..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


فقراء المدن منزلق التغريب والبيئة المفقودة

عدنان عباس سلطان

عندما نتعرض الى موضوعة فقراء  المدن فاننا منذ البداية يجب ان نوضح بان المقصود بهذه الورقة هم اولئك القلة من الفقراء الذين يشكلون الصوت العالي والذين يستطيعون ان يتنكبوا المسارات السيئة في التعامل والتاثير غير الصحي بكونهم فاعلون لا يصدهم الصوت المعتدل مهما كثر من يسير على خطه من المهاجرين او غيرهم.

وهذه البيئات الفقيرة المهاجرة موجودة في كل المجتمعات لكنها ليست بالنسبة نفسها في كل الدول والعراق ربما وحده من يختص بهذه الكثرة الكاثرة من المهاجرين بسبب كثير من الظروف وعلى راسها الظروف السياسية والحروب والتدني الاقتصادي والانتكاس الزراعي بشكل مريع ولذا لايفهم كلامنا على سبيل التعميم.

وتصنيف الفقر لا يمكن تصديقه على تنوعات الدول فالفقير العراقي قد لا يعد فقيرا لو جرت مقارنته مع فقراء المغرب او فقراء مصر او سوريا او الاردن او فقراء الدول الآسيوية فلم تصل فيه الحال ان يتخذ من القبور مسكنا ولم يضطر ان يتناول من ازبال المدينة شان فقراء العالم كذلك لم تتواجد في العراق شركات الخدمة في البيوت كما هو شائع في الاردن او سوريا وغيرها من الدول العربية او تلك الشركات العاملة في الخليج لاستيراد الخدم من آسيا.

والفقر آفة كبيرة ومدمرة في نطاق الفقراء تنعكس على المجتمع بصورة عامة، حيث الامراض النفسية والصحية والثقافية يقول الامام علي بن ابي طالب (ع) لو كان الفقر رجلا لقتلته.

من هذا وغيره من الدراسات للواقع الفقير الذي تعيشه طبقة واسعة في المدن بعد هجرتها من الريف، ندرك بان الفقر ليس مقدسا بل هو ظرف تتواجد فيه الامراض المربكة لمسيرة الانسانية باتجاه كمالها وتكاملها وهو العاهة التي تقوم السلطات الظالمة بادامتها وزيادة مساحتها في المجتمع المظلوم ولذا يمكننا دائما ان نذم الفقر ونحاول ان نجبر السلطات القائمة ان تضيق من تلك المساحات المخيفة في المجتمع بكون ذلك يقلص من الامراض بكل جوانبها المادية والمعنوية ويحسن البيئات البشرية بخط معاكس عن الانساق الخاطئة التي يفرضها الواقع الفقير.

فالفقير في مجمل الاحوال ليس سويا على شتى الاوجه هذا اذا غضضنا النظر عن  نخبة من الفقراء الذين لايشكلون الصوت المهيمن وهم اولئك العصاميون الذين تمكنوا من خلال جهودهم وظروفهم الخاصة والمحصنين بجهدهم الشخصي من آفات الفقر بصورة متميزة، كذلك اذا غضضنا النظر ايضا عن الافراد المعتدلين في تعاملاتهم ومواقفهم العقلانية بكونهم تحولوا الى ثقافة المدينة وحسبوا من ضمن نطاقها المتميز ثقافيا بتاثير تسنمهم الوظائف الحكومية وتعمق في نفوسهم الانتماء الى المدن وهم عموم المهاجرين رغم انهم يتساكنون ذات البيئة.

ولذا يكون على الدولة رعاية الفقراء وتمكينهم ليخرجوا من مربع الفقر وامراضه المدمرة، وهذا السعي تتولاه كثير من المنظمات الانسانية في العالم لادراكها مخاطر الفقر والتشويه الذي يحدثه في بنية المجتمعات، كذلك تهتم تلك المنظمات بالبيئة الطبيعية الملائمة للانساق الاجتماعية الخاصة التي يعيش فيها البشر بشكل ملائم.

فالنطاق المؤثر للبيئة الطارئة المصنوعة من قبل الفقراء وظروف وجودهم فيها سواء كان طوعا او بقسرية الحاجات التي تضطرهم في غالب الاحوال الى التغرب والعيش في بيئة اخرى غير البيئة التي عهدوها من مواطنهم في الريف، يكون هذا النطاق متوسعا باطراد بحيث يصل الى تغطية اي من المؤثرات المدينية التي توازيه، وتعد البيئة الخاصة بالتجمعات البشرية الحاضن الطبيعي لمجمل التفاعلات الانسانية بحيث تشكل الخصوصية الثقافية وبالتالي اللون الاخلاقي الذي يتسم به ذلك التجمع المتساكن مع بعضه البعض.

