..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


رسالة ... بحبر القلب

رجاء محمد بيطار

إليك يا سيدة الطهر، كبيرة القدر، عظيمة الإيمان والستر،كافلة النبوة والنبي، حليلة الكافل وأم الوصي

إليك يا أم الأئمة الأولياء، سيدة هاشم والبطحاء، يا من تكلّ عن وصفها الألقاب وتعجز الأسماء، يا مهضومة الحق في الدنيا ومعروفة الحق في السماء

يا أم الكرار وكفيلة المختار

يا سيدتي ومولاتي يا فاطمة بنت أسد

سيدتي، ... بلساني الكالّ وقلمي الذي من حبر القلب سال، سأطرق اليوم بابك فلا ترديني إلا بالقبول.

لست طالبة حاجة من حوائج الدنيا، ولكن فؤادي ينطق ببوحٍ يتلهف لدخول حظيرة القدس، كما هو العهد مع كل كلمة طيبة، أصلها الثابت أنتم، وفرعها في السماء.

سيدتي، سأبدا من حيث انتهيت في النداء، فلا أقوى الساعة على الحديث إليك، بل لا أجرؤ، وفي قلوب المنصتين سؤال حول فحوى ما أردت، فأنا لم أقل إلا ما أملته عليّ الحقيقة، بشعاعها الذي خرق حجب الزيف وأستار التاريخ المدلَهمّ، ليصل إلينا، رغم أنوف من لا يريد.

أجل، أنت "مهضومة الحق في الددنيا معروفة الحق في السماء"، وكيف لا تكونين كذلك ولم يصلنا من خبرك إلا نزر يسير، وأنت ملء الخافقين؟!

لقد غصنا بحر التاريخ مراراً، باحثة عن درر منقطعة النضير، هي منك بسبيل أو بأكثر من سبيل، فمن خديجة الكبرى إلى زينب الكبرى، ومن فاطمة الزهراء إلى أم البنين، إلى رقية الصغرى، وغيرهن كثير، أنوار  اشرقت بها غياهب الإنسانية، فاجتمع التاريخ على إخمادها، ولكنه لم يتمكن، وكانت لنا نبراساً نهتدي بهديه ونستضيء به، ... لقد ظفرنا بطرف الخيط هناك،ثم هنا، فجذبناه، واصطدناه قبل أن يتصيدنا،وبان لنا إشراق الجمال، فعلمنا يقيناً أن إخفاء الحق محال!

مولاتي، ان اكتساح الموج لم يستطع أن يبعدنا عن الغوص، وما أحلى الغوص في مكارم أهل التقى والفلاح، ... لقد غصنا أكثر، حتى وجدنا ما يدل على عظمة تلك الدرر، فطفونا حاملين كنزنا معنا، وقد أيقنا أن ما وجدناه هو في الحقيقة أكبر وأخطر، لأن ما بقي بعد كل هذا الطمس والتشويه عظيم بهذا القدر، فكيف بما كان قبله؟!

سيدة الطهر، لك في كنزنا الزبرجدي ثلاثة آثار، أستميحك عذراً في جلاء غبرة التاريخ عنها، لعلنا نظفر باليقين من الخبر!

أما الأثر الأول فهو النسب.

لقد نظرنا في نسبك وأصلك، فإذا أنوار تقترن بأنوار، تشعشع بين أصلاب وأرحام الأطهار، تحمل نور النبوة مقترناً بضياء الإمامة، وتصب ينابيع الطهر في صلب هاشم، سيد القوم وشريف شرفائهم، حنيفي على دين جده الخليل، ... وينتقل النور الأعظم إلى ولده عبد المطلب، ومنه يتفرع الفرقد إلى شمس وقمر، فالشمس في صلب عبد الله، والقمر في صلب أبي طالب، وهما أخوان شقيقان لأم واحدة، هي فاطمة بنت عمرو المخزومية.

