..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


حوارات في الترجمة : حوار مع مونا بيكر :أخلاقيات إعادة السرد

أ.د. كاظم خلف العلي

حاورها أندرو جسترمان

جسترمان: يثير كتابك الأخير "الترجمة و الصراع: وصف سردي  Translation and Conflict: A Narrative Account" الصادر في 2006 بعض القضايا الشيقة و المهمة التي تتعلق بممارسة و أخلاقيات الترجمة التحريرية و الشفاهية فأنت تجادلين على أن الترجمة ذات مغزى بصورة خاصة في مواقف الصراع (و مثل معظم الاختراعات البشرية كما أفترض) و أنها يمكن أن تستخدم للخير و الشر. و لذلك من المهم تأمل ما يترجم و كيفية ترجمته على حد سواء . و الطريقة الوحيدة لفعل ذلك هي عبر النظرية السردية و سآتي ببعض التساؤلات عن النظرية السردية فيما بعد لكن دعينا نبدأ ببعض الافتراضات.

إن أحد مشاريعك الجوهرية هو أن الترجمة (و المترجمين) لا يمكن أن تكون حيادية  و موضوعية مطلقا طالما أن كل فعل ترجمة ينطوي على تفسير –  مثلما لا يخلو أي  رصد لأية معلومات علمية كلية من النظرية. و هذا يذكرني بواحدة من نقاط البداية لما يسمى "مدرسة التلاعب Manipulation School" في دراسات الترجمة في ثمانينات القرن العشرين. (ينظر على سبيل المثال Hermans 1985) و هم يجادلون أيضا بأن المترجمين يتلاعبون حتميا و هم يترجمون و يأخذون الكثير من الأمثلة و معظمها من الترجمة الأدبية ليوضحوا هذه المسألة. كيف ترين العلاقة بين مقتربك و مقتربهم؟

بيكر: كما هو الحال مع أية كتابة تقريبا (أو حقا الكتابة عن أي شيء آخر) هناك على الدوام بعض التداخل مع ما كتبه  أو جادل به الآخرون. التداخل الخاص الذي تشير إليه مع ما يسمى بمدرسة التلاعب يوجد أيضا مع عمل المنظرين ما بعد الاستعماريين  postcolonial theorists و باحثات الترجمة الأنثويات   feminist scholars. و مع الكثير مما يدور تحت راية المقتربات اللغوية ( ينظر على سبيل المثال   Mason 1994) و العمل في ترجمة الحوار (Wadensjö 1992/1998, Mason 1999,  الخ) و الكثير من الأنواع الأخرى من التنظير عن الترجمة التحريرية و الشفاهية. يكمن الاختلاف في كيفية تطوير هذا الزعم و خصوصا من حيث (ا) نوع المعلومات التي يتفحصها المرء لكي يدعم الزعم و (ب) الجهاز المفاهيمي المطبق لتحليل هذه المعلومات و (ج) درجة الانعكاسية الذاتية التي يبديها المحلل. و في حالة، و لنقل، مدرسة التلاعب ، مثلما اخترت أن تسميها، فإن المعلومات هي أدبية بشكل صارم، و يتألف الجهاز المفاهيمي بصورة كبيرة من نسخة أو أخرى من نظرية النظم system theory ، و(كما يبدو لذهني في الأقل) ليس هناك جهد محدد في موقف المحلل الخاص و لوفيفر (1992) مثال نمطي.

و في كتابي "الترجمة و الصراع" نهلت من أمثلة من عدد متنوع من الأجناس و هي في معظمها غير أدبية، أمثلة ليست فقط عن الصراع السياسي، و هي ساحة تتشارك بها مع المنظرين الما بعد استعماريين إلى حد ما، لكن بالتحديد أمثلة عن الصراع السياسي المعاصر بما فيها ما يسمى "الحرب على الارهاب" و ارهاب الدولة و غوانتانامو و الأعمال الوحشية الاسرائيلية في جنين و أجزاء أخرى من فلسطين و بن لادن و كوسوفو، الخ.  و يميل باحثو الترجمة على العموم لأن يبتعدوا عن التعامل مع قضايا تتعلق بالصراع المعاصر الدائر من هذا النوع لكونها إشكالية بصورة حتمية، فلم يتم التوصل لأجماع لحد الآن ، حول من يكون الضحية و من هو الظالم، مثلما هو الحال في جنوب أفريقيا أو المانيا النازية على سبيل المثال. و لا يزال هناك عنصر من المخاطرة – و أحيانا مخاطرة كبيرة جدا – تنطوي في مناقشة هذه الصراعات المعاصرة. و لو وضعنا قضية الخطر جانبا، فإني أؤمن أن الجدل صحي و أنه من المنتج للمنهج أن يرتبط بهذه القضايا التي تثير عدم الموافقة ، و حتى عدم الموافقة العاطفية، و بالنسبة للباحثين الذين يستخدمون أمثلة من مثل هذه السياقات أن يكونوا منفتحين حول مواقفهم الخاصة.

من منظور الجهاز المفاهيمي – و ربما تريد أن تعود لهذا في اسئلة لاحقة –  فإن النظرية السردية أساسا، أو نسختها التي حاولت تطويرها في كتابي "الترجمة و الصراع" تقدم استبصارات جديدة لم تستكشف ببساطة من قبل في المنهج. و هي تنير جوانب مختلفة من السلوك الترجمي و تقدم تفسيرات طازجة لها. و من نقاط قوتها  بإيجاز هي حقيقة أنها تشجع الانعكاسية الذاتية من جانب المحلل- تجعلك باستمرار واعيا أنك لا تحلل سرديات أناس آخرين من موقع مميز بل من موقع سردي محدد يقيد رؤيتك الخاصة بطرق محددة. و هي تقدم أيضا اساسا لتطوير اخلاقيات ترجمة، و هي قضية حاولت أن اعالجها في الفصل الأخير من الكتاب بالإفادة من عمل وولتر فشر  Walter Fisher الذي يشار اليه بصورة شائعة بالمنظومة السردية (ينظر Fisher 1987)

جسترمان: هل توافقين أن باحثي التلاعب كانوا وصفيين بينما تحاولين أن تمضي لما هو أبعد من الوصف باتجاه نوع من الأمرية prescription ؟ و مثلما قال ماركس نحن لا نحتاج فقط الى تفسير العالم ، إننا نحتاج لتغييره، صحيح؟ هل ترين نفسك على انك تصطفين مع باحثين تحدوا مقترب وصفي صرف و جادلوا من أجل ممارسة ترجمية أكثر ارتباطا و التزاما؟ (على سبيل المثال بيتر نيومارك Peter Newmark بإصراره على قيمة الحقيقة و تبني لورنس فينوتيLawrence Venuti  لإستراتيحيات التغريب / الأعجمة foreignization و المترجمات الأنثويات...)

بيكر: نحن نحتاج حقا أن نغير العالم و خصوصا في هذه المرحلة  من التاريخ بالخصوص. لكن حتى أولئك الذين يفكرون بأنهم أنهم ليسوا خارجين من أجل التغيير يحاولون باستمرار تغييره، و في الأقل تغيير اتجاه البحث ضمن المنهج أو تغيير جوانب من الممارسة المهنية – باتجاه ما يرونه على انها الأنماط "المثلى" للبحث أو المستويات العليا من المهنية. و كل هذا هو أيضا جزء من العالم، و لذلك فإنه سؤال عن ما مدى سعة القائك لشبكتك و ما تعتبره "العالم". و من الصحيح أيضا ، مثلما أعتقد، أن هناك عنصرا من الأمرية في جميع الكتابات النظرية ، مهما حاولت أن تكون معزولة و وصفية. و هو سؤال عن الدرجة، و فيما إذا كان الباحثون مستعدين أن يكونوا واضحين بخصوص أجنداتهم في تقنين نوع من البحث مهما كان ذلك ماهرا و ذكيا،.

و حتى ضمن ما قد تسميه مقتربا "ملتزما" فإن هناك مستويات عديدة من الأمرية. ففينوتي، على سبيل المثال، يتبنى بقوة استراتيجيات محددة في الترجمة في سياقات اجتماعية – ثقافية محددة. و هذا مختلف تماما من المقترب الذي حاولت تطويره في "الترجمة و الصراع" و خصوصا في الفصل الأخير حيث أحاول تطبيق عمل وولتر فشر على الترجمة. يتعامل فشر مع قضايا أخلاقية بطريقة مفصلة و قد وجدته مفيدا جدا في تعبيد الطريق التي قد يمضي خلالها الأفراد في صناعة القرارات الأخلاقية. و على غير شاكلة عمل باحثين مثل بيرمان و فينوتي ، فإن أولويتي باستخدام عمل فشر لم تكن تقنين ما هو أخلاقي بذاته بل إيجاد طريق للتأمل في كيفية وصول المرء لتقرير ما هو أخلاقي في أي موقف معين، ترجميا كان أم غير ذلك. و أعتقد أن هذا يأتينا باستبصار و مقترب للأخلاقيات مختلفين – مقترب أقل صرامة (لذهني) و أكثر احتواء لآراء مختلفة في القضية ذاتها، من منظورات أخلاقية مساوية ممكنة. و طبيعيا ، لا زال هناك عنصرا من الأمرية. , إن كان فقط من منظور الإصرار في أننا يجب أن  نتأمل في سلوكنا و أن نكون مسؤولين أخلاقيا أمام أنفسنا و الآخرين في عملنا كمترجمين و باحثين في الترجمة مثلما هو شأننا في خطى الحياة الأخرى. و سيعني  التوقف عن الأمرية بهذا المعنى التوقف عن اتخاذ أحكام معنوية و أخلاقية!

و لست أرى نفسي مصطفة مع أي شخص أو أية جماعة على وجه الخصوص ، لكن ربما يكون الباحث الذي لي أعظم صلة قرابة بعمله هو ماريا تايموسزكو Maria Tymoczko. و ما أحبه في عمل ماريا هو الدمج ما بين الالتزام و الانعكاسية، و كلاهما يرتكز على إطار وصفي من النوع الذي يحافظ على رؤية واسعة بالرغم من الاهتمام الدقيق بالتفاصيل، و لا يتابع ما أعتبره أفكارا سخيفة عن الانفصال و الموضوعية.  لكن لدي أيضا الكثير من القرابة و الأعجاب العظيم بعمل عدد من الباحثين الآخرين و خصوصا كارول مير Carol Maier   و أيان ميسون  Ian Mason    و مويرا أنغليري    Moira Inghilleri.

