..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
جمعة عبدالله
.
رفيف الفارس
.......

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


حوار مع المفكر والكاتب العراقي عبد الحسين شعبان

مجلة المسالك " التونسية"

من يقرأ الدين بطريقة خاطئة سيتوصل إلى حاضر ومستقبل خاطئين

نحاور في هذا العدد الأوّل المفكر والكاتب العراقي عبد الحسين شعبان وهو قامة  ثريّة متنوّعة الاهتمامات والانشغالات.

درس وتعلّم في مسقط رأسه مدينة (النجف) وتخرّج من جامعة بغداد وواصل دراسته العليا في براغ  فنال درجة الدكتوراه في فلسفة القانون، وعاش في المنفى ثلاث مرّات. انخرط في العمل السياسي منذ وقت مبكّر مع الحركة الشيوعية ولكنه لم يتقيد منذ الثمانينات بالمدرسة الكلاسيكية الماركسية (الارثوذكسية)  التي تمرّد عليها، وظلّ مخلصاً لقناعاته الفكرية "المادية الجدلية" كما يقول، مقدماً اجتهادات وقراءات جديدة للفكر الاشتراكي من زوايا انتقادية تنسجم مع روح العصر والنزعة الإنسانية.

وأثار كتابه " تحطيم المرايا - في الماركسية والاختلاف" جدلاً واسعاً، ونظّمت ندوات وملتقيات لمناقشته في بيروت وبغداد والقاهرة وتونس وغيرها  حيث تشرّف "منتدى الجاحظ" بتنظيم ندوة عنه واستضافته في العام 2010 مع نخبة عربية، للحديث عنه في إطار مراجعاته النقدية للفكر الماركسي بشكل خاص والفكر السياسي - الاجتماعي بشكل عام، وقد جُمعت المناقشات والأبحاث والدراسات التي دارت حول هذا الكتاب وصدرت في كتاب جديد بعنوان: الحبر الأسود والحبر الأحمر - من ماركس إلى الماركسية، واشتمل 40 مساهمة.

 اشتغل على قضايا فكرية تتعلق بسسيولوجيا الأديان (المسيحية والإسلام) والتسامح واللّاعنف وقد اشتهر كتابه " فقه التسامح في الفكر العربي الإسلامي : الدولة والثقافة" الذي كتب مقدمته المطران جورج خضر.

يُعدّ من رواد العمل الحقوقي في العالم العربي وكانت له فيه بصمة واضحة قراءة وتنظيراً وممارسة ونقداً مؤكداً على الدور التنويري الذي يمكن أن يقوم به، وقد نال جائزة أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي (القاهرة - العام 2003) وشغل لسنوات مكانه في اللجنة العلمية في المعهد العربي لحقوق الإنسان الذي كان يستضيفه سنوياً لإلقاء محاضرات لتأهيل كوادر عربية في هذا الحقل الهام، الذي أغنى المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات فيه.

كرّم في تونس من المعهد العربي للديمقراطية ومنتدى الجاحظ والجامعة الخضراء في احتفال مهيب يليق بمفكر حر، وقد صدرت وقائع حفل التكريم والتحايا التي وصلت من عديد النخب الفكرية والثقافية والشخصيات الاجتماعية والحقوقية، في كتاب بعنوان: "عبد الحسين شعبان - تونس والعرفان".

كتب الدكتور شعبان في حقول متعددة ومختلفة من القانون إلى الفلسفة وعلم الاجتماع والسياسة الدولية مثلما كانت له مساهمات متميّزة في أجناس أخرى مثل النقد والسرديات والتاريخ، بما فيه أنطولوجيا المثقفين العراقيين والعرب، إضافة إلى كتبه في الشعر والرواية، حين قدّم إضاءات لامعة لشخصيات ثقافية وأدبية.

له أكثر من 60 مؤلفا ً مطبوعاً وهو متفرغ للعمل الأكاديمي والبحثي في جامعة اللّاعنف وحقوق الإنسان في العالم العربي (بيروت) .

 

س 1- ما هي قراءتك للمشهد العربي على ضوء التحوّلات الدراماتيكية والسياسية الراهنة؟

 

ج1-  لا أخفيكم سرّاً إذا قلت أنني متشائم منذ نحو 4 عقود من الزمان، وكان تشاؤمي يزداد كلّما تتّسع المساحات الظلامية في العالم العربي وتشحّ الحريات وينحسر حكم القانون وتتدهور حياة الناس المعاشية في الكثير من البلدان العربية، خصوصاً حين يرتبط الأمر بالحروب والنزاعات الأهلية والصراعات الطائفية والمذهبية وضعف الشرعية وارتفاع منسوب الفساد المالي والإداري، الأمر الذي عزّز من رقعة الاستبداد الذي هو سبب البلاء حسب المفكر العربي عبد الرحمن الكواكبي، واستناداً إلى قوله  "الثورة غالبا ما تكتفي بقطع شجرة الاستبداد ولا تقتلع جذورها ، فلا تلبث أن تنبت وتنمو وتعود أقوي ممّا كانت أولاً" .

            ولكن تشاؤمي انخفض قليلاً حين هبت نسائم  الحراك الشعبي فيما أطلق عليه "الربيع العربي" في عدد من الأقطار العربية، تلك التي كانت فاتحتها تونس، حيث انتصرت الحركة السلمية المدنية  اللّاعنفية وتمكّنت من إحداث التغيير الأوّلي المنشود، وحذت حذوها مصر، التي كانت لسنوات تستعد لمثل تلك اللحظة الثورية، الأمر الذي أعطى خفقة من الحرية، وشعرت من أعماق قلبي وكأن ريحاً خفيفة منعشة هبّت على المنطقة، إلّا أن هذا التفاؤل الحذر سرعان ما انخفضت نسبته لدرجة أن ما يوازيه من تشاؤم حذر كان في منافسة شديدة معه، لاسيّما حين انكسرت موجة التغيير باندلاع العنف والإرهاب الذي هيمن على المشهد السياسي والثقافي والاجتماعي.

            قد أكون حسب الروائي الفلسطيني أميل حبيبي "متشائلاً" وهو عنوان روايته " سعيد أبي النحس المتشائل"، لكن هذا التشاؤل أخذ تدريجياً يميل لصالح التشاؤم، لاسيّما بصعود الموجة الدينية ، وخصوصاً من جانب الإسلام السياسي بمدارسه المختلفة، سواء ما يطلق عليه الإسلام المعتدل أو الإسلام المتطرف، وصولاً للإسلام التكفيري الذي تجلّى بممارسة العنف والإرهاب بأبشع صورهما متمثّلاً بتنظيمات القاعدة وفيما بعد داعش وأخواته مثل "جبهة النصرة"  (جبهة فتح الشام ) وغيرها وأريد هنا أن أفرّق بين التشاؤم واليأس، فكل ما حولنا يشي بالتشاؤم بل مدعاة له، لكنني على الرغم من الأجواء الخانقة أحياناً لست يائساً، والتشاؤم هو تشخيص للحالة وإقرار بالواقع في حين أن اليأس يعني الاستسلام وهذا ما تريده القوى المتنفّذة ، ولا أجد نفسي ضمن هذا التصنيف، لأن روح المقاومة ما تزال متئدة وهو ما يدفعني لمقاومة اليأس والتبشير بعكسه في جميع المجالات.

