..... 
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
زكي رضا
…..
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
  
.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


هذا من فضل ربي! للمربي الراحل علي محمد الشبيبي

محمد علي الشبيبي

1913-1997

مقدمة لابد منها

سبق ونشرت عام 2017 لوالدي علي الشبيبي طيب الله ثراه مجموعته القصصية (السر الرهيب). ومن اليوم سأسعى لنشر مجموعة الوالد القصصية الثانية بعنوان (هذا من فضل ربي) وهي خمس قصص قصيرة. إن أفضل ما أقدمه لذكرى والدي هو العمل على نشر تراثه، هذه الأمنية التي كانت تراوده طيلة حياته لكن الظروف السياسية القاسية وانعكاسها على وضعه العام -من فصل، وملاحقات واعتقال، وسجون، وتبعات أخرى- كانت حائلا جديا لطباعة ونشر مخطوطاته، مع العلم أنه نشر الكثير منها في بعض الصحف العراقية والعربية.

وعن مجموعته هذه -هذا من فضل ربي- كتب والدي التعليق أدناه عنها وعن بقية قصصه القصيرة، فوجدت من الضروري نشرها لأنها تعطي صورة متكاملة عن محاولات الوالد في كتاباته وتطور اسلوبه وتفكيره، وهو يكتب عن كل ذلك بتواضع وصدق. فكتب الوالد بتاريخ 17/10/1966 في دفتر مخطوطاته الملاحظة التالية عن قصصه:

(هذه مواضيع كتبتها في أول شبوبي، وفي ظروف ما كنت فيها ذا نهج معين. فأنا أتلقف ثقافتي من مصادر مختلفة. أبي وأصحابه من جهة، وأساتذتي الذين أدرس بحضرتهم، الفقه وأصوله، العربية وآدابها[1]. ومن جهة ثانية أندية النجف ومجالسها وما تتضارب فيها من اتجاهات مختلفة وأراء متباينة. هذا الى جانب ما فيّ من نوازع الشباب ونفوره، ومطامحه وغروره، وجهلي الناجم عن ضغطه عليّ وتقييده لحريتي، وحجزه لأفكاري ورغباتي.

كل هذه الفوضى، وانعدام التوجيه المنظم، خلقت بي عقدا، وسببت لي إنطوائية، طغت على كل مشاعري، وأحالتني الى كشكول درويش. فأنا جبراني الاسلوب -تقريبا- في كتاباتي، والكآبة التي تغمرني والغموض الذي يكتنفني. وأنا فكه أحب النكتة اللاذعة للفراغ الذي يملأ حياتي من جهة، والكتب التي ترهق نفسي من جهة ثانية وأنا مثالي صارم مع نفسي وأصدقائي في كثير من الامور بسبب المحيط الذي يحصرني بين ابي والمجالس النجفية التي لا تخرج الى ابعد من اجترار الادب الموروث، والجدل -البيزنطي- السقيم. وأنا متمرد! ولكن تمرد مكتوف اليدين، موثوق الساقين، مكموم الفم.

عن مثل هذه الحياة التي حييتها، انعكست هذه المواضيع فلا تستغرب قارئي الكريم، إذا ما وجدت فيها تناقضات أو أخيلة، أو ترهات!

وحسبي ان استقامت أفكاري بعد حقبة من السنين[2] ... إلا أني حباً بذكريات شبابي، واعترافا بأخطائي، أحتفظ بهذه المواضيع، ليس اعجابا بها ولا إيمانا بصحتها، إنما هي بالنسبة لي كالأبناء للوالد، يكون فيهم الأبله، والذكي، والقبيح والجميل، والجاهل والفهيم، ولكنه يحبهم جميعا، حبا تختلف درجته وحنواً تتفاوت نوعيته.


فليكن لي العذر من أي جيل كان وأي زمن! كربلاء/ علي محمد الشبيبي)


الناشر


محمد علي الشبيبي


السويد/العباسية الشرقية


29/11/2018


 


هذا من فضل ربي؟


قالت الأم وهي تدلك أقدام زوجها -الحاج حسين-:


- حجي. أشوف لو نزوج مصطفى، والله حجي هذَ وقتها، خلِّ نفرح بعرسه ونتهنه؟


فردّ عليها بعبوس وفضاضة:


- أزوج مصطفى؟ أنتِ وين وآنه وين؟ هٰذا يستاهل زواج؟ هذا مال طرد! هتك سمعتي، ولطخ شرفي بفضايحه. وأنتِ السبب! أنتِ تسترين عليه وتغطين عيوبه!


