..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
عبدالغني علي يحيى
…..
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


محطة قطارات كازانسكي

د. تحسين رزاق عزيز

للكاتب الروسي المعاصر يوري بويدا

ترجمة: د. تحسين رزاق عزيز

    ارتدى ملابس اكثر دفءً، وتفحص إن كانت جميع الأزرار مشدودة. واخرج من فردة جزمة عتيقة مركونة في الزاوية قنينة الفودكا التي أخفاها عن حفيدته وفتح الباب بحذر. لم توشِ به أنشوطة الباب المدهونة بدقة من الليل. 

    كانت تفوح من غرفة الضيوف المظلمة رائحة امرأة مهملة ورائحة كحول من الفم، وما يبعث القرف على وجه الخصوص رائحة البرتقال الذي أطفأت في لبه الدَّسِم أعقاب السجائر. 

     أكمل ميشوتكا ارتداء ملابسه وجلس جانباً على كرسي منخفض بلا مسند في المدخل مخفياً وجهه خلف طرف معطف أمه. 

    لبس  أوفسينكا بصعوبة معطفه المطري الأحمر، وتأكد من أن القبعة مستوية، وأخذ ميشوتكا من يده من دون أن يتطلع فيه، مطلِقاً زفرة كالعادة: كانت أصابع الصبي باردة بشكل رهيب. 

    وهبطا إلى الأسفل على السلالم: كان العجوز يخاف المصعد. وسارا بمحاذاة جدار العمارة - بسرعة، ضاغطين رؤوسهم في أكتافهم، وغير ملتفتين، لكي لا يجتذبا النظرة العدائية. 

    قادهما الزقاق الضيف الى رصيف قطار الضواحي الكهربائي. دائماً ما كانا يركبان مجاناً والمحصلين يتجنبوهما: فالعجوز يُسامَح على عدم قطع التذكرة لسنه، واي فائدة تجنى من سؤال صبي أخرس؟ كان ميتوشكا غاضباً طوال الطريق، ومنزوياً بكتفه نحو النافذة ومخفياً يديه المرتجفتين من البرد في كميه. 

     نقل الابن اوفسينكا الى كانداوروفو قبل ثلاثين سنة. وبعد عام من وصوله ماتت العجوز، واقنع الابن اوفسينكا بالتوجه الى محرقة الجثث. وأعطي العجوز صندوق. لم يعرف ماذا عليه أن يفعل به أيدسه في حفرة في الجدار ويختمها بلوحة صغيرة تحمل اسمها؟ لم يقرر ذلك. أينقله الى القرية ويدفنه كما ينبغي؟ لو عرف أهل القرية ان في التابوت علبة  فيها رماد - فلا يجني سوى العار والشنار. 

     وعندما توفي الابن، صارت وحدة اوفسينكا كاملة. كانت حفيدته التي عانت من السكر المتواصل تأتي مرة أو مرتين في الشهر تعنفه وهي تنظف غرفته وتبعد بالماسحة صندوق العجوز الملقى تحت السرير. لم يتجادل اوفسينكا قط مع أي أحد. وهذا كان يغيض الحفيدة: إنها بحاجة لخصيم، لا لهذا الهزيل عديم الجواب.

   «إنك هكذا، لأن ليس لديك شيء، سوى اللقب! - قالت الحفيدة متبرمة، بغيط، - ليس لديك شيء، هذه الحقيقة».

    وافق اوفسينكو بسهولة: ليس لدي شيء. 

    اللقب ناله في طفولته عندما ركض في شلة من أترابه ليلة عيد الميلاد وهم ينادون بأهزوجة

«اوفسين! ، اوفسين!» ولأنه كان يصرخ بصوت اعلى من الجميع فقد لقبوا «يفسي» بأوفسينكا. 

    عندما ملت الحفيدة من الإبقاء على ميشوتكا المصاب بالصرع مكبلاً، سمحت لأوفسينكو يأخذ الصبي معه الى موسكو، التي اعتزم العجوز كل يوم تقريباً على الذهاب إليها. وكانا من الصباح حتى المساء يتسكعان في منطقة كالانتشيفكي، وهكذا اتضح بطريقة أو أخرى أن الناس الطيبين يدسون  لميشوتكا تارة كعكعة وتارة قطعة حلوى، وأحياناً يملؤون للعجوز كأساً من الفودكا. 

    في المساء كانوا يتوجهون الى محطة كازانسكي للسك الحديدية، الى الرصيف، الذي يُنتَظَر عليه القطار المغادِر الى فيرنالوفكا. ويتحدث اوفسينكا برقة مع جامع التذاكر حول روعة التوقف لثلاث ساعات في شيلوف ، حيث يمكن شراء التفاح الرخيص وشرب كأس من الخمر بل حتى الذهاب الى السينما الى أن يتم ربط العربات التي تشكل القاطرات وحافلاتها المتوجهة الى كاسيموف. ويأتي الى النوافذ سائلاً الركاب الى أين هم ذاهبون، بعض يجيبه وبعض حتى لا ينظر إليه: فما أكثر المجانين في محطات السكك الحديدية في العاصمة. 

     وعند منتصف الليل يعودون، أحياناً على سبيل المرافقة مع الشرطي اليوشا سيليس العائد من الخفارة والذي عاش بجوارهم. ويتوجه اوفسينكا وميشوتكا الى أماكنهم محاولين أن لا يثيروا ضجة -وفي الأيام الأخيرة اخذ الصبي ينام عند رجلي جده - اذ يتجمدان حتى الصباح. 

   نزلوا  في شارع كالانتشيفك وتمشوا  نحو منطقة جامعة بليخانوف.