            لنعترف أن أحزاب الإسلام السياسي سعت للوصول إلى السلطة، وهذا حق مشروع لها وأحترمه كثيراً، بل أدافع عنه، خصوصاً إذا كان ذلك عبر صندوق الاقتراع وبصورة سلمية وشرعية وقانونية. لكنها أرادت احتكارها وتهميش الآخرين، إضافة إلى فرض  نمط من الحياة وتشريع للقوانين من شأنه إحداث تصدّع في بنية الدولة، وهو ما لقي اعتراضاً شديداً، بل مقاومة قوية في مصر أدّت إلى الإطاحة بحكم "الأخوان" بفعل تدخل الجيش الذي حسم المعركة، ولقي تحفظاً شديداً في تونس على بعض أطروحات وممارسات حركة النهضة، التي سارعت بتغيير تكتيكاتها بذكاء وتبصّر لمآل الأخوان، لاسيّما بعد أن قرأت المشهد السياسي العربي والدولي، وأدركت أن توازن القوى ليس لصالحها، فاستدارت ببراعة وعملت بعد انتهاء "حكم الترويكا" بقيادتها إلى قبول التفاهم والتوافق الجديد بمساومة ضرورية، بل لا غنى عنها للحفاظ على ما تحقق لها من مكاسب.

            وهكذا انعقدت الصيغة الجديدة لحكم تونس بين حزب النهضة وحزب نداء تونس، وهي صيغة حفظت الوحدة الوطنية ومنعت الانفجار الذي كاد أن يكون قاب قوسين أو أدنى. ولم يكن ذلك بعيداً عن دور الشيخ راشد الغنوشي الذي أعرفه جيداً كما أعرف مقدار خبرته السياسية وكفاءته النظرية والتنظيمية.

            وقد لعب المجتمع المدني، دوراً مهماً في الحوار الوطني وفي نزع الفتيل، الأمر الذي استحق عليه جائزة نوبل (2015)، وأعني بها : الاتحاد العام التونسي للشغل وهيئة المحامين واتحاد الصناعة والتجارة والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان .

            أعقتد أن الأسئلة التي واجهتها الأمة العربية والأمة الإسلامية منذ نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ونهاية عهد الدولة العثمانية، ما تزال هي ذاتها تواجهها اليوم، وخصوصاً أسئلة الحرية والوحدة والتنمية، ومقوماتها ونعني به الاستقلال والتحرر وبناء الدولة والإصلاح، وإن كانت هذه الأسئلة جنينية في الماضي وأقرب إلى إرهاصات لمرحلة الحداثة الأولى، إلّا أنها اليوم أكثر تركيباً وتعقيداً وانشباكاً بسبب التحدّيات الخارجية، ولاسيّما وجود "إسرائيل" ودورها العدواني، كأداة حرب مستمرة، وكذلك التحدّيات الداخلية المتمثّلة في الانقسامات الطائفية والدينية بالدرجة الأولى، إضافة إلى المشكلات الإثنية والقومية والسلالية واللغوية وغيرها.

            باستعادة المشروع النهضوي العربي الأول الذي قاده جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ورفاعة الطهطاوي والشيخ حسين النائيني وخيرالدين التونسي ورشيد رضا وأنطون فرح وشبلي شميل وصولاً إلى علي عبد الرازق وطه حسين وغيرهم ، فإن إشكالية  الحداثة والتمدّن واللّحاق بركب العالم المتطوّر مرتبطة بالتحرر السياسي في مواجهة الاستعمار والاستقلال الاقتصادي في مواجهة التبعية والعدالة الاجتماعية في مواجهة الاستغلال والديمقراطية في مواجهة الاستبداد والتسلط والوحدة العربية في مواجهة التجزئة والتجدد الحضاري لمواكبة روح العصر.

 

س 2- ما تقييمك لمسار الانتقال الديمقراطي في بلدان " الربيع العربي" وخاصة تونس؟

 

ج 2- أستطيع القول أن الشرعيات القديمة التي تأسست عليها معظم الأنظمة العربية تصدّعت وإن العواصف خضّتها أو زعزعت بعض أعمدتها أو اصطدمت بسواحلها وضفافها حتى وإن ظلّت قائمة، علماً بأن بعضها انهدم وأطيح به، وما هو مؤكد بالنسبة لي أنها تركت تأثيراتها على الجميع ، وأصبح لزاماً على العالم العربي استيعاب الاستحقاق التاريخي بالتغيير، الذي سارت بعض البلدان العربية في طريقه وإنْ ببطء وتدرّج لكنها تمكّنت من احتواء الانفجارات التي كانت محدقة واستجابت لبعض المطالب كما حصل في عُمان والأردن والمملكة المغربية، التي عملت على إعداد دستور جديد بمشاركة من قوى معارضة أساسية، لكن بعضها الآخر لم يستجب لاستحقاق التغيير، مثلما حصل في ليبيا واليمن، حيث اتخذ بُعداً مأساوياً وما يزال حتى الآن، خصوصاً بتعويم الدولة وبالصراعات المسلّحة واستشراء الفساد، ولاسيّما بالتداخلات الخارجية: الدولية والإقليمية، والأمر أكثر مأساوية في سوريا حيث اضطر ما يزيد عن ثلث السكان إلى الهجرة والنزوح في أوضاع بغاية السوء وتدهور الوضع المعاشي والصحي والتعليمي، وتحتاج سوريا اليوم لكي تتعافى جهوداً استثنائية على جميع المستويات، لتستعيد الدولة هيبتها وسيادتها  وتبسط سلطانها على جميع أراضيها، والأمر مرتبط أيضاً بحل سياسي في إطار التوافق الوطني وتوسيع دائرة الحريّات والمشاركة، سبيلاً لتلبية بعض المطالب الشعبية، وخصوصاً بتدويل القضية السورية ووجود أطراف دولية وإقليمية مؤثرة فيها مثل الأمم المتحدة وروسيا والولايات المتحدة وإيران وتركيا وبعض دول الخليج التي كانت تموّل الجماعات المسلحة.

            وإذا كانت الشرعيات القديمة قد اهتزّت أو تزعزت وانهارت في بعض البلدان، إلّا أن  الشرعيات الجديدة لم تترسّخ أو تستقر بعد، وبعضها ظل مترنّحاً، وحسب المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي "القديم يحتضر والجديد لا يستطيع أن يولد بعد ".

            وتونس حتى الآن ما تزال على مفترق طرق، على الرغم من أن أوضاعها قياساً لبلدان الحراك الشعبي أفضل بكثير ، خصوصاً وفيها نخبة متعلّمة ونسبة الأمية شحيحة قياساً بالبلدان العربية الأخرى، ودور المجتمع المدني مؤثّر ومهم، والانقسامات المجتمعية لا تكاد تُذكر قياساً بالبلدان الأخرى، سواءً على المستوى الديني أم الطائفي أم القومي بحكم التجانس الموجود فيها، باستثناء بعض الاختلافات في مستوى التطور بين الساحل والمناطق الأخرى التي تشعر بالغبن، كما أن دستور تونس الذي شُرّع بعد الثورة يعدّ الأكثر تطوّراً من غيره من دساتير المنطقة، وأعتقد أن ما تحتاج إليه تونس هو إرادة سياسية قوية وموحّدة للحفاظ على ما هو قائم وتطويره بالطرق السلمية ونبذ العنف ووضع حدّ لظاهرة الإرهاب واللّجوء إلى حل الخلافات بالحوار والتفاهم والتنازلات المتبادلة.

            والأهم في ذلك تأكيد حكم القانون واستقلال القضاء وفصل السلطات، وبالطبع فإن المدخل لنزع فتيل الأزمات المستفحلة هو: تحسين الوضع الاقتصادي الذي يعتبر حلقة مركزية لا غنى عنها  لإحداث التنمية المستدامة بحقولها المختلفة، خصوصاً وقد أخذ بالتردّي منذ نجاح ثورة جانفيه - يناير (أواخر العام 2010 مطلع العام 2011) ولحد الآن، حيث اتّسعت البطالة وازدادت الجريمة المنظمة، إضافة إلى أعمال العنف والإرهاب والتداخلات الخارجية.