وتمضي مسيرة الكواكب الزاهرة في فناء الملكوت، وإذا أسد بن هاشم يبرز بين إخوته الشرفاء، عظيم من فوارس قريش وزعمائها، فيرتقي بشرف الخَلق والخُلُق متبعاً أثر أخيه عبد المطلب، ثم يتزوج شريفة قومها،فاطمة من نسل فهر بن مالك، لتكتمل سيرة العظماء، وتولد فاطمة!

وأسأل نفسي، هل في سجل الطهر أن يشتق كل طهر من فاطمة؟ وكل عظمة وعلو شأن من فاطمة؟!

ربما، فللاسم وقع دونه كل الأسماء، وقد حدثتنا مآثر الفواطم بالجواب، حتى كانت منهن، بل أرفعهن شأناً بنت خاتم المرسلين فاطمة الزهراء سيدة النساء!

إذن، فلعل المولى عز وجل قدّر لك يا مولاتي أن يقترن مصيريكما منذ الأزل بتواتر الأسماء، ثم بما قدّر بعد ذلك وشاء!

وتنشأ بنت أسد في عرين طاهر، تتلقى علوم الأصالة والتقى والبطولة والشجاعة، وتتفتح البراعم الندية، وتتحلى بحسن الطوية والروية، وفضل لم تتحلّ بمثله من النساء حتى ذلك الحين إلا آمنة الزكية.

ولعلها وهي في ذلك العمر تشهد زواج عبد الله من آمنة.

 ثم لا يلبث أن يقبل ذلك الفتى الهمام، سيد الأبطح وفارسها المقدام، من تشرق في جبينه أنوار تؤاخي أنوار شقيقه عبدالله، ... ويجول بقلبه أحياء العرب، يختار من الشريفات أشرفهن، ومن الطيبات أزكاهن، ... وتطرق فاطمة حياء حين يلوح الفارس، وتدرك أن قد جاءها القرين الحارس، ويعلم أسد أن ابن أخيه هو خير من يرعى درته الأثيرة، ويتم القران، أول هاشمي يقترن بهاشمية، أبو طالب وفاطمة بنت أسد، أمير يتسامى بأميرة!

نعم، أميرة بني هاشم أنت ، بل أكثر، وهل فيهن من تدانيك شرفاً وعزاً وعشيرة، وخَلقاً وخُلُقاً وصفاء سريرة؟!

وأما الأثر الثاني فهي الأمومة!

و... تمر الأيام وتكر السنون، وفاطمة في كنف زوجها المصون، وهي لم تنجب بعد! 

ولكن فاطمة تبقى على رفعتها وعزها، عند زوجها وفي عشيرتها، رغم أنها في زمن يرى المرأة شيئاً يستعمله الرجل ويرميه، إذا ما انتهت الحاجة إليه، يراها مجلبة لكل نقيصة ومذلة، ... أما بنو هاشم الفضلاء، وفاضلهم أبو طالب، فلا يرَون ذلك، أولاً لأن إيمانهم الفطري والمكتسب، على دين جدهم الخليل، يشرّع للمرأة حقوقها وينفي عنها ما علّقه بها زمن الأوثان من ترهات، وثانياً لأن أبا طالب كان فارساً بمعنى الكلمة، كريم القول والفعل، قد سبق عصره بقلبه وفكره، يفهم معنى الحب الحقيقي الذي تستأهله شريكة عمره وفؤاده، التي تصون عرضه وتشاركه في همه وسهده، قبل نعمته ورغده!

ويولد محمد، وتأتي فاطمة إلى أبي طالب تبشره بولادة محمد بن أخيه عبدالله، وهي فرحة مسرورة لا تكاد الدنيا تسعها لفرط سعادتها، فيرد عليها أبو طالب تحيتها العطرة ، يريد أن يفرح قلبها كما أفرحت قلبه:

"اصبري سبتاً أبشرك بمثله، إلا النبوة!"

والسبت في لغة العرب ثلاثون سنة.

وتزداد فرحة فاطمة، وتكن في صدرها ذلك الوعد حتى يأتي موعده.