ولا يمكن ترحيل البيئة من محيطها ما لم تتعرض للتشويه والتقشير من ايجابيتها فالبيئة الريفية لا يمكن صنعها من قبل ثلة او مجموعة من المهاجرين في مدينة ما لان ذلك يتطلب نقل الظروف والعلاقات الزراعية وهذا مستحيل حصوله عمليا والافراد الذين تشبعوا بالعادات الريفية لايمكنهم هضم عادات المدينة لكنهم يستطيعون مجاراتها كحالة واقعية تجب المعايشة ونتيجة للتفاعل من هذا النوع فانه يحدث خرقا للبيئة المترابطة في المدينة ايضا لتعاطيها سلوكا مع المهاجرين وضخامة تواجدهم المؤثر.

والهجرة القسرية او الطوعية التي يكون الفرد تحت طائلتها بعيدا عن بيئته الطبيعية فانه يعيش الاغتراب شكلا ويبقي مضمون ثقافته الاصيلة في طائلة الجمود او السكون السلبي ويمكن القول بانه يؤجل تفاعلاته الثقافية الخاصة بمحيطه القديم باعتباره يمر بمرحلة استثنائية وهو ينزع الى الموائمة ومجارات الاوضاع.

فالبيئة الزراعية والعلاقات الريفية بين الافراد علاقات متزنة وعقلانية في نطاق الارياف لها اصولها واعرافها وحكمتها ايضا  لكن الريفي عندما يهاجر الى المدينة فانه يعيش نوعا من الاغتراب الذاتي اذ ان قناعاته في المحيط الجديد غير مبنية على البقاء الدائمي وانما هو في حالة المؤقت ريثما يكتسب من المدينة مراده منها وهو مراد مادي وهذا قد يكون في بال رواد الهجرة الريفية التي ابتدأت قبل عام 1960 بشكلها الواضح بالنسبة للعراق مثلا، والتي تشكلت بسببها مدن جديدة في بغداد للنازحين من الارياف كمدينة الثورة والشعلة والرحمانية والشاكرية وغيرها كذلك مراكز المحافظات ذات الحيوية الاقتصادية وانفتاح اسواق جيدة فيها للعمل وخصوصا تلك المحافظات التي تتسم بالسياحة الدينية على وجه الخصوص، وقد اعطت الحكومة دفقا جديدا في تكاثر المدن الكبيرة  للنازحين من الارياف ابان الحرب العراقية الايرانية من اجل السيطرة عليهم لزجهم في الجهد الحربي الذي كان بحاجة لدماء جديدة وكان القرار الرئاسي ينص على تمليك المتجاوزين على الاراضي العامة في كافة المحافظات دون مراعات التخطيط المديني او العمراني ثم قامت المدن بشكل يفتقد الى الهندسة والتنظيم او الخدمات، وقد اعقب ذلك ما ساد العراق من تجاوز سكني يفوق المدن السابقة باضعاف مضاعفة، ولعل اول ذلك التجاوز كان من قبل كثير من الاحزاب والمنظمات في 2003 وما بعده واستغلال الابنية الحكومية والمرافق العامة بحيث شكلت مسوغا لكل من يتجاوز على الاراضي السكنية التابعة للدولة وهذا ما جعل الهجرة انفجارية بشكل رهيب.