 

س 3- إلى أي حدٍّ يساهم الخيار الديمقراطي في الحدّ من خطر الإرهاب والفساد؟

 

ج- 3 في ظلّ عملية الانتقال من طور إلى طور ومن حكم استبدادي فردي إلى حكم تعدّدي يتّجه نحو الديمقراطية أو يحاول اتباع أساليبها في الحكم، تحدث تصدّعات في نظام الإدارة والحكم، وهذا أمر طبيعي في أي مرحلة انتقالية حيث تتآكل الشرعية القديمة، وتشهد الشرعية الجديدة تجاذبات آيديولوجية وسياسية مختلفة، تحاول كل منها سحبها إلى ساحتها، الأمر الذي يؤدي إلى فراغات أو فجوات في نظام الإدارة والعمل الحكومي، خصوصاً حين يكون الكادر الجديد غير مستعد أو لا يمتلك المؤهلات الكافية، فضلاً عن بعض الانفلات في مراتب الدولة وأجهزتها بسبب التبدّلات السريعة وضعف الكفاءة، فيحدث أن تشهد هذه البلدان فساداً ظاهراً ومستتراً، مالياً وإدارياً، لم تشهده الدولة من قبل، أو أنه كان محصوراً بفئة الحكام وعوائلهم ومَنْ حولهم، ولا يتجاوز عدد هؤلاء أصابع اليد الواحدة التي تهيمن على كل شيء، كما كانت عائلة الرئيس السابق وما حولها، علماً بأنه في المرحلة الانتقالية تضعف الرقابة ويسود نوع من الانتهازية للكسب السريع على حساب الدولة والمال العام باختلال نظام المراتب البيروقراطية الذي تعرفه الشرعيات القديمة بحكم تقادمها في العمل الحكومي والوظيفي.

            وبغياب نخبة الحكم السابقة، ولاسيّما الكفاءات التي اكتنزتها لسنوات طويلة  ومجيء مجموعات حكم جديدة بكفاءة أقل، يجد البعض من الثورة المضادة والقوى التي تضرّرت مصالحها أو من قوى تريد فرض هيمنتها أو تحقيق مكاسب من الوضع الجديد، فرصته الذهبية لإحداث اختراق أمني وإضعاف الثقة بالنظام الجديد وهيبة الدولة وقد يلجأ بالفعل إلى بعض العمليات الإرهابية أو يشجّع عليها أو يتواطأ معها، ناهيك عن قوى إرهابية دولية مدعومة، من مصلحتها الإبقاء على حالة الفوضى التي غالباً ما تحدث في الفترات الانتقالية.

            وعلى المستوى الاقتصادي تستغل بعض القوى مواقعها الجديدة وقربها من السلطة السياسية فتعقد صفقات وتلجأ إلى أعمال غير مشروعة باستغلال أجهزة الدولة مستفيدة من أوضاع الانفلات السياسي والتصارع على السلطة، حيث تنشأ مافيات ومجموعات طفيلية بصورة سريعة مستغلة مرحلة الانتقال وعدم استقرار الأوضاع والقوانين.

            وقد مرّت دول أوروبا الشرقية والعديد من دول أمريكا اللاتينية بمثل هذه الأوضاع غير الطبيعية، بل والشاذة في المرحلة الانتقالية، لكن الخيار الديمقراطي كاستراتيجية بعيدة المدى، ستؤدي إلى المزيد من الرقابة والمحاسبة والشفافية، وبالتالي ستقود إلى تقليص دائرة الإرهاب والفساد، ولاسيّما إذا تم إقرار حكم القانون واستقلال القضاء ونزاهته، واستكمال بقية مستلزمات التحوّل الديمقراطي من قوانين ورقابة ومجتمع مدني وحريات الأساس في التنمية وغيرها.

 

س 4- هل يعتبر صعود الإسلام السياسي نتيجة لتراجع تأثير اليسار العربي والأحزاب العلمانية؟

 

ج 4- ثمة تغييرات طرأت على الخارطة السياسية العربية والإسلامية منذ أواخر السبعينات، ولاسيّما بعد الثورة الإيرانية، وعلينا الإقرار بذلك، ولاسيّما بعد انهيار جدار برلين في 9 نوفمبر 1989 والإطاحة بالأنظمة الشمولية في شرق أوروبا وصولاً لانحلال الاتحاد السوفييتي.

            كان اليسار العربي بشقيّه الماركسي والقومي يعاني من أزمة حادة ، بل عضوية ، وهذه الأزمة شملت الأنظمة الإشتراكية وفروعها أنظمة حركة التحرّر الوطني، بما فيها الأحزاب الشيوعية العربية، والأحزاب القومية خارج السلطة . وللأسف كان البعض يكابر كثيراً لدرجة  يعتبر الحديث عن الأزمة بمثابة  انحراف أو عدم ثقة إن لم يكن إثماً عظيماً لأن أصحابه يريدون نشر الغسيل الوسخ على الملأ على حد تراشقات الصراع السياسي في تلك الحقبة، وحتى حين يريد هذا البعض الحديث عن المشكلات العميقة والمستفحلة المتعلقة بالحريات والاختناقات الاقتصادية والاستبداد السياسي، يسميها مجرد صعوبات أو نواقص، وإذا بالعورات تنكشف على الملأ وينهار المشهد بالكامل، وتظهر الحقيقة عارية فقد فشلت جميع محاولات التستر عليها.

            دعني أقول لكم إن اليسار العربي بشكل عام ظلّ إتكالياً ولم يستطع أن ينتج فكراً حرّاً ولم يقدّم استنتاجات تُذكر إلّا على نحو محدود جداً وظلّ أسير أطروحات " المركز الأممي" ولم يبذل جهداً كافياً بقراءة ظروف مجتمعاتنا وتاريخها والعوامل المحركة فيها  بكل تضاريسها وتعقيداتها بما لها وما عليها، ولاسيّما دور الدين وتأثيراته في حياة أمتنا العربية- الإسلامية، وغلب عليه الشكلانية والمحافظة والجمود، وكان يردّد أحياناً شعارات ومقولات أقرب إلى الأدعية والتعاويذ لما قاله مفكرون ومبدعون نحترمهم ونقدرهم، لكنهم قالوا ذلك لزمان غير زماننا، وأحياناً لأوضاع تختلف كلياً عن أوضاعنا، وحتى لو صحّت بعض استنتاجاتهم فقد عفا عليها الزمن،فما بالك إذا كان بعضها خاطئاً وهو ما أسميته في كتابي "تحطيم المرايا  في الماركسية والاختلاف"، النقد الماركسي لماركس، لاسيّما بعض تعميماته واستنتاجاته .

            ومثلما حاول لينين استنباط الأحكام في ضوء الواقع الروسي استناداً إلى  منهج  ماركس، فإنه كان  على اليسار الماركسي العربي استنباط الأحكام في ضوء المنهج، وللأسف فقد تم ترك المنهج مقابل التمسّك ببعض الأحكام التي لم تثبت الحياة صحة الكثير منها، ولو جاء ماركس اليوم لخالفها، انطلاقاً من معطيات القرن الحادي والعشرين والثورة العلمية - التقنية الثانية والطفرة الرقمية " الديجيتل" وتكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصالات، خصوصاً وإن منهجه ذاته يمتاز بالحيوية، ولا يُقبل الاستكانة أو الجمود .