وترافق فاطمة نشأة محمد، بعدما ساورها الحزن الشديد لمولده يتيماً بعدما توفي أبوه وهو حمل في بطن أمه، ثم هي تزداد حزناً وأسفا عندما تتوفى أمه وهو ابن ست سنين وينتقل لكفالة جده عبد المطلب، وتتمنى من كل قلبها لو تستطيع أن تعوضه حنان الأم، ويعوضها هو عن افتقادها للولد. 

... ويدرج محمد أمام فاطمة وفي مدى ناظريها وقلبها، ويهفو فؤادها إليه، تتمنى ثانية أن تحتويه في فؤادها وذراعيها المتعطشين للأمومة، ... ومن لا تتمنى أمومة محمد، حتى ولو كان لها الولد والذرية؟!... إنه خير طفل ولد في بني هاشم، بل في قريش والعرب، بل في العالمين أجمعين!

ويرى محمد الطفل بصفاء بصيرته مدى حب امرأة عمه الطاهرة له ورغبتها في الولد، فيدعو لها، ويشير عليها بأن تقرّب قرباناً لوجه الله تعالى خالصاً لا تشرك معه أحدا.

وتمتثل فاطمة لأمره ، فهي ترى وتعلم يقيناً أن فيه ما ليس في سواه، أنه وإن كان طفلاً إلا أنه خاتم الأنبياء، وهي ترى في كل يوم علامات النبوة تطل من حركاته وسكناته.

وترى فاطمة في منامها رؤيا عجيبة، فترويها وتقول:"رأيت في منامي  كأن جبال الشام أقبلت تدب وعليها جلابيب الحديد، وهي تصيح من صدورها بصوتٍ مهيب، فأسرَعَتْ نحوها جبالُ مكّة وأجابَتْها بمِثل صياحها وأهْوَل، وهي تتهيّج كالشَّرر المحمرّ، وأبو قُبيَس ينتفض كالفَرَس، وفصاله ( أي قِطَعه ) تسقط عن يمينه وشماله، ( والناس ) يلتقطون ذلك، فلقطتُ معهم أربعة أسياف وبيضةَ حديدٍ مُذَهّبة، فأوّل ما دخلتُ مكّة سقط منها سيفٌ في ماء فغيّر وطار، و( طار ) الثاني في الجوّ فاستمرّ، وسقط الثالث إلى الأرض فانكسر، وبقي الرابع في يدي مسلولاً. فبينا أنا به أصول، إذ صار السيف شِبلاً ( الشبل: ابن الأسد )، فتبيّنته فصار ليثاً مَهُولاً، فخرج عن يدي ومرّ نحو الجبال يَجوب بلاطمها، ويخرق صلاطحها ، والناس منه مُشفِقون ومِن خوفه حَذِرون، إذ أتى محمّدٌ فقبض على رقبته، فانقادَ له كالظَّبية الألُوف". 

وتنتبه فاطمة جزعة فزعة، وتسأل المعبرين عن معنى رؤياها، فيفسرها أحدهم بأنها تلد أربعة أولاد ذكور وبنتاً بعدهم، وإنّ أحد البَنين يَغرَق، والآخر يُقتَل في الحرب ، والآخر يموت ( بعد أن يُعمّر ) ويبقى له عَقِب ، والرابع يكون إماماً للخلق صاحب سيفٍ وحق ، ذا فضلٍ وبراعة، يُطيع النبيَّ المبعوثَ خير طاعة..  وتتحقق الرؤيا، ويستجيب الله لفاطمة نذرها، وترزق من الأولاد بطالب وعقيل، 

ويقبل أبو طالب يوماً إلى فاطمة بعد وفاة أبيه عبد المطلب، وهو يجر محمداً ويقول لها بحب وفخر:

" أي فاطمة، اعلمي أن ابن أخي هذا هو عندي أعز من نفسي ومالي، وإياك أن يتعرض عليه أحد في ما يريد".

وتجيب فاطمة، وقد هزج قلبها فرحاً وتأثراً حتى طغى على حزنها لوفاة عمها العزيز:

"توصيني في ولدي محمد، وإنه أحب إليّ من نفسي وأولادي؟!"

