..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
د.عبد الجبار العبيدي
.
رفيف الفارس
امجد الدهامات
.......

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


سفر في أزرق الفنان التشكيلي محمود سعيد عبر رواية ( اللون العاشق) للكاتب المصري أحمد فضل شبلول

د. عبير يحيي

دراسة ذرائعية بآلية الاستقطاع تقدمها الناقدة الذرائعية السورية د.عبير خالد يحيي


مقدمة :


تعتبر السيرة الغيرية أقدم من السيرة الذاتية تاريخيًّا, وما النقوش الموجودة على الجداريات الأثرية القديمة إلا كتابات  كتبها قدماء الكتبة  تخليدًا لسيَر ملوكهم وآلهتهم وأبطالهم, والمقصود بالسيرة الغيرية أن يقوم الكاتب بسرد السيرة الذاتية لشخصية أو لشخصيات معينة مشهورة, الجديد الذي طرأ على كتابة السيرة الغيرية أنها لم تعد تراجم, أو مجرد سيرة أعلام, كالتي حفلت بها كتب التاريخ, وإنما انتظمت في بناء فني مميز, عندما امتزجت المعلومات المرجعية بالتخييل دخلنا في بناء فني سردي أدبي, هو  رواية السيرة الغيرية, يحدّد نوعَها مجالُ شهرة الشخصية, فهناك رواية السيرة الغيرية الأدبية مثل رواية  (سرور) التي كتبها الروائي طلال فيصل عن سيرة الشاعر المصري ( نجيب سرور ), وهناك الرواية السيرة الغيرية الدينية مثل رواية (موت الصغير) لمحمد حسن علوان, تناول فيها شخصية (محي الدين بن عربي), وهناك رواية السيرة الغيرية التاريخية مثل  (عزازيل) لجرجي زيدان, وهناك رواية السيرة الغيرية الثقافية الفنية كرواية  (بليغ) عن (بليغ حمدي) لطلال الفيصل أيضًا...


والرواية التي بين أيدينا تنتمي إلى النوع الأخير, رواية سيرة غيرية ثقافية فنية, كون  صاحب السيرة(الفنان محمود سعيد) شخصية فنية أثرت في ثقافة الوسط  الفني  التشكيلي في المجتمع المصري والعربي, بل كان من رواد النهضة فيها, لكن الجديد والابتكار الذي قام به الكاتب أنه جعل السارد أو الراوي هو محمود سعيد نفسه,  يروي سيرته الفنية التشكيلية المتخيلة في إطار حبكة روائية متخيّلة أيضًا, أبطالها جميلات بحري اللواتي يتشابكن مع الفنان ومع الواقع الحياتي الذي يعاصرنه.


السيرة الذاتية للكاتب ومساميره على حائط الأدب:


أحمد فضل شبلول


·       مواليد الاسكندرية


·       حصل على جائزة المجلس الأعلى للثقافة – شعبة الدراسات الأدبية والنقدية 1999 عن بحثه " تكنولوجيا أدب الأطفال"


·       حصل على جائزة الدولة التشجيعية في الآداب 2007


·       أصدر عددَا من المعاجم العربية منها: معجم الدهر, معجم أوائل الأشياء المبسط,معجم شعراء الطفولة في الوطن العربي خلال القرن العشرين.


·       أصدر ثمانية كتب في مجال أدب الأطفال آخرها ديوان " أحب الحياة"2017


·       له ثلاثة عشر ديوانًا شعريًّا مطبوعًا آخرها " اختبئي في صدري" 2017


·       له تسعة عشر كتابًا مطبوعًا في مجال الدراسات الأدبية والنقدية, آخرها " محيط وخليج .. عشرون رواية عربية"


·       أصدر في مجال الرواية : " رئيس التحرير" 2017 " الماء العاشق" 2018


·       ترجمت مجموعة من أعماله الشعرية ومقالاته لعدد من اللغات الأجنبية.


 


أولًا – المستوى البصري و اللساني الجمالي External and Linguistic Level::


 


يضمّ هذا المستوى مداخل الجوانب العينية والمنظورة في النص.


1- المدخل البصريExternal Trend :


 


·       العتبة العتبة البصرية الأولى  الغلاف:


الغلاف الأمامي شغلت جانبه الأيمن لوحة الفتاة ( ذات الرداء الأزرق), وهي إحدى لوحات الفنان محمود سعيد التي رسمها عام 1927 لفتاة قاهرية من بولاق كانت تقف على شاطئ النيل بالزمالك, رسم اللوحة مما انطبع في خياله, عن ملامحها ولون ثوبها. بعد قراءتي للرواية تساءلت لماذا لم يختر الكاتب لوحة (جميلات بحري) كغلاف وهي محور الرواية...


 لوحة الفتاة بظلالها السمراء, وثوبها عاري الصدر والأيدي, المخطط بالأزرق الغامق والفاتح, مع غطاء الرأس الأزرق الغامق أيضًا, كانت هذه القتامة بمواجهة الخلفية ذات اللون البيج الفاتح, والتي استقر فوقها اسم الكاتب باللون الأسود, تحته العنوان ( اللون العاشق) بالبنط العريض واللون الأزرق الغامق.


وبالأسفل جنس العمل ( رواية ) مع شعار دار النشر


للغلاف حافة منثنية كتب عليها تعريف مختصر بالعمل ( تتناول هذه الرواية سيرة ذاتية وتشكيلية متخيّلة للفنان المعروف محمود سعيد 1897-1964الذي يعد أحد رواد الفن التشكيلي في الوطن العربي . تتوقف أحداث الرواية عند عام 1935, وهو العام الذي رسم فيه الفنان أشهر لوحاته- جميلات بحري أو بنات بحري- .......)


الغلاف الخلفي: صورة فوتوغرافية بالبني والبيج للفنان محمود سعيد في مرسمه, يرسم, وقد تبعثرت في محيط المكان بعض لوحاته وأدواته, منها لوحة لفتاة عارية, أدار لها الرسام ظهره.


حافة الغلاف الخلفي منثية  داخل الكتاب وقد كُتبت عليها السيرة الأدبية للكاتب أحمد فضل شبلول.


