوم الذي صاروا فيه بحارة, مهنة لا تترك وراءها إلا النسيان قهرًا والعودة إلى الماضي المهدور للتسلي وراء الألم الشخصي .

الذات المتألمة:

يتكلم عن ألم الذات وألم العضو, ويكرّر شكواه من ألم أسفل الظهر على مسار صفحات الرواية, وإن حسبت دلالات التكرار أجدني أدرسها في نطاق المفهوم الأشمل من مجرّد الألم العضوي الذي يعتبر مألوفًا عند أصحاب المهن التي تتطلّب مهنتهم جهدًا جسديّا كبيرًا , مثل الوقوف الطويل, وحمل الأشياء الثقيلة, كحال البحّارة, ولكني لم أجد الشكوى عند غير السارد من فريق العمل! لذلك أتحوّل إلى مفهوم الحمولات النفسية, فالسارد يحمل ذاته بكل أثقالها, مضافًا إليها ثقل (الآخر)! الذي عاش فيه منذ كان في السادسة من عمره, وإن كان لنا أن نقول عن هذا الآخر أنه ( قرين) لندخل في الميتافيزيقا, نعرف أنه ثقيل جدًّا, يرخي بحمولته على النفس والجسد, قد يكون للعلم الباراسيكولوجي مجالًا واسعًا للخوض في ذلك الموضوع.    

- كنت أرتقي الألم, على البحر جبيني الشاحب الأسمر نقش صورة أبي, أشعر في عيني حرقة ويداي آلمتاني, ... وحيدًا مثل الفجر أرحل وأعود وحيدًا, حظي النكد صار يبكيني, صرت أبكي في حياء, أسمع صوتي ولا أسمع الرثاء, لا سواد ولا حتى علامات حداد.... 

- لم أمتلك نفسي, الموت والحياة توجعاني بقدر متساوٍ. واحسرتاه! كلتاهما غربة وأنا الحقيقة بينهما. 

الذات الحالمة:

تطفو على سطح الشعور عند السارد مثارةً بعتبة جمال: 

(كانت الطيور تصدر أصواتًا تشبه القُبَل, من بعيد لمحتُ الشفق الأحمر كيف يشق نافذة السماء, وموجًا يأمل وصول حلكة الليل.... الريح تحمل خليطًا من نسائم باردة يثير جنون الشاعر, مرة أخرى همستُ في أذن الشعر, و كنتُ أعرف أنه الغزل, وليس لي من الحبّ إلّا عبور المستحيل , فالغناء في زمن الحروب بطولة, مثل حشد النوارس غنيت, تدحرجت الحياة أمامي رافضة مناغاة حزني, عزف القلب نوتة شوق وذاكرة؟ كنتُ أحلم؟ وإن...؟ لقد كان الأفق يخلّص الذات الحالمة من الهمّ والانكسار, ولعلّه السبب الأساس في انتقالات الإنسان إلى الخيال , إذ لم يكن بوسعي إلا التخيّل؟ ولكن الشعور بالجمال لا يتيح لي التخلي عن رؤية البحر فهو معلمي, فهو فسيح للخلاص من ضغوطات الواقع).   

الذات الطفلة: 

مثارة عند القدوم إلى الوطن, وعند الحنين والعشق والاشتياق لرائحة الأيام الأولى, تخرج حزينة رغم اللعب والصياح والضحكات, من عمق الذات مترافقة مع الحديث عن الأمان والحرية, تعكّرها سيرة الحرب التي يحكيها له نصفه الآخر موثّقًا فيها أعداد الأطفال المذبوحة, 

( ذاكرة لذيذة كانت فيها الشمس تشبه الوشاح الأصفر, .... طفولة تيتّمت ولا تجد سببًا لتفسير تصرفاتها, بطريقة غير اعتيادية تشعر أنك تمرّ من أمام براعم كان يمكن لها أن تنمو لتكبر تحت شجرة الحياة, تعطي ثمارها يومًا كان يبدو قريبًا, لكنك ترى الحزن منقوشًا على أديمها- رغم تكرار الصياح في اللعب مصحوبًا بالضحكات – كان واضحًا 

- ها ها ها ها

- اسكت

- من المهد فقدتَ الطفولة). 