نعم ، سأجادل من أجل ممارسة ترجمية  و منح بحثية أكثر التزاما.  و هذا مهم على وجه الخصوص في هذا المنعطف من التاريخ، حيث يكون المترجمون التحريريون و الشفاهيون منشغلين بقوة في الوساطة لمدى واسع من الصراعات السياسية العنيفة و هم أنفسهم يستهدفون بالقتل و الاحتجاز، و حيث يكون بعض المترجمين قد شاركوا في تعذيب الأسرى في أماكن مثل أبو غريب (ينظر على سبيل المثال Zernike 2004) و عندما يجتمع عدد متزايد من المترجمين التحريريين و الشفاهيين المحترفين  سوية لتشكيل مجاميع تشرع باستخدام مهاراتها اللغوية لإحداث تغيير سياسي. و هنا أفكر بجماعات مثل Babels و ECOS  و Tlaxcala من بين جماعات أخرى ( ينظر الفصل السابع من كتابي الترجمة و الصراع و مقالي في الماساشوستس ريفيو 2006 و المقال الذي سيصدر قريبا  ضمن المجموعة التي يحررها Esperanca Bielsa Mialet  و Chris Hughes). و مثلما جادلت في المقال الأخير فإن التطورات في العالم الحقيقي للترجمة التحريرية و الشفاهية فاقت كل محاولة في المشاركة  السياسية رأيناها في المنهج لحد الآن، و أؤمن أن علينا أن نبدأ بالقيام بجهد جاد للاشتراك مع هذه التطورات إذا ما أردنا الحصول على المصداقية ، سواء في المؤسسة الأكاديمية أم بين الحرفيين.

جسترمان: نعم تايموسزكو (110:1990) تتكلم بالفعل عن الترجمة و كونها "فعلا  التزاميا commissive act" . لكنها تشير لوعد المترجم الضمني من أن الترجمة تمثل بالفعل نصا مصدريا. و هذا يقودنا لاعتبار بعض العواقب الشيقة للموقف الذي تضعه قدما للجوانب الأخرى من دراسات الترجمة. لنأخذ مفهوم التكافؤ ، على سبيل المثال، هل يعتمد هذا على افتراض لا يمكن الدفاع عنه من الحيادية الموضوعية؟ هل تتفقين مع الباحثين  الذين يبدوا أنهم ألقوا فكرة التكافؤ خارج النافذة، أم ترغبين بالإبقاء عليها؟ هل هي ذات أي فائدة ما نظريا؟ و إذا ما استمررنا في استعمالها فكيف يجب أن نعرفها؟ و إذا ما رفضناها، فما هي المفاهيم البديلة التي يمكننا استخدامها بدلا عنها في تفحص العلاقات بين نصوص المصدر و نصوص الهدف؟ 

بيكر: كتبت تايموسزكو عن المشاركة السياسية في مناسبات عدة و من منظورات مختلفة (ينظر على سبيل المثال مقالتها "الترجمة و المشاركة السياسية Translation and Political Engagement" في مجلة المترجم عام 2000 و كتابها "توسعة الترجمة و تمكين المترجمين Enlarging Translation, Empowering Translators ") . و هي تجادل ، و أنا أوافقها على ذلك، أن المشاركة السياسية في سياق الترجمة ليست مربوطة بالتدخلات النصية (بالرغم من أن هذه لا تستثنى). و تعمل بويري  Boéri   (تحت الطبع) النقطة ذاتها فيما يتعلق بعمل Babels و هي مجموعة المترجمين الشفاهيين الذين يخدمون المنتدى الاجتماعي العالمي. و المشاركة السياسية في حالتهم هي موضوع اختيار تقديم وقتهم و جهدهم خدمة للتنوع اللغوي ضمن المنتدى. و بعملهم هذا يتدخلون بالطريقة التي يتطور بها المنتدى داينميا عبر الزمن، لإغناء المجادلات السياسية التي يمكن تأسيسها ضمن ذلك الفضاء و مدى الأصوات التي يمكن أن تساهم في تشكيل أجندة المقاومة. و لا يزال هنا بعد نصي. فعلى سبيل المثال فإن " مشروع المعجم" العائد لــ Babels ينطوي على "بناء مسارد بمكافئات "مسؤولة سياسيا" فيما يخص المصطلحات الحساسة أو المبتكرة للغة العولمة العليا" (بويري ، تحت الطبع). إن استخدام "المكافئات" شيق هنا طالما أنك أثرت قضية التكافؤ في سؤالك. التكافؤ بالنسبة لمن؟ إن هذه المصطلحات لا تنتقى أو تزكى بما له علاقة بنصوص مصدر معينة بل في ضوء علاقتها بأحداث في العالم و بأجندة المقاومة. و هذا يعني (بالرغم من أنه ليست لدي فكرة فيما إذا كان متطوعو  Babels  تأملوا فعليا بهذه القضية) أنه إذا ما كان متكلم أفريقي يستخدم المصطلح "أسكيمو Eskimo" و بافتراض أن المصطلح ذا الصلة مغطى في معجم Babels  فإن المترجم الشفاهي إلى الإنكليزية سوف يستخدم المصطلح الأكثر مسؤولية سياسية  و هو "الأنويت Inuit " ( أو المصطلح Inuktitut  إشارة للغة) . على التكافؤ هنا أن يعني شيئا مثل "بالتناغم مع ما هو مقرر على أنه مسؤول معنويا و أخلاقيا من موقع سردي خاص".

هناك أيضا نقطة هامة لابد من عملها هنا و التي أثارتها كل من تايموسزكو و بويري، و تحديدا أن ، مثلما تضعها بويري، لنا ميلا "للنظر للمترجم الفرد على أنه المحرك المفرد للتغيير، ونقلل بذلك من البعد الجماعي  لكل من الترجمة و الفاعلية و النشاط". إن المشاركة السياسية ليست شيئا يمارسه المترجم الفرد في فراغ و بما له علاقة بنص فقط، حقا إن المصطلح "مشاركة" نفسه يؤشر هذا (عليك أن تشترك مع الآخرين، و ليس فقط مع الأفكار المجردة). إن مجاميع Babels و Tlaxcala و ECOS و مترجمون من أجل السلام  Translators for Peace   و المجاميع المماثلة تجسد بإيجاز هذا النوع من المشاركة السياسية من جانب المترجمين التحريرييين و الشفاهيين. و هؤلاء هم أفراد يتجمعون سوية لوضع مهاراتهم اللغوية في خدمة أجندات سياسية محددة. و تتفاعل المجموعات التي يشكلونها بالمقابل مع مجموعات أخرى تطور أجندات مماثلة (على سبيل المثال فإن Tlaxcala تعمل بصورة وثيقة مع محور المنطق  Axis of Logic    و هي مجموعة منفصلة من الناشطين الذين لا يركزون على قضية التنوع اللغوي).

لا أعتقد أن علينا أن نتخلص من المصطلح "تكافؤ". و لو فعلنا سيكون من الصعب جدا أن نقارن نصوص المصدر و الهدف، و هو تمرين سيستمر في أن يظل مهما جدا بالنسبة للمنهج، و خصوصا في تدريب المترجمين التحريريين و الشفاهيين. غير أن علينا أن نأخذ موقفا أكثر "استرخاءا" منه، متبنين تعاريف مختلفة للمصطلح في سياقات مختلفة. و طالما نكون واضحين حول كيفية استخدامنا للمصطلح في أي مناسبة معينة، و طالما أننا نحذر الطلبة و نذكر أنفسنا بالطبيعة الإشكالية المتأصلة للمفهوم، فإني لا أرى صعوبة خاصة في الاستمرار باستخدامه حيثما يبرهن على أنه ذو فائدة.

جسترمان: إذن لا يحتاج التكافؤ لأن يعرف مسبقا، مثلما جادل توري Toury. لكن هناك أيضا سؤال أكثر جدية في الخلفية هنا، و هو متعلق بالوساطة mediation . إننا نفترض بصورة شائعة على أن المترجمين التحريريين و الشفاهيين هم وسطاء. و بالنسبة لبعض الباحثين فإن هذه المسألة هي أيضا مركزية من الناحية النظرية. فيوبالدو ستيكوني  Ubaldo Stecconi (على سبيل المثال في 2004) و في تحليله السيميائي لأساسيات الترجمة يقترح أنها تتألف في النهاية من ثلاثة عناصر أساسية هي التشابه و الاختلاف و الوساطة. هل المقترب الذي تستكشفينه في كتابك يهدد هذه الفكرة من أن المترجمين وسطاء؟ لقد رأيت مؤخرا الإعلان عن كتاب جديد يدعى "الترجمة  كتدخل Translators as Intervention" (Munday 2007). لم أقرأ هذا الكتاب لحد الآن، لكن تبدو الثيمة و كأنها تعكس نوع الموقع الذي تتخذيه نفسك . هل إننا نشهد نوعا من الوداع لفكرة الترجمة كوساطة؟ أو هل نقول أنه على الرغم من أن الوساطة غالبا ما تكون هدفا مناسبا إلا أنها ليست كافية على الدوام: على المترجمين في بعض الأحيان أن يفعلوا أكثر من مجرد الوساطة. أم هل إنك ترغبين باستبدال مفهوم الوساطة بعنصر أساسي أخر؟  أعرف من خلال موقعك الإليكتروني أنك ناقدة للمجاز عن المترجمين و كونهم "بناة جسور". ما هو المجاز البديل الذي تفضلينه؟