رأيي أن الغلاف بالألوان المتمازجة بين القتامة والمضيئة, والصور والمعلومات المكتوبة عليه يتمتع بالأناقة والذوق الهادئ المريح.


·       العتبة البصرية الثانية هي العنوان: اللون العاشق


عنوان قصير, لافت وجاذب وسنأتي على تفصيل دلالاته أكثر في المستوى الاحتمالات المتحركة.


·       كان الإهداء إلى المثال محمود مختار بتوقيع محمود سعيد إيهامًا لنا من الكاتب بواقعية الرواية كسيرة ذاتية فنية, جاء الإهداء مباشرًا هكذا:


إلى صديقي المثّال العظيم


 


محمود مختار


 


                                              محمود سعيد


 


·       تجنيس العمل: رواية سيرة غيرية ثقافية فنية متخيّلة. بما أنها مسرودة على لسان صاحب السيرة  فيمكن أن نقول عنها رواية سيرة ذاتية ثقافية فنية متخيّلة.


·       الرواية تتبع المدرسة الواقعية تحت نظرية الفن للمجتمع.


·       بالنسبة للألفاظ والتراكيب, كانت ألفاظًا سهلة ومألوفة حتى في الفقرات المعلوماتية, التراكيب جمل تراوحت بين الجمل القصيرة والمتوسطة وأحيانًا الطويلة, متناسقة مع بعضها البعض.


التنسيق المطبعي جيد جدًا حيث التزم الكاتب بالشكل البصري النظامي للفقرات والحوار, وحتى بالشكل البصري للقصائد التي ضمّنها في الرواية.


·        أدوات التنقيط تم مراعاتها بشكل ممتاز.


·        قسّم الكاتب روايته إلى 32 فصل لم يضع لها عناوين فرعية, وإنما جعلها مسترسلة تحت عنوان واحد هو عنوان الرواية.


 


2- المدخل اللساني للنصLinguistic Trend :


 


وما دام الأدب بناء فني وجمالي بلاغي، مصنوع بدقة وحنكة أدبية مثقلة بالجمال البلاغي والعمق الخيالي والرمزي, ومثقل بالتعابير اللغوية ومشتقاتها، فقد خصّص ذلك المدخل للدوال والمدلولات والمفاهيم التركيبية والإملائية واللغوية و توابعها الاشتقاقية, وحتى تحليلاتها الفونولوجية، والمرفولوجية والسياقية, حسب المنظور البنيوي والتواصلي  الذرائعي....


ولنا في هذا المدخل أن نرصد :


·       الثقافة الأدبية الشاملة للكاتب: ومدى قدرته على توظيف مكتسباته الثقافية في مضمار عمله الأدبي, فهناك الكثير من المعلومات الفنية والألفاظ المهنية الفنية التي يعرفها الفنانون التشكيليون أتانا بها بلفظها الفصيح أو بلفظها العادي المتعارف عليه في أوساط الرسامين:


-         أجود أنواع المساند أو (الستاند) أو الحامل.


-         أجود الأقمشة وأوراق الكرتون المقوى


-         وأنواع مختلفة من (البليتات) وشرائح الزجاج.


-         وأنواع مختلفة من المحاليل التي تساعد على خلط الألوان مع بعضها بعضًا, وإعطاء اللون الخاص المطلوب أثناء عملية الرسم أو الإبداع,


-         فضلًا عن سكاكين المعجون أو سكاكين اللون.


 


·       المعرفة الأكاديمية بالأجناس الأدبية: الكاتب يدرك تقنيات السرد, ويدرك أنه يكتب رواية سيرة ذاتية لفنان تشكيلي مشهور, وهذا يتطلب منه الإتيان بمعلومات صحيحة عن الفن التشكيلي, لذا وجدنا الرواية غنية معلوماتيًّا في هذا المجال( الفن التشكيلي), أسوق مقطعًا من حديثه عن لوحة ( الحكماء الثلاثة) للفنان الإيطالي جورجوني (1477-1510)


 ( من اللوحات العارية التي أحببتها لدى جورجوني لوحة " فينوس النائمة" والموجودة في متحف درسدن, وهي تتشابه مع لوحة تتسانو " فينوس المضطجعة" والتي شاهدتها في متحف أوفتزي بفلورنسا أثناء جولتي الإيطالية...)


استخدم الكاتب دلائل موجودة سواء أكانت محكية سمعها من مقربين كانوا على اتصال مع الشخصية, أو مكتوبة, وأجراها على لسان الشخصية, كما استخدم المقالات المنشورة في الكتب أو المجلات عن الفنان في الفصل 17, كما استخدم دلالات مصوّرة, وهذا ابتكار يُحسبُ للكاتب حيث دعّم روايته بصور للوحات فنية جاء ذكرها في الرواية. إن الكاتب يعرف عناصر السيرة الغيرية, فقد ذكر تاريخ ومكان ولادة الفنان, واستعرض الإنجازات الهامة في تاريخ حياته الفنية, وتأثيره الثقافي في مجتمعه, ووضع ذلك في قالب روائي شيق.


 


·       البنية اللغوية من مفردات وتراكيب وسياق:


 حرص الكاتب على اختيار الألفاظ البسيطة المعروفة, لكنه برع في نظم تلك الألفاظ في تراكيب قصيرة أو متوسطة, سليمة تمامًا من الناحية النحوية, انتظام تلك التراكيب  في سياق المعنى يجعلها دقيقة جدًا في رسم الصورة التي يريدها الكاتب, نستعرض بعض هذه التراكيب والصور:


-         إن في حلاوتهم كنزًا فرعونيًّا يسكن في عينيها, وفي قوامها, وفي شفتيها الغليظتين, الدافئتين بعض الشيء.


نلاحظ أنها مفردات بسيطة ( كنزًا, فرعونيا, يسكن, عينيها, قوامها, شفتيها, الغليظتين, الدافئتين) تم تركيبها في شبه جملة, وصفة وموصوف سليمة نحويًّا.