الذات القلقة:  

 كانت تظهر مع كل غروب يعلن نهاية الأشياء: 

( في كل ليلة من الأرق الأجوف المتجذّر في نفسي زمن يتطاول على حروفي الثلاثة, كنت خاضعًا له دومًا, دونما تفكير كان الشحوب مما أمارسه يرغب في التجدد بعد منتصف الليل, عبء الزمن يأتي, تراكم الأيام الماضية  تنساب إلى الذهن لينة, الانتساب لشخص أو شيء مفقود, يوقظ البحر, الأرض, الصخور, النار, الهواء, بفزع معيّن يغيّر المرء من صداقاته مع القدر, نسيت الوقت, حنين يهدر وضجيج انتظار يلتهمان أحلام نفسي المضطربة, .... علاقتي مع جسدي شاحبة, وصوب روحي عزلة طويلة.... 

الذات العاشقة: 

التي عشقت سالو السورية, لكنها تخطّتها إلى مرافئ أخرى:

( .... أكمل المشوار صعودًا إلى حدقات عينيها, في جو يحيطني بالحياء مرة وبالرغبات مرات كثيرة إلى العناق, كنت مغمض العينين أقبل تضاريس جسمها ولا أشبع, اختفت سالو منذ سنين وتلاشى معها العطر والغرور, وبقيت وحدي يدهشني المألوف في حضوري لحظة لبسني اللون الأبيض....)

 وصلت تلك الذات إلى فرنسا, إلى " سمراء" وهو اسم أطلقه على حسنائه الفرنسية  وأصرّ على عدم ذكر اسمها, كي يبقيها رمزًا قد يفقد هالته عند تسميته, عشقها عندما كان بالعشرين من عمره, ويوم طلبت منه أن يترك البحر ويبقى معها للأبد لم يستطع أن يكذب عليها, فالبحر مهنته التي يحب, لكنه وعدها أن نكون ميناءه الأخير, يومها بكت وقالت: " أريدني الأولى" , وبقيت تنتظر على وعد أبتر:    

( رأيتني أضحك وأنا أكرر" سمراء", بعد دقائق وجدتني مقيّدًا لمخيّلتي.. تشكلت أمامي وأنا تحت مرش الماء الساخن حبيبتي العارية لامعة مبتهجة, كان وجهها الأسمر بنكهة الغرب يمارس العشق على جسمي, كما وقفت عندها أول مرة تركتني أمارس طقوس الانتظار, وأعيد حركاتي الذكورية بامتياز مطواعًا في مزاجية عالية أتلذذ بطعم القبلة الأولى على صدري العاري مثل نخب لا يكررنفسه كنت منحازًا إلى لغة الهمس, أكتب والحسرة تأخذ اللحن مني, مثل فاكهة طازجة كانت تقبلني وترتب الرغبات تباعًا, كنت أعلّق ما تبقى مني على شعرها, في انحناءتها المتكررة كنت أشدها لي بقوة الأمواج, ودون تعليق يُذكر كانت مكتظة بالقبول).

الذات الخرافية والأسطورية: 

رحلة مع نجلاء السكندرانية إلى الأهرامات, جعلته -مع الآخر- يغوص في عالم الخرافة, يتركه الآخر وهو شبه عار, خائفًا من ثور كبير الحجم لونه أسود, وبين قرنيه الطويلين شمس تشير إليه, يحاول الاصطدام به:

" كان الثور الأسود يدفع من منخريه نارًا يثير الغبار من خلفه, وفي هذه الأثناء اختفى نصفي الآخر! وقد لعنتُ اللحظة التي أدخلتني هذا المكان الذي لا أعرف كيف ولماذا صرت فيه الطريد الوحيد وسط هذه الصحراء الكبرى! صار حالي ميؤوس منه, أخاف الموت وحيدًا في مكان لا أعرف به أحدًا ولا يعرفني أحد, أكرّر الصياح: أينك؟ لا أحد يردّ سوى الصدى, يأتيني من الخلف ما يشبه النفخ في النار, سقطتُ على وجهي, وبعد جهد من استجماع النفاس, حاولتُ النهوض, لكني عجزت. أذكر أني صرخت, ثمّ سمعت : كنتَ في مكان ترغب التواجد فيه....

