..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
د.عبد الجبار العبيدي
......
عبدالغني علي يحيى
…..
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


صدى الذاكرة

عقيلة مراجي

اللعنة !، اللعنة ! .....إنها لا تزال تلاحقني، أصبحت كظلي ؛ أينما ذهبت وجدتها ورائي........، عبثا أحاول  أن أتوارى منها: خلف الستائر، تحت الأسرة، على السطوح، وراء الأشجار..،أوصد الأبواب جيدا لكنها تصل إلي،  جسدها يمكنها من أن تخترق كل شيء حتى دماغي، هذه الأطياف اللعينة لا أستطيع الهرب منها أبدا، إلى متى تظل تلاحقني  وتنغص علي ما تبقى من عمري، لقد صارت تعيش داخلي .

 آ، عفوا أنا أعيش داخلها بعبارة أدق !

 رحلت السكينة عني لم أعد أجدها حتى في أحلامي، .....ضوضاء ضوضاء،.. وأصوات مزعجة... تأتي من كل جهة، عجيج الذاكرة يزعجني......أسد أذني  بيدي وأضغط عليهما  بكل قوتي، لكني أسمعها بكل وضوح، صارت حياتي جحيما ….ولا أدري متى الخلاص !

أرسلت نظري في الأرجاء واستسلمت لها، ابتسمَت أخيرا وهي تخترق دماغي بهدوء...كما في كل مرة...؛  حسنا كل شيء على حاله لولا بعض التغييرات الطفيفة....

هذه الشجرة الكبيرة لا زالت في مكانها، عمرها يزيد على المائة سنة أو يزيدون ...، إلا أنها  كما هي لولا أنها أصبحت جوفاء، وهذا البيت بأعمدته الخشبية لا يزال محتفظا بهيبته لولا أنه صار خرابا، وهذه الطريق المستقيمة التي تربط الحومة بالعالم الآخر..... لم تتغير أبدا إلا أنها زادت اتساعا....، الأشياء من حولي تؤكد أن زمنا مر من هنا ، لكني لم أشعر به، ولا أجد له أثرا في نفسي إلا هذه التجاعيد الكثيرة في الوجه، وكثير من الشيب في الشعر  ووهن في الجسم والعظم يشهدون أني أجهضت تسعين سنة من عمري..، وأصوات الماضي الذي لا يكف يهمس لي  ، وكثير كثير من الأطياف......... !

هنا في هذه الحومة الصغيرة تقبع كل ذكرياتي، آلامي، أفراحي، وأحزاني، وكل حياتي، أيامي الحلوة، ولحظاتي السعيدة التي قضيتها مع  أحبتي، عندما كان المكان لا يزال عامرا بأشخاص حقيقيين، طفولتي، شبابي، أولادي الذين تفرقوا عني،

 لا زلت أذكرهم جميعا، هنا عاشوا وهنا عشت !!!

أذكر تلك الفساتين الجميلة التي كنت أرتديها في صغري أيام العيد  وفي مناسبات العائلة ، وأتفنن في إشعال نار الغيرة في بنات الجيران اللواتي كن في مثل عمري، وضفائر شعري الطويلة  المزينة بشرائط ملونة، بشرتي البيضاء وأسناني المستقيمة واحمرار وجنتي، وحلوى النوقة التي أتناولها كل يوم خميس على مرأى منهن جميعا فيسيل لعابهن، أتذكر ملامحهن وهي تتشنج ووجوههن تتلون كحرباء في مرج، وأنا أطير كفراشة خرجت من شرنقتها للتو........

لا زلت أذكرهم جميعا هنا عاشوا وهنا عشت !!!

تحت هذه الشجرة الكبيرة كنا نجلس أنا وصويحباتي أيام المراهقة، نتحادث ونجتهد في صنع الأحلام، كل منا كان لها عالمها الخاص ، لكن عوالمنا في الحلم كانت تتقاطع جميعا عند رجل وسيم، ثري، وخلوق، وعائلة سعيدة يغبطها عليها الآخرون، كل واحدة  كانت تتمنى أن يختارها القدر ويمنحها فرصة إغاظة الأخريات ،كانت أحلاما بسيطة وساذجة، في النهاية تزوجن جميعا وعشن المصير ذاته، لم يكن هناك اختلاف  إلا في بعض التفاصيل الصغيرة، كلنا انتفخت بطوننا،حتى كادت تبلغ حناجرنا، وتألمنا في المخاض، دفعنا ضريبة الأمومة وصرنا أمهات، أنجبنا إلى الحياة أولادا كثرا، شقينا وتعبنا لأجلهم ثم كبروا وانطلقوا يبحثون عن مصيرهم، واجهنا قدرنا بشجاعة، وتحملنا آلام الهجر ، لكننا لم نعد نحلم فقد أوصدنا باب الأحلام إلى الأبد...


لا زلت أذكرهم جميعا هنا عاشوا وهنا عشت !!!