فالفرد عموما سواء كان ريفيا او غير ريفي وعند غياب المرآة الاجتماعية التي تخصه  يكون نهاز فرص ان كان تحت طائلة الهجرة وله استجابة اكثر لرغباته الذاتية ودوافعه الخفية واهدافه التي يرومها من الهجرة وقد ينساق بعض الافراد بشكل مفرط لتنفيذ رغباتهم كلما كانت الهجرة قد نأت بهم بعيدا عن المحيط الاجتماعي ممن تركوا اوطانهم والاغتراب في الدول الاوربية فيتخلى بعض الافراد مؤقتا عن المثل التي شبوا عليها وشكلت ثقافتهم حيث يجري تاجيلها مؤقتا في حدود المدينة التي تواجدوا فيشكلون ما يعرف بالشلة وبعد اصطدامهم بالواقع الفعلي وصعوبة الوضع الاقتصادي وسوء تنظيم اسواق العمل وقلة المهارة الفنية لديهم وضحالة المردود وبتكرار المعاناة والاحباط فان المهاجر يكون نقطة واهنة في الاخلاقيات واكثر تقبلا للفساد والمسارات السيئة باعتباره تحت طائلة التهميش شاعرا بان المدينة الصلدة قد وضعته خارج اسوارها ويتقبل منها الفتات اليسيرة رغم انها مكتنزة بالخيرات التي تبهر العيون وتهفو لها الافئدة، وتغري المهمشين والمحرومين حد العقدة والمركب النفسي والذين يعانون من اشكالية الحياة بزمن يتطور ويتسارع بخطوات واسعة وهم في نقطة واحدة لا يلقى لهم غير فتات بائسة من حياة باذخة زاخرة بالتامل والاحلام ومليئة بالمغريات ومما تشكله هذه المشاعر المضمرة شعور الكراهية للمدينة واهلها وبالتالي يكن الكراهية للدولة مهما كان نوعها  باعتبارها الحامية  لمجموعة المدن الظالمة، وبهذا فانه رفيق للتيارات المناوئة للحكومة ليس من موقف عقائدي وانما انطلاقا من مشاعر الكراهية التي تستبد به لا شعوريا في اغلب الاحيان، وهذه المشاعر قد وصلت الى ذروتها لدى الاجيال المولودة في المدن والتي فقدت هاجس الوقتية وليس لها مرتجع ثقافي مع الريف بشكله الفعال واحساسها بالهوية المختطفة من قبل المدن.

فعصابات الخطف او الاغتصاب او مافيات الفساد في اجهزة الدولة ومسائل الغش يشكل بها ابناء المهاجرين المولودين في المدن حيث ان هذه الاجيال قد زادت على معاناة الرواد بما شكل مشاعر اكثر عمقا بالظلم وما يحيطها من الكراهية والضغائن والاحقاد يساعد على ذلك فقدان الهوية القديمة والرضوخ امام واقع التواجد الدائمي في المدينة، وفي احياء سكنية محددة تحدد مفهوم المدينة لهم كفقراء طارئين فهم وفق هذا الواقع السكني غير قابلين للاندماج الاداري او السكني في المدينة وبهذا يشكل فقراء المدن مربع له جانب ضدي مع مربع سكان المدينة.

والهجرة المفرطة والمستمرة بشكل تصاعدي جعلت من المجتمع العراقي مجتمعا ريفيا رافق ذلك ضمور كبير لخصوصية المدينة فان الروح الجديدة الهجينة قد ادت فعل ما عليها وقضت بدرجة كبيرة على الطبقة الادارية او ما يدعى التكنوقراط والمفاهيم الادارية الفاعلة في الدولة العراقية حيث تغيرت التفاعلات الحكومية نحو الاسوا ترافقت هذه التغيرات مع ظهور حكام في اعلى الهرم الحكومي والسياسي بنفس قبلي غير متحضر كذلك تسنم المناصب من قبل فقراء المدن السائرين على خط الحزب الحاكم في الفترة الصدامية ومنهم من انخرط في اجهزة الامن والاستخبارات وصفوف الحزب او الجيش الشعبي طوعا او قسرا مما جعل تلك الاساليب الادارية تتلون باللون المقارب للون الهجرة الفقيرة بعيدا عن المهنية الادارية المنضبطة، تزامن ذلك مع هجرة جزءا مهما من الطبقة المتوسطة التي تتمثل بالاطباء والمثقفين والاكاديميين والتكنو قراط والسياسيين والبرجوازية الصغيرة الى خارج العراق لكونها كانت تستطيع الطيران الى المنافي العالمية، واما المتبقي منها فلم يكن ذا اهمية عملية  في الساحة العراقية  فيما استعرت الحرب وكانت  فاعل كبير لتخريب البيئة بشكل جذري وادت بفعلها الرهيب الى بدائل اخلاقية غير طبيعية فمنطق الحرب يلقي بنفسه ليحقق ثقافة العنف سواء من طرف الدولة باتجاه المجتمع او المجتمع تجاه الدولة فهناك الكثير من المسوغات المتولدة من هذا الجو المتازم تبرر سلوك الالتواءات والحيل للخلاص من رغبة الدولة التي تتلبس حالة الحرب الدائمية ورغم ذلك فان الدولة تجد كثير من الجنود المخلصين لحمايتها من الثوار او المعارضين وتثبيت ركائزها وهولاء الجنود المخلصون انما اغلبهم من الطبقة الفقيرة ذات الاصل الريفي والمهاجرة الى المدن بالذات. والفاعل المتبقي انما هم حكام المرحلة المظلمة والفقراء وبين هذين الفريقين تشكلت الارهابية والعنصرية والعسكرة وعلى هذا الاضطراب تشكلت المشاعر غير السوية لدى الطرفين بحيث عدت الدولة شكلا ومضمونا بما فيها من ادوات او مؤسسات او بنى كلها كانت تمثل السلطة القائمة انذاك اي لاترتبط العدائية معها بشخصيات النظام فقط وكان واضحا ابان التغيير 2003 لما تعرضت له المؤسسات من حرق او نهب او تدمير فالحرق والنهب والتدمير ليس في مجمله الا تعبيرا عن الكراهية المضمرة والمتربصة للسانحة التاريخية التي حدثت.