   اضطجع على رصيف عريض متشرد متلوى يدعى غروموبوىن الذي عندما يسكر يحب أن يروِّح عن الشلة بحكايات عوقه: إن ضميره لم يسمح له أن يمثل دور مشلول، ولكي لا يخدع الناس، قام هذا المحب للحقيقة باللجوء الى قطع قدمه  بساطور جزار. 

    وها هو الأن يضطجع بلا حراك على الإسفلت البارد، واضعاً في معطف عسكري «رجله المقطوعة بصدق»، التي يجتاز عبرها أكثر المارة نفاذاً للصبر. 

   جلس اوفسينكا القرفصاء الى جانب غروموبوي وربت على كتفه وقال:

- انهض ، أيها الجندي، اذا تبقى هنا ستموت! 

   من مكان بعيد، من جسر السك الحديدية، الذي ينساب تحته تدفق السيارات، كان يراقبهم بملل شرطي حارس. 

   حاول العجوز أن يرفع غروموبوي، لكنه كان ثقيلاً جداً بالنسبة إليه.

- أو ربما ، مات؟ - اقتربت تجر بأقدامها تاماريشا المرتدية مائة ثوب وهي تحمل عشرات القناني الفارغة في كيس خفيف. - إيه، ما بك أيها الروسي الكلب.

     لم يتحرك غروموبوي. مسك اوفسينكا المتسكع بأصبعيه من رقبته - النبض ليس واضحاً. وبعد أن مسح يديه بسرواله، نهض العجوز قائماً.

- ربما يجب أن نبلِّغ العريف. 

- إنه ليس احمقاً، سيتدبر أمره من دوننا –أجابت تاماريشا، وهي تأخذ ميشوتكا بيدها.- أم إنك والطفل بحاجة لتكونا شاهدين؟ لنذهب هيا، هيا!.

   وهم ينظرون بطريقهم في جميع سلال المهملات، عبروا الجامعة من النفق وخرجوا الى الرصيف تحت سقف محطة كازانسكي للسكك الحديدية. 

   كان الحمالون التتار الجالسون معاً يدخنون بصمت بانتظار القطار. حياهم اوفسينكا بعد أن وضع كفه المتيبسة كالعظم بجانب قبعته الفرو ذات الأطراف التي تغطي الأذنين، فضحك التتار. وقام عامل شاب ذو شارب اسود جميل فوق شفقته المنقوشة بدلال بتقديم شطيرة جبن الى ميشوتكا. تطلع الصبي بوجه العجوز. 

- أنا شبعان، - قال اوفسينكا، -  كل، قبل أن تتسخ. 

    شقوا فريقهم عبر الحشد الكثيف مجتازين الأكشاك ذات البضائع الزاهية المتعددة الألوان واتجهوا الى فجوة بين كدس من صناديق البيرة والسور الخرساني وبعد عدة دقائق وصلوا الى مقطورة بيتزا. 

    استخدم هذه العربة في وقت سابق عمال البناء كغرفة للراحة وتبديل الملابس في الموقع، وجرجروها من وقت لآخر من مكان الى مكان لكي لا تقع عليها أنظار عيون المسؤولين المختلفين، ولكن سرعان ما تحولت عند الجدار المتقشر، الى فنطيسة معروفة لكل فرد في المحطة وعند بيتزا يمكن أن تأكل وتشرب على حسابك وتتدفأ وتستأجر عكازات أو طفلاً لجمع الصدقات. وبطبيعة الحال يأتي الى هنا المعارف فقط - اما الغرباء، خاصة في الليل، فيفضل أن لا يأتوا.

    عندما رأت بيتزا الجافة الصفرواية ميشوتكا تبسمت:

- ها قد جاء الصبي الجميل! - ورفعت من موقد تسخين كهربائي صغير كأساً فيه مرق وسكبت للصبي في كوب من البلاستيك. - وهل تحتاجون الى دعوة خاصة؟ .

   ويقصد او آخر وضع اوفسينكا زجاجة شراب على الطاولة. 

- بماذا سنحتفل؟ - تساءلت بيتزا بدون اكتراث، وهي تخرج من خزانة صغيرة صحناً فيه خبز  وكؤوس. 

- عيد ميلادي، - أجاب العجوز.

- وهل بلغت عمر المائة سنة؟ -استفسرت تماريشا،- حسناً، اذاً هايل هتلر، يفسي اوفسينيتش!

     وللتخفيف من توتر وجهها، فتحت بيتزا - «بهذه المناسبة» – علبة سمك. صبّ اوفسينكا بحذر الفودكا، وتبادل قرع الكؤوس مع المرأتين. وشربوا. أخذت تماريشا وبيتزا تأكلان. وأسند العجوز جسده الى الحائط ، وأغمض عينيه. شعر بالدفء، فحلّ أزرار المعطف بكسل ونزع القبعة. 

    بعد أن تدفء اوفسينكا وميشوتكا وأخذا قسطاً من الراحة توجها الى المترو - للتنزه: كانت هذه تسليتهما المحببة، لم يكن العجوز ضلعياً بتعقيدات خطوط المترو وتحويلاته، لكنه عرف بشكل وثيق أهم شيء: يجب العودة الى محطة «كومسومولسكايا» كلاهما احب الركوب بالقطار لمدة طويلة، الى محطة «ساحة الثورة» برسوماتها التي تصور بنادق النحاس، والدجاج وكلاب حرس الحدود - ولم يحبا السلم الكهربائي المتحرك، الذي يصاب عليه العجوز بدوار الرأس، وأما ميشوتكا، عندما يسير السلم  يبدأ يتمتم بلا سبب ويتمسك بمعطف اوفسينكا. 

   خرجا من المترو في محطة «تورغينيفسكايا»: فقد أراد العجوز قضاء حاجة. أظلم الوقت. كانت تفوح في الهواء البارد رائحة الثلج واحتراق البنزين. 