الذات التحليلية العميقة:

 طرح الكاتب موضوع الجنس كوضع اجتماعي, وكوضع نفسي, وكحالة مرضية تستدعي العلاج, تجاوز النظرة المتحفظة للجنس, لكنه في ذات الوقت لم يتكلّم عنه بمباشرة أو بفحش, وإنما بتلميحات عميقة, وإشارات, عندما ساق نصًا عرض فيه للجنس بأوضاعه الثلاثة, قصة كان قد كتبها يومًا عن رجل فقد رجولته فجأة في ليلة زفافه, فصار لا يخرج مع زوجته أمام الناس, ويرفض الضيوف وزيارة الأطباء, فصار معجونًا بالشك الذي حوّل حياته إلى جحيم, ما جعله يفكر بالانتحار, ولكن حكمة الزوجة وصبرها حالا بينه وبين ذلك, تلك الزوجة فقدت ذاك الصبر يومًا, في مواجهة إحدى المشاكل التي كان الزوج يتفنن في ابتكارها, وكان جلّ همّه ألا تتناوله أقاويل الأقرباء, الزوجة وجدت الوقت مناسبا للمحاسبة, فوقفت تذكره بعجزه, دون أن تشكو همًّا أو تذكر الطلاق, فقط طفت فوق همومها, وأعلمته أنها أفضل منه وأنها تستنكر أفعاله, وكشفت له بعض أقاويل أهله في حثّها على طلب الطلاق:

( تلك الليلة كانتْ كمن يبحث عن الخلاص في قولها: " لقد مللتُ من من شكوك وإلحاح أهلك, لم يبق لي إلا عهد منك أن تنتهي من جرحك المتكرر في شك أراه منك واضحًا ومن الجميع وكأني امرأة رخيصة أو غبية تتبع شهواتها, لم يبق لي إلا الرجوع إلى الوراء معك وتذكيرك بمن كان لك الأوفى في السراء والضراء, عليك أن تتذكر أن ما تفعله يضرّ بي.. وقد ينهار تحفظي يومًا ما , وأكون ما لا تحب أن تكون فيه زوجتك"

- لا أستطيع أن أخفي قلقي.. أنا أحبكِ .. ولا قدرة لي على إرضائكِ 

- وهل السعادة فقط فيما عَجزتَ عنه؟

- نعم

- أنتَ واهم.. واسمح لي أن أقول لك لقد خيّبتَ ظني فيك, كنتُ أتصوّرك أذكى من ذلك, اعلم أن المرأة منا لا تحب الرجل الذكر أكثر من الرجل الإنسان, ولأكون أكثر صراحة معك, نعم أرغب بالممارسة معك, ولكن أنتَ تعرف جيدًا أن مداعباتك تصل بي إلى رغبتي التامة ولا أكذب في هذا قط, ولا أتنازل عنه, أما ما يدور في رأسك فهو البعيد كل البعد عني.

- هذا ما أسأل عنه نفسي بعد كل ممارسة معكِ.

- وهل تظنني ممثلة في حبّي لكَ؟

- لا أدري

قالها وقد أخفى وجهه بين يديه وانتهى باكيًا).

فإذًن, عرضَ موضوع الجنس كمسبّب لوضع اجتماعي قلق بالبداية, تطوّرَ عنه وضع نفسي مرضي معقد, استدعى مواجهة لابدّ منها في سبيل محاولة فك التأزّم الاجتماعي, ووقف اسنزاف الشك لكلا الزوجين, مواجهة تمّ فيها كسر جدار الصمت عن تابو أساسي مسكوت عنه بفعل العرف والخجل, كانت فيه الزوجة هي الأجرأ, ميّز من خلالها الكاتب بين الذكورة والإنسانية -الإنسانية المقدّمة على الذكورة والأنوثة- والمشاعر الصادقة والممارسات المعبرة عنها, و المُقدَّمة على الجنس كعملية, وهي كافية لإشباع الرغبة الجنسية, إن كانت تُمارَس بحبّ.     

إن الواقعية في الرواية المعاصرة في أي مرحلة تكون فيها, يجب أن تكون ذات فائدة في معالجة الجنس, وقد حاولت الروايات المعاصرة أن تكسر أفكار العصر الفيكتوري بنظرته المتحفظة للجنس, فجاء العلاج صريحًا وحرًّا في قضايا الجنس والحب والزواج.

تستمر القصة مع اقتناع الزوج أخيرًا بزيارة الأطباء والمشعوذين على مدى شهرين من الزمن, دون نتيجة, يدفعه اليأس إلى قناعة بالانفصال, ويعاود أذية زوجته بالضرب والشتم, وليقدم فعليًّا على اتخاذ وضع الانتحار,تحاول الزوجة تهدأته, وتتصل بأخيها الذي يأتي مع مساعدة طبية تنقل الزوج إلى المشفى وهو في حالة إغماء... في المشفى يزوره طبيب أعصاب, يطرح عليه أسئلة بعيدة جدًا عن حالته( ما اللون الذي تحب, من أقرب صديق لك....) 