أجابت الأم، وهي تتكلف الاستياء والامتعاض:


- اوي! ﭽنك هم صَدِك كلام الناس. الناس دافعهَ الحسد بسبب الخير اللي انطاكياه الله. وقول لي، يا شاب ما عنده سوالف؟


قال الحاج: وجنابيج نسيتِ قضيته ويَّ الخادمة صبيحه؟ لو ما نزوجها لفلاحنا حمدان صارت فضيحة ومصيبة؟


قالت الأم: وهاي عجيبة؟ ويا زور خله من واويه؟


وأنفرجت شفتاها عن ابتسامة ماكرة، وقالت:


- مثل اَبيّه مشيته!


فامتعض الحاج وفي شيء من الانكسار، وبحسرة مكبوتة، قال:


- والله العظيم، صار ما صارلي، ما صار إلا عن حب خالص! لكن ما بيدي، الي حبيتها فقيرة بنت فقره! والله ما قسم!


فضحكت الأم وقالت بتهكم:


- وبعد سنه من زواجنا؟ شسويت ويَّ مَرةِ الفلاح سرحان؟! هَمْ أنكُرْ؟ اني العثرت عليك بنفسي... ها؟


فارتد الحاج مفلوجاً حين ذكرته بتلك الحادثة. ولاحت عليه علائم الاندحار. وجلس معتدلاً يحاول أن يطرد ذكريات كثيرة أحاطت ذاكرته. فقال بشيء من اللطف وقال بلهجة المتخاذل المغلوب:


- الله يلعن الشباب وسوالف الشباب!


وكأنها شعرت بانتصارها عليه فقررت أن تدحره إلى النقطة الأخيرة التي تعرفها!


- هسه. الله يلعن الشباب! وبعدَ الشباب؟ شنو كان اختصارك بسَعَد ابن صديقك حاج أحمد؟ الله سلطني عليك، معانقه وتبوسه!


فربت الحاج على كتفها ضاحكاً، وقال:


- كافي. كافي. زمان... وكفّرنا عنه بالحج، والتوبه على أيد الله وأيدك!


- أي حجي. سامع هذي الهوسه: « حج بيت الله وجانه يهودي؟!»


وبشيء من التغاضي المتكلف، قال:


- بس بالله من هذا الكلام الفارغ، توكلي على الله، وخطبي من عائلة شريفة! وشوفيهه بنية، حبابة، مكملة وحلوة تمام.


قالت، وهي تدفعه مداعبة، وفي لهجة تغمرها لهجة انتصار ودلال:


- هيّه لو بالجمال والكمال، كان حظي عندك ما يوجد أكبر منّه!


وكشفت عن بطنها، وراحت تتحسس خصرها والسَرة، وهي تتوسط بطنها، كلجة من نور. فتحركت بهذا عواطف الحاج فجذبها إلى المخدع...!


ومضت أشهر قليلة تم الاستعداد خلالها لزواج مصطفى، بعد أن لقيت أمه عناءً شديداً. فقد ردّتها كثير من الأسر التي توفرت لها شروط الحاج. أما الرد فقد كان جميلاً مع التقدير والاحترام. وأما أسبابه، فقد كانت عدم اعتبار وطعناً بماضي –مصطفى-!


ولقد كانت بعض الأسر تود أن تقنع نفسها بعدم صحة ما يقال وما قيل عن ماضيه، فهو ابن الحاج حسين، ذي المال الوفير، والتجارة الواسعة، ولكن بناتهم رفضن رفضاً باتاً. وقد بلغ سمع الأم بعض من ذلك عن طريق الوشاية والنميمة. فقابلت الطعن بالمثل، وطعنت بعفتهن!


ولقد ساء الأم ما تحدث به بعض الناس، عن اعراضها عن خطوبة احدى قريباتها الجميلات. فتمثلت قائلة بترنيمة نسائية ومثل مشهور عندهن:


بنت الفقر لا تاخذوهَ



 


تجيب الفَقُر من بيت أبوهَ



بعد عام واحد فقط زار مكدّر اللذات بيت الحاج فاختاره! وكرَّ فاختار الأم! وأصبح كل شيء بيد مصطفى وله، وتحت تصرفه! لكنه لم يزل هائماً في حب اللذات، والشهوات، وقد ولع بالسهر على موائد القمار ولعاً شديداً. وهو لم يعتمد على غير ما ورث من نقد وأملاك.