·       البنية الإشارية ( الدلالة والمفهوم ):


تمكنت من رصد العديد من الدلالات ومدلولاتها,  بما أتاحته لي الذرائعية التي تهتم بحالات المعاني المؤجلة المستلة من الخيال والرمز في العمق الأدبي والبنية اللغوية العميقة, سأتجاوز المدلولات باتجاه المفهوم الذي يسوّر المعنى, هناك فقرة لفتتني يتساءل فيها الفنان , يقول :


"هل كانت بداياتي الفنية بفضل العثمانيين أم كانت بفضل الاستعمار, أم بفضل قدماء المصريين؟"   


الدلالة( الفن)


عقد  الفنان مقارنة مخبوءة  بين  الحضارات:


 الحضارة مصرية قديمة منذ   7000  سنة,


الحتلال العثماني 400سنة


الاستعمار الأوروبي ( حديث)


 المفهوم العام: بأن المصريين قد غلبوا العثمانيين و الأوروبيين في الفن, وكانوا من أوائل من نحت الجداريات والتماثيل والصور.


يقول أيضًا:


" صديقي الفنان أحمد صبري أصله تركي, فهل ذلك سوف يعليه على العرب, وما علاقة ذلك باللوحات التي أرسمها الآن؟"


الدلالة: الفن


المفهوم: أن العثمانيين امتلكوا السلطة فهل السلطة تغلب الفن؟


يشير إلى تدني العرب بنظر مستعمريهم.


·       البنية الجمالية ومتعلقاتها البلاغية – علم البديع وعلم البيان


اجتماع التراكيب يعطي صورًا جميلة تجعل النص ينزاح نحو الجمال :


-         وفي شفتيها الغليظتين بعض الشيء, الدافئتين كأنهما كأسان من خمر, وأنا في طريقي للاكتشاف هذا الكنز.( تشبيه)


-         إنه جسد متحرك رغم سكونيته و هدوئه الظاهري.  (طباق: متحرك# سكونيته)


-         وأعتقد أن سُمرة الجسد تظهر حركيته أكثر من بياضه. ( طباق: سمرة# بياض)


-         أنا لم أهِم بشطآن أحلامي, ولم ألوِّن أصداف أيامي ( استعارة)


 


ثانيًا– المستوى النفسي Psychological Level:


 


3-  المدخل السلوكي: Behaviorism Theory:


وهو مستوى نفسي، باعتبار الأدب نوع من السلوك الإنساني، الذي يفرز بين طياته محفزات تتطلب استجابات آنية و مؤجلة التنفيذ, المحفز(stimulus) والاستجابة (response) أو الفعل(action) ورد الفعل (reaction) أو السؤال والجواب، لكي نتوصل إلى أعماق الأديب، من خلال نصّه، وإلى أعماق النص من خلال تقمص موجودات الأديب الظاهرة بالتوازي النفسي، وهي حالة من التداعي والاندماج بين شخصية الأديب والمتلقي أو المحلّل.....


وحدات التحليل السلوكي النفسي:


 تكون بشكل تساؤلات وإشكالات وسلوكيات:


·       إنسانية: تجاوز الفنان لهمومه الإنسانية الصغيرة اتجاه بطلات لوحته, اللواتي مضين في درب الحياة كل واحدة لمصيرها, ليقبع وحيدًا في مرسمه منطلقًا منه لهدف إنساني أكبر, حاملًا أدواته وفنه وتاريخه الكوزموبوليتاني الممتد قبل الميلاد وإلى اللحظة التي يكتب فيها سيرته, لينصر الإنسان في المرأة المصرية البائسة, ليرسم جوانيها  البائس, لا أن يرسم جسدها عاريًا, وهذا تحوّل سلوكي كبير وفارق في حياة هذا الفنان من الناحية الفنية ومن الناحية الإنسانية.      


·       اجتماعية: هناك العديد من التساؤلات الاجتماعية والثقافية التي أطلقها الكاتب على لسان محمود سعيد, لعلنا نبحث عن إجاباتها عنده, وإن لم نجدها فلنفكر نحن بالإجابات, هي دعوة من الكاتب لإشراكنا كمتلقين في عمله الأدبي .


-         هل كانت بداياتي الفنية بفضل العثمانيين أم كانت بفضل الاستعمار, أم بفضل قدماء المصريين ؟


سؤال على درجة عالية من الخطورة, في إجابته يتحدّد هوية فن الفنان العربي وانتمائه الإبداعي, وهل هو نتاج غريب عن أصل صاحبه؟


لنرى إجابة الكاتب, يقول: صديقي الفنان أحمد صبري أصله تركي, فهل ذلك سوف يعليه على العرب؟ وما علاقة ذلك باللوحات التي أرسمها الآن؟


إذن أجاب إجابة مقاربة, أعقبها بتساؤلات أخرى, هل كون الفنان من أصل غير عربي وهو ولد وعاش في مصر, يجعل له امتيازًا عن أنداده العرب؟


وكأن الكاتب يلمّح إلى هذه الواقع القائم فعلًا! الإنسان الأجنبي في بلاد العرب له امتيازًا عندهم عن أقرانه من الفنانين والمثقفين العرب, للأسف الشديد, نجد بالأوساط الثقافية الكثير من التصفيق للرطانة الأجنبية, والمبدع العربي يُحارب محاربة حقيقية, ظاهرة أو مبطنة, يعيد سؤاله بتخصيص أكثر:


-         هل أنا كفنان نتاج لمرحلة استعمارية, أم أن فنّي ظاهرة جديدة على الثقافة العربية ؟


هناك سؤال إجابته أيضًا فارقة, هل ابتكار الفنان يعود الفضل فيه إلى ثقافة الاستعمار الذي جاء إلى البلاد العربية حاملًا شعارات الحداثة وضع تحت راياتها وفي جعبة أفضالها كل الإنجازات الناجحة والابتكارات المبهرة, أم أن عمل المبتكر هو فعلًا حدث طارئ وجديد على الثقافة العربية؟


يجيب بحذاقة: أعترف أن التقاليد البصرية العربية لم تشهد هذا النمط من التصوير من قبل. كان قبل ذلك يوجد فن النمنمات وفن الرسومات (الرسم على الزجاج), ولكني أنا وجيلي طليعة فن اللوحات, وأعترف أنني من أوائل من رسم اللوحات العارية. 