طوبى لك يا مولاتي هذه المكرمة،وهنيئاً لك بأولادك، من رأى منهم النور ومن لم يره بعد، وهل رأى أولادك النور يا سيدة بني هاشم إلا بدعوة من محمد؟!...

نعم، فلقد دخل محمد في كنف فاطمة بنت أسد، وتدلل ما بين عمه وبينها أي دلال،  فقد كان المفضل عندها دائماً ،... كانت تضعه بين عينها وجفنها، ترعاه حتى من وقع النسيم، وكانت تُؤثِره على أولادها في المطعم والملبس. وقد أشار إمامنا الصادق عليه السّلام إلى ذلك بقوله: « كانت ( فاطمة بنت أسد ) مِن أبَرِّ الناسِ برسول الله صلّى الله عليه وآله ،وكانت تغسّله وتدهن شَعره وتُرجّله، وكان النبيّ صلّى الله عليه وآله يحبّها ولا يناديها إلاّ بـ « أمّي ». 

.وينشأ محمد في كنف ذلك البيت المبارك، ويبلغ مبلغ الشباب، يشهد ويبارك لفاطمة بالخلف الصالح، جعفر وجمانة وفاختة المكناة بأم هانئ، وينظر عبر سجوف الغيب، إلى وصيه الموعود، وينتظر.

وتشهد فاطمة اقترانه بخديجة الطاهرة، خير بنات قريش حسباً ونسا، وخَلقاً وخُلُقاً، وتتم فرحتها به. أوليس هو وليدها الذي لم تلده؟!.

ويحل الموعد، وتحدث حادثة غريبة،...ز لم يكن غريباً أن ترى فاطمة محمداً يومها يأكل رطباً ذا رائحة زكية فواحة، من نخلة لا شماريخ لها....، فقد تعودت أن ترى منه العجائب منذ طفولته، ولكن الغريب أنها لما سألته أن ينيلها بعضه أجابها بقوله: 

"لا تصلح إلاّ أن تشهدي معي أن لا إله إلاّ الله وأنّي محمّد رسول الله،"

 فشهدت عن رضاً وطواعية، وهي لم تقل إلا ما خفق به فؤادها منذ رأت وجهه الكريم،وناولها فأكلتْ، فازدادت رغبتها، وطلبتْ أُخرى لأبي طالب، فعاهدها أن لا تُعطيه إلاّ بعد الشهادتَين.

لقد أبى محمد على غير عادته، أن يطعمها من ثمر الجنة ذاك، وكفيله أبا طالب، إلا بعدما شهدا له بالنبوة بالنص، وهو لما يبعث بعد، فقد كان له من ذلك حاجة لم تدركها فاطمة إلا بعد حين.

وفي تلك الليلة المباركة، حملت فاطمة بعلي، ... لقد انتقل النور المطل من محيا أبي طالب مذ ولد، إلى محيا فاطمة بنت أسد، فأدركت أن الوعد قد نفذ.... ولم تكن إلا تسعة شهور طوال، أنست فاطمة بوليدها الذي لم تأنس بمثله من قبل، يحادثها في بطنها ويسليها، ويحتل عمق فؤادها قبل أن يحتل جواره، وهي لما تر طلته البهية بعد.

وتخرج في اليوم الموعود ، وهو الجمعة، تطوف بالكعبة، تناجي ربها وتدعو، وقد حدثتها نفسها بما هو كائن، حتى إذا شعرت بآلام المخاض، فألجأتها إلى البيت العتيق، وراحت تتوسل إلى رب البيت بوليدها المتململ في أحشائها يتهيأ للخورج، وهي تعلم أن له شأناً من الشأن، وتقول:

"ربِّ إنّي مؤمنةٌ بكَ وبما جاء من عندكَ من رُسُل وكُتُب، وإنّي مصدّقةٌ بكلام جدّي إبراهيم الخليل عليه السّلام، وأنّه بَنَى البيتَ العتيق، فبحقّ الذي بنى هذا البيت، وبحقِّ المولودِ الذي في بطني، لَما يَسَّرْتَ علَيَّ ولادتي."