            ويصبح اليوم لزاماً على الماركسيين " الماديين الجدليين" إعادة النظر بالكثير من الأطروحات وعدم استنساخ التجارب أو تقليدها  كما حدث في التجارب الاشتراكية التي فشلت جميعها، ولم تفضي إلى النتائج المرجوة، باستثناءات محدودة، جرى مراجعة عناصرها الأساسية، لكي تتواءم مع التطوّر الكوني.

            قلت في معرض تفسيري للظاهرة الدينية: ليس ماركسياً من يعادي الدين، لأن الدين ظاهرة اجتماعية، علينا دراستها والاستفادة منها بما يفيد تقويض استغلال الإنسان للإنسان، لا الوقوف ضدها أو معها، بقدر ما من الضروري معرفة كنهها والتعاطي معها بما يحترم عقائد الناس وينسجم مع العقل والتطوّر.

            وإذا كان هذا حال الماركسيين العرب، فإن وضع القوميين العرب ليس بأحسن منهم إنْ لم يكن أكثر جفافاً وجموداً وتخلّفاً، فقد عانوا من شحّ فكري وجدب نظري واعتمدوا على شعارات عاطفية وشخصيات كارزمية مثل جمال عبد الناصر الذي حقق منجزاً تنموياً في ظروف صراع دولي بين الشرق والغرب استطاع استثماره بشكل صحيح ، لكن النظام الذي أسسه وصل إلى طريق مسدود، لا مجال للحديث عنه الآن، وعانى ما عانت منه الأنظمة الشمولية من شحّ الحريات والآحادية الحزبية البيروقراطية والدور الديماغوجي للإعلام والسلطات المطلقة لأجهزة المخابرات.

              وعلى العموم ازدادت  لغة القوميين تخشّباً مع مرور الأيام ولم تستطع أن تسحب الشارع خلفها كما كانت في الخمسينات وإلى حدّ ما في الستينات في المعارك الوطنية، يضاف إلى ذلك إلى أن الأنظمة التي حكمت باسم القومية قادت إلى الاستبداد والدكتاتورية ومارست أنواعاً شتى من الظلم والاضطهاد وهدر حقوق الإنسان وكان النظام العراقي مثلاً صارخاً لذلك.

            وللأسف لم تجرِ مراجعات انتقادية كافية لمسيرة التيار اليساري (الماركسي والقومي) بل إن بعض الذين حاولوا التفلّت من ثقل البيروقراطية الحزبية الصارمة وبزعم التخلص من حقبة الجمود والتبعية السابقة، وقعوا صرعى الموجة النيوليبرالية وشعاراتها البراقة، بل إن بعضهم برّر التدخلات الأجنبية في تغيير أنظمة بلدانه تحت حجّة الظروف الموضوعية ودور العامل الخارجي في التغيير، ولم يكن ذلك سوى انحلال فكري وتخبط سياسي جديد لا علاقة بالفكر اليساري الذي يحتاج إلى تجديد حقيقي على جميع المستويات، مع الأخذ بنظر الاعتبار التطورات الدولية والإقليمية والمحلية وتوازنات القوى الحالية.

            لقد وجد الإسلام السياسي الفرصة مناسبة لتولي منصّات القيادة لأسباب أهمها حسب تقديري إن القمع والملاحقة نالت من اليسار الماركسي والقومي في الفترة الأولى أكثر بكثير مما تعرّض له، علماً بأن  التيار الإسلامي باستثناء "حركة الأخوان" التي تأسست في العام 1928 لم ينشأ أو يظهر إلى الساحة السياسية إلّا في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات، وقد لحقه القمع في أواخر السبعينات والثمانينات.

             وظلّ الإسلام السياسي بمدارسه المختلفة يمتلك ما لا يمتلكه اليسار وهو العمل "الشرعي" ولا أقول " القانوني"  ليس على أساس سياسي، بل وفقاً لمقتضيات دينية، فالصلاة في الجوامع والمساجد استمرت 5 مرات في اليوم، وهي عبارة عن اجتماعات وتجمعات يمكن أن  تستخدمها الخلايا الدينية دون رصد كبير من جانب السلطات، كما ساهمت الجمعيات الخيرية والمدارس الدينية المرخّصة والاحتفالات بالمناسبات الدينية وغيرها، بدور كبير  في تغذية مشروع الإسلام السياسي، ولاسيّما في تبهيت فكرة الدولة المدنية المتّسمة بالاستبداد.

            وهذه العوامل جميعها، إضافة إلى مجاملة السلطات الحاكمة للحقل الديني ولـ"رجال الدين" من الرأس حتى القاعدة، لإرضائهم أو بهدف كسبهم والحصول على دعمه لكن ذلك وفّر للتيار الإسلامي فرصة لم تتوفر لغيره للصعود، ولاسيّما حين أطيح بالأنظمة فوجد هؤلاء الفرصة سانحة لاعتلاء دفة الحكم أو للتأثير على مساره، إذْ أن جسمه الأساسي موجود في الداخل وليس في المنافي أو في بلدان الهجرة، كما أنه الأكثر تنظيماً والأوفر مالاً بما لا يُقاس مع الآخرين.

            وبالمناسبة لا يوجد في الإسلام مصطلح " رجال الدين " وإنما "علماء الدين " وهؤلاء يفترض أن يكونوا قلة قليلة ومحدودة ومؤهلة ومعترف بها. وليس كل دارس أو مرتدي للزي الديني يطلق عليه صفة العالم الديني، وإن كان في السنوات الأخيرة أعطى بعض هؤلاء لنفسه "حق" إصدار الفتاوى في ظل ضياع المعايير وسكوت المسؤولين والنخب عن فوضى الإعلام الذي استخدموه على نطاق واسع، عبر الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي للتأثير على جمهرة واسعة من الناس في مجتمعات متدينة ويستفحل الجهل فيها بشكل عام، وأحياناً لا يميّز بعض الناس البسطاء بين الدين وما نطلق عليهم مجازاً "رجال الدين"، الذين هم مثل غيرهم يخطأون ويصيبون وبالتالي لا بدّ من مساءلتهم إسوة بغيرهم، فما بالك إذا كانوا أساساً غير مؤهلين لإصدار فتاوى أو أحكام قد تؤدي إلى احترابات وصراعات دينية وطائفية وإحداث فتن في المجتمع.

            لكن التيار الإسلامي بجميع توجهاته هو الآخر يعاني من أزمة عميقة وعضوية، خصوصاً وأن بعضه انخرط في الصراع المذهبي والطائفي،  أو إنه انضوى في صراع المحاور الإقليمية: فإمّا مع تركيا أو حليف لها بشكل مباشر أو غير مباشر أو مع بعض دول الخليج حسب تبدّلاتها امتداداً لحركة الأخوان، أو حليفاً لإيران، ولاسيّما من جانب الأحزاب الشيعية، حيث تكون الاصطفافات على أساس مذهبي، ولعلّ ذلك أحد مقاتل التيار الإسلامي، إذْ ليس بإمكانه الخروج من خيمة المذهبية، فهو إما شيعياً أو سنّياً أو من المذاهب الأخرى، حتى وإن كان المجتمع موحداً دينياً، لكن امتداداته ستكون متأثرة بهذا الانقسام

            إن اقتراب التيار الإسلامي من الحكم أفقده الكثير مما كان يتمتع به من "جهادية" وهو في المعارضة، حيث فقد معظم إداراته السياسية صدقيته، بل وأسفر عن حقيقة طموحه، وبدا أكثر ميلاً للتسلّط والانفراد وأكثر شغفاً بالسلطة والمال، وتلك أمور أوقعته في ورطة كبيرة في ظل تخلّف فكري عام لأطروحاته التي ظلّت متخلفة، لاسيّما في الموقف من المرأة والتحرّر الاجتماعي والحق في التعبير وحقوق الإنسان، وهو ما أدى إلى انحسار جمهوره، خصوصاً حين أصابه فايروس السلطة  بالتلوّث في الكثير من الأحيان.