    بعد أن اخذ الطفل بيده، اندفع العجوز بين الحشد، الصاخب حول الأكشاك في ركن مياسنيتسكايا مقابل مكتب البريد المركزي، - «لو أنَّ سمكة جافة للبيرة مجاناً! اشترى ذهباً، عدة للمذياع رخيصة، عملة عتيقة! اذا قلتي، يا قحبة، مرة ثنية...» وبعد عدة دقائق انسلّ من تحت البوابة. تطلع تارة بوجوه المارة المسرعين على الرصيف وتارة بالفناء، حيث يدوي بشكل رتيب محرك سيارة، وفك أزرار سرواله واخذ يتأوه من الارتياح، متخلصاً من الثقل الساخن في مثانته. وضرط بصوت منخفض. «يا لها من فتاة، - فكر بحنان، بعد أن تذكر فجأة صديقته القروية، التي كانت كلما تضرط، تضحك وتغطي وجهها بالمنديل.- كانت مولعة بالمزاح...! اسمها، على ما اعتقد، نورا؟»

   شد ميشوشكا العجوز من كمه، وكان اوفسينكا نفسه قد سمع صوت السيارة القادمة من الفناء واسرع  بتزوير سرواله وأغمض عينيه من شدة ضوء مصباح السيارة والتصق بالحائط. 

    توقفت السيارة فجأة. وخرج منها شاب طويل يرتدي معطفاً طويل الأذيال.

- حولتم موسكو الى مرحاض، - قال وهو يتطلع في أوفسينكا من رأسه الى قدمه. يجب حرقكم بقاذفة لهب كالصراصر. 

   «محياه، كأنه يسوع المسيح، بينما هو قاسٍ بهذا الشكل،- قال العجوز في نفسه .- لماذا يتكلم عن الصراصر؟» 

- انك محق،- قال اوفسينكا موافقاً على كل حال.- حسناَ، أننا بالنتيجة، ذاهبون...

  جاءت الضربة الأولى في أذنه - فطارت القبعة على الأرض!، والثانية في الصدر- اصطدم العجوز بجنبه بالجدار وانزلق على بركة. وبعد أن اخذ ميشوتكا يصرخ بصوت عالٍ هجم فجأة على الظالم، لكنه جرّ الطفل من يده، التي كان يمسك بها سكيناً مطواة ورماها الى العجوز . 

   أُغلقت باب السيارة، وانطلقت. 

   تلمس العجوز الصبي- الذي أفلت. 

- ماذا بك؟ أين السكين؟ نعم، الآن، الأن سنجدها...  إنها قريبة هنا... ها هي! وناول بابتسامة فرحٍ ميشوتكا السكين المطواة الرديئة ذات الشفرة القصيرة الصدئة. – هل رأيته! مهلاً، لا تبكي، لا داعي...انس، حسناً.. كل شيء جائز... هذا ما نستحقه: لا توسخ... من الآن وصاعداً هذا درس ليّ أنا العجوز...

   وبعد أن رتب قبعته على رأسه بشكل أو آخر جرّ ميشوتكا من تحت البوابة. 

   وفي المترو تجمعت بفضول مرح على أوفسينكا شلة من المراهقين الذين يرتدون سترات جلدية عليها براشيم وشراشيب. ردّ العجوز عليهم بنظره وجل لكنها ودودة: «هنا، في المترو، لن يضربوني...» . وأخيراً انحنى الى الأمام شابٌ يلف رأسه بمنديل أسود على طريقة القراصنة، وسأله وهو يحبس ضحكته بالكاد: 

- وأنت كذلك خلقك الله على صورته ومثاله، ها، قل، أيها الجد؟ - ومد يده الى اوفسينكا.- انظر الى نفسك في المرآة، أيها العجوز، أتوسل إليك! 

    نظر العجوز: انه اسود، أشعت، مرعب. 

   قهقه الأولاد بصوت عالٍ، آنذاك فقط تبين لأوفسينكا: ان في يد الشاب لم تكن مرآة جيب، بل صورة كلب. أراد أن يبسق، لكنه أمسك نفسه: ربما يستاؤون؟ 

   قبل أن يعودوا الى بيتزا، اشترى من أحد الأكشاك قرب جامعة بليخانوف زجاجة فودكا وهو يطلق الزفرات كان يعد ويعيد حساب النقود المدعوكة - لكن لابد من ذلك: أنه عيد ميلاده. أجل، ومزاجه انعقد على أن يشرب. 

   شغّلت بيتزا في المساء جهاز التدفئة الكهربائي وصار الجو في المقطورة خانقاً.  

   تحدث العجوز على مكث عن الحادثة التي جرت في المدخل في ركن مياسنيتسكايا ، وهو يراقب بسرور حركات المرأة الحاذقة التي رتبت المائدة. 

- أما ميشوتكا-  فهجم بالسكين! - قال بابتهاج.- يجب أن يفعل ذلك! وإن كان صغيراً، لكنه تصرف كالكبير.- تلعثم وحملق بالصبي، الذي اطلق فجأة صوتاً بلعومياً غريباً.- ما بك، يا صغيري، قل؟ لا تبكِ. موسكو لا تثق بالدموع، أجل، إنه الزمن...

- الزمن...- اطلقت بيتزا  زفرة. - يجب أن تحترس، لا أن تجر الصبي هنا وهناك، في مثل هذا الزمان. فقد يضيع؟ لم يبلغ العاشرة بعد، ويهجم بالسكين. . .

   هز العجوز رأسه موافقاً: 

- طبعاً ، طبعاً...هكذا اذاً ويجلس في البيت – تعرفين... 

   اطلقت بيتزا زفرة من جديد : أعرف. 

