..... 
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
زكي رضا
…..
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
  
.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الحب عند سعيد عقل بين الدناسة والقداسة والحداثة (( المجدلية )) أنموذجاً

رجاء محمد بيطار

 بحث في مادة "الحداثة في الأدب"

أستاذة المادة: الدكتورة هند أديب

 

" الحب فلسفةٌ إذا أدركتَها

كشف الوجود عن الفؤاد قناعَهْ

وغدتْ له صورُ الحياة شفيفةً

تسمو وترقى كي يذوب نصاعةْ


   بهذين البيتين ألخّص الحب كما أراه، وكما اكتشفته في ثنايا شعرٍ لبنانيٍ أصيل، لشاعرٍ تغنّى باللبنانية، وحمل مشعل الحب ليضيء العالم مع قدموسه، واستلّ من جذور أجداده عناصر الحرية والإنسانية، ليعيد استنباتها من جديدٍ في تربةٍ عصرية.

إنه سعيد عقل، لبناني الهوى والأصل، عربي الكلمة إنساني الفعل.. كذا قرأته في شعره، وكذا أحب أن أغوص في بحره، لأستخرج منه دررَه وأنفض عن بعض جواهره غبار سحره، عسانا نفهم منها ما يسرّ القلب ويروي ظمأ العقل.


    في شعر سعيد عقل ، نطالع المتناقضات حين تتآلف، والمجهولات حين تتعارف، ونعوم في اليمّ الأعمق فلا نغرق، ونرسو على الشطّ فلا نضلّ أو نتفرّق، ففي أفكاره الموسومة شعراً نورٌ وشعاعٌ يتألّق.

ولعل أبرز ما لفتني في شعره تلك السمة المشرقة في بداية القصيدة، والتي يمهّد بها لغايته المتوخّاة، التي تحيّرني، فتارةً أراها مغرقةً في المثالية التي يعدّها النقّاد صفةً تقليدية، وطوراً أجدها تنفض عنها غبار الزمن لتبلغ قمة الحرية والانبعاث، والتي يصنّفها النقّاد صفةً حداثوية، ثم أجدني في النهاية مضطرّةً للاعتراف بأن ما ينسكب أمامي من شلالات النغم والإبداع، لفظاً وروحاً وإشعاع يراع، ليس منتسباً لمذهبٍ دون آخر، ولا يدين إلا بدين الإنسانية.. ولعلني أتجرّأ فأحمّله صيغةً جديدة، لها ميزاتها الفريدة، التي تجعل من شعر سعيد عقل ابتكاراً شعرياً مختلفاً، ومدرسةً ذات موازين مغايرة، تأخذ من كل جميلٍ بطرف، حتى تنصهر وتتماهى بالمطلق، على مذبح الجمال النقيّ المعتَّق.

   وأختار من المفاهيم التي يحملها هذا الشعر الاستثنائي، مفهوماً يسيطر على أجواء كتاباته وأشعاره، ويشكّل عنده هاجساً إنسانياً، ولا أقول وجودياً، فسعيد عقل لم يعش قلق الوجود كمعظم الحداثويين، بل تنفّس استقراره، ولم يهم في بيداء العقل بل امتطى الحرف وحدّد وجهته بوضوحٍ وجلاءٍ فلم يضلّ مساره.

إنه الحب والجمال في شعره، وللحب وجوهٌ مختلفةٌ عنده، يتنوّع بين حب الوطن والولد كما في "بنت يفتاح" وبين حب الأخ والحبيب والوطن كما في "قدموس" وبين حب الرجل للمرأة وحب المرأة للرجل كما في "المجدلية"..