بيكر: الوساطة هي واحدة من تلك المصطلحات التي تستخدم في كل مكان لكن يندر أن تعرف. لكن طالما أنك أشرت على وجه الخصوص لعمل يوبالدو و طالما أنه يعرف المصطلح، دعنا نتأمل تعريفه و مضامين ذلك التعريف. إن يوبالدو مهتم بتمييز الترجمة عن غير الترجمة . و هو يجادل أن الوساطة هي أحد الشروط المنطقية – السيميائية الثلاثة، و الأثنان الآخران هما التشابه و الاختلاف. ومن هذا المنظور السيميائي فأن يوبالدو يفسر الوساطة على أنها "الحديث نيابة عن آخر" ( شخص يتكلم نيابة عن شخص آخر، و نص يتكلم نيابة عن نص آخر) . و الوساطة بهذا المعنى ستكون مثل نقل ما قاله أو كتبه شخص آخر، باللغة ذاتها أو بلغة أخرى ، قولا أو كتابة . و نحن جميعا  نؤدي واجب  الوسيط  بهذا المعنى في أوقات مختلفة و سياقات مختلفة. هل يعني هذا أننا لا نتدخل في هذه "الوساطة"؟ هل إننا فقط نعيد الكلمات التي سمعناها أو قرأناها حرفيا، أم هل نحن نفسرها من نقطة معينة مميزة و ننقلها (بانتقائية، بدرجات متباينة) بطريقة حساسة للعوامل السياقية، بما فيها إحساسنا الخاص بما هو مناسب أو غير مناسب، و ما هو أخلاقي و غير أخلاقي؟ أحيانا يكون الشيء الأكثر أخلاقية الذي نقوم به ( المحكوم عليه من موقع سردي معين) هو عدم الحديث نيابة على الأطلاق – و يعتمد على من هو هذا "الآخر" و ما يريد أن نقول نيابة عنه، أو ما هو نوع السردية التي يطورها نص أصلي  و فيما إذا كنت تريد أن تعطي تلك السردية الرصيد و الشرعية في بيئة مختلفة، أو حتى فيما إذا كنت تتفق مع ما يقوله المتكلم أو النص، فإن  حكمك أنه من غير المثمر أن تعيده كما هو لأنه سيساء فهمه في السياق الهدف ، أو أنه سيسبب ألما و إهانة غير ضرورية، أو يمكن أن يستخدم بصورة غير منصفة ضد أحد الأطراف الداخلة في تفاعل، الخ. و كل هذا شكل من أشكال التدخل، تدخل يريد أي مترجم مسؤول أن يستفيد منه في مرحلة ما في مسيرته. يمكن أن يعني التدخل أيضا الاستمرار في الوساطة ، و أن يكون المرء "مخلصا" كلما أمكن في "الحديث نيابة عن آخر" ، لكن  أن تبعد نفسك في الوقت ذاته عن أفكارهم، بل و تتحداهم مباشرة . هل تستطيع أن تتخيل مترجما لكتاب هتلر "كفاحي Mein Kampf" ، على سبيل المثال ، لا يكتب مقدمة أو شيئا مشابها يشرح فيه موقفه من هذا النص؟

التدخل متأصل في فعل الترجمة التحريرية و الشفاهية مثلما هو متأصل في أي فعل من أفعال النقل و التقرير. الشخص الذي يعيد ببساطة ما سمعه من أناس آخرين حرفيا سيكون مسؤولا اجتماعيا، حتى و إن كان قد أرسل على سبيل المثال لاجتماع بصفة واضحة في أن يكون مقررا.  عليه أيضا أن يكون ماكنة ليكون قادرا على أن يطلق خارجا من دون تفسير ، من دون اختيار و عدم اختيار عناصر مما تم قوله، و من دون وزن أهمية و مغزى بعض الثيمات و التعليقات طبقا إلى استيعابهم لما عناه المتكلم أو المتكلمون – الذي ربما لا يكون الشيء ذاته مثل استيعاب المتكلم الخاص لما قالوه. إن التدخل يعني كل هذا، و ليس التدخل السياسي فقط من النوع الذي يشترك فيه مترجمون ناشطون مثل أعضاء   Babels و Tlaxcala .

و لذلك فأنا لا أريد على وجه الخصوص استبدال مفهوم الوساطة بأي شيء آخر. ليس المصطلح هو المشكلة، بل الطريقة التي نفهمه بها. أما بالنسبة للمجازات المختلفة التي نستخدمها في الحديث عن الترجمة، فمن الصحيح أني أجد مجاز "بناء الجسور" سخيفا على وجه الخصوص (و لقد استخدمته بنفسي في الماضي بالتأكيد و لذلك فأنا لا أستثني نفسي من هذا النقد!). ما أراه قابلا للرفض خصوصا عنه هي الطريقة التي يستخدم بها لاقتراح أن هناك شيئا متأصلا من الخير في الترجمة، و في المترجمين من حيث المعنى الضمني .و لا يساعد الافتراض الرومانسي سوى في تكثيف نقاطنا العمياء و تثبيط همتنا من مواجهة تعقيد تموضعنا في المجتمع. لو كان لي أن أختار مجازا ما يتجنب هذا الميل لجعل الترجمة رومانسية و يعكس وساطة المترجم فإنني سأرغب في "إعادة السرد" للترجمة.

جسترمان: ما هي مضامين مقتربك بالنسبة للعلاقات بين المترجمين و الزبائن؟ شخصيا، أنا أعتقد أن أدوار الزبون و المنشئ  initiator (و هما ليسا مترادفين) متناولة بصورة قليلة نظريا نوعا ما في حقلنا. أين هي حدود مسؤولية الزبون ، بالضد من مسؤولية المترجم؟ و أين تنتهي مسؤولية المترجم و تبدأ مسؤولية الزبون؟ و هل تحدد مسؤولية الزبون مسؤولية المترجم؟ و كم يعتمد موقعك الخاص على الجانب الذي يكون فيه  الزبون؟

بيكر: أنت على حق في أنك تريد التمييز بين الزبون و المنشئ. غالبا ما ينشئ المترجمون مشاريعهم الترجمية الخاصة، و غالبا ما يتدخلون في نصوصهم بطرق عديدة. و هم يتدخلون أيضا في النصوص التي فوضهم إياها الزبائن. و سواء كنت أنت أو أنا نفكر بأن تدخلهم مصيب أم خاطئ فذلك لا يغير الحقائق على الأرض: فالدليل كاسح. و لذلك دعنا نكون واضحين من أن ما نجادل به هنا هو تقييمنا الشخصي للصواب و الخطأ، و ما نعتقد أنه يجب أن يحصل بدلا مما بحصل حولنا فعليا طوال الوقت.

و مثل أي علاقة بين بني البشر فإن العلاقة بين المترجمين و الزبائن يجب أن تكون مثاليا علاقة مؤسسة على الاحترام المتبادل. و هذا سيلغي العمل مع زبون ليس له احترام لديك. فأنا، على سبيل المثال، لن أترجم لوكالة الاستخبارات الأمريكية بالرغم من أنني أعرف الكثير من المترجمين يقومون بهذا. و بقولي هذا، فإن من الواضح أن بعض المترجمين لا يملكون رفاهية الاختيار بعدم العمل مع زبائن محددين. المترجمون في العراق، على سبيل المثال، ليس لديهم الكثير من الخيارات حاليا. فعليهم أن يطعموا و يكسوا عوائلهم في ظل ظروف صعبة للغاية. و إذا ما انتهيت بالحاجة إلى العمل مع زبون لا  تثق به أو تحترمه، و خصوصا زبون يحتل بلادك و يقتل و يعذب أهلك، فمن الشرعي جدا من وجهة نظري أن تستخدم مهاراتك اللغوية (و غيرها)  لنسفه أو نسفها ، أو مؤسساته الجمعية. و لقد وضع مايكل كرونن   Michael Cronin  الأمر بطريقة لطيفة في بحث له في العام 2002:

((لقد تم تحديد  دور المترجمين الشفاهيين عبر التاريخ  بشكل حاسم من خلال دستور القوة الهرمي السائد و موقع المترجمين فيه. و في هذا المجال، لو تعرضت أنت أو أهلك لحرمان شديد من التسلسل الهرمي فيمكن أن يكون الموقف الأكثر أخلاقية هو أن تكون "غير مخلص" تماما في الترجمة باسم إخلاص آخر ، الإخلاص للمقاومة)) (كرونن 2002 : 58 – 59).

إن حقوق الزبون (و يعني الفرد أو المؤسسة التي استأجرت ألمترجم التحريري أو الشفاهي) يجب أن تقيم و توازن مقابل حقوق المشاركين الآخرين. و لا يعنى أن يدفع الزبون أنه مخول بالحصول على ولاء أو احترام  أكثر من المترجم – المترجمون، من وجهة نظري، لا يجب أن يتصرفوا كمرتزقة. و يذكرني هنا مثال استخدمته في "الترجمة و الصراع" مأخوذ من بحث لماركو جاكوميت Marco Jacquemet في 2005 حول الترجمة الشفاهية للمفوضية السامية للاجئين التابعة للأمم المتحدة في تيرانا بألبانيا في 2002. و لأن الكثير من الألبان كان ينقل أنهم يحاولون الوصول لكوسوفو بالادعاء بأنهم كوسوفيون فإن الأمم المتحدة أنشأت نظاما قاسيا يتبعه العاملون على الحالات و المترجمون الشفاهيون و الذي تضمن كبح سرديات المدعين و التركيز بدلا عنها على لهجاتهم و ملابسهم و معرفتهم بمنطقة كوسوفو و عاداتها. و ترينا الأمثلة التي يستشهد بها جاكوميت المترجم الشفاهي و هو يرفض سرديات فردية للاجئين يائسين لكي ينقل ما طلبه الزبون: قرار أولي عن احتمالية أن يكون فرد معين كوسوفيا أصليا على أساس أشياء مثل لهجته ، و في حالة أمرأة زعمت أن جنودا صربيين اغتصبوها، و أعتمد القرار على فيما إذا كانت تستطيع تحديد لون الزي العسكري الذي كان الجنود الصرب يرتدونه من دون تنازلات لاحتمالية تعرضها لصدمة شديدة في محاولتها تذكر مثل هذه التفاصيل.

و عندما تكون  الأشياء الأخرى متساوية ، و تم أخذ حقوق المشاركين بعين الاعتبار ، و حيث يوجد الاحترام المتبادل بين المترجم و الزبون،  سوف أعتبر أن يتدخل المترجم من دون إبلاغ الزبون بهذا التدخل  غير أخلاقي من حيث المبدأ .

جسترمان: تذكرين أن المترجمين يؤسسون أحيانا مشاريعهم الخاصة. في مثل هذه الحالات، لا يوجد هناك بالفعل زبون آخر لأن يكون المترجم مواليا له، حيث لا تبرز صراعات الولاء للزبون. من وجهة النظر الأخلاقية، يكون الموقف من ثم أكثر مباشرة.

بيكر: ليس بالضرورة. إن تأسيس مشروعك الخاص لا يعني أن المؤلف، مثلا، ليس له حقوق أو أن الناس الذين تترجم تحريريا أو شفاها خطابهم لا يجب أن يعاملوا بأخلاقية. المشكلة التي لدي  مع المصطلح "زبون" هي أنه يعني أننا مسؤولون بدرجة كبيرة أمام كل من يدفع تكاليف الترجمة، لكن هذه ستكون طريقة المرتزقة نوعا ما في الاقتراب من قضية الولاء، و من قضية الأخلاقيات . خذ ميمري  MEMRI (the Middle East Media Research Institute – معهد بحوث الأعلام في الشرق الأوسط   www.memri.org) على سبيل المثال . إنهم يؤسسون مشاريعهم الخاصة بالترجمة، و لكن ما يقومون به بالنسبة لذهني غير أخلاقي بصورة عظيمة، مثلما جادلت في "الترجمة و الصراع" و أماكن أخرى. إنهم يترجمون بعناية مقتطفات منتخبة من مصادر عربية و إيرانية متنوعة و يربطونها سوية و يعملون منها "تقارير" تحت عناوين تشيطن العالم العربي و إيران (مثل مشروع التوثيق المناهض للسامية) و من ثم ينشرون هذه المادة مجانا للصحفيين في أمريكا الشمالية و أوربا و لأعضاء في الكونغرس الأمريكي. و يمكنك القول أن هؤلاء الناس ينشئون ترجماتهم الخاصة لكن ذلك لا يجعل من تدخلاتهم أخلاقية.