والدولة من جانبها عممت فعلها التعسفي منذ آماد بعيدة اتجاه مناطق محددة في خارطة العراق فقامت بحرب ضروس ابتدأت بتجفيف الاهوار والاهمال الزراعي وعدم التوازن في عمليات التنمية  مما زاد في نطاق الفقر ورحيل الناس الى المناطق الغربية طلبا للرزق او التكسب بعد ان نالت العاصمة بغداد حصة كبيرة ومستمرة من الهجرة الجماعية، لم تنفع معها عمليات الترحيل القسرية.

ولكن هل انتهت مشاعر الكراهية للدولة وهل استقبل التغيير كسانحة لبدء حياة جديدة في قناعات المهاجرين من الفقراء ؟.

الامر اتخذ بعد التغيير حدة اكثر من ذي قبل وخصوصا مع زوال كمامات الافواه الرهيبة التي كانت سائدة فالحرية المترافقة مع ضعف الدولة وضعف ادائها وعدم حصولها على المساندة الاقليمية وتدخل دول الجوار واتحاف العاطلين عن العمل بجيش كامل العدد بعد حل العسكرة العراقية  وما ساد العملية السياسية من روح وفعل الطائفية والحصص كذلك انجلاء الانتخابات عن مكونات بشعارات ليست صادقة مع القضية العراقية قد افقد التعضيد الدولي كثيرا من فاعليته المرجوة بكون تلك الدول التي ساهمت بهزيمة الدكتاتورية كانت تتامل انبثاق ديمقراطية تميل بشكل كبير باتجاه العلمانية تستطيع ان توجه جميع المكونات الوطنية بمسار وطني منفتح اقتصاديا مع الانفتاح الحر العالمي.

فان الافراد وجدوا ذلك سانحة للانفلات وهي سانحة للاستحواذ حتى على مرافق الدولة كذلك الانخراط في مافيات التخريب والعمل ضمن منظمات ارهابية سواء في القاعدة او الاحزاب والحركات او التيارات  الراديكالية والعاملة باجندات اقليمية واجنبية، والساحة العراقية ملتهبة منذ سنوات بهذا الخليط الدموي وان شابها في الفترة الاخيرة  شيئا من السلام المجتمعي الذي يعد فترة ايجابية من النقاهة ولا زال الكثير من الخطوات ينبغي اتخاذها وترسيب العوالق التي اتسمت بها مرحلة الخمس سنوات المنصرمة من عمر العراق.

والفقراء بشكل عام هم من يتكئ عليهم الاباطرة والدول الدكتاتورية والعتاة والظلمة على طول التاريخ، وهم قد يتشابهون اخلاقيا مع المترفين واهل الغنى الباذخ  فالفقراء تقودهم امراض العوز والاثرياء تدفعهم امراض الترف.

وطوعيتهم تكمن في الحقيقة من اربعة اسباب مهمة،

1:ـ الحاجة الدائمة  فالفقراء اصحاب حاجة وصاحب الحاجة اعمى لايرى الا قضائها كما يقولون فهم يتبعون باذل المال اينما سار وفي اي مسار.

2ـ متنفس شعور الكراهية والتهميش وفقدان الشعور بالذات، كثير من الاشخاص المهمشين بحياتهم وممن يرزحون تحت وطـأة الفقر والعوز ومن لم تتوفر لهم فرص التعليم، وجدوا في الانفلات فرصة لأثبات ذاتهم بالصورة الخاطئة والخطيرة وكونهم وجدوا كثير من الفرص التي اتاحها الانفلات نفسه متمثلة بالتيارات والاحزاب السياسية التي تمنطقت بشعارات طائفية او دينية لتكتسب درجة ما من القداسة وتسويق نفسها على رعاع المجتمع ممن لهم الجاهزية للانخراط في خطابها الذي هو خطابا منتميا بدوره الى جهات قد تتعدى نطاق الوطن الذي تتواجد فيه، إضافة لما افرزه الواقع المتردي والفراغ السياسي والامني وغياب الخدمات وبقاء الحالة الاقتصادية للمجتمع بوضع الركود باتجاه ازمة مستمرة خانقة، وتتمثل تلك الافرازات بزيادة اعداد العصابات من الخاطفين للاشخاص والاطفال والنساء او ممن يمارسون القتل من اجل المال والسراق بالقوة المسلحة.