وقد اخترتُ من هذه الأنواع أكثرها تعقيداً وأوعرها مسلكا، ألا وهو حب المرأة، وذلك لاختلاف الشعراء منذ مطلع التاريخ فيها وفيه، فهم تارةً يُغرقون في إعطائه الطابع الشهواني البهيمي، فيجرّدون المرأة من روحها وكيانها الإنساني، ويريقون جسدها على مذبح شهواتهم، وأخرى يرفعونه إلى مصافّ الحب الإلهي، فيجترحون بها العجائب، ويرسمون بها صور الحنين العذريّ الذائب، على أن سعيد عقل اتّخذ له رؤيةً خاصةً في الحب، وفي المرأة والجمال، وهذا مدار بحثنا، وقد أظهره لنا عبر قصيدته المجدلية أحسن إظهار.. ولهذه الرؤية أبعادٌ مختلفةٌ عن كل ما سواها من رؤى الشعراء المعاصرين والسابقين، ولذا فقد كان لا بد من تسليط الضوء عليها لإعطائها حقها، وهي ترتكز على تداخلٍ عجيبٍ بين عناصر الطبيعة والمشاعر الإنسانية من ناحية، شأنه شأن الرومنطيقيين، وبين الحب المدنّس والحب المقدس، وتوليفهما بطريقةٍ تبهر المتلقّي، فهو لا يشرّع الرذيلة، ولكنه يحاول أن يسبر غور المرأة الخاطئة ليصل إلى عنصر الصفاء الذي لم تزل تحمله في أعماقها، رغم كل ما هي فيه من تدنٍّ خُلُقي، والذي يحملها على التوبة في النهاية، بل على بلوغ أسمى المراتب الروحية..

 وهذه الناحية من شعر عقل، لم تحظَ بالتفات الباحثين بمثل هذا التفصيل الذي سنعتمده والمقاربة التي سنخوضها، على كثرة ما عولجت مواضيع سعيد عقل الشعرية سلباً وإيجاباً، من موافقين له ومعارضين، مما يعطي هذا البحث صفة متميزة، بمثل تميّز الموضوع الذي يعالجه.


   من هنا كان لا بد لنا من طرح بضعة أسئلةٍ ضمن هذا البحث، ومن معالجتها بأسلوبٍ موضوعيّ، لنصل إلى فهمٍ أفضل لنظرة الشاعر للمرأة والحب والجمال، ولتلك الثنائية الضدية بين الفضيلة والرذيلة، وبين القداسة والدناسة.

فإلى أي حدٍّ استطاع سعيد عقل أن ينقل إلينا الحب بصورةٍ مختلفةٍ عن كل من سبقه من الشعراء التقليديين والحداثيين، وما هي أبعاد هذه الصورة؟

وإلى أي مدىً كانت مثالية سعيد عقل وجنوحه نحو المطلق، مؤثرةً في إعطائه الحب صبغة القدسية؟

وهل كانت مقاربة سعيد عقل لفكرة الحب في المجدلية مقاربةً حداثوية أم تقليدية، أم أنه مزج بين المقاربتين ليخلق لنا جواً فريداً لم يسبقه إليه أحد؟!

وكيف استطاع سعيد عقل أن يعيد خلق الأحداث التاريخية والأساطير الدينية القديمة، ليسبكها بروحٍ جديدةٍ وتحليلٍ مختلف عن كل من سبقه من شعراء وأدباء؟

وهل كان شاعرنا في "المجدلية" مسوّغاً للخطيئة مزيّناً لها، أم محاولاً استنطاق الإنسان في مريم المجدلية، ليكشف عن سر توبتها وارتقائها بعد تدنّيها وإسفافها، ليرصد ذرة النور التي التمعت في أعماقها ثم اتّسعت بعد ذلك لتطهّرها وتشمل كيانها كله؟

   إننا، ومن خلال دراسةٍ معمّقة للقصيدة، سنحاول أن نكتشف الرسالة التي وضعها الشاعر بين أيدينا، عسانا نصل إلى جوهر الحب الحقيقي الذي آمن به عقل، وأراد أن يرسمه لنا بألوان إبداعه الزاهية الوضّاءة، ليسبغ على قلوبنا المتعطّشة على مدى الأجيال، خمائل الحب والخير والجمال.

وإننا عبر فهمنا لفكر سعيد عقل ومنهجه الأدبي والشعري، سنحاول أن نرصد خطواته الفنية التي قدّم بها التاريخ المستلّ من العهد القديم، عنيت قصة مريم المجدلية، في خلقٍ شغريّ جديد، تمكّن من خلاله أن يضع رؤيته للحياة والحب بين أيدينا، لنقرأ بين سطوره وخلفها وبعدها حكاية الوصول إلى النور بعد الظلام، وإلى القدس بعد الرجس، لنكتشف معه بذرة الطهارة المغروسة في نفس المرأة الخاطئة، والتي استطاعت عبر لحظة من لحظات التجلّي، أن تصل إلى حيث لم يصل الكثيرون بالسعي الحثيث والتملّي.