   انفتح الباب، ودوّى من الظلمة صوت سيندي: 

- ساعدوني، يا قحاب، يجب أن نسحبه! 

   امسك اوفسينكا وبيتزا بيديِّ رجلٍ سمان وجرّا رجلاً كبيراً الى المقطورة. وكانت تدفعه من الخلف سيندي وباربي. 

- كيف استسلم لكم، بحق الجحيم؟- تساءلت بيتزا بحنق، وهي تنظر الى الدم على رأس الرجل -أين وجدتموه؟ إنقلب الرجل بصعوبة على جنبه وتأوه وهو يزمجر. كان يرتدي معطفاً عالي الجودة وحذاء غالٍ. 

- كان مستلقياً في الفناء، - قالت سيندي، وهي تبلع ريقها.- البرد هناك قارص. لو بقي لمات، فقررنا ... حسناً، اهدأي، لا تنزعجي!- وبعد أن جلست القرفصاء، فتشت الرجل بسرعة ودقة، ونزعت منه ساعة ذات سوار ذهبي، ووضعت على الطاولة محفظة جيب جلدية.- هذا كل ما في الأمر... 

   أخرجت من المحفظة رزمة من النقود وصفّرت بشكل منخفض. 

- دولارات – قالت يا ربي الفاترة. - يعني لم يسرقوه، بل ضربوه فقط. كم؟ أغمضت سيندي عيناها: كثير. كدمة تحت عينه اليسرى مختفية تقريباً في التجاعيد. كثيراً جداً . 

   تأوّه الرجل الملقى على الأرض من جديد. 

- هكذا.- عدّت سيندي بجدية الأوراق النقدية، وعزلت رزمة رقيقة لبيتزا:- هذه حصتك.- ودست، بضعة أوراق لأوفسينكا:- هذه لميشوتكا للحلوى.- وأخفت الباقي تحت التنورة ولعقت شفتيها.- نذهب نتمشى؟ .

- واذا أفاق وتصادم؟ أو جاء من يدعي انه صاحبه؟ - قالت بيتزا وهزت رأسها الشبيه بالخيارة. - سيضعون عينك في مؤخرتك - ويجعلونك تلفازاً. 

- أنتِ قللي من الثرثرة! - زمجرت سيندي.

   تطلع اوفسينكا بفضول بالأوراق الخضراء المقرقشة المرسوم عليها صور الرؤساء الأمريكيين، لكنه لم يستطع أن يعرف، بكم يفكها: واحدة عشرة ، وواحدة عشرين، وعشرة أخرى...

   بعد أن تردت سيندي، أعادت الى المحفظة ورقة نقدية، وهي تضحك بخباثة، ودستها في جيب معطف الرجل، وهددت العجوز بإصبعها «خبأها» وسكبت لنفسها فودكا. ابتلعت الكأس بنهم وأخرجت زفيراً: .

- حسناً، بقي أن نفكر، ماذا نغني!

- اليوم عيد ميلادي، - قال اوفسينكا.- سأعيش مائة عام. 

- لماذا اذاً أنت ساكت؟ نوهت سيندي،- خذي!- أعطت نقوداً لباربي، - سنمرح! فودكا، لحم، شكولاتة - لا تبخلي! وعودي بسرعة، أعندنا خبز؟

   توجهت باربي الى المتجر، وهي تدمدم متذمرة. 

   الأختان الصغيرتان تسكنان بالقرب من جامعة بليخانوف وتعملان بشكل رئيسي في محطة قطارات كازانسكي. وهما من بعيد تشبهن الصبايا المراهقات اللائي يطقطقن بكعاب أمهاتهن العاليات. فضحتهما عيونهما الفارغة اللامبالية ولبخات المكياج الثقيل على سحنتيهما الهزيلتين. وتضعان حلى بلاستيكية في تسريحتيهما ونحاسية - في الأصابع من أوائل الربيع حتى أواخر الخريف، ولم يلبسن شيئاً تحت ثيابهن، وهذا ما عرفه الجميع في محطة كازانسكي- الحمالون ورجال الشرطة، واللصوص وحتى اوفسينكا. وكانوا يأخذونهما عادة معاً ويقيمانهما كأفواه درداء واسعة (كلاهما تحملان طقم أسنان اصطناعية).

   وفي الوقت الذي ذهبت فيه باربي لجلب المشروب، تحدثت سيندي عن زبون اليوم: السمين، الذي دعاها الى منزله، وسمى نفسه «رجل ثورة آب». وقد جاء الى المتاريس عند البيت الأبيض (مقر البرلمان السابق-م) برجله المكسورة المجبسة التي وضع توقيعه عليها يلتسين وروتسكوي وخاسبولاتوف ومشهورون آخرون. وقد عرض الزبون بفخر ذلك الجبس الذي احتفظ به كشيء مقدس وراء الزجاج في المعرض (البوفيه). 

- وهل دفع؟ تساءلت بيتزا بجدية. 

- لم يدفع لي أحد!... وأعطاني شطيرة جبن، السفيه. 

    كانت تحتقر  الرجال... «أنا أحب الحب - قالت هي، - بينما هم يطلبون العمل». 

   عادت باربي وهي تحمل كيساً كبيراً من النايلون مليء للحافة بالأطعمة والقناني. أخذت بيتزا وسيندي ترتبان الأكياس والعلب، وحزت باربي قطعة من لحم الخنزير لميشوتكا. ابتلع الصبي اللحمة من دون ان يمضغها: كان جائعاً جداً، وعندما شبع، أخيراً، عمل لنفسه شطيرة اكثر سمكاً للاحتياط، وانصرف وراء  حاجز من الخشب المعاكس، حيث تنتصب أريكة ويعيش هر مسالم. 