وإذا بجدار الكعبة يتصدع وينشق، وتدعوها الأنوار لدخول البيت،  ويبهت الناس،ويزدادون ذهولاً لما يرَون المرأة الطاهرة تخطو إلى داخل الحرم، ثم يلتصق الجدار خلفها كما كان.... ويحاولون فتح باب الكعبة لدخولها وإخراج فاطمة، فإذا هو مستعصٍ على الفتح، فيعلمون أنه أمر لا يد لهم في تغييره، ويعلم المؤمنون أنها إرادة الله، ويتهلل محمد الأمين وينتظر، وقد هاجه الشوق والحنين.

وتمضي أيام ثلاثة، ثم ينفتح الجدار نفسه لتخرج فاطمة حاملة وليدها على ذراعها، كبدر بزغ على حين غرة، فأنار ظالمة الليل البهيم.

وتخاطب فاطمة الناس المتحلقين حولها قائلة:

" معاشر الناس، إن الله عزوجل اختارني من خلقه، وفضّلني على المختارات ممن كن قبلي، وقد اختار آسية بنت مزاحم، فإنها عبدت الله سراً في موضع لا يحب أن يعبد الله فيه إلا اضطراراً، وإن مريم بنت عمران اختارها الله حيث يسر عليها ولادة عيسى فهزت الجذع اليابس من النخلة في فلاة من الأرض حتى تساقط عليها رطباً جنيا، وإن الله تعالى اختارني وفضلني عليهما وعلى كل من مضى قبلي من نساء العالمين، لأني ولدت في بيته العتيق، وبقيت فيه ثلاثة أيام آكل من ثمار الجنة وأرزاقها، فلما أردت أن أخرج وولدي على يدي هتف بي هاتف وقال:

" يا فاطمة، سميه علياً فأنا العلي الأعلى، وإني خلقته من قدرتي وعزتي وجلالي، وقسط عدلي، واشتققت اسمه من اسمي، وأدبته بأدبي، ووقفته على غامض علمي، وولد في بيتي، وهو أول من يؤذن فوق بيتي، ويكسر الأصنام ويرميها على وجهها، ويعظمني ويمجدني ويهللني، وهو الإمام بعد حبيبي ونبيي وخيرتي من خلقي محمد رسولي، ووصيه، فطوبى لمن أحبه ونصره، والويل لمن عصاه وخذله وجحد حقه."

 وتقدم فاطمة الطفل لوالده، وكأنما تقول له، هو وعدك الذي وعدتنيه، وأكرم به من وعد.

ويضم أبو طالب ولده إلى صدره، شاكرا الله على أنعمه.

ويستقبل الأمين شقيق فؤاده، يضمه ويعتنقه، وتكتمل عدة التوحيد.

وهنا، أي مولاتي، أجد الأثر الثالث من كنزي الزبرجدي،.... أثر يمتد في فضاء التاريخ، من الماضي إلى الحاضر والمستقبل، لينبئ الكون أجمع أن ها هنا سيدة الطهر، امرأة لم تلد مثلها النساء‘ إلا سيدة النساء، إنها صنو آمنة، فكلتاهما في الفضل سيان، وقد جاء في الدعاء:

" للهمّ صلِّ على محمّد وأهل بيته الطيّبين، وعلى أصحابه المنتجَبين... وعلى كلّ نبيٍّ وَلَد محمّداً، وعلى كلّ امرأة صالحةٍ كَفَلَتْ محمّداً.".

لن أتابع أكثر، ففاطمة بنت أسد بحر من الفضل لا نهاية له، ومهما خضنا في لجته الصافية لن نبلغ عمقها، فحياتها سلسلة مكارم لا يحصيها العادّون، لن يفيها حقها أن نعبر بها حدود القرون، وأن ننظر إلى إشراقة روحها الطاهرة، وهي من السابقين للإيمان برسول الإسلام بعد البعثة، كما كانت من المنتظرين لتلك البعثة، وأن تنصره بقلبها ويدها ولسانها، مع زوجها الطاهر، كما نصرته بحبها له طيلة العمر، وأن تقدم أولادها على مذبح الدفاع عن حق الرسالة.