            وثمة عوامل عديدة كان لها دور في عطوبية العقل السياسي العربي، بمكوناته الآيديولوجية والسياسية الثقافية ومدارسه الاجتماعية المختلفة، سواء كان ماركسياً أم قومياً أم إسلامياً، ويعود بعضها إلى الاضطهاد المزمن وشحّ الحريات والنظرة الشمولية الإقصائية للآخر وانعدام الجدل والحوار بما فيه في داخله والبيروقراطية الحزبية المعتمدة على النهج " اللينيني" الذي كان يسير عليه بما فيها الأحزاب الدينية، حيث يعتبر كتاب " ما العمل؟" للينين مرجعية تنظيمية لها وأساساً في علاقاتها مع أعضائها ومع هيئاتها بعضها مع البعض الآخر، وبالطبع فإن تعليمات وأطروحات ذلك الكتاب مضى عليها أكثر من قرن وعقد ونيّف من الزمان.

 

س5- ما هي الشروط  الممكنة لتحويل الإصلاح الديني  إلى فكر  مقاوم للعنف والإرهاب؟

 

ج 5- على غرار هوبز أفترض "أن أي إصلاح مفتاحه الفكر الديني"، وإصلاح الفكر يفترض إصلاح الخطاب الديني الذي يقوم على خلفيات فكرية، لأن من يقرأ الدين أو التاريخ الديني بطريقة خاطئة سيتوصل إلى حاضر خاطئ وبالتالي مستقبل خاطئ أيضاً، إذ لا ينبغي قراءة الحاضر بعين الماضي، الأمر الذي يقتضي إجراء مراجعة نقدية هادئة وغير مستفزّة للحقل الديني وليس المقصود بذلك الكتب المقدسة، بل تفسيراتها وتأويلاتها، لاسيّما بأهمية إخضاعها لسياقها  التاريخي والاحتكام إلى العقل وروح العصر في الاستفادة منها بما يعزّز القيم الإنسانية النبيلة التي هي هدف الأديان وجوهر الرسائل التي جاء بها الأنبياء.

            وعلينا الذهاب إلى الحقيقة بكل ما نملك من معرفة وعقل وروح، فالدين هو دين العقل وليس دين الخرافة، والعقل أساس الدين والاجتهاد أساس العقل، والأديان تعلّم الحب وحسب الإمام جعفر الصادق "وما الدين سوى الحب"، أو حسبما ورد على لسان السيد المسيح " أحبّوا أعداءكم ، باركوا لاعنيكم ".

            لكن الدين يستخدم ذريعة للقتل والإرهاب والتسلّط من جانب الجماعات التكفيرية والإرهابية التي تستند إلى نصوص ماضوية وتحاول توظيفها بما يخدم توجهاتها السياسية، ولهذا نقول أن ليس هناك فهم واحد وموحّد للدين، بل إن لكل مجموعة فكرية وثقافية ودينية "تدينّها" (طريقتها في التديّن) بمعنى تفسيراتها الخاصة للدين وتأويلاتها للنصوص الدينية وهذا ما ستشمله خارطة التديّن بخلفياتها المتباينة: الدين الرسمي والدين الشعبي والدين الآيديولوجي والدين القيمي والدين السياسي والدين الاجتماعي والدين العادل والدين الظالم ودين الأغنياء ودين الفقراء ودين المستغِلين ودين المستغَلين وذلك حسب القراءات المختلفة والتفسيرات المتعددة والتأويلات المتعارضة.

            وإذا كان الدين يمثل قيماً عادلة وإنسانية، لكن سلوك بعض المتدينين والعامة من ورائهم وفهمهم  الخاطئ للدين يجعل البعض يراه ظالماً أو لا إنسانياً أحياناً، ولنتأمل دعوة الأديان إلى التكافل الاجتماعي والمادي والأخذ بيد الفقير والمريض والضعيف وإلى السلام والطمأنينة والتعايش، سندرك أن ليس من الدين في شيء امتلاء الجوامع والمساجد والكنائس بالمصلين، في الوقت الذي تزدحم فيه الشوارع بالأطفال المشردين والمتسولين وتكتظ الأحياء باليتامى والأرامل، لاسيّما تلك التي شهدت الحروب والنزاعات الأهلية، وتتفشى الأمية وينتشر المرض ويستشري الجهل على نحو مريع، ويعاني الملايين من شظف العيش وشحّ المياه الصافية للشرب ونقص الكهرباء والفقر المدقع، في حين تذهب ثمرات سواعد العمل إلى جيوب حفنة من الطفيليين وتنهب موارد البلاد طولاً وعرضاً من القوى الداخلية والخارجية.

            وأيهما سيكون أسلم للدين أن نرى الأطفال مشردين أو متسولين واليتامى مقهورين والأرامل بلا مأوى والمجتمع يعاني من الأمراض وتتفاقم الأمية ويستشري الفقر وينعدم العدل ويسري الظلم وتختفي المساواة أم أن تكون المساجد مليئة بإحياء طقوس وشعائر ليست جميعها من صلب الدين؟ بل أن بعضها يشوّه جوهر الدين بما فيها ما أُدخل عليه من  ترّهات وممارسات تلوثت بها بعض الأديان والمذاهب .

            لقد جرى استغلال ملايين البشر باسم الدين واستلبت حقوقهم الأساسية، في حين أن الدين رسالة وأمانة هدفهما إنساني قبل كل اعتبار.           وهكذا ترى من يشن "الحرب باسم الله" مكفّراً الآخرين، مبرّراً أنواع العنف والإرهاب، انطلاقاً من أفكار التعصّب والتطرّف أو بسبب القراءة المغلوطة للنصوص الدينية ومحاولة تطبيق بعضها وكأنها تعليمات سرمدية، في حين أنها خاضعة لسياقها التاريخي، وقيلت بعضها لمناسبة محدّدة ينتهي مفعولها بانتهاء تلك المناسبة أو الحدث.

            وقد كان مثل هذا الجدل قديماً في الإسلام وفي القراءات المختلفة، فحسب المعتزلة وهي فرقة إسلامية (كلامية) ظهرت منذ بداية القرن الثاني الهجري في البصرة (أواخر العهد الأموي وازدهرت في العصر العباسي) تركت بصمتها في تاريخ الصراع الديني، ومن أبرز رموزها عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء والحسن البصري والزمخشري والجاحظ والقاضي عبد الجبار دون أن ننسى أن الخليفة المأمون كان منهم وغيرهم، فاعتمدوا على العقل في تأسيس عقيدتهم وقدموه على النقل وقالوا بالفكر قبل السمع . وقد رفضوا الأحاديث التي لا يقرّها العقل، بل إن الطريق إلى الله لديهم يمرّ عبر العقل حتى لو لم يأت الشرع على ذلك، وإذا ما تعارض أي نص مع العقل قدّموا العقل على أصل النص، فالأصل هو العقل ولا يتقدم الفرع على الأصل ، وبهذا المعنى يصبح العقل آمراً، بل هو الحاكم للنص.

            لكن الدين لدى البعض يهمل الجوهر ويتمسّك بالمظهر، حين يتشبث بحزمة الطقوس والشعائر والممارسات، حيث يُختزل:  إلى الحلال والحرام والكفر والإيمان والحق والباطل والنجس والطاهر، وليس ذلك سوى الصورة الشكلية والمظهر الخارجي للدين، في حين أن جوهره يمثل قيماً إنسانية للمساواة والعدل والإخاء والسلام والتنوّع والاختلاف، وحسب جلال الدين الرومي: إنك رأيت الصورة ولكنك غفلت عن المعنى.