وهنا سأقف على إجابته بالتحليل, إذن هو يعترف بأنه خرج عن أخلاق مجتمعاتنا العربية المحافظة, التي تغض الطرف عندما تقع بصرها على  ما أمر الله بستره, فكيف ستقبل أن تنظر إلى لوحة تعرض الأجساد العارية؟ هذا اختراق واضح لمنظومة التقاليد العربية المحافظة التي تقوم على الحشمة والعفة, حتى لو كانت اللوحة لرجل عار, غير مقبولة, فكيف إن كانت لامرأة يعتبرها الدين والمجتمع عِرْضًا يُذاد عنه بالدم إن كُشِفَ ستره.


-         فهل كان ذلك سذاجة أم جرأة أم تحطيمًا لقيود ما؟


سؤال فيه الجواب الذي أشرت إليه, وفيه أيضًا بعض الاستعداد للاعتراف بخطأ ما تبناه من آراء ومفاهيم كان قد طرحها معلنًا إيمانه بها في بداية الرواية عن العري, حيث كان قد نفى حضور الشهوة عند الرسام وهو يرسم امرأة عارية, يقول: كنت أشمّ الدهن الموزع في جسد الموديل التي أرسمها.


ومعروف أن حاسة الشمّ من أكثر الحواس المثارة بالشهوة.


سؤال كنت أتمنى أن يفضي إلى السؤال الأهم : هل تقليد الغرب الذي ثار على الكنيسة ودعا إلى هدم كل موروث هو الطريق إلى القمة؟ سؤال مضمر أجاب عليه الفنان إجابة فعلية عندما قرّر أن يرسم جوهر الإنسان, البؤس الكامن في أعماقه, بعيدًا عن تعرية سوءته.


   


·       فلسفية:  أسئلة طرحها محمود سعيد على نفسه وهو يتأمل لوحة ( الحكماء الثلاثة) للفنان الإيطالي جورجوني:


-         هل أستطيع أن أعطي دلالات عميقة مثل تلك الدلالات والإشارات في لوحتي التي أرسمها الآن ( جميلات بحري) والتي تحتوي أيضًا على ثلاث من بنات بحري, ولكل واحدة منهن حكاياتها وأسرارها وجمالها المصري الخاص, وفلسفتها في الحياة اليومية؟


-         وكيف أوفّق بين تلك الدلالات والإشارات واللون الأزرق الذي أعشقه ويعشقني كما أباح لي ذات رسم؟


يجيب بذكاء وعبقرية من يتقمّص تمامًا شخصية  الفنان وحكمة الفيلسوف الذي يجذّرالأشياء:


-         أجمع في تلك اللوحة كل مدارس الفن المصري من فرعوني وقبطي وإسلامي وحديث, أريد أن تكون الخطوط والألوان ليّنة وراقصة ووامضة مثل جسد بنت بحري, وأن يصبح رداؤها جزءًا من شخصيتها, وكاشفًا لجمالها المختلف عن الجمال الأوروبي التقليدي.    


·       نفسية: هناك سؤال يتردد في نفس محمود سعيد كلّما رأى همّام :


-         هل هو يشك  في أنني رسمت أخته عارية؟ أم أنه انشغل بحلاوتهم وأنوثتها التي لا تقهر ؟


نجد أن نفس السؤال يطرحه همام على نفسه:


-         هل رسم محمود سعيد أختي عارية ؟


تساؤل عند محمود سعيد عن ( عصفور من الشرق ) لتوفيق الحكيم:


-         هل يقصدني أم يقصد نفسه؟ من فينا العصفور؟


يجيب : أنا الآن عصفور من الشرق في لندن . غدًا سأضع عصفورًا في أرضية اللوحة السردية الجديدة .إنه عصفوري أنا وليس عصفور الحكيم. إنه شرقي أنا وليس شرق الحكيم. فهي إذن الغربة, غربة النفس وغربة الوطن.


 


 


4-المدخل العقلاني أو التوليدي:Mentalism Theory  


والأدب إناء ومدخل التناص لإنه يهتم بقضايا الناس، ويهتمّ ،أيضاً بكلّ ما يتولّد من فكر وأحداث, فهي قليلة بالنسبة لسعة الحياة وامتدادها, فحين يلج الشاعر أو الكاتب عالم الأدب لابدّ وأن له تجارب مرّ فيها, وهي تجارب مرّ فيها الناس من قبله، فما يكتبه الأديب هو مأخوذ من تجربة ثلاثية، تتكون من ثلاثة عناصر كما تراها الرؤية الذرائعية،


أحداث الحياة الحقيقية: شهدت الأوساط الفنية والتراثية المصرية سرقة الكثير من الآثار والأعمال الفنية المصرية, وكان هناك وإلى الآن تجار وعصابات متخصصة في هذا المجال من التهريب والسرقات.  


تجارب الكاتب الشخصية: تناص الكاتب مع نفسه في ذات الموضوع مع روايته السابقة الماء العاشق.


التجارب والأحداث التي مرّ بها غيره وقد شاهدها أو قرأ عنها: تناص الكاتب مع الكثير من الكتّاب الذين كتبوا سيرة غيرية عن شخصيات مرجعية.