   كما أننا في سياق دراستنا سنحاول أن نلتقط تلك الشذرات التي تتغلغل في حنايا القصيدة، لتدلّنا على حداثويةٍ كامنةٍ اقتطفها سعيد عقل من رؤوس أشجار الأرز التي طالما مجّدها وتغنّى بها، وهي التي تتجدّد على الدوام ولا تعترف بالموت والفناء، فخلق بمجدليته كائناً جديداً، عبر التزاوج المنسجم العجيب بين النقيضين، التقليد والحداثة، فتماهى من خلالها بمثل إنسانية تشدّه وتشدّنا معه إلى المطلق، ورأى الجمال بعينٍ نافذة البصيرة، فأدرك سره الخفي، وهو قد قال في مقدمة المجدلية:

"إن الجمال الذي يخلعه الشعر، سواءً على الشاعر أو على المتذوّق، إنما قوامه هدوءٌ خالصٌ لا تتلاطم فيه فِكَرٌ وصورٌ وعواطف، هدوءٌ يجعل النفس ولا شيء يفجأها أو يعكّر صفاءها، منطويةً على ذاتها، أعماقها على أعماقها، حتى لتغدو أكثر تآلفاً مع حقائق الكون، بل تغدو وحقائق الكون شيئاً واحدا، فإذا هي فوق هذا العالم بآلامه ونقائصه، لا تصطدم عمياء بأي نظامٍ تجهل.."

****************

- ربّ ربّ أما كان يمكن..؟

- قل: لو تنفلتون من الأوهام التي نسجتم، فترَوا أن للجمال منطقاً معصوما.

   كذا يبدأ سعيد عقل مجدليته، شأنها شأن يقية مسرحياته الشعرية وقصائده، حيث تعوّد أن يكشف لنا الستار  بعباراتٍ نتوقف عندها طويلاً لنتمعّن ونتأمّل، وهي سمةٌ استحدثها عقل، ولئن لم تكن حداثوية بالمعنى المعروف، إلا أنها حتماً غير مسبوقة؛ .. هو الجمال إذاً، محور حديثه ها هنا، وهو الجمال المجرّد من الأوهام، الجمال الذي يحمل في جوهره بذور العصمة، والنور الذي يتخفّى في أعماق الظلمة..

وتسكب القصيدة أمامنا حروفها الخضراء، فتزهر وتورق أمام أعيننا لتغدو الصفحات حدائق غنّاء، تموج بالزهر والشذى والضياء.

" نغمةٌ آذنت وصحوٌ أضاء

في محيّا هيهان من نعماء"

.. وتنثال أمامنا الصور المتفتّحة ربيعاً، لتعزف على أوتار وجداننا موسيقى الكلمات، وتبدأ المفاهيم المتناقضة في التآلف، فها هنا وصفٌ دقيقٌ لتلك الغانية التي سلبت عقول الرجال، ولكنه وصفٌ ينأى عن ذكر ملامحها الجسدية، بل هو يرمز إليها بما تثيره هذه الملامح في نفوس المحيطين بها من مشاعر، وهو وصفٌ إيحائي غير تصريحيّ، وهذا ملمحٌ حداثوي يؤكد لنا فرادة الشاعر وتحويله القصيدة إلى مسرحٍ لعملٍ استثنائي، تتداخل فيه المقاربة الحداثوية بالقالب الكلاسيكي، وهو ما يؤكد قدرة الشاعر على العوم في بحور الخليل، البحر الخفيف منها تحديداً، وتخفّ به الحركات حتى يتطاير مع رذاذ الموج ويذوب مع زبده، ولكنه لا يغرق فيه، بل يطفو ويطفو حتى يتحوّل إلى بحيرةٍ هادئة لا متناهية الضفاف، تستقبل الحداثة أنهاراً تصب فيها فتمتزج امتزاجاً رقيقاً ذا نسماتٍ لطاف.

ونعود إلى الثنائيات الضدية البارزة بوضوحٍ في الأبيات الأولى، لنرى الصحو متسابقاً مع الوهم، والرؤى مع الفناء؛ إنه يلخص حالة الضياع التي تعيشها تلك الأنثى المتمرّغة في وحول الشهوات، تقطف اللذة العابرة وتسرق النوم من عيون الحياة، وتخز فؤادها كل حينٍ بأشواك تلك الوردات الداميات، المتفتّحات الذابلات:

"تتراءى فيه الأمانيّ زرقاء

وتفنى عبر الرؤى بيضاء

نزهةٌ للعيون تغوى به

وهماً وتنهدّ دونه إعياء"