من هذا كله ظهر النموذج المتخلّف الذي يمتلك القوة وقهر الآخرين وقد اقتدى بهذا النموذج كثير من الشباب سيما وان الوسائل معدة لايصالهم الى غاياتهم وتحقيق احلامهم ولذا فان الجهات المخربة لم تعدم الوسيلة لان تصل الى اغراضها مهما كانت تلك الاغراض، وقد راينا من خلال الفضائيات الهدف الوطني المزعوم الذي كان لا بد من ان يدنس بخطف النساء وممارسة الجنس وتناول الحبوب المخدرة وقتل الاطفال وتفجير الاسواق وتدمير البنية التحتية للبلد، والمحصلة النهائية لهولاء هي استلامهم حلمهم الكبير واملهم الاعظم المتمثل بالدولارات وهي مكافئتهم على كمية الدماء التي اراقوها على مذبح البراءة عبر السيارات المفخخة او الاحزمة الناسفة في الاسواق والمناسبات التقليدية.

3ـ  فقدان الهوية فقد يجد الشخص المهمش هويته من خلال التماهي مع شخصية كاروزمية لها صفات خاصة تنال اعجابه فهو عبد للانطباع الذي تخلفه تلك الشخصية في اعماق نفسه بشكل كبير، ومن هنا تنشا عبادة الشخصية التي يمكن وصفها بالوله او العشق بحيث ان المحب يلغي ذاته كليا ويلغي عقله ايضا ويكتفي بالمحبوب عقلا وقالبا وكما كان شائعا قبل تغيير 2003 اذا قال صدام قال العراق باعتبار ان صدام وكما يصوره محبيه وعشاقه هو عقل العراقيين الملغى اختيارا وهو محبوبهم الذي يعشقونه بلا مراجعة او تدقيق.

وينطلق الكاريزما من هذه البيئة النفسية والاشكالية الثقافية المضطربة ليعبّ من الانصار ما يشاء عندما يكون مقنعا بدرجة معقولة ومقتدرا على زراعة الاحلام الزائفة في رؤوس المؤيدين ويمنيهم بالمستقبل الخارق الموصول بقوى فوق الطبيعة وتحت التكوين، وتحقيق احلامهم المؤجلة في حياة باذخة وسلطة قاصمة ترفعهم من مربع العبيد الى مربع الاسياد المترفين في الحياة الدنيا والحياة الآخرة.

وقد ساعد تطور الاتصالات بالجماهير صورة وصوت وتماس المخضرمين مع المؤيدين المحتملين والتاثير عليهم من خلال المحطات الفضائية ووسائل الاعلام الاخرى ورسم افضل صور الحماسة والحميمية والتي هي بمجملها دفاعات كلامية وشعارات براقة في رؤوس المهمشين والمحرومين الفاقدين لاتزانهم النفسي واتزانهم المبدأي او العقائدي. حيث ان التخلف والجهل وعدم الفهم السياسي قد قوّم الطرق للمخضرمين الكاريزما من ان يعبئوا من الافراد المناصرين والمستعدين ببذل ارواحهم متى ما سيطر عليهم الاعجاب والوله بتلك الشخصيات بكون الاعجاب قد يتحول الى ما يشبه العبادة من خلال تقديس المخضرمين واستناداتهم التي يدعونها والتي هي غالبا استنادات متنكرة بعناوين دينية وطائفية او قومية في بيئات قوامها ممن يحتاطون المدن كمدن الصفيح على غرار الارهاب المغربي والجزائري وبيئاته التي ينطلق منها، فالطبقة التي تحيط بالمدن بيئة لا تنزع الى المعرفة او التطوير بصورة جادة مثلما هو شان الارياف في البيئة الطبيعية المستقرة.

ولو اخذنا الواقع المتطرف وسعيه الحثيث في تخريب العملية السياسية في العراق نجد ان النسبة المشاركة في هذا المسار يصل الى نسبة كبيرة من فقراء المدن فيما لايشكل سكان الارياف في هذا التعويق الا النسبة القليلة جدا وهذا دليل على قولنا في ان الفقر والبطالة تلعبان دورا كبيرا في قضايا التطرف والعنف، إضافة الى العامل الرئيسي المتمثل بالبيئة غير الصحية التي وجد الفقراء انفسهم فيها كتحصيل حاصل.