جسترمان: كلا. لكن الموقف ربما يكون أقل تعقيدا مما لو كان ينطوي على زبون منفصل مؤسس. أنا أتفق أن المترجمين التحريريين و الشفاهيين ليسوا و لا يمكن أن يكونوا موضوعيين و سلبيين تماما. الحيادية المطلقة مستحيلة في العادة. لكن الثقة الممنوحة من المجتمع و الزبائن للمترجمين تكمن  بالتأكيد في التعليق الضروري لهذا المعتقد و من أن مثل هذه الحيادية مستحيلة. نتوقع من المترجمين التحريريين و الشفاهيين أن يكونوا مخلصين، و أن لا يشوهوا الرسائل بطرق تكسر الأعراف السائدة. و حاليا فإن الأعراف المهنية السائدة  تبين  أو تعني  بالتأكيد أن المترجم التحريري/ المترجم الشفاهي يجب أن يهدف في الأقل للحيادية، الخ. لو كان المترجمون، كما تكتبين، يقررون "أن يعززوا أو ينسفوا جوانب معينة من السرديات التي يتوسطون بها" (ص 105)، فهل الزبائن ( و كتاب النصوص الأصلية) يتوقفون ببساطة عن الثقة بهم إن أكتشف في النهاية أنهم شوهوا أو عدلوا بالفعل من سردية ما؟

بيكر: ما تجذب الاهتمام له هنا هو التناقض الحتمي بين التوقعات و السلوك الحقيقي. من ناحية لديك توقعات مؤسسة على الأوهام يشارك كل من المؤسسة الأكاديمية و المهنة في الإبقاء عليها لأسباب براغماتية. إن أولئك الذين يثقون بالمترجمين التحريريين و الشفاهيين يحتاجون لإعادة التأكيد من أنه يتم سماعهم أو قراءتهم كما يريدون أن يسمعوا أو يقرأوا. و من دون إعادة التأكيد هذا و مهما كانت توقعاتهم غير قابلة للتصديق عند الممارسة لا يمكن أن يستمر هذا التواصل بصورة مرضية . في الحقيقة، حتى و إن كان إعادة التأكيد هذا يقدم بصورة روتينية من قبل المترجمين التحريريين و الشفاهيين ، نستطيع أن نرى في سياقات معينة أن "الزبائن" لا زالوا لا يثقون بمترجميهم التحريريين و الشفاهيين ، لأسباب متعددة. ما كان يحدث للمترجمين التحريريين و الشفاهيين في غوانتانامو و العراق هو مثال واحد فقط (ينظر على سبيل المثال تقرير العام 2006 الذي أعده ليفنسون حول المترجمين الشفاهيين العراقيين و الشك و الريبة التي يعاملون بها من كلا الطرفين). و من ناحية أخرى، هناك ما نعرفه كمختصين حول الطريقة التي تعمل بها اللغة و الترجمة عند التطبيق. إن الترجمة غير المتوسط بها و الخالية من التدخل هي ببساطة غير ممكنة ، حتى عندما يكون المترجم مقتنعا أنه يجب أن يكون محايدا تماما. و في ضوء أن المترجمين التحريريين و الشفاهيين هم من البشر، و لديهم ضمير و حس بما هو أخلاقي و ما هو غير أخلاقي، هناك حتما مواقف يمكن أن يجدوا فيها أنفسهم غير قادرين على تجنب التدخل بمعنى أكثر مباشرة. و أتذكر هنا رواية جون لوكار   John Le Carré "أغنية المهمة     The Mission Song" و التي يكون المترجم الشفاهي شخصية رئيسية فيها. إن هذا المترجم المدرب و الموهوب بصورة كبيرة، و إسمه سلافو، يعمل لزبائن كبار، بما فيهم مؤسسات المدينة و محاكم القضاء. و يكتشف تدريجيا مع انجلاء الأشياء في إحدى واجباته العالية المستوى أنه يترجم لأطراف تخطط لتدخل رئيسي في أفريقيا، تدخل سيكلف الكثير من الأرواح. و باكرا في القصة، و قبل أن يتوجب عليه مواجهة معضلته، وصف نفسه بمصطلحات مألوفة لدينا فحسب:

أنا لست في معسكرهم (الزبائن)   لكنني لست في معسكر الطرف الآخر أيضا. أنا عالق هناك في منتصف المحيط...(أنا) الجسر، الصلة التي لا غنى عنها بين أرواح الله المكافحة. (لوكار، 2006:15)

و تتكشف معضلته تدريجيا و هو يبدأ في ادراك ما هو متورط فيه. و في منتصف الكتاب، و بينما هو يستمر في العمل "بحرفية" مع زبائنه، يقول "أشعر بالقذارة و لا أعرف السبب" (2006:180). و يجد نفسه ليس طويلا يهرب دليلا عن نشاطاتهم غير المشروعة لكي يكشف خططهم و يجهض "العملية". فهل سلوكه هذا أخلاقي؟ من وجهة نظري، ليس هناك سؤال: انه و نقيضه – أي عدم التصرف ضد الزبون– سيكون غير أخلاقي. ألا يقلق هذا الزبائن و يعزز جوا من عدم الثقة ليدركوا أن المترجمين التحريريين و الشفاهيين يستطيعون و يأخذون بالفعل أو يغيرون الأدوار في ظل بعض الظروف؟ بالتأكيد أنه يفعل ذلك، لكن ذلك لا يعني أنه يمكننا فعل الكثير للتخفيف من هذا القلق. نحن نتعامل مع بشر، و ليس ماكنات، و لا تستطيع أية قواعد للسلوك أو الحديث عن المهنية أن تغير هذا الواقع أبدا.

و المثال الواقعي (و ليس الروائي و الخيالي) الذي يثبت المسألة ذاتها هو مثال كاثرن غن   Katharine Gun، مترجمة الحكومة البريطانية التي حوكمت بتهمة الخيانة في 2003 و فازت بقضيتها بمساعدة الكثير من الشخصيات المشهورة عالميا. لقد سربت غن إلى الصحف طلبا أمريكيا عالي السرية للمساعدة في التجسس على دبلوماسيي الأمم المتحدة في جهدها للفوز بقرار أممي يخولها بغزو العراق ( ينظر تقرير الغارديان لعام 2004). لن تزكي أية قواعد موجودة للأخلاقيات بإفشاء سر من أسرار الزبون، لكن المترجمة في هذه الحالة (ومسانديها الكثر) كانوا متيقنين من أخلاقية سلوكها. و ينقل عن غن قولها "لا أشعر إني مذنبة على الأطلاق بخصوص ما فعلته، و لذلك لن أدفع عن نفسي بالقول إني  مذنبة، حتى و إن حصلت على حكم متساهل" (الغارديان 2004).

و من الممتع أن شيئا مماثلا بصورة كبيرة يحصل في المؤسسة الأكاديمية. على الأكاديميين أيضا أن يعكسوا صورة عن البحث العلمي المنفصل وأن يحافظوا على تمييز واضح نسبيا بين التدريس و المشاركة السياسية. و مالم يفعلوا ذلك فإن الآباء سيفترضون أن أبناءهم و بناتهم تغسل أدمغتهم باستمرار في الجامعات بدلا من "تربيتهم"، و إن المؤسسات الممولة لن توفر لنا المنح. و من حيث التطبيق، على أية حال، يشارك الكثير من الأكاديميين بالقضايا السياسية في الصفوف الدراسية بل و يحث الكثير منهم أن عدم القيام بذلك غير أخلاقي. و مثلما تضع ماتسنز Matisons (2003) الأمر بما له صلة  بالتوجيهات الصادرة من جامعتها (كاليفورنيا ستيت يونيفيرستي، ساكرامنتو) حول مناقشة حرب العراق مع الطلبة، "عندما تساند الحرب، فإن الحيادية داخل الصف قد تبدو مثل الطريق الصائب الذي لابد أن تذهب فيه. لكن عندما تكون ضد الحرب ، من ثم فإن عدم التنديد بها يوحي بالتواطؤ مع حالة قتل جماعي غير مبررة".

جسترمان: لننتقل إلى مسألة أخرى: مفهوم السردية والتي هي محورية بالنسبة لنقاشك. إن رد فعلي الأولي، عندما قرأت الكتاب، هو أنك تجعلين من هذا المفهوم يقوم بجزء عظيم من العمل. كيف تردين على النقاد الذين سيجادلون أن المفهوم يبقى غامضا  و عاما بصورة كبيرة ، و أنه واسع لدرجة بحيث أنه يفسر كل شيء – و نتيجة لذلك لا شيء؟ هل هو يعني لا شيء أكثر من "تفسير"؟ أو "نظرية"؟ و لماذا تنتقلين في الفصل السادس إلى مفهوم "الإطار"؟ هل تحتاجين لكل من "السردية" و "الإطار"؟ و ما هي العلاقة بينهما؟

بيكر: أنت على حق في الإيحاء بأن مفهوم السردية يقوم بكمية فظيعة من الأشياء، و هو السبب في وصفه غالبا على أنه  ملتقى للمناهج. السردية ليس لها خصوصية بهذا المعنى ، فمعظم المفاهيم الرئيسة في الإنسانيات واسعة الانتشار بصورة مشابهة و منفتحة بصورة مشابهة على تعريفات متعددة. و يمكن قول الشيء ذاته عن "الثقافة" و "السياق"، على سبيل المثال. سأعود لهذه المشابهة قريبا ، حالما أفسر ما أفهم ما تعنيه السردية.

و مثلما أوضحت في "الترجمة و الصراع"، آخذين بالاعتبار جاذبية مفهوم السردية  و محوريته في مناهج كثيرة، فإن باحثين مختلفين يعرفونه بطرق مختلفة . و اخترت أن أعرفه ببساطة على أنه قصة: و خصوصا ، مجموعة من الأحداث مكونة زمنيا أو أحداث لها بداية و وسط و نهاية (مسقطة). إن القصة ، أو السردية، موضوعة (ترتكز في الزمان و المكان) و مسكونة بالمشاركين، الفعليين أم المتخيلين، أحياء كانوا أم غير أحياء. إن المصطلح مكونة / موضوعة    configured  في هذا التعريف يعني أن السردية مختلفة عن التسلسل الزمني chronology : أنها ببساطة ليست قائمة بالأحداث و التواريخ و المشاركين. لابد لها من نسق من تجميع عرضي  للأحداث يسمح لنا أن نستنبط معنى أخلاقي من الأحداث و أن نفهم (أو ننشئ) نسقا من العلاقات بين المشاركين. طيب ما فعلناه لحد الآن، و معظم الباحثين الذين يكتبون عن الموضوع سيقبلون بهذا التعريف الأساسي.