وما مرت شهور، حتى ذهب كل ما يملك إلا الدار، وبستان واحدة. فتداركه أحد أصدقاء والده المرحوم. وشدّ في النصيحة والتأنيب، ودلّه على الطريق الواضح، يكسبه احترام الناس، وثقتهم، ويعيد له جاهه، وثروته!


أخذ مصطفى يقيم كل ليلة جمعة، ذكرى مصاب «الحسين» ولا تفوته ذكرى وفاة، إلا وأقام العزاء في صباح اليوم المذكور! ويولم وليمة بالمناسبة للعامة والخاصة! ولا يُرى دائماً إلا مشمراً عن ساعده، مستعداً لوضوء، أو منتهياً منه، ولا يؤدي الفريضة إلا في حرم الأمام.  


وقد أتقن جميع الفروض، الواجب والمندوب، وفتح له مكسباً، والكاسب حبيب الله! وعلق على واجهة محله من الداخل رقعة كتبت بخط جميل «هذا من فضل ربي» [2]


كان يطلق على مكسبه –قضاء حوائج الناس- انه أشبه ما يكون بمصرف. فهو يسلف –الإقطاعيين- سلفاً. يدعوها (على الأخضر) لقاء وثيقة رسمية –كمبيالة- تجعل له حق الاستيلاء على جميع العائد، إن تأخر المدين عن الدفع في الوقت المحدد، أو يضاعف الدين في صك آخر، مع أخذ الفوائد سلفاً.


وكم قضى حاجة موظف صغير. أو محتاج فقير! لقاء رهينة ذهبية. وعلاوة شهرية عن كل دينار، مستنداً على فتوى أستحصلها، تجيز له ذلك، باعتبار أن العملة الورقية يمكن أن يتراضى طرفان على بيعها بثمن من العملة النقدية، فهي قرطاس له معنى، ممكن أن يكون له ثمن عال منخفض! أو اعتبار الرهينة مباعة -بيع الشرط – وبصورة غاية في التحفظ من الوقوع بمخالفة الشرع! هو يفترض أنه يبيع طناً من الشعير مثلاً بثلاثين دينار نسيئة، بينما هو يشتريه بخمسة عشر ديناراً، ويسجل على العميل صكاً بثلاثين ديناراً! ثمناً لطن الشعير. ولا يفوته دائماً أن يكون سعر الطن موافقاً عادة لما يفرضه ربحاً عن كل دينار خلال كل شهر، فربما زاد سعر الطن أضعافاً، إذا كان تسديد الدين يتجاوز مدة مضاعفة أيضاً، ويتم كل هذا على قاعدة –الرضا والقبول- بين الطرفين! وهكذا تجري المعاملة غاية في الدقة، كيلا يسمى كل هذا رِبى! وقد أحل الله البيع وحرم الربى.


*            *               *              


وفجأة شاع نبأ عزمه على حج بيت الله الحرام، وقد وزع ما بذمته من حقوق شرعية وصدقات على بعض الفقراء من طلبة العلوم الدينية. وخص بعض المعممين الذين كانوا يزورونه، ويقضون فترات من الصباح في محله، وبعض الفقراء من الجيران، والذين كانوا لا تفوتهم مثل هذه الأمور!


كل هذا دون أن يرجع لمرجع ديني، فعلق بعضهم على هذا: أنه ذكي بحق، فمن ذا الذي لا يعرف كيف نمت أمواله؟


وفي أمسية أحد الأيام، وهو في غمرة الاستعداد للسفر إلى الحج. عاد وعلى وجهه سحابة كآبة دكناء. لم تفت زوجه دون استغراب ذلك منه، وبهدوء ينم عن ذهولها لما يبدو على سحنة وجهه، لكنه لم يكتم الأمر، فصرح بكل شيء.