ولعل هذا الامر لا يخص العراق وحده ونما يحدث على غراره في كافة انحاء العالم ففي البرازيل وفي ساو باولو على وجه الخصوص ترتفع المدن الثرية بابراجها فيما تتسورها مساكن الفقراء الصفيحية او الكارتونية حيث يعشعش الفقراء شبه منبوذين كذلك يشكلون منبع قوي للجريمة والكراهية والعنف مما اضطر المتمكنين ماديا بابدال زجاج سياراتهم الى زجاج مضاد للرصاص ، واقامة الحراسات الالكترونية والبشرية لبيوتهم ويتنقل الاثرياء واصحاب الشركات بالطائرات المروحية حفاظا على حياتهم من القتل او الاختطاف ورغم تلك الاحترازات الا ان جريمة من الجرائم تحدث في البرازيل بعشرات الحالات يوميا من قبل عصابات الخطف والقتل والتسليب ليلا ونهارا من قبل فقراء المدن.

ويحدث في المغرب العربي الشئ نفسه وان اختلف التبرير حيث ان فقراء مدن الصفيح في المغرب والجزائر قد لبوا نداء اي من المنظمات المتطرفة وانضم اغلبهم في ماكنة الارهاب بمسوغات دينية او عقائدية او سياسية او لغايات دولية. ولعل الفشل الذي منيت به الثورة البلشفية او نظام الاتحاد السوفيتي الى ذوبان الطبقة المتوسطة والاعتماد على الطبقة الفقيرة التي لم يستطع الاتحاد السوفيتي ان يرفع من شانها المادي الى مستوى الطبقة الوسطى ويخلق منها طبقة برجوازية صغيرة وتم ذلك بالغاء الملكية اعتمادا على اخلاقية الفقر اي الامل بفعل صحي من وسط المرض واللاسوية فيما بزغت بصورة عملية راسمالية الدولة وعلى مذبحها قتل استالين آلاف الفلاحين والعمال المتقاعسين عن الاخلاق المفترضة والتي تحولت الى نوع من الاصولية الفكرية في مسار الاتحاد السوفيتي، وظل الاتحاد السوفيتي يكابر الى عشرات من السنين بعد ان انسحب الانتاج الزراعي والصناعي واعتمد بصورة رئيسية كبائع سلاح، اي بمعنى غياب التشكل الطبيعي للمجتمع والسير بمضامير طوباوية لاتلامس الواقع النفسي او البيئي باي درجة كانت.

وهناك شواهد كثيرة في التاريخ  الانساني عن ثورات اعتمدت كليا على الفقراء وحدهم الا انها منيت بالفشل في آخر المطاف ولم تستطع ان تنهض بالمهام التنظيرية وفق ما كان مفترضا لها نظريا.

 على ان المنبت الذي يتسم بالايجابية لبعض الاشخاص من بين ثنايا تلك الطبقة الواسعة في العراق نهض ادباء ومثقفون ومفكرون ومتميزون في شتى الاختصاصات لكن هؤلاء الاشخاص لايمكن عدهم من فقراء المدن حيث ان حقيقته اكثرهم من الاوساط الريفية المستقرة في بيئتها وليس من  فقراء المدن الا النسبة القليلة منهم وان كانوا يعيشون بين فقراء المدينة فان اغلب مؤثراتهم الطفولية سابقة لتواجدهم في المدينة، ويمكن التاكيد بان ذكرياتهم الفاعلة وارتجاعاتهم من تجارب شخصية كان الريف الطبيعي المشكل الرئيسي فيها وهذا ما نراه بشكل واضع لدى الادباء والكتاب والشعراء للاجيال الثقافية المتعاقبة في المشهد العراقي.

4ـ  نمطية انشاء المدن التي تنعكس على الجو الثقافي العام للمجتمع، من ضمن عوامل كثيرة تساهم في التشكل الثقافي لدى افراد المجتمع هو المتبع بانشاء المدن وكيفية التساكن الاجتماعي في انماط متنوعة يساهم كل نمط منها في تشكيل مفاهيم ورؤى وسلوكيات  مغايرة عن النسق الثقافي العام للمجتمع والمفترض حصوله بحسب الرؤية المتحضرة في التثقيف المديني الحديث  بمقدار البيئة المتماسة مع واقع الحال فينتج من ذلك وعي بحدود معينة سلبيا كان او ايجابيا.