و يختلف الباحثون فيما إذا كانوا يعاملون السردية على أنها ظرف وجودي   ontological condition. أنا أفعل و كذلك وولتر فشر الذي يتحدث عن السردية على أنها "شكل المعرفة مثلما  فهمناها أول مرة" (1987:193). إن معنى هذا الادعاء هو أنه بينما توجد الأشياء بالفعل مثل التسلسلات الزمنية و النماذج النظرية ( و لنقل عن تطور الجنس البشري) و يمكن تمييزها عن السردية مثلما عرفتها في الأعلى، فإن اعتماد العقل البشري على السردية لصنع معنى عن العالم يعني أننا لا نعالج التسلسلات الزمنية كتسلسلات زمنية (أو النظريات ببساطة كنظريات) بل نميل لتكوين سرديات منها – سرديات لها مضامين في العالم الفعلي. و سرعان ما نكون شيئا مثل نظرية الغرض أو الهدف   Skopos Theory  كسردية في أذهاننا: تستدعي النظرية (لي بكل مستوى) مجتمعا صناعيا غنيا يسكنه الزبائن و المترجمون الحرفيون جدا الذين ينتمون إلى ذات عالم زبائنهم  و الذين يركزون  على المهنية و على صنع حياة طيبة و المدربين بصورة كبيرة ، و هم الشباب و الشابات الواثقين من أنفسهم. هؤلاء المترجمون التحريريون و الشفاهيون يشرعون في عملهم في بيئة خالية من الصراع و يعيشون بسعادة دائمة. أنهم لا يرمون في غوانتانامو أو تطلق النار عليهم في العراق و لا ينتهي بهم المطاف على حدود كوسوفو  و ألبانيا  في منتصف حرب قذرة حيث يتوجب عليهم أن يقرروا فيما إذا كان يجب  أو لا يجب عليهم أن ينجزوا  تفويضهم على حساب معاملة الضحايا المحتملين برحمة و احترام. و لا تعني المسألة أن نقترح أن هذه هي السردية التي تثيرها بالضرورة نظرية الهدف لكل شخص، أو فعليا أغلبية المترجمين، بل لنوضح أنه إذا كنا ندرك أو لا ندرك أن عملياتنا الذهنية و حتى الشكل الأكثر تجريدا من التنظير يستعمل طريقة سردية من التفكير في النهاية. 

و لأعطيك مثالا آخرا، و هذه المرة من نظرية علمية، يجادل لانداوLandau  (1997:111) أن نظرية التطور هي ببساطة سردية علمية عن التطور البشري: "إن معنى الرحلة"، كما تقول لانداو، " قوي على وجه الخصوص في وصوفات كيث و إيليوت سمث، التي يغادر فيها البطل (رجل) بترك الأشجار ، لكن كما ينقله دارون و أوزبورن و وود جونز أيضا ، حيث تصبح ثنائية الأقدام الوسيلة التي "يبتعد بها"  أو "يهرب بها" البطل من وجوده السابق". جميع النظريات هي في النهاية سرديات بهذا المعنى. 

و القضية الأخرى التي أريد تأكيدها هنا هو بدلا من أن نتعذب حول التعريف الدقيق للسردية (أو الثقافة أو السياق) نستطيع أن نركز بدلا من ذلك على الطريقة التي "يكون" بها الناس هذه الأصناف عند التطبيق لكي يجدوا طريقهم في العالم – لمتابعة أجندات محددة (أخلاقية و غير أخلاقية) و لتعريف علاقتهم مع الآخرين و لتحقيق إجماع على تفسير مجموعة من الأحداث و هكذا. كتبت و ستكتب كتب و مقالات عديدة حول كل هذه المفاهيم، و بعضها يحاول بطريقة غير منتجة أن يثبتها بتعريف مفرد حاويا للكل بينما يجادل آخرون (مثلما فعلت في العدد الخاص عن السياق و الترجمة الذي كنت ضيفة شرف تحريره لمجلة التداولية Journal of Pragmatics، بيكر 2006) أن من المنتج بصورة أكبر استكشاف العمليات التي يكون الناس من خلالها السياق ، و يكونون من خلالها الثقافات ، و يكونون من خلالها السرديات. و فعليا فإن الكثير من الأمثلة التي ناقشتها في  "الترجمة و الصراع" و أماكن أخرى معنية بصورة خاصة بالطريقة التي يكون بها الناس السرديات أكثر من فيما إذا كان ما يكونونه يلاقي جميع شروط تعريف معين للسردية.

أما بالنسبة للإطارات ، سأجادل أن المفهوم مختلف عن ذلك الخاص بالسرديات و هو مفيد كأداة تحليل لتوضيح كيف أن السردية "نفسها" يمكن أن تؤطر بطرق مختلفة جدا من قبل رواة مختلفين. و بالضبط كما هو الأمر مع حالة صورة أو رسم محاط "بإطار" فإن مفهوم الإطار ثانوي بالنسبة لمفهوم السردية. و الإطار يحيط (أو يشير إلى) بسردية ، و في الوقت ذاته، يلعب من دون شك دورا هاما في تحديد حدود الصورة (أو السردية) و يضبط فهمنا أو تقييمنا لها. و في بيكر 2007 أناقش بشيء من التفصيل ترجمتين مختلفتين إلى العربية لكتاب صموئيل هتنغتون       Samuel Huttington  "صراع الحضارات و إعادة تشكيل النظام العالمي  The Clash of Civilizations and the Remaking of "World Order  (1996) منشورتين بفارق سنة واحدة بينهما. و الترجمتان كلاهما ترجمتان وثيقتان  نوعا ما، لكن كلاهما تحتويان مقدمات موسعة تتحدى و تفند السردية التي ينميها النص الأصلي. و المقدمات "تؤطر" السردية و توفر عدسات يمكن أن تفسر من خلالها بالتناغم مع معتقدات المترجمين الخاصة حول العلاقة بين الغرب و الإسلام و ما يعتبرونه على انها الأسباب الحقيقية وراء الصراعات الراهنة.

و مثلما هو واضح من هذا المثال، فالأطر تتضاعف كسرديات بحد ذاتها (تستطيع أن تفكر بالتفاعل بين الأطر و السرديات بمنظور مجموعة من العلاقات المتداخلة و المتكررة). إن صورة غلاف كتاب هتنغتون "صراع الحضارات و إعادة تشكيل النظام العالمي" شيقة جدا في هذا الصدد. فهي ترينا العنوان بلون أصفر على خلفية سوداء، بصليب (يرمز للمسيحية) في الأعلى و هلال (يرمز للإسلام) في الأسفل، و كلاهما بلون رمادي، و نجمة حمراء تفصل الجزء الأول من العنوان (صراع الحضارات) عن بقية العنوان (و إعادة تشكيل النظام العالمي). إن التفسير الأكثر وضوحا للنجمة الحمراء هو أنها رمز للشيوعية ،  خصوصا بالأخذ بالاعتبار أن الغلاف يضم الاقتباس الآتي من هنري كيسنجر في الأسفل  مطبوعا باللون الأحمر كما النجمة: " أحد أكثر الكتب أهمية التي تنشر منذ نهاية الحرب الباردة". و الغلاف يقوم بوظيفة الإطار في أنه يتوقع و يركز تفسيرنا للسردية المطورة في الكتاب، و تحديدا من أن الإسلام قد استبدل الشيوعية بوصفه يمثل التهديد الجديد ضد الديمقراطيات الغربية . و في الوقت ذاته، يمكن أن يقرأ كسردية في حد ذاتها، نسخة مضغوطة ، إن أحببت ذلك، من السردية التي يطورها النص الرئيسي.

جسترمان: بالنسبة لي فإن السرديات (حسب  معناك) تبدو أنها فرضيات تفسيرية. و هي تختبر عند التطبيق، على أساس معايير مثل الفائدة التداولية علاوة على أساس قوة التفسيرات التي تقدمها و تغطيتها. و لو ظهر أنها غير مفيدة، أو أقل فائدة من الفرضيات المنافسة، فإننا نستطيع أن نرفضها – أنظري فصلك السابع، عن تقييم السرديات. ( تحتاج كلمة "مفيد" أن تعرف بالتأكيد، لكن ذلك سيأخذنا بعيدا عن القضايا الأكثر تحديدا التي نناقشها هنا). و أحد الأسباب التي أفكر فيها بأن السرديات هي فرضيات  تفسيرية هو أنها لا تبدو أنها قابلة للتفنيد و الذي أعتبره معيارا حيويا بالنسبة لأنواع أخرى من الفرضيات العلمية (وصفية و تفسيرية و تنبؤية). إن قال أحدهم إن X  هي سردية ، فهل هناك أي طريقة يمكن بها تفنيد هذا الادعاء فعليا؟ و هل يستطيع شخص آخر ما أن يقول ، على أساس دليل ما أو آخر، "كلا،  X ليست سردية"؟ أنا أسأل هذا لأن الكتاب يذكر تنوعا كبيرا من الأشياء يقال أنها سرديات. إذن هل السرديات فرضيات؟ و إن كانت كذلك فبأي معنى؟

بيكر: بمعنى من المعاني هي فرضيات: إنها داينمية، و منفتحة على إعادة التقييم باستمرار و نحن نشارك بالتفاعل مع أناس آخرين، و نشاهد أحداثا جديدة و نقرأ نصوصا جديدة تقدم لنا زاوية مختلفة عن سردية ما، الخ. و قد ننقح سردياتنا في ضوء خبرة جديدة، أو قد (مثلما يفعل بعض الباحثين مع الفرضيات) نتمثل الخبرة الجديدة بسردياتنا الموجودة بإيجاد طريقة لتفسير التناقض بينما نبقي على السردية سليمة.

إن قضية القابلية على التفنيد هي أكثر تعقيدا بقليل. لا أرى معنى أكثر في محاولة "تفنيد" الادعاء  أن شيء ما هو سردية في محاولة تفنيد الادعاء من أن شيئا ما يمثل ثقافة، أو سياقا. و مثلما أن وحدة أو حدث بلا ثقافة أو من دون سياق مستحيل التخيل ، فإن عنصرا غير مكون في شكل سردي هو في تعريف (ي) للسردية غير متخيل و / أو غير مفهوم للعقل البشري. و في الوقت ذاته، فإن وحدة محددة بوضوح تستطيع الإشارة لها و تقول "هذه ثقافة" ، و "هذا سياق" و "هذه سردية" سوف تكون على الدوام شيئا مراوغا يصعب الإمساك به. و هذا مسعى عديم المعنى في نهاية المطاف.