 


ثالثًا- المستوى الأخلاقي Moral Level


 


1-   البؤرة الفكرية الثابتة أو التبئير الفكري Static Core:


هي مدخل أخلاقي تجعله الذرائعية مركزًا ثابتًا لا ينزاح, ومنه ننطلق إلى باقي المستويات  أجد فيه كناقدة ذرائعية نوع العمل الأدبي ومحتوياته الأخلاقية الثابتة, هذه البؤرة تتحدّدها الذرائعية باستراتيجية الكاتب الأخلاقية العامة التي تتطابق مع المسيرة الإنسانية والأخلاق العربية والإسلامية المحافظة, بالإضافة إلى الأفكار العامة ونوع الرؤى التي يطرحها الكاتب, والتي ينبغي أن تكون مفيدة للمجتمع وخالية من جميع الأفكار السلبية المستوردة المنافية للأخلاق, وقد لمست ذلك جدّيّا عند الكاتب ( على اعتبار أن ما أجراه على لسان السارد المشارك من أفكار لم يكن هو بمعزل عنها) فهو لم يوافق الشاعر الفرنسي (جان آرثر رامبو) بدعوته إلى التشويش عن طريق تعاطي الكحول والأفيون, حيث يشوّش حواسه ضمن حيزه الواقعي ليمارس طقس الرائي بما يملك من خيبة وجنون لتقطيع ذات والعبث بها بهدف الوصول إلى مخبوءاتها الجوهرية, وإنما أراد أن يصل إلى إشراقات في اللوحة وإلى كيمياء الألوان, وتفاعل الظلال  مع الأنوار لينهي اللوحة, فهو لم يرد إنهاء لوحته بموت او اختفاء ( موديلاتها), إنما أرادها اللوحة النواة التي ينطلق منها لآفاق مصرية, وآفاق عربية, وآفاق عالمية, أراد  الابتكار, أراد رسم الحياة المصرية بحكاياتها وموضوعاتها البكر الجديدة التي لم تُرسم بعد, بهدف أكبر وهو أن يرصد ذاته ليدرك مقدار نجاحه في ذلك التحدي, أراد الغوص أكثر في أعماق البائسات, لأنه أيقن أن الإنسان بذاته الداخلية بكل ما تحمل من ألم وبؤس هي أولى بالرسم والتصوير من الأجساد العارية, مغيّرا بهذه النتيجة التي وصل إليها آراءه السابقة في اللوحات العارية, والتي كانت نوعًا ما متأثرة بالفكر الغربي.   


 


 


2-الخلفية الأخلاقية للنص أو الثيمة :Theme or Moral Background


تناول العمل موضوعًا رئيسيًّا وهو سرقة وتهريب وبيع التراث الثقافي المصري, وهي ثيمة وجدتها عند الكاتب بالاطلاع على عمله السابق ( الماء العاشق), وكأنها صرخة صامتة تشعر بالخزي والخيبة من اشتراك ذوي النفوس الضعيفة والجاهلة من بني قومه في تلك الصفقات المريبة والسرقات الوقحة لفنون وتراث البلد.      


 


 


رابعًا – المستوى الحركي في التحليل  Dynamic  Level


ندرس في هذا المستوى:


v    البناء الفني :


1-العنوان : اللون العاشق


 عنوان قصير, جملة اسمية معرفة, صفة وموصوف, اللفظة الأولى اللون تأتي من عمق موضوع الرواية, اللون هو سيد اللوحة البطلة, أما الصفة ( العاشق) فأراها من منظورين : الأول أنها صفة تخص اللون الأزرق الذي يعشقه الفنان محمود سعيد و يعتبره مرحلة بالفن لن يغادرها ويبقى مخلصًا لها, يقول في الصفحة 226:


بيكاسو الأسباني الذي التقيته مع الحكيم في اللوفر, مرّ بمراحل عدّة منها المرحلة الزرقاء, والمرحلة الروز, وهو الآن في المرحلة التكعيبية. وأنا أحب المرحلة الزرقاء , فقد تفتّحت عيناي على زرقة بحر الاسكندرية, لذا أحب هذه المرحلة ولن أنتقل إلى أخرى, فأنا مخلص وعاشق للون الأزرق, واللون الأزرق يعشقني, فعلًا إنه اللون العاشق وسط جميع الألوان.


المنظور الثاني أن الكاتب أصدر قبله ( الماء العاشق) وسيصدر ( الحجر العاشق), يعني الكاتب معني بإصدار سلسلة أعمال تحت صفة(العاشق).


2-   المقدمة:


جاءت المقدمة استهلال تعريفي ببطل الرواية ( محمود سعيد)


 والمكان( فيلته في جناكليس) وصف المكان بما فيه( الفوتيه, مقعد تابوريه, لوحات متعددة في بهو الصالة الكبرى التي لا ترى البحر ...


( جلس محمود سعيد في فيلته جناكليس على الفوتيه المحبب له من طراز لويس الخامس عشر, موديل المركيزة والمصنوع من الخشب الزان, الطبيعي غير المشغول بالحفر....) البداية بهذا الوصف الدقيق لإيهام القارئ بواقعية الرواية منذ بدايتها.


أما الزمان:


 زمن وقوع الأحداث:صباح يوم مشرق في العام 1935بدأ السارد بسرد المحفزات التي دفعته لرسم لوحته التي دارت الأحداث بسببها, يقول: 


( أتذكر أنني منذ سنتين- في عام 1933- رسمت لوحة لصيادين الأسماك أطلقت عليها اسم " الصيد العجيب" .....


 


 


3-   الصراع الدرامي وبناء الحدث: 


استخدم الكاتب في بناء الحدث الطريقة التقليدية: حيث تدرّج بحدثه من المقدمة حتى العقدة ثم النهاية, متتبعًا التطور السببي المنطقي.


لقد حقّق الكاتب عنصر التشويق في الحدث القصصي إلى حدّ جيد نسبيًّا, عن طريق الحبك الفرعية التي رفدت الحبكة الرئيسية ( قصة ست الحسن مع حسان.... قصة حلاوتهم مع زوجها السنجاب), وعن طريق زجّه بشخصيات مشهورة في الرواية مثل المخرج السينمائي محمد كريم, والفنانة ليلى مراد, المطرب محمد عبد الوهاب, والمطربة أم كلثوم, والشاعر أحمد رامي, ويوسف وهبي, مع ذكر الظروف  التي رافقت أفلامهم المشهورة ( الوردة البيضاء, وداد ...) والأديب توفيق الحكيم و سفره مع الفنان إلى فرنسا وحكاية  كتابة روايته ( عصفور من الشرق), وكذلك الفنان الأسباني المشهور(سلفادور دالي), سرد الفنان قصص لوحاته, وذكر أماكن ومعالم في الاسكندرية ( مسجد المرسي أبو العباس, حلواني ديلييس, شارع سعد زغلول, جناكليس ....) ومعالم في القاهرة ( قلعة صلاح الدين, الزمالك, بولاق...)