( كنتُ أريد القول إن دكتور الجملة العصبية هذا لا يعالج المجانين كما نتصور, بل يعالج مرضى العصر الحديث, لقد عرف علة الزوج بعد سؤالين, وإليك ما كتبتُ: حطّ الدكتور يده على ذراع الزوج وسأله وعلى وجهه بشاشة صداقة :

- هل تحب زوجتك؟ 

أجاب الزوج:

- جدًّا 

- كم مرّ على زواجك ؟

- أكثر من خمسة أشهر.

- ما بك؟

- لا أدري, فقط لا أعرف كيف أكون معها أنا..

- عن ماذا تتكلم؟

- ممارسة الجنس مثل أي ذكر!

ضحك الدكتور وقال:

- وأنا لا أشك بذكوريتك, ثمّ أضاف:

- أين كنت قبل يوم من زواجك؟

- في السوق مع أختي 

- ماذا فعلت؟ 

- اشتريت لها ولزوجتي ثوبًا وعطرًا

- اللون نفسه والعطر نفسه اشتريته لهما؟!

- نعم, نعم, فأختي أغلى ما عندي وهي بمقام أمي

ضحك الدكتور ضحكة أزعجت الزوج فصاح به:

- تضحك مني؟

- لا .. ولكني أضحك من مشكلتك البسيطة

- كيف ؟!! وقد عجز الأطباء عن علاجي

- أنت ترى وتشمّ في زوجتك أختَك.

- ماذا؟!!

- اسمعني

- نعم

- عليك أولًا أن تستعيد الثوب الذي أهديته إلى أختك والعطر 

- لماذا؟!!

- انتظر حتى أكمل

- نعم ..

- تأخذ الثوب والعطر من أختك, وتأخذ الثوب والعطر من زوجتك, تحرق الثوبين معًا , وتتخلص من العطرين, وتذهب إلى السوق, تشتري لزوجتك عطرًا جديدًا وثوبًا جديدًا على أن يكون مغايرًا للأول تمامًا, وتنسى الشراء لأختك, وإن أحببت أعط أختك بعض المال وهي تشتري لنفسها ما ترغب فيه , وسترى كيف تعود لزوجتك ذكرًا أقوى من الحصان وأرشق من الديك).

فإذن جاءت معالجة الجنس معالجة نفسية عند كاتبنا المعاصر, وهو مايتفق تمامًا مع ميزات الرواية المعاصرة, ما يؤكد لنا مرارًا وتكرارًا أن الكاتب على دراية تامة بالتقنيات المعاصرة, كما أنه يمارس هذه المعاصرة بحرفنة عالية.

أخيرًا: إن تحليلات العميقة التي ساقها الكاتب عن ( الآخر) تكشف لنا حسه التحليلي, ونضجه المعرفي والفلسفي لظاهرة نفسية قد تلتبس مع ظاهرة ميتافيزيقية وهي (القرين) وهو كائن أثيري من الممكن أن يكون من طبيعة الجن أو الملائكة, لكنه لم يكن أيًّا منهما , وإن كان يمقت الكذب (ليكون ملاكًا), ويحب التمرّد والتحرّر والسخرية ( ليكون جنًّا), في كلا الحالتين رفضه السارد, ليكون إنسانًا بكل أخطائه وأفضاله, بغرائزه وأخلاقه, بحواسه وضميره... إنسان مكرّم ومكلّف, بكل الآلام التي يحملها على ظهره دون أن يفكّر جدّيا بعلاجها مكتفيًا بتسكينها ليقينه أنها ثقل الحياة, وهو متمسك بالحياة مهما ثقلت:    

(تصوّرتني سأكذب وابتعدت عني لذنب لم أقترفه, كنتَ متلكئًا معي قاصدًا فراقي, غير أن الجزئين وإن سايرا رغباتك سيعودان عليك بالندم.....

.... لقد كرهتني من أول خطوة خطوتها دون استشارتك, هذا الكره كنت تضمره وقد تصدع به رأسي وتعبت منك, ومن تكرار مجيئك المفاجئ واختفائك الغريب, كرهتك....