إنها الألوان المشرقة للطبيعة، إنها الأجواء الخاطفة للبصر، لكن الشاعر في الوقت عينه يصدمنا بوصفه لها بالنزهة، أي الرحلة القصيرة، التي لا تعدو أن تكون وهماً يجرف الروح إلى ذلك الإعياء، والفكرة هنا تدلّ على استقرار الشاعر وهدوئه ، فهو يقرر ويؤكد على وهمية ما تعيش فيه الغانية، وهي صفة تنافي الحداثويين، ولكنها بتمازجها مع الصفات الأخرى، تخلق جواً غريباً نحاول على طول القصيدة أن نستكشف مصدره.

   ويتابع الشاعر وصفه لجمال الغانية، فإذا هو يستخدم الألفاظ الموحية بالرقي والرفعة، ويثير استغرابنا بذلك، فهو رغم تأكيده على فكرة الوهم في الأبيات السابقة، إلا أنه لا يتورع عن أن يمسح على تلك المرأة بوشاحٍ هفهافٍ من أنوار الفجر، فإذا خدّاها " شفق رحبٌ بهي السنى نقي التناجي"، وإذا البوح الموجّه إليها هو "الوحي المجنّح"!

أي غرابةٍ في هذه المفردات التي لا تليق إلا بالقديسات، وأنى يستبيح شاعرنا خدر القداسة ليختار منه لآلئ يزيّن بها جيد الدناسة؟!

إن في الأمر لسراً، وإن معرفتنا بفكر سعيد عقل، الذي لا يشرّع الخطيئة باسم الحب، كما فعل بعض معاصريه، ولا يدنّس قلمه بالتجديف، ولا يُلبس الخاطئ لبوس العفيف، كل هذا يجعلنا نزداد  حيرة، وننتظر المدّ المقبل في الأبيات التالية..

ويلفت نظرنا أن الشاعر في وصفه للغانية، يتوّج جمالها بلدغة أفعى شافية، توقظ القارئ من ذلك الحلم الذي يغفو بين جفنيه مترعاً بالأماني، فإذا تلك الخطرات أوهام، فللوهم بعدٌ خاصٌّ في فهم الشاعر للجمال والحب، سيتكشّف لنا عما قليل، وها هو يختم المقطع الأول من قصيدته بخلاصة الفكرة التي أرادها من كل هذا الوصف البديع البرّاق:

"سفح الله، غبّ نشوته، قارورة

 الحسن في صحاري البرية

فإذا في الربى اعتراش الدوالي

   ووراء الرمال رجع الأغاني

وإذا للحياة أمنية الحب 

  وللأرض مريم المجدلية"

ولو تغاضينا عن القالب الشعري الخاص الذي قطع به الشاعر أبياته المقفاة، والذي ينبئ عن محاولةٍ واضحةٍ لتجاوز الشكل التقليدي للأبيات، حتى إنه لا يتورع عن استخدام الفواصل ونقاط التنصيص ونقاط الحذف داخل السطر الشعري، .. ولو تساهلنا في تغيير القافية التي ما فتئ يقلّبها  على هواه في حريةٍ انسيابيةٍ توافق نبضه الشعري، وهي كلها سماتٌ حداثويةٌ لا تُنكر، لو استطعنا أن نتجاهل كل ذلك ونتجاوزه، فإننا لن نستطيع أن نتجاوز تحديثه للألفاظ المستعملة، التي استخرجها من مكامنها المنسية، واستعملها بتمكّنٍ ومهارةٍ حِرَفية وحَرفية، فهو نحّاتٌ ماهرٌ يحفر بإزميل إبداعه على صخور الكلمات الجلاميد ليمثّلها لنا صوراً نابضةً بالحياة، وهذه سماتٌ تفرّد بها سعيد عقل، ورسم من خلالها نهجه الشعري الاستثنائي..

إذاً، .. هو الجمال كما يراه عقل، ولكن ما يستوقفنا في المعاني المنثورة ضمن هذه الأبيات، أن الشاعر ميّز الحياة عن الأرض، كما ميّز الحب عن المجدلية، وكأنما هو يتحدّث عن متناقضاتٍ حسبناه قبلاً قد ألّف بينها؛ .. لقد بدأت الصورة تتّضح، فالحياة هي سرّ روعة الأرض، وهي الرقي إلى الأعلى، والحب كذلك، أما الأرض فهي هبوطٌ وانحدار، ومعها الغانية التي لم تدرك سر الحب الحقّ بعد، فإذا هي فعلت تحوّلت الأرض إلى كوكبٍ حيٍّ يموج بالقداسة.. فالمجدلية هنا إذاً هي الأرض، هي الدنيا العابثة اللاهية التي تبحث عن الحب الحقيقي، ولن تجده إلا في أحضان السماء. 