   كل ذلك جعل الرواية تنبض بالعاطفة  وسط كمّ كبير من معلوماتية ثقافية فنية.


كما حقق الكاتب العنصر الثاني الهام وهو  زمن الحدث  الذي ينطوي على مجموعة من الأزمنة منها : الزمن العام : سيرة الفنان الفنية حتى عام 1935


 والأزمنة  الخاصة : زمن العمل القصصي نفسه: خلال سنة 1935


إضافة إلى أنه أجاد في التعبير عن نفوس الشخصيات, وانتظام الأحداث والشخصيات في حبكة مترابطة معقولة, اكتسبت صفة السببية, وتكاملت بالمعنى أو الرسالة التي أراد الكاتب إيصالها إلى المتلقي.  


أما عن سردية الحدث أي طريقة عرض الأحداث, فقد استخدم طريقة الترجمة الذاتية, حيث تولت سرد الأحداث الشخصية المحورية ( محمود سعيد) بضمير المتكلم( أنا) قدّم الشخصيات وحلّلها تحليلًا نفسيًّا  من وجهة نظره.


4-   الشخصيات :


أنواع الشخصيات الفنية التي استخدمها الكاتب في الرواية :


§       الشخصيات المحورية:


الفنان محمود سعيد: والذي يمكن اعتباره الشخصية الواصلة الناطقة باسم المؤلف هذه الشخصية الواصلة هي أكثر ما تعبر عن الرواة والأدباء والفنانين.


 


§       الشخصيات المعارضة :


حلاوتهم: التي كانت أول الشخصيات الوافدة إلى الرواية والتي قادت أحداث الرواية في مثلت الصراع الدرامي حتى العقدة التي تشكلت بموتها, بعد موتها انقلب الصراع باتجاه الانحسار, تلاشت الأحداث, وغادرت بقية الشخصيات ولم يبق غير الشخصية المحورية (محمود سعيد) التي كان لزامًا عليه أن ينهي السيرة, وينهي اللوحة التي تصدّرت فيها حلاوتهم منتصف اللوحة تمامًا وعن يسارها ويمينها الوصيفتان ست الحسن وجميلة.


أبعاد الشخصية:


البعد الجسدي: شابة سمراء ذات شعر أسود طويل ينساب على ظهرها, وعينين واسعتين سوداوين, وشفتين غليظتين, ذات قوام مصري لين, طويلة القامة, مع سيقان أسطوانية ممتلئة, 


البعد الاجتماعي :  بنت بحري, وحيدة أبويها, مطلقة وهي في سن صغيرة, وكان أبوها (المعلّم الجزّار) قد زوّجها - قبل موته غرقًا في إحدى نوات البحر- غصبًا للسنجاب الذي كان عاجزًا جنسيًّا, ترك لها أبوها بعض المال من تجارة غير تجارة الأسماك لم يكن يهمها ان تعرف أي تجارة هي( قد تكون إشارة إلى تجارة مشبوهة), وثقافتها الضعيفة, لكنها جريئة في ألفاظها ونظراتها وإيماءاتها الجنسية.


البعد النفسي: شرهة لكل شيء,  لها تطلعات وطموحات كبيرة مستعدة أن تقدم في سبيل الحصول عليها كل شيء. 


§       الشخصيات المساعدة:     


ست الحسن:


اسمها الحقيقي توحيدة, أما ست الحسن فلقب أطلقوه عليها لجمالها وحسن ألفاظها وجمال صوتها, تزوجت عبد الحميد بعد أن خذلها أخوه حسان الذي أحبته وساعدته في الهرب من قرية النجعاوية, طلبت من عبد الحميد حينما خطبها أن يقيما بالاسكندرية لتكون قرب حسان.


§       شخصيات بسيطة: ولدت مكتملة على الورق, لم تتطورلم تغيّر ملامحها الأحداث, مثل جميلة و حسان وعبد الحميد وسعدية ومورينو.


§       شخصيات نامية : وهي شخصيات تتطور من موقف إلى آخر بحسب تطور الأحداث, لا يكتمل تكوينها حتى تكتمل الرواية, وتتكشف ملامحها تدريجيًّا خلال السرد, مثل شخصية همّام, محمودعبد الوهاب, آري.


§       الشخصيات المرجعية: وتكون حسب مجال شهرتها: تاريخية, أسطورية, مجازية, واجتماعية....مثل توفيق الحكيم, سلفادور دالي, محمود مختار, محمد كريم, محمد عبد الوهاب, ليلى مراد.


طرق عرض الشخصيات : اتبع الكاتب طرقتا العرض الأساسيتين :


 


-         الطريقة التحليلية: وهي الطريقة المباشرة التي يعنى فيها برسمها من الخارج واصفًا تصرفاتها وشارحًا عواطفها وأحاسيسها بأسلوب صريح تكشفت من خلاله شخصيته وتوجيهه لأفكار شخصياته وفق الهدف والحاجة التي أرا دهما, كل ذلك على لسان السارد البطل المشارك.


-         الطريقة التمثيلية: وهي الطريقة غير المباشرة, منحها القاص فقط  لحلاوتهم, حين أكسبها  حرية أكثر للتعبير عن نفسها وعن ميولها وأفكارها وعواطفها, شخصية القاص تتنحى جانبًا لتنطلق حلاوتهم بالتعبير عن نفسها بعيدًا عن أي تأثير خارجي:


( يؤجر السنجاب شقة متسعة أمام البحر مباشرة في الأنفوشي .... السنجاب يعرف أنني لا أميل إليه, خاصة بعد فشله مرات كثيرة معي على السرير رغم ضخامة جسمه,وتناوله العقاقير )


كما منحها لهمّام بدرجة أقل بكثير, فقط ليسأل سؤال ( هل رسم أختي عارية؟)


 


 


v   عناصر التشابك السردي:


1-الموضوع:


الإرهاصات والظروف والملابسات التي سبقت ورافقت رسم لوحة (بنات بحري), ونشوء فكرة اللوحات السردية عند الفنان محمود سعيد, وبيع وسرقة وتهريب اللوحات الفنية المصرية والشرقية إلى أوروبا, عن طريق شبكة عالمية تستخدم مندوبين يهود أو من جنسيات أوروبية مختلفة وبالأخص إيطالية كانوا يعيشون بالاسكندرية, وبالاستعانة بمصريين تربطهم بأصحاب اللوحات علاقة ما, جريمة قتل تذهب ضحيتها ( حلاوتهم) الموديل الرئيسي في اللوحة.