وفي الواقع العراقي تساهم الدولة ومنذ امد بعيد في تاكيد نمطية سلبية ارتجاعية في الجانب الثقافي وان كانت مقاصدها ظاهريا مقاصد انسانية او خيرية فكثير من المدن تكون الدولة تابعة للاختيار المجتمعي لتلك المدن او الاحياء السكنية والدولة انما تقرر واقع حال ليس الا في انشاء المدن الجديدة او انها تجد نفسها ازاء ازمة سكنية خانقة فتحلها كيفما اتفق وبالطريقة المتبعة ذاتها دونما اي دراسة ولا معيار ثقافي متحضر اسوة بتجارب الغير، وان كانت قد بادرت بانشاء مدن باختيارها فانما يتم ذلك بنمطية مستدامة تقليدية وقد نشات في العراق مدن كثيرة منذ 1958 والتي جرى تسميتها الاحياء رغم انها مدن واسعة وهي معروفة من مسمياتها حي الاطباء حي المهندسين حي التجار حي الفقراء حي العامل حي المعلمين حي الموظفين حي الشرطة حي الضباط حي العسكريين حي الاكراد  ...الخ.

وكأن الامر لايتعدى تقسيم اجتماعي وتكوين مربعات منعزلة عن بعضها البعض ومغيبة عن اللحمة الاجتماعية الاصيلة العامة وقد انتج من هذه المربعات المنعزلة ثقافات سلوكية محددة في كل مربع فصار كل اهل حي يرون انفسهم هم الافضل في المعيار الاجتماعي من غيرهم في الجانب المادي او المكانة المعنوية، وهذا بدوره الغى عمليا الحوار الاجتماعي وجعله في حدود ضيقة اي ان المربع لايتحمل المربع الآخر كشريك فاعل في السلوك الاجتماعي او العملي وولد تزييفا في المشاعر ومسوغات للكذب وتدليس والغش.

ان تعدد المرايا الاجتماعية هذه جعلت من الفرد الا يرى نفسه الا في واحدة  منها لاغير فيما تكون المرايا الاخرى مرايا غير صحية في اقل وادنى التقديرات التي يقدرها الفرد فهو لايرى سوى المربع الذي ينتمي اليه في مجمل وهذا يعود بالاساس لمخلفات الكيفية التي انشأت فيها المدن وهو الفعل الذي يشرعن نفي وتغييب الآخر وقد انعكس ذلك سياسيا في الصورة الواضحة التي آلت اليها القضية السياسية العراقية باعتبارها المرآة التي عكست التربية المنسوخة من فعل التخصصات السكنية لانشاء المدن إضافة لاسباب اخرى.

فالطائفية والمناطقية والمحاصصة كلها نواتج مرت في حضن نمطية انشاء المدن بدرجة مؤثرة تعاضدت مع ظروف مساعدة كثيرة وهي بالتالي رغبة دفينة من الشعور بالحيف من المربعات الاخرى التي استولت على الحقوق انها ببساطة تبادل كراهية مضمرة مسكوتا عنها منذ ازمان لكنها سمعت بقوة بعد التغيير 2003 وحالات الغزو والحرق ونهب المحلات واسواق المدينة وحتى القتل بدافع الكراهية والحسد والانتقام في فترة الانفلات التي عمت البلاد انذاك.

فساكن المنطقة في الحي الفقير شامت متحمس لما يحصل لاهل المدينة او لاهل الحي الاثرياء من كوارث او مشاكل فهو سعيد في الاوقات التي يتعرضون فيها للفيضان او الحرائق فالكوارث هي التي استرجعت الحيف الذي لحقه من اهل المدينة وفي الوقت نفسه لا يستطيع ان يحدد نوعية او كمية الحيف الذي لحقه على وجه التحديد!. ويكون ساكن المدينة سعيدا جدا لو جرى تهديم دور الفقراء رغم استفادته منهم كايدي عاملة او متسوقين محتملين لبضاعته او مروجين لها في الاسواق الرصيفية.  وفي فترة الحرب العراقية الايرانية في بداية التجاوز السكني من قبل الفقراء كانت بلديات المحافظات ترفع توصياتها الى المقرات العامة لاستحصال موافقات التهديم للسكن الطارئ غير المخطط له وان خدماتها لاتستوعب الكم الاضافي لكن مطالباتها تلك قد مسحتها الحرب رغم حيوية تلك المطالب وقيام البلديات بتهديم شطر كبير من التجاوزات وهي قصص مؤلمة على كل حال لو اخذت بالتفصيل والتدقيق.