ويسلّط الشاعر في المقطع الثاني من قصيدته ضوء أبياته المفعمة بالسحر والألوان، على حياة اللهو التي تعيشها المجدلية؛ .. هو يحاول أن يحملنا إلى تلك الأجواء العابثة دون أن يدنّس خيالنا بدنسها، بل هو يرسم تفاصيل المكان والزمان والشخصيات بشذراتٍ رقيقةٍ متحوّلة، فهو لا يريد إلا أن يفهمنا دواخل شخصية المجدلية التي "رأت النور عهد لا يتعب النور" و"تلوّت في مهدها" ثم رقصت فإذا هي "تملأ الجو من أصابعها العشر" ولكنها في كل هذا طفلةٌ غريرةٌ لم تفهم الحب بعد، ولم ترَ من الحياة إلا الخيال الكاذب، ولذا فهي منجرفة خلفه تجرّ وراءها الرجال، فالحب "ذلة في الظلمة" ولكنها تظن واهمةً أنها تنتصر به عليهم وتكلل جبينها بالغار كل صباح، ويؤكّد قصدنا قول الشاعر بعد ذلك:

"هدّمت كل وردةٍ منتقاة

وابتنت عرشها على الأنقاض

تخذتها قواعداً وتخطّت

ليس ترضى بما به الظنّ راض"

ويستوقفنا هنا استعمال اللغة ببراعة، والكشف عن استخدامات غير مألوفة، كقوله "تخذتها"، وهي استخداماتٌ تفرّد بها سعيد عقل، ولئن لم تكن من عناصر الحداثة إلا أنها حتماً كانت نبشاً لكنوز اللغة وتجديداً في التعبير وإظهاراً لمقدرة الشاعر اللغوية وغنى مفرداته وفصاحتها.

ونلاحظ أيضاً كثرة استخدام المفردات ذات المدلولات المتناقضة كقوله:

"يطهر الطرف إن رآها

على نيّر عهرٍ مخضّبٍ ببياض"

ونتساءل من جديد، أن كيف يستعمل الشاعر ألفاظ الطهارة ليصف العهر؟!.. إنه حتماً يمهّد لفكرةٍ ما سنجدها في بقية القصيدة.

ويشغلنا الشاعر في المقطع الثالث بتدرّجٍ منطقيٍّ لمنزلة المجدلية في هذه الأرض، فإذا هي "ابتنت عرشها على الأنقاض"، أنقاض الرجال.. أنقاض الحكام.. أنقاض كل من تهافت على جمالها ودنياها فغدوا "سجّداً لها أعزّة روما"، ولم يعد الغار كافياً ليكلل جبينها بل إن ..

" سعف الغار دونها في انكسارِ

وسنى التاج مطرقٌ في ركوعِ

قدّستها العروش قدّسها الناس

وداست على قلوب الجميعِ"

إنها الخلاصة، المفارقة التي يريد أن يبرزها لنا عقل، بعد كل هذه المعمعة الشعرية الخلابة، أن من تهاوت دونها كل النفوس حتى قدّسها الكلّ، غدت تدوس على قلوب الكلّ.

ويأتي القول الفصل في القصيدة في المقطع الرابع، حيث يصوغ عقل الوحي شعراً، ويأتي بالعظيم الذي اصطفاه الرب فيسكبه وهجاً مع الأبيات وذخراً:

" يفعم النبرة التفاتاً إلى فوق

ويبقي على البقاء صداه"

وهنا تأخذ "المجدلية" مع عقل اسماً آخر، إنها "زهرة اللذائذ"، ويأخذ الطهر شكله النهائي بفتاه الناشق الأبيّ:

سمعت زهرة اللذائذ أن

 الكون بالناشق الأبي تمخّض

بفتى الطهر  ينشد الورد صعباً

 طيب الفوح طيب البوح أبيض

وتظن أنها قادرةٌ عليه، فهي قد رأت الجميع لها يسجدون وما ظنّت أنه غيرهم، ويتنازعها الهزء تارة والهم أخرى، ولكنها ترى أمامها جمال الوجود، الجمال الحقيقي وليس كل ما مرّ عليها من هباء، غير أن نظرها لم يزل قاصراً، ولذا فهي تضع نصب عينيها الإغراء!