جارهم –الشيخ عبد المنعم- بذمته عشرون ديناراً، أقترضها منه، لتجهيز جنازة والده ومراسيم الفاتحة وملزماتها، وقد تراكمت عليه الأرباح، خلال خمس سنوات، وقد أستغل مناسبة الحج فجاء يرجوه، ويشرح له حاله، ويستعطفه، أملاً أن يتنازل –على الأقل- عن الفوائد المترتبة! وقد تجاوز المبلغ المقترض! ولما رفض «مصطفى» صرخ الشيخ بوجهه، مندداً بما ينتظره يوم الحساب ومردداً ببعض الآيات الكريمة.


لم يزعج مصطفى أو يخيفه –ما ينتظره يوم الحساب- بقدر ما أزعجه تجمع الناس وتهامسهم، وهم حول الشيخ عبد المنعم، يؤيدونه ويهونون عليه الأمر!


وهانت المسألة أخيراً حين تدخل معمم من رجال ندوة مصطفى، إذ أتفق على حل مع الشيخ بدون أخذ رأيه! إلا أن أمر الدلال –سيد حميدي- كان أكثر إزعاجا وإحراجا. فقد هدد أن يفضح مصطفى على أوسع مدى إن أستمر هو باستنزاف دمه، واستثمار كدحه! وانفضت جموع الناس، ولكن مصطفى ظل بعدها في دوامة، وكأنه يتوقع  أخطاراً غاية في الفضاعة، تنتظره في قابل الأيام!


وبعد أن استوعبت –أم حسين- جلية الأمر، هدأت روعه، رغم ما داخلها من هم بسبب ذلك. وذكرته ان ثلاث ليالي –قبل السفر- تولم فيها الولائم لوجهاء البلد، وإطعام الفقراء، وتوزيع الصدقات من محله وبيته كافية لمحو سَيئة هذين الجاحدين!


ومرت المدة التي اقتضاها السفر إلى الحج، وعاد مبرور الحج، مبرور المسعى، وأقيمت الولائم لتهنئته، وتوسعت علاقاته مع شتى الجهات، بسبب من علاقاته مع نفر من المعممين ذوي اللباقة، والقابلية الفذة في خلق الإشاعات النافعة والضارة، حسب ما تقتضيه الحاجة. وقد عرفوا بين الناس –بالعشرة المبشرة- لكثرة ما يدعون للولائم، ليس غير!  


وإزاء هذا تطورت أساليب القروض عنده، وارتفع فائض الدينار الشهري من خمسة وعشرين فلساً إلى خمسين فلساً. ولا أهمية للنكات التي صارت تدور على ألسن الناس! فحين شاع أمر ارتفاع فائض القروض، علق أحدهم: لا تستغربوا فالله سبحانه وتعالى قال »والله يضاعف لمن يشاء بغير حساب» وقال آخرون:  الله عز وجل قال «كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة». وقيل «إن الحاج لا يدخل ضمن الذين تكوى جباههم» فهو ليس من «الذين يكنزون الذهب والفضة» ان أمواله موزعة، لا يقر لها قرار في كف أو جيب! وإذا كان بعضها يرقد في -قاصته- أو صندوق فانه من العملة الورقية. فلا يحمى عليها في نار جهنم، فيكوى به جنبه وظهره! ان النار تحرقها! هؤلاء الناس يرسلون نكاتهم ارسالاً فيما بينهم، ونادراً ما يسمعه واحد منهم نكتة من هذا القبيل. ولكن بصورة لا يستطيع هو أن يحاسب عليها القائل، فذاك يصوغها على نحو عام كأنه لا يعني أحد بعينه!   


ولكن حيرة الحاج بالمخبول -سيد ببا- حيرة لا تطاق. فهو حين يقف بباب محل الحاج يثرثر كثيراً مما يسبب تجمع الناس، ويثير ضحكهم، وتصفيقهم أحياناً! دون أن يكون لنكاته أي معنى، لولا أن يشير ببعض الكلمات البذيئة إلى الحاج! وإلى لحيته ومسبحته، والحاج يعلم جيداً أن ضحك الناس نكاية به لا لنكات -سيد ببا-.


أما المجنون –ابو عقرب[4]- هذا المجنون الغريب الأطوار، والذي عرفه الناس دون سائر المجانين في البلد، ربَ بيت وعائلة، يهتم بأمور عيشها أكثر بكثير من العقلاء، فهو في كل صباح يقصد الأسواق إلى حوانيت ومتاجر المحسنين، لا يمد يداً، ولا يطلب من أحد، ولا يفوه بكلمة استجداء واحدة، إلا أنه يتلو آية أو حديثاً عن الدنيا الزائلة الفانية، وعمن جمع المال وأحبه حباً جما، ثم غادرها وما عليه إلا كفن كأكفان غيره، وشبراً من الأرض يتوسد ثراه!