وطالما ان للسكن من تاثير في التجديد الثقافي او على الاقل بالاصلاح الثقافي فانه من الجدير ان ينظر بعين واعية من قبل المختصين بانشاء المدن وفق معايير متحضرة بعيدا عن خلق مربعات تفضي الى التناحر الاجتماعي وتربية الاحقاد والغل المضمر او العلني.

فمن خلال المدينة المختلطة او حتى العمارة السكنية الواحدة التي تحوي في شققها الكردي والعامل والمسيحي والسني والشيعي والمعلم والمهندس والمتكسب والموظف وموزع البريد والبائع المتجول من خلال ذلك نعيد التثقيف بصورته الفاعلة تثقيف يتماس مع كل الشرائح الاجتماعية وهو قطعا خلط للآراء الذي ستؤول الى التقارب والتفاعل والتلاقح والانسجام.

وليست عمارة تكون بمثابة المربع لفئة محددة منغلقة عن التماس الاجتماعي لاتعي سوى كينونتها في وسط يراد له ان يتحاب ويتقبل الراي المخالف ويتبادل رؤى متنوعة تخدم الحياة الحرة الكريمة.

اننا صناع الكراهية في مجمل حياتنا التي مررنا فيها وآن لنا ان نجرب الحب فهو الشئ الوحيد الذي لم ينل من ابداعنا مثلما ابدعنا بامتياز في الكراهية والغضب من الآخرين رغم الصلة الدينية اوالعرقية واللغة المتينة افتراضيا.

ان السعي بايجاد مدن متحضرة مختلطة انما نؤسس لثقافة جديدة مطالبون بها ونحن نخوض تجربة الديمقراطية وبكون الديمقراطية ثقافة بالدرجة الاساس فلا بد من وجود بنى وقواعد تحتية ومستلزمات ثقافية ومن هذه المستلزمات اولا الاختلاط والتفاعل بين كل المكونات الجماهيرية للشعب العراقي ومع كافة التخصصات الوظيفية والدرجات المادية والمعنوية وبهذا الجو المنفتح لن يستطيع الكروزوما ان يقرا الجنجلوتية في الرؤوس التي لا ترى الا مربعاتها، فالديك يظن الشمس لا تشرق الا من اجل صوته الجميل، ذلك لانه لا يسكن الغابة، لكنه لو اسكن تلك الغابة سيتعلم ان صوته من بين الصوت الجمعي وان الشمس تقصد الغابة برمتها بكل تاكيد.

الامر الواقع يفرض على السلطات القائمة ان ترضخ لما املاه الواقع الفعلي بان فقراء المدن لايمكنهم ان يغادروا المدن بكونهم شكلوا جزءا منها بالولادة والتعايش والتعويد ورسوخ مصالح حياتية واجتماعية تجعلهم من ضمن البنيان المادي والمعنوي للمدن التي تساكنوا فيها وعلى هذا فان السلطة تكون مسؤولة ان تهيئ الجو المديني من عمران وخدمات وضمان اجتماعي وليس من خلال اللجوء الى تهديم مساكن الفقراء وصرائفهم المحيطة بالمدن وعدهم متجاوزين في اراضي دولتهم فان الحل ياتي عن طريق انشاء مدن متحضرة تدمجهم في المجتمع المديني بشكل متحضر مستوفي للشروط الحضارية، وليس بالنمطية المستدامة في عزلهم باحياء خاصة بهم كما هو حاصل في انشاء الاحياء السكنية بطريقة تقليدية دأبت عليها السلطات الحاكمة منذ عهود طويلة.

اخيرا ماذا يمكن عمله ازاء مشكلة الفقر الضاربة في المدن وسبل تخفيفها الى الحدود المعقولة اي الوصول الى النسبة الطبيعية الموجودة حول المدن بما لا يجعلها مؤثرة بشكل سلبي؟. وماهي السبل الايجابية التي تعضد التفاعل الصحيح في مستوى الخدمات والصناعة والانتاج كذلك الاداء المطلوب لادارة المؤسسات الحكومية؟.

 

 

عدنان عباس سلطان


التعليقات

الاسم: عبدالامير المجر
التاريخ: 15/11/2008 05:32:51
الصديق العزيز عدنان
محبة حقيقية ....منذ مدة وانا اتابع ماتكتبه في الشان العام من خلال المقالات التي اقراها لك في الصحافة ، واني احييك وادعوك الى التواصل كونك تمتلك موهبة في فن المقال الذي يحتاج دائما الى الاطلاع المتواصل على المشهد السياسي والاجتماعي والثقافي ..اتمنى لك المزيد من التالق وتقبل محبتي ثانية .
عبدالامير المجر




5000