مؤخرًا صار غيابك غريبًا. غرابة تمنحني القوة لأقول أنك لم تكن إلا وهمًا صنعته أنا في وقت كنت بحاجة إلى من يذكرني بضعفي الأزلي, جهلي, حماقتي, إفراطي في الطيبة مع الجميع, أوقوة أتخيلها تدفعني إلى أن أحلامي الواقعة بين الخيال والواقع محال, أو يمكن تخيلتك أنيسًا لوحدتي لا أكثر. لقد أدركت في ابتعادك عني أن الإنسان الذي يقدم على الوحدة قادر على تجاهل نفسه, ولا يمكن له أن يضعف فجأة اتجاه رغباته التي تشبه رغبات الآخرين, أصبحت أرى بوضوح تام أن اضطراب أفكاري شيء طبيعي, أدركت نفسي وطاقاتي الاعتيادية. لا أفكر في تجاوز المنطق كي لا أتحول إلى معتوه أو فاقد عقل , لن أتناسى كياستي التي أحب الحفاظ عليها) .


الذات المعاصرة: 

ومواضيعها التي ولدت في حضن الحداثة وما بعدها, وهي ما اهتمّ الكتّاب الحداثيون بعرضها ومحاولة معالجتها في أعمالهم الأدبية, والتي حاول نصفه الآخر أن يثبّتها عنده:

( "الجنس, المال, العبد, الحياة, الموت, البداية, والآخرة ", أنا أفهم أنه يحاول إثارة انفعالي من خلال هذه العناوين التي أكون فيها بعيدًا كل البعد عن المنطق, أشعر أنه وجد في الحديث عن الجنس رغبة متجددة, وما هو إلا أداة للتكاثر لا أكثر, العبث أحيانًا ملاذه السعيد بي , وأحيانًا كثيرة يقودني إلى الفشل, يشعرني بالضعف سواء أظهرت ذلك له أو أنكرته, كما فاقد المال يستأثر بقوله" في شحة المال يعيش المرء في راحة بال لا يعرفها الغني الموجوع من المرض", تلك لغة الحرمان يردّدها العبد الذي يحدّث نفسه برضى ربه, يخلق في خياله من المعجزات ما لا يوصف بالعقل ليخفّف عن ذاته التي تعيش في حرب مع رزقه الذي قدّر عليه, ذاته الخائفة من الطبيعة وما وراءها, في صراحة تامة هي حياة بسيطة تسبح في عالم من المتغيّرات تحتاج إلى تجلّد أكثر مما نتصوّر, لينتهي بنا الأمر إلى الموت, من يجزم على فهمها؟  وأنا لا أختلف معه, لم أستطع فهم كيف وصلنا إلى هذا الحدّ من الضعف؟ لكن ما زلنا أقوياء, ننهل من أمل نخلقه لأنفسنا رغمًا عن الآخرة التي تنتظرنا, قد تصوّرها فاتحة لنا أبوابها مشرّعة في وجه كل من شهد بكلمتين يعتقد فيهما خلاصه من ذنوب الماضي, وما فعل وما كان يفعل و ما سيفعل لو عاش حياة أطول). 

الحقيقة أن هذا النص استوقفني طويلًا, ليضعني أمام كشف لذاتيّة الآخر!, ولا أدري لِمَ حضرتني مقولة ( شيطان الشعر), لأقيس عليها, فأجدني أمام (شيطان الحداثة)! لم أجد تعبيرًا أنسب منه أطلقه على هذا (الآخر) الذي تنطبق عليه جُلّ الصفات التي تكوّن الذراع الأدبي( الفكري والثقافي) للحداثة, والتي مدّها الغرب على شكل أذرع أخطبوطية باتجاه الشرق, والذي حاولت من خلاله الامبريالية بثّ الانفلات في الفكر والأدب والثقافة بحجة التحرّر( وهو اللفظ الذي كان الآخر يكرّره على السارد كثيرًا: "تَحَرَّر"), ولكن الثقافة العربية عملت فيها الحداثة بشكل عكسي.

 حيث أن الله حصّن وشرّف اللغة العربية وآدابها بالقرآن الكريم, وهو سيد النصوص ومحتوياته سيدة للمضامين الثقافية والفكرية في جميع مجالات الحياة, ويتبعه أحاديث الرسول والأوصياء والصحابة, ثم العربة الشعرية الراقية, التي نُعِتَتْ(بالجاهلية) ظلمًا, وهي أم الثقافة والفكر الإنساني المتوارث, فعملت الثقافة العربية في الحداثة بشكل عكسي, وأدارت دفّتها نحو الاستفادة منها كمشرب للتجديد, حيث أرادت أن تبثّ الأفكار اللاأخلاقية من بغي وسقوط ورذيلة وانفلات أسري, وخلاعة وإسفاف ووجودية وإلحاد في المجتمعات العربية وفشلت, وحين اتجهت نح الأدب لم تؤثّر سلبًا في جميع أنحاء الوطن العربي, إلّا عند عدد من أصابع يدِ واحدة ...