            وثمة فوراق كبيرة بين الدين الذي هو منظومة قيمية إنسانية وبين التديّن الذي هو ممارسات وعادات وبعضها أقرب إلى ميثولوجيات وخرافات تشترك فيها الكثير من الأديان ، مثلما هناك فوارق بين القيم ومن يدعو إلى الالتزام بها، وأحياناً يقف هو بالضد منها سرّاً أو علناً وتحت ذرائع مختلفة وطبقاً لقراءات مختلفة، بعضها يعود إلى الماضي بحجة التمسّك بما جاء به السلف وبعضها الأخرى لحماية مصالحه، سواء كان في الحكم أم في خارجه، وأحياناً أخرى مجاملة للجمهور أو للعامة حتى وإن كان بعض علماء الدين أو ما يطلق عليهم مجازاً "رجال الدين" غير مؤمنين بها، لكنهم يضطرون إلى مجاراة العامة وعدم خدش ما استقر في أذهانهم باعتباره طقوساً دينية أو من حيثيات الدين، وهي ليست كذلك.

            لذلك أقول إن العلاقة مركّبة ومزدوجة ومتناقضة أحياناً بالحديث عن الإصلاح الديني، خصوصاً في ظل مفاهيم الحداثة ونقض القديم والتقليدي وغير الصالح لعصرنا، وكذلك إطلاق حرية التفكير وحرية العقل في إطار التقليل من سلطات المقدس ، فالماضي أصبح ماضياً ولا يمكن استعادته أو الغرق فيه، مثلما سيصبح الحاضر ماضياً وقديماً، ذلك أن التغيير سنّة مطلقة من سنن الحياة وما عداها نسبي.

            وإذا تأكدت هذه الفرضية فما علينا سوى النظر إلى الفكر الديني لتخليصه من كل ما يحول دون تقدّمه وتطوّره والسبيل إلى ذلك بالنقد والمراجعة والتصحيح والتصويب بما يتفق مع العقل وسمة العصر وروحه بعيداً عن إطار التقليد والمحاكاة للماضي، فحسب آلن تورين: الحداثة تحتاج إلى عقلانية وإلى انفجار معرفي حيث يصبح التركيز على العقل والعلم، أمران ضروريان ويقتضي ذلك إزالة التعارض بين الدين وبين العقل والعلم.

            وحاولت في كتابي " الإمام الحسني البغدادي - مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن" تناول هذه المسألة من ثلاث زوايا أحدها أكاديمي واجتماعي وثانيها فكري وثقافي وثالثها نقدي واستشرافي. ولعل هذه الزوايا التي تتعلّق بالفكر الديني وما هو سائد في أذهان العامة والنخبة بشكل خاص تحتاج إلى وقفة مراجعة وكان المفكر السوري صادق جلال العظم قد تصدّى إلى بعضها قبل أكثر من 4 عقود من الزمان على نحو اعتراضي جرى بعد هزيمة 5 حزيران (يونيو) 1967. كما جاء في  مؤلفه الأول في حينها " نقد الفكر الديني" الذي أثار وقتها ضجة، ولكنه فتح حواراً صاخباً وهادئاً في الآن ذاته وكان ضرورياً إزاء الكثير من القضايا المسكوت عنها وظلّ بعضها راكداً لعقود أو حتى لقرون من الزمان، خصوصاً لما تثيره من حساسية من التيارات الإسلامية بمختلف مدارسها السلفية منها والتوفيقية والمتشددة والمعتدلة.

            ويتعلق الأمر بمسألتين أساسيتين أولهما- إصلاح الدين من داخله، والثانية إصلاح الدين من خارجه، طبقاً لمعطيات العقل والعلم، بمعنى من المعاني إصلاح الحقل الديني ككل وإصلاح الحقل السياسي في الآن ذاته، إذْ لا يمكن إصلاح أحدهما إلّا بإصلاح الآخر للعلاقة العضوية بينهما.

            ولعلّ ذلك يواجه تحديين أساسيين أولهما - ما هو الهدف من الإصلاح وحدوده؟ وثانيهما ما هي الوسائل الناجعة التي يمكن الركون إليها لتحقيق ذلك، خصوصاً برفع التابوات والمحرّمات، باستثناء ما يتعلق بثوابت الدين وقيمه الإنسانية؟وسبق للإمام علي أن قال : لا تعلّموا أولادكم عاداتكم لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم، وكان إقرار الإمام الشافعي بحق الآخر متقدماً حين قال " رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب" بمعنى الاحتكام للعقل وإعطائه فسحة التفكير والاجتهاد.

            لكن ثمة كوابح من داخل الفكر الديني ومن خارجه  تحول دون تجديده منها: غياب الإرادة الموحدة وعدم توفّر القناعة لدى الكثير من المعنيين وانخفاض درجة الوعي لدى غالبيتهم والخشية من الانفتاح على الآخر، ناهيك عن تعارض المصالح والامتيازات التي قد يسببها الإقدام على عمل من هذا النوع قد يؤدي إلى خسارة محتملة، وحتى لو توفّرت قناعة أحياناً، فثمة عدم جرأة في اتخاذ قرار من هذا النوع للمضي في طريق التجديد، لاسيّما حين يكون العامة قد استقروا على دين السلف وبعض طقوسه وإن لم تكن من أصل الدين.

            أقول إذا ما توفرت عناصر التجديد فيمكن للدين أن يلعب دوراً إيجابياً كبيراً في حياة الناس والسلم الاجتماعي والتعايش المجتمعي وفي مقاومة العنف والإرهاب، وبث قيم المساواة والعدل والسلام والتسامح واللّاعنف، وتلك أقرب إلى الفرائض الإنسانية.

 

س 6- هل تعتبر الحريات الفردية والمساواة في تونس مسألة فقهية أم مسألة حقوقية؟

 

ج 6- تعتبر الحريّات جزءًا لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان الكونية، وهناك بعد حق الحياة والعيش بسلام ودون خوف أربع حقوق أساسية أولها- حق التعبير بالوسائل المعروفة بما فيها الكلام والكتابة والتجمع والتظاهر والرأي، وثانيها- حق الاعتقاد، بحيث لا يمكن فرض اعتقاد على الإنسان أو نزع معتقده بالقوة، وسيكون ذلك تعسفاً وانتهاكاً لحقه وحريته في الاختيار، وثالثها - الحق في التنظيم، والمقصود بذلك السياسي والحزبي والنقابي والاجتماعي، أي حق الأفراد حسب قناعاتهم الانضواء تحت تنظيم يعبّر عنهم ويمثل إرادتهم الموحّدة والحرّة، ورابعها- الحق في المشاركة في الحياة العامة وفي تولي الوظائف العليا دون تمييز وفي إطار من المساواة.

            وتنحو العديد من البلدان المتقدّمة للالتزام بمساواة المرأة بالرجل بالقانون، لاسيّما بالاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة الصادرة عن الأمم المتحدة العام 1979 والمعروفة باسم "سيداو" وقد كانت تونس سبّاقة عربياً على هذا الصعيد، فمنذ العام 1956 كما تعلمون كانت المرأة تتقدم لاحتلال موقعها الطبيعي في ظل قانون وفّر لها الحماية القانونية والمساواة مع الرجل، وهو أمر يُحسب لنظام الرئيس بورقيبة، وما الحديث عن قانون جديد لمساواة المرأة بالرجل إلّا امتداد طبيعي لتطوّر زاد على 6 عقود من الزمان، سواء ما يتعلق بالزواج من غير المسلم أو يتعلّق ببعض الحقوق.