- لم تبق آثار عنده كما يبدو، - قالت باربي باهتمام. - هل دهنت رقبته بشيء ما؟ 

- الـتأمت لحالها، - أجاب. 

    دار الكلام حول دملة على رقبة ميشوتكا ظهرت بسبب الطوف الذي طوقته به أمه عندما كانت تربطه بالسلسة قبل أن تذهب للعمل. 

- لو أنّ عندي مثل هذه الأم لأغرقتها بالغائط. - قالت سيندي وهي تصفق بكفيها داعيةً الجميع الى المائدة. - صب، يا يفسين، أوفسين!.

شربوا نخب العجوز، ونخب والديه، ثم عاد الحديث من جديد حول ميشوتكا وأمه القاسية. وبهذه المناسبة قصّت باربي حكاية عن حب الأم المقدس: في زمن حصار لينينغراد، إحدى الأمهات، لكي تنتقد ابنتها من الموت جوعاً، شوت على شمعة من الشحم أصابعها بعد أن قطعتهن واحداً للغذاء وواحداً للعشاء. 

- في المرة السابقة قلتي شوت حلماتها، - قالت سيندي بخباثة. - سرعان ما ستصلين الى الأست. لقد أخذك الحديث... تذكر أوفسينكا خدمته العسكرية في لينينغراد المحاصرة. ذات مرّة أثناء غارة جوية أصابت شظايا قنبلة حصان المستشفى الميداني، فقام الناس الواقفون في الدور لاستلام جراية الخبز بافتراس الحيوان المسكين وقطعوه حياً الى قطع. 

   لقد اخذ الحديث باربي فعلاً. فكل مرة عندما تسكر تبدأ تتحدث عن ابنها: كيف كانت تذهب وهي حامل الى متاجر الأحذية، حيث تستمتع لساعات برائحة الجلد، وكيف وصلت لوحدها الى مستشفى الولادة، تاركة على الأسفلت بقعاً مرطوبة، وكيف كان في بداية الأمر يدغدغها إرضاع الطفل من صدرها؛ وكيف عالجوا الصبي من فقر الدم بالكافيار الأسود، بينما هو كان يبصق ذلك الكافيار في وجهها؛ وكيف أجهشت بالبكاء عندما نطق «ماما» لأول مرة... 

   الجميع يعرفون انه لم يكن لديها أي رضيع، ولكن، عندما تبتلع باربي دموعها وهي تتحدث عن كيف سلمت الرضيع الى المأوى، كانت النسوة  يبكين بلا انقطاع. 

-جالسين أنا وهو في حديقة المأوى، واذا به فجأة يقول: ماما، فهمت، أن القطط الصغيرة - هي قطط ، ولكن عندما تكبر القطط، تتحول الى كلاب... 

- إيه، مهلاُ، يا بنات! - مخط اوفسينكا بضجيج .- تتذكر، كيف عشت، وماذا يعني؟ ثلاث مرّات أكلت طعاماً طيباً ومرّة واحدة نمت بلذة - وخلاص...

- قلبك، يا أوفسينكا، رائع، - قالت باربي، وهي تمسح انفها بخرقة. - دعونا يا بنات نشرب نخب قلب أوفسينكا!.

- ليس لدي قلب، انمحى!- غمز العجوز لباربي.-  شيء ما عاش في داخلي، يرتجف، وهذا كل ما في الأمر. العجائز - ناس بلا قلوب... 

    فجأة انتابته الرغبة بأكل الثوم. وتمنى اكل البصل كذلك، لكن ليس لدى بيتزا لا ثوم ولا بصل. 

- الآن!- نهضت باربي بصعوبة، مسندة يديها كلاهما على الطاولة. - سيكون الثوم عندك، أنا السمكة الذهبية... - وتخطت للخروج وبضربة من رجلها فتحت الباب وهي تمشي.- تمسكي، يا حلوتي، التصقي! 

- قف، يا فَرَس! تمسكت سيندي بتنورتها.- سيلاحظون القمامة!

- هيه! صرخ  أليوشا سيليس من الظلام.- الجد عندكم؟ 

- أنا هنا، يا أليوشا! زعق أوفسينكا بفرح. – تعال، تدفَّأ!

   صعد أليوشا الى المقطورة، وهو يهز بيده أمام وجهه (المكان مليء بالدخان- رائحة نتنة). إنه رجل شاب حيوي ذو وجه وردي عريض وعينين مغروستين بعمق ومتقاربتين، وشفتين مضغوطتين بقوة دائماً، فوقهما ممدود  بلونه الأسود خط شاربه الرفيع. 

-  عيد ميلاد الجد، قالت بيتزا وهي تصبّ لأليوشا. - عمراً مديداً.

- وهل عاش هذا عمراً مديداً؟- وبعد أن نزع القبعة العسكرية، اجتاز العريف بتقزز عبر الرجل المضطجع على الأرض - مع أمثاله ستأتيكِ المصائب، يابيتزا. ماذا حدث لرأسه. 

- مضروب .- أخرجت بيتزا من تحت الطاولة كرسياً قصيراً بلا مساند وناولت أليوشا صحناً به لحم بارد. 

- أين ميشوتكا؟ - سأل سيليس، وهو يقرع الكأس مع اوفسينكا.- بصحتك.

- هنا، انه حي، ومعافى.- قال العجوز وهو ينظر بود الى الشرطي.-  أنت طيب، يا أليوشا ، حقاً!

- صحيح، لا أجادلك،- قال سيليس ضاحكاً.- مَن ضربك على وجهك؟ 

   هددت سيندي بأصبعها بثمالة. 

- وقعت في حادثة سير، أيها الرفيق العريف!