ويذكّرنا موقف المجدلية هنا من يسوع بموقف زليخة من يوسف، ففكرة الإغواء عند المرأة واحدة، وتلعثم القلب أمام الأنوار القدسية حتى يخلط بينها وبين أنوار الأرض، وردة الفعل عند المعشوق واحدة، ألا وهي الرفض ثم الرفض، أما توبة المرأة الخاطئة فهي أيضاً واحدة، ورقيّها نحو المطلق الأكمل، وتطهرها من كل دنسٍ أول.

إنها ليست المجدلية إذاً، بل هي المرأة، والحب الذي يخطئ الضالّ وجهته الحقيقية، فيقرؤه سطحياً ولا ينفذ إلى أعماقه، لأنه ينظر إلى القدس بعين الدنس، وبرى الروح الجميلة بعينٍ قاصرةٍ عن رؤية الروح، وتغلب عليه الأهواء فيضيّع الطريق.

ولكن، هل أن كل خاطئ يرى الجمال الروحانيّ فيكتشف لمحته؟!..

كلا، بل هي ميزةٌ خص الله بها من امتلك شعاعاً ضئيلاً لم تطفئه الظلمات الدامسة بعد، فإذا قُدّر له أن يلمح النور الساطع استفاق وتماهى به وذاب في الوجد.

   ويأتي يوم اللقاء، ويخطفنا وصف الشاعر للمسيح بعيني المجدلية:

" أبصرته يذرذر الشعر فجراً

ويردّ الأبراد وهج عشية

تتكي رحمة العلى بين جفنيه

اتكاء السنى بحضن البرية"

رجلٌ لا كالرجال، تعيش في عينيه لحظة تجلٍّ تؤاخي المحال، وتقرأ فيهما الرحمة لا الشهوة، والسلام لا القبلة، وهو متبسّمٌ بهي الطلة، نحيلٌ في زهده، طفلٌ في عفّته، ملكٌ في كبريائه وجلاله..

"يلتوي نقلة الطفالى نحيلا

ينثني مشية الملوك جليلا

الرياحين بين يديه تهاوت

واغتدت حول خطوه إكليلا"

إن تداخل الطبيعة مع الحالة النفسية للشاعر هي سمةٌ حداثويةٌ لا تُنكر، فالطبيعة هنا هي مرآةُ لَحْظ الإنسان المتمثّل في المجدلية.

أما صورة المجدلية بعيني يسوع، فهي تتجلّى أمامنا بدقةٍ متناهية، وتؤكد لنا قدرة عقل على تقمص الشخصيات المتناقضة، والرؤية بعيني كل أحد، وهي سمةٌ روائية لم نرها في شعر التقليديين، وهو إسقاطٌ لعالم الرواية على عالم الشعر، نفّذه عقل ببراعة، كونه خاض القصة في بحور الشعر، وبرع في كليهما، فالقصة عنده رسالة والشعر كلماتها..

إذاً، فيسوع يرى المجدلية حطام امرأة، يلوّعها حبٌّ لا تفهم أبعاده، وهو يرى روحها العليلة التي تنشده دواء دون أن تدري:

"لا عليها ولا لها غير ستر الغيب

تذريه ثم تطوي يداها"

فهي مستسلمة لهواها، عاجزةٌ أمامه ولا تدري ما ستأتي به اللحظات المقبلة..

والشاعر هنا يُنظرنا المجدلية بعين الرحمة الإلهية، فهو يرى الصحو قد بدأ يغزو عينيها الحالمتين بالأوهام، وإذا نفسها قد بدأت تهدأ لتترك للقلب الصفاء، ولكنها لم تزل مشوّشة.. وفي غمرة لهفتها للوصول تستعجل تحقق الحلم:

"تنقل الرجل في التراب جناحاً

تطأ الأرض كالجناح فضاء

قطعةٌ في سرائر الأرض صيغت

عادت الأرض تحتويها سماء"

إن السماء متمثّلةً بيسوع، قد انفتحت أبوابها لترحم هذه الخاطئة، وإن سرائر الأرض، أي كوامنها الخفية، التي احتضنتها زمنا، ستسلّمها بعد حينٍ إلى حيث تنتمي!