جسترمان: جميع التعاريف هي في النهاية تفسيرات قابلة للتنقيح. نعم، و لذلك نبدو أننا نتفق حول هذه النقطة . دعيني أنتقل  ثانيا إلى مشكلة أكبر: العلاقة بين السرديات و الواقع و الحقيقة. و باكرا في الكتاب (تقريبا الصفحات 11-16) أنت متشككة بسردية العلم، لأن العلم كان في بعض الأوقات خاطئا بصورة مذهلة. نعم، فإن معظم الفرضيات العلمية أثبتت في الوقت إما أن تكون خاطئة أو غير كافية ، لكن ألا توافقين أن الفرضيات العلمية تبدو ، على الأجمال، أنها تتطور باتجاه توصيفات و تفسيرات  أفضل للواقع؟

لو لم أؤمن أن سردية العلم ذات الصلة جيدة بصورة كافية فإني لن أرسل لك رسالة إليكترونية مطلقا. و لن أتجرأ مطلقا على أن أركب طائرة و هكذا. أثق أن العلم الأساسي و تكنلوجيته التطبيقية و الإليكترونيات و الهندسة، الخ طيبة – في الأقل طيبة بدرجة كافية للاستمرار معها. و بهذا المعنى بالتأكيد فإن سردية العلم عن  الطيران أفضل من، و لنقل، سردية الرجال الصغار الخضر في الأطباق الطائرة. ستكون الحياة الحديثة مستحيلة لو لم يكن لدينا اعتقاد اطلاقا بدقة سردية العلم. و أحد أعراف العلم هو بالتأكيد أنه يجب أن يسعى لأن يتقرب من المثال الأعلى للنظريات الحقيقية ، مثلما أن الأعراف التقليدية للترجمة تنادي بمثل الإخلاص و التكافؤ و الحيادية، الخ. و هذا لا يعني بالتأكيد القول أن كل شيء يقوم به العلم أو كل تطبيق للعلم هو شيء طيب. و لا يعني القول أن العلماء لا يخونون أبدا هذا المثال الأعلى. هل تأخذ أمثلتك عن العلم السيء أو العنصري على أنها نمطية لجميع العلم؟ وهل يمثل كل العلم  أكثر من "السياسة في معطف مختبر" (11)؟

بوصفك أكاديمية فأنت تنهمكين أيضا في البحث عن نظريات حقيقية أو أفضل للترجمة، صحيح؟ الست أنت عالمة أيضا بهذا المعنى؟

بيكر: لديك إيمان أكبر بالعلم مما لدي، و لست ميالة للحديث عن العلم بمثل هذه المصطلحات المتوهجة.

أولا، بالنسبة للكثير من الناس حول العالم، الدين (سواء كان الإسلام أم الكاثوليكية أو اليهودية، الخ) بعيد عن أن يكون موثوقا و قابلا للتصديق أكثر من أي شيء يستطيع العلماء بأردية المختبر أن يقولوه أبدا. قد تفكر أن الناس الين يؤمنون بالملائكة و انهار العسل التي تنتظرهم في السماء ليس لديهم معنى أكثر من أولئك الذين يؤمنون بالرجال الخضر الصغار بالأطباق الطائرة، غير أن الحقيقة هي أن الكثير من الناس يفعلون، و أن اعتقادهم بمثل هذه السرديات هو الذي يشكل سلوكهم، و ليس ما يخبرهم إياه العلماء. لو كان هناك أي تناقض على الأطلاق بين العلم (المعاصر) و الإنجيل، فكن مطمئنا أن الأصوليين المسيحيين الذين يمارسون تأثيرا معتبرا في الولايات المتحدة سيرفضون و يتحدون علانية (العلم). تحتاج فقط أن تفكر بالسرعة التي انتشرت بها نظرية الخلق  Creationism (أو نظرية التصميم الذكي  intelligent design مثلما تدعى الآن) في المدارس و الجامعات الأمريكية في العقد الماضي أو قريبا منه ، مستبدلة بفاعلية نظرية التطور theory of evolution    في العديد من الحالات. و يرفض الآباء في بضعة أجزاء من الولايات المتحدة الآن أن يرسلوا أبناءهم إلى المدارس التي تدرس نظرية التطور. و القضية مهمة في الولايات المتحدة إلى درجة أن هناك مقررات جامعية كاملة مخصصة لمناقشة الاختلاف بين "النظريتين" المتنافستين، أي بين نظرية الخلق و نظرية التطور (جامعة سيراكيوز على سبيل المثال).

و ثانيا، يتم تنقيح النظريات العلمية و أحيانا تنزع مصداقيتها تماما طوال الوقت. و هي أيضا غالبا ما تكون صعبة التقييم من غير العلماء و خصوصا عندما يختلف العلماء أنفسهم. و عندما يكون هناك عدم اتفاق، يصبح واضحا جدا كم إن العلم  سياسي. و في الأقل فإننا ببريطانيا نسمع بثبات علماء مختلفين يجادلون حول تغير المناخ ، و بعضهم يصر على أنه جدي جدا بينما يتهمهم آخرون بإثارة الخوف و المبالغة في الخطر. و لو كان العلم موضوعيا و غير سياسي و عقلانيا  تماما و خصوصا عند الأخذ بعين الاعتبار التكنولوجيا التي تحت تصرف العلماء اليوم، فمن أين يأتي الخلاف؟ و ما لم نقبل أن الكثير من الخلاف مدفوع سياسيا؟

و ثالثا، فأنا لست متأكدة بأنني أشارك بالتطور السردي الذي يرتكز عليه سؤالك، إن كنت تعني بالتطور التحسين الكلي و الثابت لنوعية الحياة. هناك الكثيرمن الذين سيجادلون أن السردية الكبرى "للتطور" خطية جدا و غير حساسة جدا لتعقيد التغير و داينمياته. فعلى سبيل المثال، بينما قد نقيم أنت و أنا قدرة السفر و رؤية العالم فإننا لا نستطيع تجاهل حقيقة أن ذات التطورات العلمية و التكنولوجية التي جعلت حياتنا أيسر و أكثر متعة في هذه النواحي قد جلبت للعالم أيضا الكثير من التلوث و الغربة و ثقافة الاستهلاك و بالتأكيد القنبلة النووية و الأسلحة البايولوجية  و معاناة لا توصف! و لذلك سوف أجادل أن من غير الممكن التفكير "بالتطور" بمصطلحات إيجابية فقط. و بالمثل فيما يتعلق  بالعلم، لا أجد من المقنع التفكير بعملية خطية من التطور باتجاه فهم أفضل. 

و بقولنا كل هذا ليس لنا خيار كبني بشر على الأجمال سوى الوثوق بكل ما يخبره لنا الخبراء (بما فيهم العلماء) عند أي مرحلة معينة في الزمن. و طالما أن ليس لدينا طريق لاختبار نظرياتهم لأنفسنا علينا أن نؤمن بهم حتى تثبت نظريات جديدة انهم مخطئين. و من ناحية أخرى و في عملنا الخاص، فإننا نستمر في البحث عن تفسيرات أفضل للظواهر التي ندرسها، ليس بسبب أن هناك تطورا خطيا نستطيع من خلاله أن نتقدم باتجاه علم أفضل و نحن نمضي، لأن نظرياتنا عليها أن تتكيف مع بيئتنا المتغيرة. و حيث يتغير العالم من حولنا، كذلك فإن منظوراتنا عن الظواهر المختلفة تتغير، و نحن نشعر أننا نحتاج لتفسير مختلف، أو إطار عمل مختلف نشترك من خلاله بموضوع دراستنا. و هذا ضروري لأن موضوع الدراسة نفسه  داينمي – إنه لا يسكن في الوقت  الذي نطور نظريات أفضل و أكثر شمولية لتفسيره. إنه يتغير لأن العالم يتغير، و على نظرياتنا أن تتبع تلك الداينمية. "الترجمة" اليوم ليست كما كانت قبل خمسين عام مضى. و نظرياتنا للترجمة ليست أفضل (بمصطلحات مطلقة) من تلك التي طورت قبل عشرين عام مضت. و على أية حال، فإنهم قد ينجحون في الارتباط  بصورة ذات معنى أكثر بالطريقة التي تعمل بها الترجمة في المجتمع اليوم. 

جسترمان: مصطلحات متوهجة؟ أنا لا أفترض بالتأكيد أن التطور العلمي يعني بالضرورة نوعية أفضل من الحياة للجميع. سأميز بين التطور في الفهم، من ناحية، و بين ما نقرره نحن (أو العلماء) من ثم على ما يجب أن نفعله بهذا الفهم من ناحية أخرى. و كما تقولين، لسنا سعداء كثيرا لأن بعض الأمم لديها ألان قنابل نووية. و في نقطتك الثانية، أعتقد أن هناك الكثير من المجال للمناقشة الشرعية غير السياسية ضمن العلم: حول ما تكونه أسئلة البحث الشيقة (ما يستحق أن نحاول فهمه). و ما نحسبه كدليل، و كيف يفسر دليل ما بأفضل صورة، و فيما إذا كان تفسير ما أرقى من تفسير آخر و هكذا – مثلما أن هنالك اختلافات حول الطبيعة الجوهرية للواقع الذي نحاول فهمه.

في الصفحة (17)  تستشهدين ببرونر حول "امكانية السردية كشكل لا للتمثيل فقط بل لتكوين الواقع". و هذا يعني أن السرديات تمثل و تكون الواقع على حد سواء. ثم تبدين أنك تركزين  على جانب التكوين أكثر من جانب التمثيل. لكن هناك فعلا شيء يمثل، و ذلك التمثيل يمكن بالتأكيد أن يكون أكثر أو أقل دقة – و نحن نعود لجدل التكافؤ! نحن متفقان على أن الترجمات لا تمثل فقط، بل إنها تهدف إلى التمثيل بطريقة ما. هل يضيع هذا الهدف في تركيزك على "الدوائر" المعطاة للتمثيل عن طريق سرديات متضاربة؟ و حتى لو اتفقنا أن التمثيل التام غير ممكن فذلك لا يعني أن علينا أن نتخلى عن أي محاولة للتمثيل. ففي النهاية، نحن نعلم أننا لن نصل أبدا إلى فهم كامل عن أي شيء، كما أفترض، لكننا لا نزال نستطيع أن نفهم قليلا أفضل...