- هذه ليست حادثة سير، إنه عمل يد، - قال أليوشا من غير ان يبتسم.-هل سمعتم ما جرى لغروموبوي؟ مات، طوال النهار مرمي على الرصيف، الآن فقط جاءوا ليأخذوه. 

- لنصلي من أجل غروموبوي!- اقترحت باربي، وقد نسيت موضوع الثوم.

- يا له من وغد كان! 

   تحرك الرجل الممتد على الأرض وجلس مزمجراً. ألقى نظرة طائشة على الشلة وفجأة زأر بأعلى صوته. 

بأي شيء فكرت، يا غروموبوي

أم أنك تخاف الموت؟

   قهقهت بيتزا بصوتها القبيح، واستمر الرجل:

ستكون سعيدً عشرين عاماً،

أنا لا اخلف وعدي،

وبعد عشرين سنة بالتمام،

ستسلم روحك!...

   أخذت سيندي وباربي  تصفقان. 

امسك بيده مدية

ووقع بالدم...

   وهكذا كما بدأ الرجل أغنيته بغتة قطعها وأمسك برأسه: 

- الأنذال! انهم أنذال حقاً! انظر ماذا حدث لي؟ 

   صعرّت بيتزا وجهها ازدراءً

- لا شيء. سوى رأسك فضيع فقط. 

   مدّت له باربي كأساً: 

- ضبّط رأسك ، يا مغفل. 

    احتسى ما في الكأس بلا تردد وحدّق في ركبتيّ باربي النحيفتين .

- أنا لست مغفلاً.- نهض – وراسه في السقف.- إنا إنسان روسي. وأرثودوكسي للغاية !

- وكيف أتعبوك هكذا؟ - قالت سيندي متأملة. - حسناً، لا يهم، امشي من هنا. انك حي - والحمد لله. 

   نظر إليها بعينيه الصغيرتين الشبيهتين بعينيّ خروف. 

وتبسم فجأة كأنه طفل. وأخرج من جيبه المحفظة ومن دون أن ينظر استل الورقة (الوحيدة التي أبقتها له سيندي).    

- أنا أعزمكم، يا بنات.- وفتح يديه.- اعذرني أيها العريف. إنهنّ انقذنني من الموت. أصحيح ما أقول؟ اني إنسان نبيل للغاية! على حسابي، يا بنات. 

   تبادلت النسوة النظرات. 

- حسناً، اجلس!- امرته سيندي.- لدينا ما نشربه من دون مساعدة منك. ما اسمك، أيها الجلف؟

- بكل فخر اسمي إيفان. - قال وهو يلقي بالمعطف على كومة من الخرق في الزاوية التي خزنت فيها بيتزا عكازات الإيجار، وجلس إيفان الى جانب باربي، التي كانت تحرك شفتيها بنعاس وتهز برأسها .- نخب من نشرب؟ نخبي؟ 

  وضحك لنكتته. لكن عينينه لم تضحكا

- نخب غروموبوي،- قال أوفسينكا.- الذي مات. 

- كان إنساناً طيباً، - قال إيفان بحب، وهو يصب في الكؤوس ويتطلع في وجوه النسوة بعينين لامعتين.- غرو- مو- بوي! في حقيقة الأمر غروموبوي؟

أشاحت سيندي بيدها بخمول. 

- مالك وشأنه... مخبول اعتيادي. أما كيف يشرب، فكالمعتوه تماماً.- قهقهت بصوت مبحوح.- الجميع ينتظرون الرب!.

- الرب؟

-نعم. ولكي يعثر عليه - ذهب الى الرصيف وانتظر القطار، الذي سيأتي به الرب. يسوع المسيح. سيصعب عليك المعتوه... إنه واقف على الرصيف (منصة القطارات) وكأنه على الجمر، ينط على عكازه، ويمد عنقه - علَّهُ يرى المسيح وهو نازل من القطار! إنه ينتظر الراكب- المسيح! ويدنو القطار - أخذ يتحرك على غير هدى، ويتطلع في الوجوه، متمسكاً بالركاب بيده: فقد يكون هذا... أو هذا ؟ وربما، أحدهم رآه؟ انه الرب! - وقامت سيندي تحاكي تكشيرة غروموبوي وتعابير وجهه، حتى أن أليوشا سيليس اخذ يضحك.- قلت له: اسمعني أنا الحمقاء السكرانة، المسيحون لا يركبون القطارات. وكيف لك أن تتعرف عليه وسط الحشد، اذا ما فجأة ظهر حقاً؟ فالرب... وردَّ هو عليّ: وكيف اعرفه؟ يحمل رتباً على كتفيه؟ هو آنذاك لم يظهر وعلى رأسه تاج السلطنة، بل مِثل الجميع، وحتى في البداية لم يعترف به أحد، وضربوه وصلبوه، ولو انهم عرفوه، هل كانوا يتجاسرون على إعدامه؟ 

   هزَّ أوفسينكا راسه، بعد أن تحرك الى الأمام وقال:

- انه احمق، يا صبية، غروموبوي تبعك، سامحني يا رب... ليس لحن من نبحث عن الرب، بل الرب سيبحث عنا وسيجدنا بالتأكيد. وكيف لنا أن لا نعرفه. وهو يأتي لكي يخلصنا؟ سنعرفه، طبعاً. أما أن يعطينا علامة وأما بطريقة أخرى... 

   نظر اليوشا ببرود الى العجوز. 