            وكان العراق منذ العام 1959 قد سنّ قانوناً للأحوال الشخصية ساوى فيه بين المرأة والرجل بما فيها في الإرث، واشترط  أن يكون الزواج مدنياً وأمام المحكمة وإلّا لا يعترف فيه ويتعرّض من يقدم عليه لعقوبات شديدة ضده.

            كما حصل تقدم بشأن حقوق المرأة في اليمن الجنوبية العام 1974 وشهدت البلدان التي ضمنت حقوق المرأة تقدّماً كبيراً على الصُعد المختلفة ، وحين انتكست هذه الحقوق أو جرى النكوص عن بعض هذه القوانين تراجعت هذه البلدان وشهدت نعرات تعصبّية ومتطرّفة، صاحبها عنف وإرهاب استهدف المرأة وحقوقها بالدرجة الأولى، إضافة إلى المجموعات الثقافية، وخصوصاً الدينية، ولاسيّما المسيحيين الذين تعرضوا إلى حملة منظمة من الجماعات الإرهابية وطالتهم موجة العنف بالصميم، سواء في العراق أم في سوريا أم في مصر، واستهدافاتهم المستمرة في لبنان. وكنت قد عالجت هذا الملف في كتاب صدر لي بعنوان " أغصان الكرمة - المسيحيون العرب" لذلك أقول إن مسألة الحريات والمساواة هي مسألة حقوقية وإنسانية عامة وشاملة  وهي مسألة جوهرية إذا أردنا التوجه صوب التحوّل الديمقراطي السلمي المدني، والقطع مع العنف.

 

س 7- ما هو دور النخبة في بناء المشروع التحديثي والدفاع عن السيادة؟

 

ج 7- النخب الحاكمة وغير الحاكمة، في السلطة وخارجها تتحمّل مسؤولية مهمة على هذا الصعيد، سواء كانت سياسية أم ثقافية أم اجتماعية أم اقتصادية، ويقع على عاتق الطبقة الوسطى إنجاز عملية الانتقال والتحوّل، ولاسيّما نبذ العنف وعدم استخدام السلاح وسيلة لحلّ الخلافات واللجوء إلى الحوار والتفاهم للتوصل إلى حلول مرضية لجميع الأطراف وبالطبع بتأكيد حكم القانون.

            ويقع على منظمات المجتمع المدني مسؤولية كبيرة في هذه المرحلة بالذات، خصوصاً الرصد والمراقبة والنقد، وذلك في إطار المشاركة في اتخاذ القرار والمساهمة في عملية التنمية  وعليها أن تتحوّل إلى "قوة اقتراح" للقوانين والأنظمة واللوائح، وتتقدّم إلى الحكومات باعتبارها شريكةً ومكمّلةً لها، سواء باتخاذ القرار أم في تنفيذه، ولا تكتفي "بقوة الاحتجاج" فحسب.

            كما عليها أن تضع مسافة بينها وبين العمل السياسي والصراع الآيديولوجي، وتتمتّع باستقلالية حقيقية، بحيث لا تنحاز إلى المعارضات ولا تكون جزءًا من السلطات، وعليها التعامل بموضوعية في كل ما يتعلق بالحقوق والحرّيات والدفاع عن المصالح العامة والعليا وعن مصالح أعضائها ومنتسبيها، كما عليها ألاّ تنخرط في المشاريع الدولية للقوى والمؤسسات الخارجية، تحت ضغط الحاجة إلى التمويل، فتصبح جزءًا من أجنداتها، وبالتالي يمكن التأثير عليها وتُضيع هويتها أو يذوب لونها في خضم اختلاط الألوان وتشوه الصور، مثلما على الحكومات الترخيص لها للعمل القانوني والشرعي وتقديم الدعم لها والمساعدة المادية والمعنوية لأداء مهمتها، لأنها جزء أساس وركن فاعل لا يمكن للدولة أن تحقق أهدافها التنموية بدونها.

            وعلى النخب أن تعي الدور الذي يمكن أن تقوم به من خلال الإعلام والتربية ، خصوصاً بالترويج للقيم الإنسانية، الأمر الذي يحتاج إلى تعميق الوعي ونشر المعرفة، لاسيّما بإعادة النظر بالمناهج التربوية والتعليمية وتنقيتها من كل ما تعارض مع قيم حقوق الإنسان.

            ولعلّ أي مشروع حداثي لا بدّ أن يقوم على العقلانية والمدنية والحريّة، وتلك أسس قامت عليها الفكرة الليبرالية في أوروبا وفي عصر التنوير، لاسيّما بعد قيام " الدولة - الأمة" استناداً إلى فلسفة القانون الطبيعي، وعلى المستوى الاقتصادي اعتماداً على الإعلاء من حريّة السوق والحريّات الاقتصادية بشكل عام حيث روّجت لأفكار آدم سميث " دعه يعمل .. دعه يمرّ" ، أي حرية العمل والانتاج وحرية تصريف البضائع، أما على المستوى السياسي فقد قامت على إعلاء شأن الحرية بشكل عام والحريات المدنية والسياسية بشكل خاص.  وباختصار  تعتبر الفكرة الليبرالية من حيث الجوهر أن الحرية والفردانية هما الباعث والهدف من حياة الإنسان.

            وقد أخطأ بعض الليبراليين العرب "الجدد" ظنّاً  منهم أو تواطؤاً استمرأوه حين برّروا باسم "الليبرالية" وتحت حجة التخلّص من الاستبداد، المشروع الخارجي الإمبراطوري النيوليبرالي الذي يريد فرض الهيمنة  والاستتباع على الشعوب، بل استقووا به بذريعة أن التغيير من الداخل أمر غير ممكن في ظلّ تعنّت الأنظمة العربية وعسفها، وضعف الحركة الشعبية ومؤسسات المجتمع المدني، وحاولوا تمرير ذلك في ظل ثقافة حقوقية متدنية وانعدام أو عدم فاعلية دعوات الحوار السلمي والتسامح والقبول بالآخر والإقرار بالتعددية والتنوّع وحق الشراكة والمشاركة، فضلاً عن استمرار القمع من جانب الأنظمة.

            وليس من مقارنة بين ظالم وظالم وبين اضطهاد واضطهاد ، فلا احتلال الخارج أفضل من طغيان الداخل، أو بالعكس، ولا فرق بين  الغزاة والطغاة، وبينهما وبين الغلاة ، خصوصاً " التكفيريين" الذين ضجّت بهم الساحة السياسية، في ظلّ الفوضى العارمة، حين تعرّضت الدولة العربية للتصدّع والتي لا تزال مهدّدة بوحدتها ومستقبلها في العديد من البلدان العربية.

 

س8 -  كيف تستشرف حال الخريطة السياسية العربية؟

 ج8- ليس من باب نظرية المؤامرة القول إن هناك حياكة لمستقبل المنطقة بدأت منذ عقود من الزمان، لعلّ أبرز وأشدّ ملامحها خطورة هو قيام "إسرائيل" في 15 أيار/مايو العام 1948 وذلك بعد اتفاقية سايكس – بيكو 1916 و وعد بلفور 1917، حيث تم البدء باحتلال الأرض واحتلال العمل واحتلال السوق تمهيداً للاحتلال الفعلي والاستمرار في ذلك باحتلال كامل فلسطين بعد عدوان 5 حزيران /يونيو (يونيو)1967، والتوسّع في الأراضي العربية، ولا تزال الضفة الغربية وقطاع غزة تحت هيمنة الاحتلال وكذلك الجولان السورية وجزء من الأراضي اللبنانية.