بيكر: برونر من بين الباحثين الذين لا ينضمون إلى وجهة نظر السرديات كظرف وجودي. و هو يتعامل معها على أنها نمط من نمطين للعمل المعرفي، و الأخر هو الأدراك المنظومي. و هذا هو السبب وراء حديثه عن السردية كونها تمثل  بالإضافة إلى كونها تكون الواقع. و أنا أكثر ميلا للاتفاق مع هيدن وايت  Hayden White الذي يصر أن العالم لا يأتينا بوصفه "مسرود مسبقا" ، "متكلما عن نفسه" مسبقا (1987:25)، فهو يحتاج إلى أن "يكون" لكي يفهم و يتم نقله للآخرين. و لا يعني هذا أن الناس ببساطة يخلقون قصصا من لا شيء (على الرغم من أنهم يفعلون ذلك أحيانا). و لذلك فمن الأفضل ربما أن نتكلم عن السرديات على أنها تمثيلات منتخبة للواقع. و كما يعبر عن ذلك نوفتز   Novitz بخصوص السرديات الشخصية : "على الرغم من أن قصتي تسعى لأن تكون عن بعض أحداث الحياة الواقعية ، و هي على هذا الأساس غير متخيلة، فإن الطريقة التي أقص بها و أرتب ذكرياتي عن هذه الأحداث ، وما أعامله على أنه هامشي أو محوري  بالنسبة لحياتي، يمكن أن تكون متخيلة بدرجة أو أخرى" (1997:146).

أنت على صواب بالتأكيد في الاقتراح أنه بالرغم من حقيقة أن التمثيلات "الدقيقة" بذاتها غير ممكنة حيث أننا نسعى دوما إلى فهم أفضل و إلى أن نكون منصفين و موضوعيين و مخلصين في سردنا للأحداث. يهدف البشر إلى المثل حتى و هم يعترفون أنه لا يمكن الوصول إليهم، فتلك هي الطبيعة البشرية.

جسترمان: هل أن علينا أن نترجم النصوص التي "تقوم بالخير" فقط؟ في بداية الفصل السادس (ص 105) تكتبين " يواجه المترجمون التحريريون و الشفاهيون خيارا أخلاقيا أساسيا في كل مهمة يقومون بها: إعادة أنتاج الآيديولوجيات الموجودة كما هي مشفرة في السرديات المطورة في النص أو التفوه، أو عزل أنفسهم عن تلك الآيديولوجيات إن كان ذلك ضروريا برفض ترجمة النص أو التفسير في سياق خاص إطلاقا".  و أنت تستشهدين أيضا بسغوينوت   Séguinot  هنا و هو يعتقد أن المترجمين في الوضع الاعتيادي في موقع يسمح لهم برفض المهمات. كم هو واقعي هذا ؟ ما هو عدد المترجمين المحترفين ، الذين يترجمون لكسب عيشهم، و الذين يستطيعون رفض العمل؟

بيكر: جعل النصوص متوفرة من خلال الترجمة يمكن أن "يقوم بالخير" حتى و إن اختلفنا عاطفيا حول السرديات التي تطورها. و يعتمد الأمر على كيفية تأطيرنا للترجمة. فمجموعة Tlaxcala و المجموعات الأخرى من المترجمين الناشطين غالبا ما يترجمون و ينشرون النصوص التي ينتجها المحافظون الجدد في البيت الأبيض ( على سبيل المثال نص مشروع القرن الأمريكي الجديد) لأنهم يؤمنون أن الناس يجب أن يكونوا واعين بذلك. لكنهم يعلنون بوضوح انفصالهم عن السرديات المشفرة في هذه النصوص، و يتحدونها بترجمة العديد من النصوص الأخرى التي تطور سرديات مختلفة. 

الكثير من المترجمين الحرفيين هم في موقع يسمح لهم برفض بعض المهمات و الكثير منهم يفعلون. و حقيقة أن بعض المترجمين التحريريين و الشفاهيين لا يملكون ترف الاختيار لا تعني أن ليس على الآخرين تبني مسؤولية لأنفسهم.

جسترمان: و في السياق ذاته تكتبين "مثل أي مجموعة أخرى في المجتمع، المترجمون التحريريون و الشفاهيون مسؤولون عن النصوص و التفوهات التي ينتجونها" (ص 105). لكن إلى أي حد؟ هل هم مسؤولون عن أي استعمال محتمل نقوم به عن نصوصهم المترجمة، حتى و إن كان بعد سنين؟ و كيف يمكنهم التنبؤ بكل العواقب غير المرغوبة؟ لا تلومي المترجم؟ ألا يمكن لأي نص أن يستعمل لأغراض سيئة؟

بيكر: لا أظن أن المترجمين مختلفين عن أي مستخدم للغة في هذا المجال. نحن جميعا ننتج النصوص و التفوهات التي، على الرغم من نوايانا الطيبة، يمكن أن تستخدم بصورة لا أخلاقية من أي أحد في موقع للقيام بذلك. حقا، أحيانا يمكن أن يتلاعب بنصوصنا الخاصة و ينزع عنها السياق لكي تستخدم ضدنا، دون اعتبار لأي شخص آخر. لكن هذا لا يعني أننا نلغي جميع المسؤولية عن النصوص التي ننتجها. في الأقل هناك بعض الاستخدامات التي يجب أن نكون قادرين على توقعها و أن نفكر في إبعاد أنفسنا عنها.

نعم بالتأكيد: وخصوصا أي نص يمكن استخدامه لنهايات سيئة. و ذلك يعتمد على الطريقة التي يؤطر بها، و متى و أين يطلق و كيف يقتبس بانتقائية. و الترجمات مفتوحة لمثل هذا النوع من التلاعب بالطريقة ذاتها مثل بقية النصوص.

جسترمان: يسعى المترجمون  أيضا للبقاء على الحياة. و كذلك يفعل العمال الذين تدفع لهم أجور قليلة في المصانع المستغلة للعمال غير الأخلاقية حول العالم. فهل علينا أن نخبر جميع هؤلاء العمال المستغلين بأن عليهم ألا يوافقوا على المساعدة بصناعة المنتجات التي قد تكون مدمرة بيئيا أو التي قد تشجع أيديولوجية ما (سردية؟) عن الاستهلاكية المتفشية – حتى و إن كان هذا قد يعني أن عليهم أن يجوعوا من ثم؟ (هل هذه مقارنة منصفة مع المترجمين الذين يحتاجون كل العمل الذين يستطيعون الحصول عليه؟).

بيكر: نعم، أظن أنها مقارنة عادلة، لكن فقط بما يتعلق ببعض المترجمين عندما يكونون في ظروف صعبة على وجه الخصوص. لا يحتاج جميع المترجمين أن يقبلوا جميع العمل الذي يستطيعون الحصول عليه. الكثيرون، و خصوصا في العالم الغربي، حيث يحصل معظم التنظير المؤثر عن الترجمة، هم في موقف يسمح لهم برفض بعض الأعمال، و أن ينشدوا التوظيف إما كمترجمين غير مرتبطين أو مع منظمات أخلاقية بدرجة معقولة، بدلا من السي آي أيه و وولمارت أو قوات الدفاع الإسرائيلية على سبيل المثال. و بصورة مماثلة أود أن أجادل ، أن حقيقة أن الكثير من الناس هم أقل حظا من عندنا في العمل بالمصانع المستغلة للعمال و لا يمكنهم الاستمرار بالعيش أو إطعام عائلاتهم من دون المال الذي يحصلون عليه من هناك لا تعني أننا أنت و أنا علينا أن لا نرفع أصواتنا  ضد الشركات التي تستغلهم ، و أن لا نرفع أصواتنا فقط بل و أن نقاطع أيضا تلك الشركات و منتجاتها. و لست وحدي في تبني هذا المنطق – الكثير من الناشطين حول العالم يقاطعون شركات مثل نايكي  Nike  و نستله Nestlé   تحديدا لهذه الأسباب، من دون أن ننحو باللائمة على العمال للسلوك غير الأخلاقي للشركات التي تستخدمهم. إن الرحمة لا تلغي الفعل و الفعل بالمثل لا يلغي الرحمة.

جسترمان: موافق. تنطبق نقطتك عن التعديل السردي أيضا على أشكال أخرى من إعادة الكتابة، و ليس الترجمة فقط. في بعض النقاط بالكتاب، تساءلت فيما إذا كنت أنت نفسك تقومين بسردية ما "تغيرين و تبدلين" نفسك (حتميا؟). في الصفحة (14) على سبيل المثال تعيدين صياغة "ندم" بوكور Bokor على جميع الضحايا كما لو أنك تعنين أن الأضرار الجانبية "مقبولة" بالنسبة له. هل تمثيلك لبوكور عادل هنا؟ هل أنه يقول أن الأضرار الجانبية و الذبح المتعمد للمدنيين أمور مؤسفة على حد سواء ، و هذا يعني غير مقبولة، لكن الفعل الأخير أسوأ من الأول أيضا؟

بيكر: سأجادل  على الأجمال بأن تمثيلي لموقف بوكور عادل. عليك أن تضع هذه العبارة في سياقها لكي تصل لفهم(ي) لموقف هذه السردية.

أولا، هناك كمية من الفضاء النصي يخصصه لافتتاحيته لشهر تشرين الأول لعام 2001 (في أعقاب هجوم الحادي عشر من سبتمبر) بالضد من الفضاء الذي يخصصه لافتتاحيته لشهر نيسان من العام 2003 (و الذي يتصادف مع غزو العراق). الافتتاحية الأولى بعنوان "الترجمة و السياسة الدولية" هي بطول 493 كلمة . و الافتتاحية الثانية بعنوان "الحرب و السلام" هي بـ 156 كلمة فقط. و بوضوح فإن بوكور يعزو  أهمية أكبر لأحداث الحادي عشر من سبتمبر من الغزو الوشيك لبلد بأكمله، واضعين في الذهن أن السياسيين الأمريكيين كانوا يعدون مسبقا و بصورة علنية العراق "بالصدمة و الرعب" في الوقت الذي كان بوكور فيه يكتب افتتاحيته الثانية.

و ثانيا، عليك أن تلقي النظر على النغمة الكلية للافتتاحيتين. فافتتاحية تشرين الأول لعام 2001 عاطفية و ساخطة و تصف بشكل متكرر أحداث الحادي عشر من سبتمبر على أنها "قتل جماعي". و لا يستمر بوكور فقط في إخبارنا بأن الاستجابة (العسكرية) للولايات المتحدة "حتمية" ، بل أنه يعبر عن دعمه القاطع و غير المشروط لها: "أؤمن أن القتلة الجماعيين يجب أن يعاقبوا و الآيديولوجيات التي تشجع مثل هذه الجرائم يجب أن تقاوم بصورة حاسمة". أما بالنسبة لمن يكون هؤلاء القتلة و ما هي الآيدلوجيات التي يطورونها (و تذكر أن هذه كانت في أيام باكرة جدا، و لا يعرف أحد حينها من نفذ الهجمات)، فإن  بوكور يعني بوضوح أنهم عرب، و بإفراد العرب و المسلمين للاهتمام الخاص: "الهجمات التي أنتجت موت آلاف الأبرياء ،  بما فيهم بالتأكيد المسلمون و المتعاطفون الآخرون مع القضايا العربية". هذه هي كلمات شخص واثق بصورة مطلقة ممن هو على صواب و ممن هو خاطئ و لن يضيع أي من ساعات نومه حول بعض حملة الصدمة و الرعب التي محتم باعترافه أن تنتج بموت الكثير من المدنيين.