- إنكم ناس مثيرون للاهتمام: كلكم تريدون الخلاص مجاناً. - وصدح في صوته ازدراء بسيط -حتى تتخلص، يجب أن تفعل شيئاً. وانتم ماذا تفعون؟ أنت تتنزه مع ميشوتكا في المترو، وهاتان تزنيان وتسرقان. على أي شيء يخلصكم؟ 

- وبرأيك، كما في المتجر ينبغي أن يكون الأمر؟ تدفع - وتأخذ البضاعة؟ لست بحلاجة لكذا رب! - استدارت بيتزا التي تذهب عدة مرات في السنة الى كنيسة بلوخوفسكايا، وبعد ذلك تنفرد في المقطورة ليومين أو ثلاثة على التوالي تشرب بالخفاء. 

- مهلاً، ينبغي على اقل تقدير الإيمان به، - استمر أليوشا وهذه المرة بانفعال.- ومَن يؤمن به؟ أنت؟ أم أنتِ؟ أما أنتِ، فحتى لا تعرفين من هو الرب! 

   كشرت بيتزا عن أنيابها. 

- لو عرفت، لما أمنت.

   رفع إيفان  يديه داعياً الى الهدوء: 

- يا إخوتي، يا إخوتي، اسمعوا! قرأت كثيراً في السابق... الحقيقة، الآن تركت القراءة... لكني احب أن أتكلم عن ذلك... فانا إنسان روسي للغاية! ومتى يتكلم الإنسان الروسي عن هذا؟ على عجلة، في الحانة، وفي حفلات السكر، بلا ترو – يا للعجب! لكن هذا يثير الضجر. يا إخوتي! طبعاً سيخلصنا. إذ اننا نعيش في الخراء حتى أذاننا، نتكاسل - هذه حقيقة، أيها العريف بالدقة المتناهية نقول هنا: إننا لا نستحق. ولكن لو كنا نستحق الخلاص- فما الحاجة للرب؟ المستحقون ليسوا بحاجة الى الرب. نحن بحاجة إليه - ووضع يديه على الطاولة بقعقعة.- على كل حال سيخلصنا نحن الأرثودوكس! لم تفعل روسيا أي شيء أبداً، حقيقاً، كما في الكتب، ولم تؤمن مطلقاً، لكنها نجت، ونحن سننجو!...

- تلك كانت روسيا أخرى، - اعترض أليوشا. 

- وروسيا دائماً كانت أخرى! - ضحك إيفان بسعادة - بعض يقول عنها شيئاً، وبعض – شيئاً آخراَ، بينما هي على كل حال شيء ثالث! إنها أخرى على كل حال اللعنة! مرحى! اسكب!

   ارتدى أليوشا قبعته وهو يتأوه:

- حسناً، أيها الجد، لنذهب - حان موعد عودة الطفل الى البيت توقفت عند مخرج المعبر النفق الأرضي سيارة «إسعاف». وكان الصحيون المتعبون المتجهون يلفون بكيس نايلون جسد غروموبوي الملتوي العاري. وكادت عن بعد تخمد شعلة نار صغيرة. 

   رفس اوفسينكا خف مدخِّن - هو كل ما تبقى من الشحات ذي «الرجل المقطوعة بأمانة»، واسرع خلف أليوشا وميشوتكا اللذين اختفيا تحت مجسر السكك الحديدية. 

   كان الناس قليلين في عربة القطار التي تفوح منها رائحة البول والتبغ. قدّم أليوشا للصبي قطعة شوكولاتة، الذي اخذ يقضمها بجذر واضعاً إياها على راحته المفتوحة لكي لا يُسقط الفُتات. 

- ليتك تضع حداً لهذا،- قال أليوشا عندما تحرك القطار الكهربائي باتجاه محطة كورسكي.- تجرجر الولد معك - لماذا؟ إما يضيع أو تضيعه أنت. كيف سيقول أين يسكن؟ انه حتى لا يعرف الكتابة ... 

   أومأ أوفسينكا برأسه. 

- أنت محق، طبعاً-  يا ليوشا. لكن ما العمل؟ بودي لو ذهبتُ معه الى القرية، لكن قريتي ماتت، قالوا لي، لم تعد بعد موجودة. يعني، يجب أن نعيش هنا. - أطلق زفرة وأخرج من جيبه زجاجة نصف فارغة. - هل تشرب؟ لنشرب، يا ولدي، لديك روح كذلك، أعرف يا ليوشا...

- ماذا تعرف؟ - عدّل سيليس القبعة بغضب واحتسى بسرعة من الزجاجة وهو يتطلع في الركاب النائمين.- الباقي كله لك. لا أريد اكثر لأني بالملابس الرسمية. 

  شرب أوفسينكا وأخفى الزجاجة في جيبه. 

  بعد أن قعقع بالباب، اقتحم عربة القطار بائع في يده كتاب مصقول.

- رواية غرامية للكبار «عمانوئيل»! قال بضجر.- بغلاف مخيط سميك... من له اهتمام يمكنه التصفح والاطلاع...

   ارتعش اوفسينكا، ودس يده في جيبه من أجل النقود. 

- لنشترِ، يا ليوشا، ونقرأها...- وناول الورقة النقدية ذات العشرة دولارات.- أيها الشاب!

   خطف سيليس الورقة النقدية منه، وهمس: 

- هل جننت! احتجت جداً للكتاب! بهذه النقود يمكن أن تشتري لميشوتكا حذاءً، يا أحمق! 

   ابتسم اوفسينكا بخجل. 

- من أين لك الدولارات؟ 

- أعطتني إياها سيندي.

- اخفها ولا تريها لأحد. الناس هذه الأيام صاروا حتى من اجل الروبلات يقتلون ولا تريها لحفيدتك، ستأخذها. 

- تأخذها، - وافق اوفسينكا مبتسماً. - ليوشا، ربما الأفضل، أن تأخذها أنت مني؟ اني لا أعرف التعامل بها...

- حسناً، اعطني ! إياها. سأصرِّفها - وأعيدها. 