هاهي تشهد معاناة الرسالة والرسول والمؤمنين طيلة ثلاث عشرة سنة في مكة، وترثي زوجها كفيل محمد في عام الحزن، كما ترثي حبيبتها وزوجة ربيبها الحبيب خديجة، ولكنها تتقوى بكل صلابتها السابقة واللاحقة، لتتابع مسيرة النصرة، وتمتد شعاعاً إلى بيت محمد، لتكفل صغيرته الحبيبة فاطمة، وتكون لها كما كانت لوالدها أماً رؤوماً وهي الطفلة التي لم تجاوز الخامسة من العمر بعد.

ها هي تشهد مبيت ولدها علي في فراش محمد ليلة الهجرة، لا تبالي أن تفديه بأعز ما لديها، ثم تتنفس الصعداء لنجاته من براثن الكواسر من مشركي قريش، ثم تحزم أمرها بأمر من النبي ، للهجرة أيضاً، فترافق فاطمة الزهراء، وفاطمة بنت الزبيربن عبد المطلب في رحلة الهجرة في ركاب علي، تعيش الأرق والخوف على الإسلام المتظلل بظله الفتيّ الوارف، حتى إذا لحق بهم فتية قريش وعتاتها ليقتلوا علياً ، هنئت به وهي تراه ينقض عليهم انقضاض الصقر فيقتل غلامهم جناحاً ويفرق البقية!

وتصل إلى يثرب وصول الفاتحين، يستقبلها وولدها ومن هي بمثابة ابنتها، فاطمة، حبيب الله محمد، فيبكي شوقاً وفرحاً لرؤيتهم سالمين.

وتعيش فاطمة ما تبقى من عمرها الكريم في فلك الرسول، وتهنأ بالعيش في فيء دولته المباركة، ثم ترقد رقدة الأبد في قبر مهدته لها يده الكريمة، في سابقة لم يقم بمثلها مع أحد.... أوليس قد ذكر يوماً أمامها أن الناس يحشرون عراة يوم القيامة، فهتفت شريفة بني هاشم من قلب مقروح : "واسوأتاه!" فاشار إليها بأنها ستبعث كاسية... وعلم يوماً أنها تخشى ضغطة القبر، فما كان منه إلا أن كفنها بردائه، ونام في قبرها ليتسع عليها فلا يضيق، ببركة وجوده النوراني، ثم لقّنها حجتها، وبكاها بكل دموع حرقته القديمة والجديدة، ... أوليست هي أمه الثانية التي قال لعلي عنها لما أتى ينعاها إليه بقوله: " لقد ماتت أمي!" فرد عليه : " وأمي والله".

لقد فقد النبي بفقدها أمه مرة ثانية، وفقد رائحة أبيه الثاني وكفيله أبي طالب، فبكاها ماشاء له الله أن يفعل!....

إيه فاطمة!...

يا قرة العين ومهجة الفؤاد، فيك حارت الألباب، ومن هدى بنيك توسلنا دروب الرشاد.

إيه يا أم علي، بل يا أم محمد، ... يا أم النبي والأئمة، ونحن مهما قلنا وأعدنا فلن نفي من حقك كلمة، ... ولكن هي ذكرى وتذكرة ، وعسى أن ينفعنا ما نحييه من أثر خلدته أرواحنا قبل الأقلام، ويكون ذكرك المبارك لنا ولمن يسمعنا ويقرؤنا عبرة لأولي الألباب، والسلام على الطاهرة المطهرة الحبيبة أم الأحباب ، ورحمة الله وبركاته.

تمت 


المصادر:

- كتاب "منتهى الآمال في أخبار النبي والآل"...........لمؤلفه المحقق الشيخ عباس القمي

-شبكة الإمام الرضا(ع) التابعة للمشهد الرضوي المقدس 


رجاء محمد بيطار


التعليقات




5000