و بالمقارنة، فإن إيجاز بوكور في افتتاحية نيسان 2003 تخبرنا فقط انه "ليس من سياسة هذا المطبوع أن تنحاز في النزاعات السياسية". و ليس هناك أي استنكار و لا إدانة للقتل الجماعي . و تذكر أن العقوبات التي سبقت الهجوم على العراق و أبقت عليها الولايات المتحدة منذ 1991 قد تسببت بما يمكن وصفه بقتل جماعي : فالتقدير الأدنى و الأعظم محافظية (من قبل منظمة اليونيسيف) تضع عدد الموتى عند 500000 شخص ، و الكثير منهم أطفال. و كان هذا يمثل مسبقا معلومات عامة عندما كتب بوكور افتتاحيته.

جسترمان: تلك المعلومات السياقية الإضافية توضح تفسيرك بالتأكيد. سؤالي الأخير يحفزه استشهاد في الصفحة (46) حيث تقتبسين الكسندر (2002): "إن النقطة الأخيرة لسردية ما تعرف غايتها الأخيرة telos" . لقد أكدت نظرية الهدف مفاهيم الغرض و الهدف في دراسات الترجمة. لدينا الآن مفهوم مصاغ بصورة جيدة: هدف الترجمة. و هذا يعرف على أنه الوظيفة المقصودة للترجمة، كما يتطلبها الزبون و يقبلها أو يعدلها المترجم. و ما يثيرني في هذا السياق هو الطريقة التي يربط بها الهدف بنص ما: إنها وظيفة نص ما و ليس هدف شخص ما. و يظهر لي أن نظرية الترجمة ربما تحتاج لمفهوم جديد لوصف الحافز النهائي للمترجم التحريري (أو المترجم الشفاهي بالتأكيد) . المترجمون يعملون ليبقوا أحياء، نعم. لكن لديهم أيضا عددا من دوافع أخرى : حب اللغات من دون شك، و اهتمام بالثقافات الأخرى، و ربما رغبة بتحسين التواصل و هكذا. ما يجادل به كتابك هو أن المترجمين يمكن (أو ينبغي) أن يتحملوا عواقب أفعالهم بجدية أكبر و أن يكونوا على هذا الأساس أكثر وعيا بدوافعهم و فرصهم الخاصة.

هناك تمييز رواقي تقليدي بين الهدف   skopos و الغاية  الأخيرة telos الذي علق عليه  الباحثون و اللاهوتيون الكلاسيكيون كثيرا. تؤخذ مفردة الهدف عادة على أنها تشير للنوايا الأكثر فورية ، الهدف المرئي و المقصود فعليا من رام للسهام مثلا (أصلا تعني مفردة الهدف مشاهد و راصد) بينما تشير مفردة الـغاية الأخيرة  لحالة أكثر بعدا أو نهائية، مثل الهدف الأكثر تجريدا للحياة بأجمعها، و الذي ربما يكون مثاليا الحالة المتناغمة النهائية. الغاية الأخيرة هي نتيجة أكثر منها نية.

أفترض أن مع الهدف أننا نتبنى الغاية الأخيرة  لوصف الهدف الشخصي لمترجم ما، أولا في سياق مهمة معينة . بعض المهمات تؤدى من أجل المال فقط، غير أن غيرها ربما يكون لها غايات مختلفة  teloi. فلو سئل مترجم ، و خصوصا في مهمة ترجمية تطوعية ، "لماذا تفعل هذا؟" فإن الجواب  يمكن أن يكون صياغة لهذه الغاية الأساسية. إن صياغة أكثر عمومية قد تكون طريقة للجواب عن سؤال أكبر: لم أصبحت مترجما؟ أو لا زال أكثر عمومية : بأي هدف نهائي يجب أن يلتزم جميع المترجمين التحريريين و الشفاهيين؟ ما هي الغاية الأخيرة و النهائية (أو ينبغي أن تكونها) للمهنة بأكملها؟

كيف تتفاعلين مع هذه الفكرة مونا؟

بيكر: أعتقد أنه مقترح شيق تماما. ربما تستطيع فكرة الغاية الأخيرة كما وصفتها أن تساعدنا أن نجد طريقنا خلال أخلاقيات مهنتنا، ليس بمصطلحات رومانسية، مثلما نتحدث عن بناء الجسور و تطوير الفهم بين أناس مختلفين ، بل بمصطلحات ملموسة أكثر و أكثر وعيا بالسياسة. و أستطيع رؤيتها تعمل بصورة جيدة جدا ضمن إطار سردي. على المرء أن يكون سردية عن المهنة (و المنهج) لكي يعكس الغاية الأخيرة، أو مجموعة من الغايات الأخيرة طالما أن هناك هدفا يقع في نهاية مسار له بداية و هو مكون زمانيا و مكانيا.  الغاية الأخيرة مفهوم أكثر إنتاجية من الهدف لأنه يرتبط بالسياق الأوسع لمجتمع كامل، و يحتمل أن تكون البشرية ككل. و سيتطلب هذا جزءا عادلا من التفكير يطور بتفصيل مفيد ، لكني أحبه من حيث المبدأ و أنتظر مطبوعك القادم لتعلم الكثير عنه!!

جسترمان: حسنا ، لنقل أن الفكرة مفتوحة أمام التطوير الممكن – شكرا لك لأجابتك   عن هذه الأسئلة مونا. لنأمل أن قراء  CULTUS  سيضيفون أصواتهم الخاصة للنقاش.



References


Alexander, Jeffrey C. 2002. “On the Social Construction of Moral Universals: ‘The Holocaust’ from War Crimes to Trauma Drama”. European Journal of Social Theory 5, 1, 5-85.

Baker, Mona (2006a) Translation and Conflict: A Narrative Account, London:  Routledge.

Baker, Mona (2006b) “Translation and Activism: Emerging Patterns of Narrative Community”, The Massachusetts Review 47(III): 462-484.

Baker, Mona (2006c) “Contextualization in Translator- and Interpreter-Mediated Events”, Journal of Pragmatics 38(3): 321-337.

Baker, Mona (2007) “Reframing Conflict in Translation”, Social Semiotics 17(2): 151-69.

Baker, Mona (in press) “Resisting State Terror: Theorising Communities of Activist Translators and Interpreters”, in Esperança Bielsa Mialet and Chris Hughes (eds) Globalisation, Political Violence and Translation, Basingstoke: Palgrave Macmillan.

Boéri, Julie (in press) “A Narrative Account of the Babels vs. Naumann Controversy: Competing Perspectives on Activism in Conference Interpreting”, The Translator 14(1).

Cronin, Michael (2002) “The Empire Talks Back: Orality, Heteronomy and the Cultural Turn in Interpreting Studies”, in Edwin Gentzler and Maria Tymoczko (eds), Translation and Power, Boston & Amherst: University of Massachusetts Press, 45-62. 

Fisher, Walter R. (1987) Human Communication as Narration: Toward a Philosophy of Reason, Value, and Action. Columbia: University of South Carolina Press.

The Guardian (2004) “The Spy Who Wouldn’t Keep a Secret”, 26 February. Available online: http://www.guardian.co.uk/Iraq/Story/0,2763,1156450,00.html.

Huntington, Samuel (1996) The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order. New York: Simon & Schuster.

Hermans, Theo (ed.) (1985) The Manipulation of Literature. Studies in literary translation. London: Croom Helm.

Jaquemet, Marco (2005) “The Registration Interview: Restricting Refugees' Narrative Performance”, in Mike Baynham and Anna De Fina (eds) Dislocations/Relocations: Narratives of Displacement, Manchester: St. Jerome Publishing, 197-220.

Landau, Misia (1997) “Human Evolution as Narrative”, in Lewis P. Hinchman and Sandra K. Hinchman (eds) Memory, Identity, Community: The Idea of Narrative in the Human Sciences, Albany: State University of New York Press, 104-118.

Le Carré, John (2006) The Mission Song. London: Little, Brown & Co.

Lefevere, André (1992) Translation, Rewriting and the Manipulation of Literary Fame. London: Routledge.

Levinson, Charles (2006) “Iraq’s ‘terps’ face suspicion from both sides”, Christian Science Monitor, 17 April. http://www.csmonitor.com/2006/0417/p01s01-woiq.html.

Mason, Ian (1994) “Discourse, ideology and translation”, in R. A. de Beaugrande et al. (eds), Language, Discourse and Translation in the West and Middle East, Amsterdam: Benjamins,  23-34.

Mason, Ian (ed.) (1999) Dialogue Interpreting. Manchester: St. Jerome Publishing.

Matisons, Michelle Renee (2003) “Saying Something: Academia’s Normalization of Crises”, Bad Subjects 63. http://bad.eserver.org/issues/2003/63/matisons.html.

Munday, Jeremy (ed.) (2007) Translation as Intervention. London: Continuum. 

Novitz, David (1997) “Art, Narrative, and Human Nature”, in Lewis P. Hinchman and Sandra K. Hinchman (eds) Memory, Identity, Community: The Idea of Narrative in the Human Sciences, Albany: State University of New York Press, 143-160.

Stecconi, Ubaldo (2004) “Interpretive semiotics and translation theory: the semiotic conditions to translation”, Semiotica 150: 471-489.

Tymoczko, Maria (1999) Translation in a Postcolonial Context. Manchester: St. Jerome Publishing.

Tymoczko, Maria (2000) “Translation and Political Engagement: Activism, Social Change and the Role of Translation in Geopolitical Shifts”, The Translator 6(1): 23-47. 

Tymoczko, Maria (2007) Enlarging Translation, Empowering Translators, Manchester: St. Jerome Publishing.

Wadensjö, Cecilia (1992/1998) Interpreting as Interaction, London & New York: Addison Wesley Longman.

White, Hayden (1980/1987) “The Value of Narrativity in the Representation of Reality”, Critical Inquiry 7(1); reproduced in Hayden White (1987) The Content of the Form: Narrative Discourse and Historical Representation, Baltimore & London: the John Hopkins University Press, 1-25.

Zernike, Kate (2004) “The Reach of War: Contractors; Ex-Detainees Sue Companies For Their Role In Abuse Case”. New York Times 10.6.2004.



أ.د. كاظم خلف العلي


التعليقات




5000