..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


عـبـدالله الـبـردوني : هـومـيـروس الـيـمـن

قد تذرف الدمع وأنت تستمع لقصة طفولته أسى لما لقيه من ألم وفاقة وحرمان، 

وقد تذرف الدمع وأنت تستمع لقصيدة يرثي فيها “ليالي الجائعـين” ،

أو “عـروس الحزن”... 

وربما ذرفت الدموع بلا شعور ، لشدة ما تبعثه فيك إحدى قصائده من حماسة، 

ولكنك في كل الأحوال لا تملك في المحصلة إلا أن تكبر فيه إبداع الحياة من العـدم، 

والبسمة من مرارة الألم.. 

ذلك هو الشاعـر والمفكر والناقد عـبدالله البردوني، ”هوميروس اليمن”. 


قبل عشرين عـامـاً، ذَكر الموت البردوني بحقـيـقـتـه ،

وهو القائل “أنسى أن أموت”، فانطفأت نار موقد دهشة ذاهلة ،

وخبا وهج شمس ساطعة استحال حجبها بمنخل، 

وغادر البردوني عالمنا بروحه وجسده..  مُخلفاً حياة أخرى، 

نبضها الخالد 12 ديواناً ضمت 405 قصائد أودعها خفقان قلبه، 

و9 كتب نقدية وتاريخية ضمنها بعض عصارة فكره المستنير، 

ومئات المقالات الصحافية والإذاعية، وبقايا نتاج متنوع ما بين شعر ونثر وتأريخ ونقد، مازال مخطوطاً لم يطبع بعـد. 


تبدأ رحلة البردوني مع الصباح وتنتهي به. 

ففي أحد صباحات العام 1929 كان ميلاده لأسرة فقيرة ، 

في قرية نائية مِنْ قرى بلدٍ كان لا يزال “ضريراً وكل ما فيه أعـمى أو يدعـو إلى العمى”، 

إلى الجنوب من صنعاء بمسافة 100 كيلو متر، 

تدعى قرية “البردون” وإليها ينتسب ويسمى. 

وقبل أن يتم عامه السادس كان التخلف قد قضى أمره، فمكن الجهل حمى الجدري من سلبه بصره، لكنه أصر أن يكون الضرير “المبصر في الزمن الأعـمى”، وقد كان. 


لم يعـترف الضرير الصغير بالعـمى، 

ضاعـف فـقـدانه البصر صعوبة مواصلته تعـليمه الأولي في كُتاب القرية،

التي كان قد قرأ فيها ما يُسمى “جزء البياض” ،

وهو قراءة الحروف وكتابتها في لوح على مداد أبيض وقلم مبري. 

لكنه كان يحفظ الحروف دون كتابتها،  

إذ كان نظام التعليم يقوم على التلقين وقراءة الحروف قراءة إنشادية، 

مثلما استطاع أن يحفظ ثلث القرآن الكريم “10 أجزاء” ،

قبل أن يتنقل في الثامنة إلى كُتاب قرية مجاورة تدعى “المحلة”، ومنها إلى مدينة ذمار. 


في ذمار، قـصد “المدرسة الشعبية” حيث أتم حفظ القرآن تجويداً. 

ثم التحق بـ “المدرسة الشمسية” الموازية للمتوسطة. 


درس الفتى الضرير اليافع في “المدرسة الشمسية” علوم القرآن، والحديث، والفقه، واللغة، والبديع، بالتزامن مع بداية ميله للشعر ، وولعه بقراءة ما استطاع من دواوين الشعراء استماعاً... في الثالثة عشرة بـدأ يقـرض الشعـر “الذي بدأ يلين له ويعطيه من بواكير فاكهته.. ويعجب الشاب الضرير بهذا الزائر الذي يسليه في وحدته ويعزف على أنغامه ألحان طموحه وآلامه،.. وكان عزاؤه في بصره وعـينيه وظلام أيامه” كما يروي د. عـبد العزيز المقالح. 


وبينما كان يؤمل لمثله أن يتخرج مُقرئاً أو إمام جامع، كانت سخريته اللاذعة وحسه النقدي تنحو به نحو تطويع الشعـر هاجياً، ليصطدم بالناس والسلطة بحدة احتجاج تقوده إلى السجن تسعة أشهر.

غادر البردوني السجن في ذمار إلى صنعاء حيث التحق بمدرسة “الجامع الكبير”، ومنها إلى دار العلوم (المدرسة العلمية) الموازية للثانوية، وحيث تبدى نبوغه. 