 


1-الحبكة:


تبدأ بالتقاء الفنان (محمود سعيد) ب( حلاوتهم ) في حلقة السمك في الأنفوشي,  التي وجد فيها الموديل الرئيسي للوحته الشهيرة (بنات بحري), يتفق معها على ذلك, وتأتيه في مرسمه في شارع سعد زغلول مع ست الحسن ( توحيدة), الجميلة صاحبة الصوت الجميل التي يقرر محمود سعيد أن تكون البنت الثانية في اللوحة, وهناك يلتقيان بمحمود عبد الوهاب  القاضي مكتشف المواهب الفنية والذي يرى في حلاوته مادة فنية يحتاجونها في عالم السينما, تشاء المصادفة أن يلتقي بجميلة الفنانة المسرحية اليهودية التي تلح بالطلب على المخرج محمد كريم ليعطيها دورًا في فيلمه الجديد, ويرفض بسبب طريقة إلقائها المسرحية الخطابية المباشرة وصوتها العالي, لتكون البنت الثالثة المشاركة في اللوحة, حبك فرعية تساهم في دفع عجلة الأحداث في الحبكة الرئيسية منها مقتل حسان حبيب ست الحسن السابق واتهام أخيه عبد الحميد (زوجها) بمقتله, قدوم أخوة ست الحسن من الصعيد وبقاء أصغرهم ( همّام) معها في الاسكندرية, الذي أمنّه الفنان على مرسمه, وتعهد بتثقيفه بعد أن وجد عنده ثقافة واطلاع فني لا باس به,  لكنه قام بعلاقة جنسية مع   حلاوتهم التي أغوته في المرسم, ثم سفر الفنان محمود سعيد مع الأديب توفيق الحكيم إلى أوروبا- فرنسا بداية – ومعايشته لأجواء كتابة مؤلفه الشهير ( عصفور من الشرق) ثم زيارته للندن والتقائه ب(آري)  وكيلة فنانين في لندن وباريس, التي دعته لزيارة (جاليري آري) خاصتها. 


هناك كانت المفاجأة حيث وجد الكثير من لوحاته ( لوحات العري)هناك, لقد سُرِقت من مرسمه! وقد طُمس توقيعه عليها, يكتشف أيضًا أن حلاوتهم وهمام قد باعاها للمندوب الإيطالي  (مورينو) -السارق السيء السمعة الذي سبق للفنان طرده من مرسمه - وأن من سرّب ل( مورينو ) نبأ وجوده في فرنسا هو صديقه القاضي (محمود عبد الوهاب) مكتشف المواهب, تم القبض على مورينو متلبسًا لحظة استيلائه على لوحات في عملية جديدة, باتفاق بين محمود سعيد –الذي قطع زيارته لأوروبا وعاد لمصر-و همام للإيقاع به, واعتبر همّام شاهد ملك, تم الافراج عنه بعد أن اتهمه مورينو بأنه هو الذي سلّمه اللوحات مقابل مبلغ من المال, كما أن حلاوتهم تقاضت مبلغًا محترمًا أيضًا.


 


2-العقدة: في انتظار انتهائه من لوحة بنات بحري لينهي الفنان علاقته بحلاوتهم, وانتظار انتهائه أيضًا من ست الحسن التي تنتظر مصير زوجها عبد الحميد في قضيته المنظورة بالمحاكم بعد أيام, وانتهائه أيضًا من جميلة قبل انتقالها للعمل بالقاهرة واشتراكها في دور صغير قرّره لها محمد كريم في فيلمه القادم مع محمد عبد الوهاب, تُقتل حلاوتهم طعنًا بالسكين في حفل خطوبتها على همام....


الشك يدور حول في طليقها السنجاب الذي كان يطالبها بالشقة التي تنازل عن إيجارها لها, فهددته بأنها ستفضحه بعجزه الجنسي, شمل الاتهام أيضًا أخوة همّام الذين حضروا الخطوبة وهم في حالة غليان زاد أوارها الرقص الفاضح الذي رقصته حلاوتهم أمام الجميع.


4-الانفراج: يغادر همام وست الحسن مع  أخوتهم باتجاه الصعيد.


يقرّر الفنان محمود سعيد بأن (يتجاوز "بنات بحري " لعمل أكبر وأروع وأبقى, وضع هدفًا أسمى لفنه, أن يغوص أكثر في دواخل البائسات المصريات, يرصد النظرة والوجع واليأس والأمل, يرسم الوجه والجسد  على أنهما مرآة للدواخل المتألمة,  يقول:


(أريد أن أنقّب أكثر في أعماق النساء البائسات اللاتي عانين من الحياة المصرية, خاصة اللاتي يشعرن بأن العالم من حولهن أصبح مكانًا للموت أكثر منه مكانًا للحياة )


5-النهاية: سيطرة الذات الشاعرة على الفنان, واعترافه بأنه كان من الصعب عليه أن يجمع بين كتابة الشعر وبين الرسم, لكننا نراه ينهي الرواية بقصيدة كتبها على لسان تمثال الخماسين للعظيم محمود مختار بدلًا من أن يقابله بالرسم قال فيها:


قلت لمختارٍ


أن ينقشني حجرًا


من ريح وعويلْ


.


.


 


وقصائد يرددها لامرئ القيس ( مكر مفر مقبل مدبرمعًا  


                                                           كجلمود صخر حطه السيل من علِ


القصائد التي تثير الدهشة بحركتها التي تُعجِز الريشة واللون, فيتفوق الشعر فن الرسم بإعجاز بيانه!