            لكن الخطر الآخر أو الوجه الثاني لعملية التفتيت والتقسيم الخارجية، التي راجت منذ مشروع برنارد لويس في العام 1979 ومشروع ايغال ألون العام 1982، هو الاحتراب الداخلي بسبب سياسات الاستبداد وعدم احترام حقوق الإنسان وغياب الحوار والاعتراف بالآخر وعدم الإقرار بالتنوّع والتعددية وصعود الهوّيات الفرعية بسبب الإجحاف الذي لحقها والاضطهاد الذي تعرضت له ونهج الاستعلاء والفوقية والإقصاء والتهميش، ومن جهة أخرى ردود الفعل وضيق الأفق والانعزالية التي صاحبتها.

            وباختصار فإن غياب أو شح الحرّيات وعدم اعتماد مبادئ المواطنة الكاملة والمساواة التامة وسياسات التمييز، يضاف إليها أوضاع الفقر والتخلف والأمية، دفع العديد من بلدان المنطقة إلى الاحتراب الداخلي، خصوصاً حين تخلّت أو ضعفت الدولة في تلبية المهمات الأساسية من حماية أرواح وممتلكات المواطنين وحماية الأمن والنظام العام للجميع وفي نوع من المساواة أمام القانون، وقد وفّر ذلك أرضية للتفتّت الذي إذا ما استمر ولاسيّما في أوضاع الانقسامات الداخلية واستهداف فئات واسعة من السكان لأسباب دينية (مسيحيين ، إيزيديين، صابئة...) أو إثنية أكراد ، تركمان،  وأمازيغ ومجموعات ثقافية أخرى أو "مذهبية"  مسلمون: شيعة وسنّة أو " العروبة"، في بعض البلدان التي حكمت فيها أحزاب قومية عربية، فإن النتائج ستكون وخيمة، حيث يمكن أن تتحوّل المنطقة إلى "كانتونات" و"دوقيات" و"فيدراليات" لا يجمعها جامع، وجعل الجميع  يفكّر بمنطق "الأقلية".

            وحينها ستكون دولة " إسرائيل" التي تضم " اليهود" " أقلية"  متميّزة ومتقدمة على "الأقليات" الأخرى، علمياً وتكنولوجياً وثقافياً، خصوصاً في ظلّ الدعم الخارجي الأمريكي والغربي لها. وهذا هو بالذات مشروع  برنارد لويس الذي عبّر عنه كيسنجر في العام 1975 بقوله: علينا أن نقيم إمارة وراء كل بئر نفط، وحين ذلك يمكن حكم  دول المنطقة والاستيلاء على ثروات شعوبها والتحكّم بمصائرها، ولعلّ مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي نادت به كونداليزا رايس ليس بعيداً عن ذلك بما فيها ما بشّر به برنارد ليفي من مشاريع.

            وعلى صعيد المنطقة، خصوصاً دول المشرق، لاسيّما العراق وسوريا ولبنان وبعض دول الخليج واليمن وغيرها، إضافة إلى ليبيا في المغرب العربي، فإن ثمة ثلاث سيناريوهات محتملة حسب منهج الدراسات المستقبلية، بفعل استفحال الأزمة وعدم التوصل إلى حلول جذرية لإعادة لحمة الدولة،

            السيناريو الأول - يقوم على التفتت وهذا يمكن أن يكون واقعياً (فعلياً) De Facto أو رسمياً وقانونياً لاحقاً De Jure وقد تحدث تصدعات أشد خطورة بانضمام أو ضم أو إلحاق أجزاء منها لبعض دول الجوار، وهناك تربّصات إيرانية وتركية بالنسبة للعراق وسوريا باعتبارهما ساحة نفوذ، ناهيك عن الأطماع الأجنبية الدولية.

            ومن العوامل التي ساهمت وتساهم في زيادة هذا التحدّي الإخفاق في حلّ الأزمات واستمرار الانقسامات الحالية وتعاظمها، خصوصاً بحصول بعض الفئات على امتيازات  ومكاسب وهيمنة المصالح الأنانية الضيقة عليها بحيث يصعب التخلّي  عنها، وستكون هذه على حساب وحدة الدولة وبسط سلطتها على كامل أراضيها.

            أما بالنسبة للسيناريوهات التونسية، وعلى الرغم من متابعتي للأوضاع التونسية وهو ما أوردته في كتابي " الشعب يريد- تأملات فكرية في الربيع العربي " من فصل خاص فيه قراءة للثورة التونسية ابتداء من اللحظة الثورية ووصولاً إلى المآلات التي أفضت إليها ، مناقشاً شعارات اليوم وشعارات الأمس والشباب وفن الانتفاضة وخريف الآيديولوجيا وربيع السياسة والخصوصية وقانون التطور التاريخي، والطبقة الوسطى والوعاء الحامل للثورة كل ذلك في إطار الجيل الجديد والعقل الجديد متوقفاً عند بعض حقائق التغيير محللاً الأطروحات المغايرة في ضوء التجارب الكونية دون نسيان التداخلات الخارجية ، ولكن " لا يُفتى ومالك في المدينة" كما يُقال.

            لكنني كمراقب أستطيع أن أقول، إن الوضع الاقتصادي هو المحرك الأساسي في تونس، وهو "التعبير المكثّف" عن سياسة الأحزاب والجماعات المختلفة وتطلعاتها لحكم البلاد، وهو وإن كان كذلك في أماكن أخرى، إلا أنه في بعض بلدان المشرق يرتدي عباءة الطوائف والصراعات المذهبية والإثنية وما عدا خطر الإرهاب الدولي الذي هو مشكلة كونية، فإن الصراعات الداخلية تبقى تدور في إطارها السياسي بالدرجة الأساسية لأن الوضع الأمني هو انعكاس للوضع السياسي، خصوصاً وإن الشعب التونسي محب للحياة ومقبل عليها. ولعلّ هذا المحور يعاني من بعض الاختراقات بسبب المشاكل الإقليمية، حيث ما تزال الأسلحة  متوفرة وتتدفق على تونس بسبب إنفلات الوضع الأمني في ليبيا. وستنتعش تونس اقتصاديا حين تبدأ  ليبيا باستعادة الدولة وإعادة الإعمار.

            السيناريو الثاني - استمرار الحال، وهذا يعني بقاء الوضع على ما هو عليه لسنوات لاحقة (5 أو 10سنوات  أو حتى أكثر ) فإما أن يتحسّن الحال لاحقاً أو يسوء، وستكون الاحتمالات الأخرى قائمة، فإذا تحسن الحال، يعني استعادة وحدة الدولة، وإذا ساء يعني الانجراف في التفتت وصولاً إلى الانشطار لاحقاً، وسيكون ذلك بعد استنزاف للموارد البشرية والمادية، وربما بالمزيد من الاحترابات الأهلية.

            السيناريو الثالث-  التوحيد، ويتطلب ذلك بيئة دولية مساعدة وإرادة سياسية وقبولاً بالآخر واستعداداً للحوار، وهو ما ينبغي أن تقوم به النخب الفكرية والثقافية والأكاديمية والمدنية، وهذه كما نعلم ضعيفة ومهمشة ومستلبة، بل إن بعضها ملحقاً بالنخب السياسية، ولدى بعضها "القابلية على الاستتباع" حسب توصيف المفكر الجزائري مالك بن نبي "القابلية على الاستعمار" وهي لا تملك المال والنفوذ، في حين تتمتع النخب السياسية بالمال والسلاح والدعم الإقليمي والدولي أحياناً، ولذلك يتطلّب الأمر استعادة الوعي تمهيداً لاستعادة الإرادة، وهو أحد التحديات الكبرى التي تواجه الأمة العربية.

 

نشرت في مجلة مسالك(التونسية) ، العدد الأول ، شتاء 2019 (منتدى الجاحظ)

الدكتور عبد الحسين شعبان


التعليقات




5000