أحب البردوني المستـضعـفـين وفتح لهم قلبه ، وأرهف لهم أذنيه، فظل شعره يصدح بهمومهم ويتحدث بلسانهم ويواسي آلامهم ، في وقت كان أحوج للمواساة من غيره، ولم يكن يتصنع ذلك، إذ ظل يعد نفسه واحداً منهم، ويؤمن بواجب مقدس للشاعـر في تبني قضايا عصره “لأنها عدالة أمر بها الله ويطلبها الشعب، لأنها حرية، وهي عن حق الشعب أن يعبّر بصوت عال وأن يفكّر بصوت صائت وأن يكتب بأمانة،  لا رقيب عليه إلا ضميره،  وألا ينال عقوبات” كما يقول.


جابه البردوني في مسيرة حياته، معارك عديدة، فتعرض للاعتقال التعسفي غير مرة، وهجمات جائرة ومؤامرات بشعة مسـَّت أمنه وسكينته وسلامته بل وقوته، وظل بإبداع الفذ ومبدأ الحق أكبر من كل حصار أدبي فرض عليه، وكل تجاهل عمدي عوقب به، وكل جحود قوبل به، وجابه بشعره ورأيه وفكره ضيم التأويل المضلل وغـبـن التصنيف المغرض وظل منتصراً مُهاباً. 


كانت أولى مصادماته مع نظام حكم الأئمة في شمال اليمن عام 1949 إثر الإطاحة بثورة نجحت في اغتيال الإمام يحيى بن حميد الدين،  ثم نجح نجله الإمام أحمد في وأدها بدهائه ، ونكـَّـل برموزها وهم من خيرة علماء وأدباء وشعراء اليمن... وسجن البردوني بسبب شعره اللاذع تسعة أشهر. وثانية المصادمات في عام 1953. وقضى في السجن 11 شهراً. 


لا أحد يستطيع وصف الوجه الآخر للشاعر البردوني وأبرز خصاله، أكثر مِن زوجته ورفيقة دربه طوال 25 عاماً. تقول فـتحية الجرافي، وهي الزوجة الثانية للبردوني بعد وفاة زوجته الأولى فاطمة الحمامي (1959- 1974 ): 


“عـرفـتـه رجلاً شهماً كريماً نبيلاً ، أدهشني بمكارم أخلاقه ، وبعد الزواج تعرفت اليه أكثر فوجدته نوعاً نادراً من البشر.. كان زوجاً طيباً كريماً متعاوناً لا يحب ان يحمل الآخرون أعباءه مهما كانت الظروف . كان يعتمد على نفسه في ارتداء الملابس وكل ما يحتاجه الإنسان العادي، وكنت أقوم بالقدر المستطاع بالأشياء الضرورية التي يحتاج لها.. وتعامله مع الآخرين كان في منتهى الروعة ليس معي فقط ولكن مع الجميع”. 


عُرف البردوني بانضباط دوامه اليومي وجدية نظامه ودقة تنظيم حياته. يبدأ يومه في الثامنة صباحاً بإفطار بسيط (الزبادي، البيض، الخبز، وكوب من القهوة)، ثم تبدأ الفترة الصباحية لاستقبال أصدقائه، يتقدمهم زميل وصديق حميم يلازمه دائماً محمد الشاطبي الذي كان يكتب ويقرأ له بجانب عدد من الشباب الذين يساعدونه في الكتابة ، منهم من صاروا اليوم شعراء معروفين، تماماً كما توسم فيهم البردوني. 


كان هذا الملتقى الثقافي والأدبي، ينتهي عند الثانية ظهراً، يتناول بعدها البردوني الغداء ثم يخلد للنوم، أو إلى المذياع في معظم الأحيان، وإذا نام فيستيقظ عند السابعة مساء، ليبدأ الفترة المسائية لملتقاه أو صالونه الثقافي والأدبي المفتوح، فيحضر أصدقاؤه للاطلاع على آخر الإصدارات. كما كان يشارك في الأمسيات الثقافية والليالي الشعرية مثلما ظل دائم السفر وتمثيل اليمن في كل محفل أدبي خارج اليمن. 