يسترسل بأشعار بودلير( صلاة اعتراف الفنان)  وكأنه لا يريد أن ينهي الرواية, لكن لابد من النهاية, نهاية يستريح فيها هو وتستريح فيها حلاوتهم برحمات يطلبها لها وخلود في لوحة شاركته شهرتها.


التشابك السردي والصقالة وإعادة البناء الجمالي:


ندرس في البناء الجمالي:


1-   الأسلوب Style:


استخدم الكاتب الأسلوبين الواقعي و المباشر في سرد الأحداث, وبالنسبة للشخصيات جعلها تتحدّث بلغتها, ومستواها الفكري ما أكسبها المنطقية والواقعية والصدق, وتكون بذلك جاذبة لاحتوائها على عنصر التشويق, لنرَ كيف تتكلم حلاوتهم وست الحسن :


حلاوتهم : لا تخافي منه فهو رجل محترم وابن باشوات


ست الحسن : يا بختك يا توحيدة ستتعرفين على ولاد بشوات


الملاحظ أيضًا أن الكاتب استخدم من ناحية الموضوع الذي يعالجه الخطاب اللغوي الأسلوب المعتدل أو الوسيط, عندما كان يتحدّث عن التاريخ والمعلوماتية الفنية الثقافية.


كما وجدت ذات الأسلوب في المقال الذي كُتِب عن محمود سعيد في كتاب جديد بعنوان  (الظلال) كان على مائدة في مرسمه, وقرأه همّام عن الرسم والتصوير. 


 


2-  السرد Narration :


جاء السرد في الاستهلال والمقدمة على لسان سارد خارجي سلّم السرد بعدها لسارد مشارك هو صاحب السيرة ( محمود سعيد), كما هو واضح في التالي :


.... استدعى محمود سعيد خادمته السمراء نبوية وطلب منها أن تصنع له فنجانًا من القهوة التركية المحوِّجة, يبدو أنه قرّر أمرًا ما.


قال لي: أزحتُ الستار المخملي عن الشباك ....  ومن هنا بدأ السارد المشارك بسرد أحداث الرواية بتتابع فني جيد.  


3-   الحوار  Dialogue:


أجاد الكاتب استخدامه لأداء كل وظائفه, وأهمها التخفيف من رتابة السرد الطويل, فنجده يأتي به بعد كل سرد حَدَثي أو وصفي, بنوعيه الديالوج والمنولوج, وتحديدًا في المنولوج كما أنه وظّفه في التعبير عن الأفكار وآراء الشخصيات, وإظهار سويتها الثقافية مثال الحوار بين حلاوتهم وست الحسن الذي يكشف تراخي حلاوتهم في سبيل المال, وتحفّظ ست الحسن :


حلاوتهم : "خلّي الرجل يشتغل ويرسم ويكسب ويكسبنا معاه".


ست الحسن :" يا عيب الشوم, يرسمنا! وماذا أقول لعبد الحميد, أعتقد أنه لن يوافق, إحنا صعايدة يا حلاوتهم".


استعمل الكاتب اللغة العربية الفصحى, وأحسبها نقطة كبيرة له, فهي لم تبعد الشخصية عن واقعها الحياتي كما يدّعي دعاة العامية, وبقيت لغة الحوار خاصة بكل شخصية, فعلى لسان حلاوتهم وست الحسن أجرى الحوارات الوسيطة التي تعتبر كل لفظة منها فصحى لكنها بالتركيب تقترب من العامية.


كما قام الحوار بوظيفة اختصارالسرد:


قلت لتوفيق : علينا ألا ننسى أن نحج إلى الجناح المصري بالمتحف.


فقال لي: بالتأكيد سنحج إليه, بل سنختم يومنا به حتى لا يغضب منا أجدادنا هنا.


اكتسبت حواراته صفة والإيجاز والسرعة في التعبير.


v   التجربة الأدبية أو الإبداعية  للكاتب :

لقد قام الكاتب بمؤلفه هذا بإعادة بناء الحياة الفنية للفنان التشكيلي محمود سعيد بتفاصيلها المتداولة بناء على ما ارتآه شخصيًّا, معتمدًا على ما جمعه من معلومات عن الفنان سواء أكانت مكتوبة أم محكية أم مصورة , ولم يدّخر في ذلك وسعًا, حتى أنه وظّف مقالًا قديمًا -لم يذكر كاتبه-  كان بمثابة وثيقة تاريخية وشهادة حيّة عن مسيرته الفنية ونبوغه وتأثيره في نهضة مصر الثقافية على المستوى الفني التشكيلي. وظّف الحوار ليكون قالبًا عميقًا لمعلومات تاريخية عن لوحات عالمية, كنت أفضّل لو أن الكاتب جعلها في هوامش, كيلا يثقل على ركن هام من أركان السرد, لكني استمتعت جدًّا بالحديث عن سيرة و عبقرية الفنان النحات محمود مختار, حوار بمعلومات سلسلة توزع على أكثر من أربعة متحاورين, أما ما يخصّ الفنان محمود سعيد فقد أثرى الكاتب جانبه بطريقة باذخة جدًا, واستطاع أن يخلق فينا إحساسًا كبيرًا بدواخل هذا الفنان, آراءه, ثقافته, إنسانيته, وشفافيته.....

 الصور الملحقة بالعمل السردي أعتبرها صفحات  مكتوبة و مقروءة, تُحسب للكاتب إغناءً أكثر منه هوامشًا, أيضًا استثمار الكاتب لتقنيات السرد من ستباق واسترجاع وتلاعبه بالأزمنة والأمكنة بما تناسب مع الشخصية الفنية بإطارها الإنساني والثقافي والمعرفي, وتنويعه في أسلوبية السرد, وإبرازه العلاقة الوطيدة بين الأدب- الشعر تحديدًا – والفن التشكيلي والعلاقة المركبة والمتبادلة بينهما, من النقاط التي تُسجّل في حقل تجربته الإبداعية.

الخاتمة :

أتمنى أن أكون قد أحطت بجوانب هذا العمل الأدبي للأديب والشاعر الخلوق أحمد فضل شبلول, إن قصّرت فلنقص عندي, وإن أوفيت فبفضل من الله وتوفيقه.

د. عبير يحيي


التعليقات




5000