ولا يشتري -ابو عقرب- شيئاً إلا بعد أن يجمع ما يكفي معيشة اليوم ومقدار قسطه اليومي لبدل ايجار البيت وكسوة العائلة الموسمية، فإذا انتهى من كل هذه خرج إلى صحن الروضة العلوية يتمشى أو يتجول في السوق. فوقف قريباً من محلات من يعرف فيهم الشحّ والبخل، أو الكسب الحرام، ورفع رأسه إلى السماء، وكأنه يخاطب أشباحاً تسبح في الهواء:


- ملعون الوالدين... إلمَنْ، للورّاثة؟! ولك آنه، وأنت بكفن! خو مو كفنك حرير؟! أجمع يا أغبر! أجمع ولك، تاليه مو أكثر من خامه وزبيل تراب! يغشوك ذوله العظّامه، لكن غشهم ما يعبر على الله! ولا يقدرون يخلصونك من عذابه... مسكين!


يجر الكلمة الأخيرة جراً، ويلفضها بعنف، ويشفعها بصفعة هوائية جهة المقصود. ثم ينصرف. وهو لا يترك محل الحاج يوماً إلا بمثل هذه! ولقد حاول الحاج مرات كثيرة أن يمنحه شيئاً لا بأس به، إلا أنه كان يرفض ذلك، وبعبوس ونظرة غضب واحتقار!


ولكم تندر المسؤولون في الحكم حين يلتقون بالحاج في مجالس الوجهاء، والأدباء. فيرددون ما سمعوه من نكات الناس، وخاصة المخبولين -سيد ببا و ابو عقرب- وكأنهم لا يعلمون من هو المقصود! أما الحاج فأنه يلزم الصمت، عملاً بالحكمة المأثورة «كرموا أنفسكم بالتغافل!»


رفاقه من -المعممين- الذين يسبغ عليهم أفضاله، يجدون حرجاً بالغاً في عدم الدفاع، ضد هذا التعريض! ورغم كل هذا فان الحاج يبدو واسع الحلم، لم يكترث، ولم يتأفف، وكأن الأمر لا يعنيه. غير أن أمر السيد –حميدي- يقلق باله، ويقض مضجعه. لأن سيد –حميدي- لم يعد يهتم بتسديد أي مبلغ، لا من الأرباح ولا رأس المال! بل أكثر من هذا، ان يشتمه شتماً فضيعاً، كلما طرأ ذكره في محفل ومجلس! أنه يذكر رأس المال الذي زوده به والأرباح التي استوفاها منه، وما استفاده هو كأجير. ويمعن في التوضيح والشرح، بكل ما أوتي من لباقة وحماس! فلا يكف حتى يدع من يسمعه يصب لعناته عليه.


وفي هذه الأيام بدا الحاج كثير الاهتمام بقضية –سيد حميدي- وكثيراً ما يذكره بمرارة وألم. إذا آوى إلى فراشه عند النوم! فتهدئه زوجه، وتخفف من غلوائه. وأشارت إليه مرة –أن يغسل يديه- من حسابه. ويحتسبها على جده رسول الله (ص) فيصرخ بلا وعي:


- هو آنه قابض منه شيء، شايف وجهه ها الملعون الوالدين، فاك مني ياخه؟! بس يجيني اللوم والحكي، والله، والله، لو أقطعه بسنوني ما أشفي قلبي منه!


وبمرور الأيام أخذ قلقه يزيد، فارتأت زوجه أن يعهد بأمر المحل إلى ولده الأكبر، ويسافر هو أياماً يروّح عن باله. وأخذت تعد له ما يلزم، وخرج ليغادر المدينة ضحىً، وبعدما رتب الأمور إلى ولده، وكل ما يهم، خصوصاً الديون المستحقة، بكمبيالات. وما يجب عمله، وان كانت له أساليبه الخاصة في حسم القضايا. مما لا يتوفر في ولده الذي يبدو دائماً انه لا يرتضي سلوك أبيه، فنظرته تختلف مع أبيه  اختلافاً كبيراً. لكنه لا يتدخل تدخلاً واضحاً.