ويعود التناقض ليلفّنا، فإذا هو ليس تناقضاً، بل تآلفٌ للمتضادات، فالنقيضان اللذان اجتمعا ها هنا، سيغدوان بعد قليلٍ في فلك واحد، الشمس والكوكب الدائر حولها:

"في ظلال الأفنان والأوراد"

والأفنان هي الأغصان، أي المرأة ذات العناقيد السخية، والأوراد هي التسابيح، أي المسيح ذو النفس الزكية:

"في صفاء السماء والأرض طرفٌ

باسط الجفن للرؤى العلوية

في وجوم السماء والأرض إرهافٌ

لنجوى المسيح والمجدلية"

إن الجمال السماوي قد أغرق نفس المجدلية الأرضية، فإذا هي تتخبط بين ماضيها المثقل بأوحال الخطايا، وحاضرها المفعم بكل هاتيك العطايا:

" صارحته بالحب والكون ساهٍ

لا يعي والزمان لا يتوالى

فإذا الرد من يسوع جفونٌ

تتسامى وجبهةٌ تتعالى"

لقد توقف الزمان ها هنا، وهتف يسوع: "لا" وتستيقظ المجدلية، وتتوسل في تخبّطٍ أخير:

"لا وفي اللاء منك ما يجعل 

الدهر أراجيف   والوجود سؤالا"

لقد غدا وجودها جزءاً من وجوده، ولكنها لم تزل ضائعة، فتكرّر الطلب:

" تسأل الحب إن غراماً وإن

 قدساً وكفان مدتا لنوالِ"

فيرى أن غيابه عنها سيوقظها اليقظة الحقيقية، وسيرفع عن ناظريها غشاوة الشهوات الدنية، فإذا هي:

"تلثم الترب توبةً ويسوعٌ

يتوارى في جهمة الأدغالِ

وامّحت ذلة الحياء فلم تنعم

بمرآه والدموع لآلي"

إن غيابه محا ذلة الحياء عنها، فهي قد غدت تريده مخلّصاً، وحينما يعلم أنها قد وصلت إلى درجة التوبة يفتح لها أبواب الغفران، ويبحث عنها لينتشلها من الأشواك، ويطهّرها من الأدناس، ويلقي عليها بجناحه فتعود بيضاء نقيةً من كل الأرجاس.

.. وختاماً نقول، إن كل ما تدرّج به سعيد عقل في وصف المجدلية، منذ بداية القصيدة حتى منتهاها، يؤكد أنه اعتمد فيها الوحدة العضوية، فهو ذكر النقاء والطهر في معرض الحديث عن الكدر والعهر، كما استلّ من محراب القداسة ألفاظاً ليكلل بها الدناسة، فهوإذاً قد قرأ الجمال بطريقةٍ أخرى، ورأى فيه المنطق المعصوم كما قال في مستهل القصيدة، فقد كان منذ البداية يبحث عن الوردة البكر في حضن الشوك، وهو قد رسم الليل البهيم بألوان الفجر، وهذه سمةٌ حداثوية لا تنكر، سواء أدرجها الباحثون ضمن ميزات الحداثويين أم لم يفعلوا، فهي تجديد في التعبير والتفكير، لا في الصياغة الأسلوبية فحسب، وهي سرٌّ من أسرار الإبداع في شعر سعيد عقل، والذي خاطب به المجتمع اللبناني والعربي، وستقرؤه الأجيال جيلاً بعد جيل، لتجد في كل يومٍ فيه الجديد والجميل.

ويبقى أننا نلاحظ أمراً في القصيدة قد يفتح أبواباً لبحثٍ جديد، فالمقاطع الخمسة للقصيدة تبدو لنا أشبه بالتوقيعات في القصيدة التصويرية، إذ يختم الشاعر كلاً منها  بخلاصةٍ معينة، وتبدو لنا كأنما هي منفصلةٌ إلى حد ما، ولكنها في الحقيقة تهدف لفكرةٍ واحدة، وتترابط المدلولات بين المقاطع لتؤدي تلك الفكرة في النهاية، وتصل بنا إلى بيت القصيد، فهل يمكن لنا أن نقارب القصيدة بوصفها مجموعة توقيعاتٍ لشاعرٍ أراد أن ينفض عن التاريخ غباره، وعن الشعر دثاره، وأن يأتينا بالجديد الفريد؟! 


رجاء محمد بيطار


التعليقات




5000