وبذلك كان الصراع بين السارد والآخر صراع بين الموروث والحداثة, كان الانتصار فيه للإنسان والأخلاق والإبداع الرصين. 

 ( سأكتب هذه الليلة نصًّا لا أذكر فيه اسمي, سأذكر لذّة الانتصار على الآخر). 

من بعد هذا النص اختفى (الآخر)!



خامسًا- المستوى الرقمي أو الإحصائي الساند Supporting digital level


8- التقييم الرقمي الساند : Supporting digital analysis


وهنا لا يكتفي الناقد بتحليلات دلالاته ومدلولاته ومفاهيمه وعلاماته الحسية, إلّا ويسندها بتحليل رياضي إحصائي رقمي مدروس، وتحويل  جميع تلك العلامات والدلالات الحسية والمدلولات بجميع محطات الدراسة النقدية إلى أرقام حسب تكرار مدلولاتها، و وضعها بمعيار حسابي دقيق  كنقد رقمي ساند، يعرف من خلاله هوية الأديب ودرجة رصانة النص، فهناك علاقة وثيقة بين المستوى اللساني والرقمي، لكون جميع الدلالات والمدلولات اللغوية واللسانية والبلاغية والصور الأدبية تُرّقم وتُجمع بعملية حسابية, ثم تُقسّم على عدد مئات المجموع ليستخرج إمكانية الأديب ودرجة تمكّنه الأدبي بالمئة(%) ....

ولكون الرواية مكتنزة بالدلالات والمدلولات والمفاهيم, كان من الصعب أن أعرضها كلها, واكتفيت بعرض جزء يسير منها في المدخل اللساني, ومن خلال حساباتي التقريبية النسبية وجدت أن الكاتب يرتفع مؤشر التقييم الرقمي عنده إلى99% ما يعني أنه أديب رصين بدرجة عالية جدًّا, ومتمكّن ممتاز من أدواته الأدبية.


9-الميل رقمي الذرائعي (rubric) :


ولا يكتفي الناقد بالأرقام التي عن طريقها منح الأديب درجته الأدبية بل يبحث الآن عن منحه درجة الإبداع الذي بواسطته استطاع أن يكتب بتلك المفردات والدلالات نصًّا متفوقًّا، فيعمل بشكل عكسي، حين يحسب المائة بواحد (100=1) ليعطي الأديب البراعة في استخدام لغة الأدب والتمكّن منها لصناعة ميل براغماتي لقدرته التعبيرية بحساب درجة أرجحية الإبداع لدى الأديب، وهذا الميل يكشف الأمور الأخرى التي قد تفوت على الناقد في تحليلاته لمتون النص، ليتسنّى للناقد إسناد تحليله على جدار نقدي علمي بحت قوي، وعليه أن يختبر(test) تحليله بجمع مجموع الدلالات الحسية، والأعمدة الرمزية وتحليلها، ثم حسابها رقميًّا بميل رقمي(rubric)، ليثبت رجاحة الدلالات وموازنتها، مع بعضها البعض وتحديد درجة الميل لكل واحدة منها، بذلك يكون قد أسند آراءه النقدية رقميًّا وحسابيًّا بأحكام رقمية بحتة لا تقبل الشك, وتزرع اليقين لدى كل متلقٍّ أو ناقد....وحدات التحليل هنا هي الأرقام فقط....

الميل البراغماتي عند الأديب عادل 9,8 من 10 

الكاتب مبدع بدرجة ممتازة 


الخاتمة

أعترف أن هذه الرواية هي من الثراء بحيث صعب عليّ إخراج كلّ كنوزها, ولا أقول إلا سبحان من أحاط بكل شيء علمًا, وما أوتينا من العلم إلّا قليلًا, بهذا القليل تناولت هذا العمل عبر المنهج الذرائعي الذي يُحسَب للمنظر العراقي عبد الرزاق عوده الغالبي أجر فتحه, ووضع النظرية الذرائعية زكاة علم, والتي كان لي شرف التطبيق النقدي عليها, أهنئ الروائي حسن البحار على هذا العمل الكبير الذي يؤشر لدرجة عالية حازها الكاتب على مقاس الميل البرغماتي الذي يشير إلى درجة أدبيّة الأديب وحرفنته باستخدام أدواته الإبداعية, مُقصِّرة ولا شك, لكن الكمال لله وحده.  

د. عبير يحيي


التعليقات




5000