   وعندما اقتربوا من بونوف، لحس ميشوتكا من يده آخر فتاتة من الشكولاته. استقبلت اليوشا زوجته وهي تلبس روباً شبه شفاف. 

- مرة أخرى شيعت صاحبك اوفسينكا؟- سألته مازحةً، وهي تقرب منه خدها. – محسن! 

   وخلال العشاء كان اليوشا يحفر بالشوكة قطعة اللحم بلا قصد، ويفكر بميشوتكا وبحياته مع كاتيا. ليس لديهم أولاد، على الرغم من أن زوجته تتعالج منذ زمن طويل. كانت جميلة كثيرة المحاسن، مما افقد اليوشا عقله، لا سيما عندما تتلوى غنجاً بجسدها الناعم كله، وتشير إليه بإصبعها الى الفراش. تزوجها عن حب، ورغم رفض والده: «وماذا تعرف عنها، يا ولد؟ هل تعرف ماذا كانت تفعل قبلك؟». اليوشا حَدَسَ لكنه لم يرد أن يتكلم عن هذا، لأنه يخشى التفاصيل والجزئيات. وذات مرّة انقض على طبيبها المعالج الذي قال له: «ما العمل، يا أليكسي سيرغيفيتش (الاسم الكامل لأليوشا - م)، اذا ما كان رحمها معتاداً على الإجهاض بحيث لم يعد قادراً على الإمساك بالجنين؟» خاف أن يتحدث عن هذا كله مع كاتيا، رغم انها قالت بشكل أو آخر: «اذا تريد، أحدثك بكل شيء...» أراد وأراد جداً، لكنه لم يستطع أن يعترف بهذا. حَدَسَ انه لا يمكن أن يعيش طويلاً بلا أطفال، بالحب وحده - بينما هو يحب زوجته حباً بهيمياً. وتوارى في اعمق أعماق روحه الى وقت معلوم تفكير في أنه سيقول لزوجته ذات مرة كل شيء بالتفصيل، لكن اليوشا كان يكره هذه الفكرة ونفسه، بل حتى بكى بالخفية عن كاتيا وسحق هذه الفكرة كما يسحق بالنعال عقب السكارة الخامد... وبعد أن جمع شجاعته، اقترح عليها تبنيّ ميشوتكا، لكنها رفعت حاجبها الجميل فقط وقالت: «المصروع؟ الأصم الأبكم؟ لا أحب الأطفال المربوطين...» ولم يتطرق بعد ذلك لمثل هذه الاحاديث. 


- أليوشنكا! – غردت بنغمة عذبة كاتيا من غرفة النوم، - تعال إليَّ في القصر الذهبي!

  في منتصف الليل خرج الى المطبخ ليدخن. وهو يأخذ نفساً من السيجارة، نظر ببلاده الى الوهج الباهت الذي ارتفع في السماء فوق موسكو وتحرك ببطء، وبدا له أن هناك يعيش ويتحرك حيوان هائل وهائج، الذي مجرد حقيقة وجوده تسمم العالم وتُذَكِّر بلا خجل بسر الحياة القديم، ما قبل وجود الأنسان... «الرب، الرب.... ما لهم طوال الوقت يتحدثون عن الرب؟» بإلحاح من زوجته قرأ الإنجيل، وذهب أحياناً الى الكنيسة واستمع الى خطابات الوعاظ، لكنه الى الآن لم يفهم، ما الحاجة به الى هذا الرب ذاته، الذي يثرثر عنه الجميع من حولنا بسذاجة. إنه يظن بوجود رب حقيقي، لكن هذا هو الرب الذي لا يسمح له الإنسان بأي ثمن أن يدخل حياته الشخصية – مع المنبِّه في الصباح والراتب والمكافئات، ومع الصحف والتواليت الدافئ، ومع المشروب والتلفاز. واذا ما ظهر، فسوف لن يعرفوه حقاً. «المسيح كان مجرماً ومتسولاً ويهودياً، أي إنه شيع ثلاث مرات، - قال أليوشا مع نفسه، - أسوء من غروموبوي او بيتزا. مَن مستعد أن يَقبله بهذا الشكل؟ طبعاً هذا اذا ما ظهر حقاً، سيسمرونه (يضربونه)، بسبب السكر او ينهكونه بالسجون...» 

    نشجت زوجته وتمتمت في المنام، بينما انقبض قلب أليوشا ألماً من الحب والحسرة عليها وعلى ميشوتكا واوفسينكا الأحمق وعلى نفسه وأخيراً على العالم الذي لم يعد ينتظر المُخَلِّص. 

   ارتعش اوفسينكا وأفاق وجلس على فراشه. 

- مَنْ هنا؟ سأل بهمس، ونظر في العتمة. - هل يوجد احد؟ كلا؟

تراءى له، كأن احدهم لمس خده، ومن هذه اللمسة احس بالراحة والدفء والفتور، الأمر الذي افزعه. 

   وبعد أن خرج بحذر من تحت اللحاف مشى نحو النافذة وفتح الستارة. 

   كان الثلج يتساقط.

- هذا هو الأمر! - همس اوفسينكا.-هذا الثلج نزل... كانت حبات الثلج  القليلة تسبح في الهواء البارد المظلم وهي تنزل بسلاسة على الأسفلت. 

   عدّل  العجوز اللحاف ونظر الى ميشوتكا. الطفل مبتسم. عرف أوفسينكا أن ميشوتكا يبتسم في المنام فقط  ولم يُحَدِّث أحداً بهذا: كان هذا سره. استلقى، واستنشق رائحة جوارب الطفل («حان موعد غسل الطفل...») واغمض عينيه. 

- الثلج الأول، يعني، - غمغم وهو يغط في نون عميق.- هذا ما حصل... 

د. تحسين رزاق عزيز


التعليقات




5000