في هذه العتبة أجلستني النسوة وألقين على كاهلي أكواما من الأمنيات السعيدة التي لم تتحقق إلا يسيرا منها، لا زلت أذكر فستاني الأبيض، وزينتي،.... كنت أجمل عروس في الحومة كملاك هبط من السماء، زغاريد تملأ الدنيا عويلا، وبارود يزيد المكان ضجيجا، وأبي وأمي يرقصان فرحا، لقد منحني القدر فعلا فرصة إغاظة الأخريات، حصلت على أكثر الأزواج وسامة وخلقا وثراء....كان كل شيء مثاليا،  حسنا فلنقل: لولا أنه تركني في منتصف المشوار ومشى على الطريق المستقيمة !

لا زلت أذكرهم جميعا هنا عاشوا وهنا عشت !!!

لا بأس، سأسير قليلا.....، بيتي الجديد كان هنا، ليس بعيدا عن بيتنا كثيرا، على الأقل يفصلهما جدار واحد أفلح بحجب أسرارنا......

لا أعلم إن كنت زوجة صالحة أو طالحة، لكني أعلم أني أنجبت كثيرا من الأولاد، وهاهنا كانوا يلعبون ويضحكون ويبكون ويتشاجرون ويشاغبون، هنا كبروا ومن هنا تفرقوا، 

لا زلت أذكرهم جميعا هنا عاشوا و هنا عشت !!!

في هذا الحوش الواسع، كنا نرقص عندما تهدينا الحياة أفراحا، نرحي القمح ونعجن بأيدينا الخشنة كسرة، ونتباهى بأولادنا وأزواجنا،وشبابنا،.. ونشكي همومنا ونفشي أسرارنا، ونشعل نار الحقد بالنميمة ونأكل لحم بعضنا البعض بالغيبة، لكننا في المصائب تتشابك أيدينا كأغصان الشجرة الواحدة تواجه الريح وتصمد في وجه العواصف،

 لا زلت أذكرهم جميعا هنا عاشوا وهنا عشت !!!

في هذه الغرفة، فرحت بأول مولود لي، سميته محمد، تحلق النساء حولي باركن لي"يا حليلك" أطعمنني من الزريرة، وأكبرن في أن صار لي رجل أسند ظهري له في المستقبل ! مع السنين ازداد حنقهن فقد صار لي رجال ونساء لكنهن رحلوا في النهاية، اطمأنت قلوبهم وقل حنقهم، لقد إلنا إلى النهاية ذاتها، كلنا ليس لنا من نسند إليه أظهرنا إلا جدرانا متعفنة ورطبة....... !

لا زلت أذكرهم جميعا هنا عاشوا وهنا عشت !!!

على هذه الطريق المستقيمة شيعنا كثيرا من الأحبة الواحدة تلو الأخرى....، اليوم أنا مجرد عجوز طاعنة في السن، نتنة الريح،ذات أسنان رمادية، معوجة القوام، لم يبق لي من كل ما كان إلا صدى الذاكرة، لست أملك غيره،..............

 أنا اليوم أعبث بالمكان، أغير تفاصيله كما أشاء، وهذه الحومة لم يبق فيها إلا الأطياف التي تحوم حولي وتنعش ذاكرتي ، ....لقد عرفت أن هذه الحياة كزهرة تتفتح وتذبل بسرعة ، وأن اللحظات السعيدة تمر كلمح البصر، وأن اللحظات التعيسة نشتاق إليها عندما تفارقنا بصفة دائمة، ونبقى نشكو الحنين والقناطير المقنطرة من الأشواق...

لا زلت أذكركم جميعا ها هنا عشتم وهنا متم وهنا أموت

والطريق المستقيمة التي سرتم عليها ....سأتبع أثركم فيها إلى العالم الآخر، حيث سأحترق في الجحيم مع بعض من أحببت........

أوصدت باب الغرفة بإحكام.......،واتجهت إلى خزانتي الخشبية المهترئة، فتحت درجا كان مغلقا بمفتاح كبير، أخذت حبلا متينا ، لففته حول جيدي في شجاعة، استغفرت الله ونفذت الأمر،..... وأنا أعلم أني أنتحر !

وأعلم أيضا أني سأزهق زهقة أو زهقتين.... بعدها سأكون مجرد جثة باردة، لن يكتشفوا وجودها إلا بعد أن تتعفن.....

حينها سيكسرون الباب، ويدخلون البيت يتتبعون الرائحة الكريهة التي تفوح من جسدي المتعفن، يتقززون من المنظر المقرف، ثم يلفونني في أوقية ويحملونني إلى مكان حفظ الجثث، ...ألبث هناك ما شاء الله لي، ثم أنقل إلى مثواي الأخير، ستحظى الصحف اليومية بخبر مثير للشفقة، سيقرئه  بعض قراءها الأوفياء ويتأثرون للخبر، وتقفل الحياة حادثة موتي بأحداث أخرى  أكثر مأساوية، لكن المفرح في الأمر أن هذه الأطياف ستحترق لتصير رمادا يذريها الزمان.... !!!



عقيلة مراجي


التعليقات




5000