بدأت علاقة البردوني مع السفر خارج اليمن عام 1971 بتلبيته دعوة المشاركة في مهرجان أبي تمام الذي أقيم في الموصل في العراق ، احتفاء بمرور ألف عام على ولادة الشاعر حبيب بن أوس الطائي “أبو تمام”، فكانت بداية انتشاره على المستوى العربي بقصيدته الخالدة “أبو تمام وعروبة اليوم”، لتنهال عليه دعـوات المشاركة في غير محفل ثقافي وأدبي عربي وإقليمي، ويظل ملبياً لها بصحبة رفيقه الشاطبي أو زوجته. 


جاب البردوني معظم العواصم العربية، وبعد الموصل، شارك في مهرجان شوقي وحافظ في القاهرة 1981 ، وحاز جائزته الأولى، ثم مهرجان جرش الرابع في الأردن عام 1984، وحاز جائزته، قبل أن يسافر رحلته الثانية إلى الإمارات لتسلم جائزة سلطان العويس عام 1994 التي كرس قيمتها المالية (100 ألف دولار) لطباعة أربعة من كتبه التاريخية والنقدية ، دعماً للمكتبة اليمنية، وطرحها للقارئ اليمني بسعر زهيد جداً. 


ولم تقتصر مشاركات البردوني الخارجية على الصعيد العربي فحسب، بل تعـدته إلى الصعـيد الدولي، فزار سنة 1988 روسيا، واستضافه معهد العالم العربي في باريس، وزار الولايات المتحدة الأمريكية بدعوة من الطلبة العرب، وألقى محاضرات في خمس ولايات بجامعات إنديانا وجور تاون وجامعات أمريكية أخرى...


لم يترجم بعـد كل أدب وفكر البردوني إلى اللغات العالمية، وحتى الآن تُرجم إلى اللغة الإنجليزية كتابه “الثقافة الشعبية” ، وكتاب ضم عشرين قصيدة مختارة من أشعاره. فيما تُرجم له إلى الفرنسية ديوان “مدينة الغد”، وكتابا: “اليمن الجمهوري”، و”الخاص والمشترك في ثقافة الجزيرة والخليج”. وعًـدَّه منتدى المراكز الثقافية الأجنبية في باريس “شاعـر القـرن العشرين”. كما أصدرت مـنـظـمـة الـيـونيـسـكو  سنة 1982 عـملة فضية عـليها صورته كـ "معـوق تجاوز العجز". 


لم تنته محنة البردوني مع المرض بنهب حمى الجدري لبصره في الخامسة من عمره، واستمر على علاقة أليفة مع المرض. حتى انه قـبل وفاته بعشر سنوات، أي في العام 1989 “سافر إلى روسيا وأجرى فحوصات عديدة أثبتـت أن لديه "27 نوعاً من الأمراض من بينها ضغط الدم والسكر والربو والأملاح والقلب"، وكان يتناول العلاج لكل هذه الأمراض بانتظام.. 


لكن المحنة المرضية الأبرز في حياة البردوني قبل وفاته بعشرة أشهر، أدَّت إلى فـقـدان في الذاكرة.  وبجانب ما نشره في حياته من شعر ونثر وفكر ونقد وتأريخ، مما يستحق دراسته دراسات متعمقة تفيه حقه؛ فإن ثمة تراثاً خلفه البردوني ما زال مخطوطاً ينتظر تحريره. والمعروف حتى الآن من هذا التراث المخطوط: ديوان “العشق على مرافئ القمر”، وديوان “رحلة ابن من شاب قرناها”، ورواية بعـنوان “العم ميمون” كان أشار إليها البردوني في بعض حواراته، بجانب كتاب نقدي “الجديد والمتجدد في الأدب اليمني”. 


وبـعــد؛


كان الـبـردونـي رجلا موسوعـياً وعالماً ومبدعاً في كتابة النثر، والتدوين للتأريخ. وما يـُـميز البردوني أنه كان "وطنا لقصيدة وقصيدة لوطن".. كان يحمل هـَـمّ أمة وشعـب ووطن... كان يعيش تفاصيل الحياة برمتها ، يكتب عن الأشخاص ... عن الـفـقـر والأوجاع ،الأحزان والأفراح.. وكل ما يتعلق بالوطن من قريب أو من بعيد... لم يكن ذلك الشاعـر النرجـسي الذي يعـيش لذاته ، ويعبر عن آلامه فـقـط ، ولكنه كان يعبر عن آلام وطن بأكمله.


د. عبد القادر حسين ياسين


التعليقات




5000