وتنفست زوجه الصعداء، وارتاحت كثيراً لأنه وافق –حسب رأيها- السفر. وانصرفت إلى شؤون البيت مع مزيج من القلق والارتياح! وشبحت نظرها إلى السماء، اللهم إرحمنا برحمتك يا رب! في هذه الأثناء فوجئت بولدها الثاني، والذعر باد على ملامح وجهه، وتوجه إليها بلهفة:


- ماما هيئي الآن فراشاً وسجادة، وأعدي طعاماً لغداء أبي!


قال هذا وهو يناول الحمال الفراش، وألقى آخر كلمة، سأعود قبيل الظهر لأخذ الغداء. دون أن يذكر شيئاً آخر. وأهاج الأمر من في البيت، وأستبد بهم القلق. فلزمت هي باب البيت من الداخل. وهالها أن المارّة كان لا حديث لهم إلا ذكره! وأثناء اقترابهم من البيت يقتصرون كلامهم على إعلان الشماتة والشتيمة! سمعت بعضهم يقول –هذي نهاية الكسب الحرام! وآخر يقول، طغه وتجبر خصوصاً بعد ما حج! فيرد عليه آخر، أي. حج بيت الله وجانه يهودي!


وزاد هلعها حين سمعت أحد المارّة يقول: «يا ويلك من جدّه رسول الله؟ فلطمت وجهها». وعادت إلى الداخل تردد: «يمكن صار شي ويّ سيد حميدي؟ أسترك يا رب!». وأخذت عباءتها وراحت إلى بيت جارتها –أم علي- لتكلف أبنها بالذهاب إلى المحل، واستجلاء حقيقة الوضع. في مدخل البيت سمعته يقص على أمه الحادث. مختلف الروايات. التي ما اسرع ما تعددت. وتجمدت بمكانها ترهف السمع لتستوعب النبأ، وقد ختم حديثه: «خلاصة الأمر المسكين سيد حميدي إلى رحمة الله، بطلقة مسدس. وجدوه على صدره؟ والحاج الآن مستريح في الموقف بمركز الشرطة؟! ولا يعلم أحد هل الحاج الذي قتله، أم أنه انتحر؟».


ارتدت إلى الوراء، وقد أربكها الذهول. فإذا بالمخبول –سيد ببا- يهذي، والمارة يسائلون عن الموضوع. وبلهجة تنم عن انفعال بليغ، وأسى عميق. راح يصيح: «بلي. بلي. هذا من فضل ربي!».


 


علي محمد الشبيبي


 


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


1- في النحو واللغة درست عند متعددين، أولهم الشيخ خلف البهادلي ثم الشيخ حسن لحامي، وفي المنطق الشيخ محمد رضا المظفر، وفي الفقه وأصوله عند الشيخ طاهر الشيخ راضي وقريبه الشيخ هادي، والسيد أمين الصافي والسيد مير صهر السيد ابي الحسن الاصفهاني.


2- تعود الى أعوام الاربعينات حيث أقبلت على الصحف والمجلات التقدمية والفلسفة المادية. حيث أقبلت بشغف على مطالعة الفلسفة الحديثة للدكتور عبد المنعم خلاف وغيره.


3- هذا المرابي من سكان النجف، ومحله قريب من صحن الأمام علي (ع) وله من المعممين جماعة. لا يخلو محله يوما من واحد منهم أو أكثر.


4- سيد ببا. من مجانين النجف كان شاباً كادحاً ولكن شحيح الرزق فجُنَّ، وكانت نكاته وسخريته مقصورة على المتمولين والمعممين.


أما أبو عقرب. فهو من سوق الشيوخ، كان ميسور الحال فأفلس وقصد النجف وأقام فيه مع عائلته. أشتغل حمالاً لا يكف يندد بذي المال الشحيح والمعمم الفاسق دون أن يذكر أسم أحد من هؤلاء. وهو يشتغل بدأب لكنه إذا أتم لديه ما يكفيه لمعيشة اليوم وإيجار البيت وما يدخره لكسوة العائلة أو لغرض كف عن العمل. هذان المجنونان كانا لا يؤذيان أحد أبداً بغير كلمات تعريض بالسيئات وفاعليها.


محمد علي الشبيبي


التعليقات




5000