..... 
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
زكي رضا
…..
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
  
.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


مَدينةُ الصُّراخ

أنمار رحمة الله

تكشفُ المدينة عن وجهها، تتسلل شمس الصباح، وهي تنثر خصلاً ضوئية، بعد ليلة مرطوبة بزخات مطر لم تنقطع. سوق المدينة يفتح ذارعيه، تمتلأ الشوارع شيئاً فشياً بالسيارات والتلاميذ والموظفين. الحافلاتُ تطلُّ من خلف نوافذها وجوهٌ صامتة، لا يفضحها فرح أو حزن. عندما تبدأ الدكاكين في فتح أفواهها، يهرول أطفال صغار يحملون أكياساً، تتابع أحداقهم اللهيفة السائرين بلفتات سريعة، بحثاً عن متبضع يجمع حاجياته في كيس، تغط أقدامهم في مياه الطريق الموحلة، والتي كونتها مزاريبُ انهكها الخرير. وما إن يومئ زبون لهم، حتى يهرعوا إليه دفعة واحدة، ملوحين له بالأكياس التي بحوزتهم، غير مكترثين للوحل ومياه المطر السائحة على الشارع. الرجال يرفعون أطراف بناطيلهم، النساء أكثر صرامة في تحاشي الماء الطيني، حتى الباعة يتحزمون ويرفعون دشاديشهم واطراف سراويلهم، إلا هو... يجيء  ضاحكاً  فَرِحاً بالماء واكتساحه الشارع الطويل في سوق المدينة، يرفع قدمه ويلقيها على الماء مسروراً بارتفاع أجزائه الطينية على وجوه المارة وبضاعة الدكاكين.

(ها...! وسخت ثوبي) يخاطبه احدهم

(أيا مخبل...) يخاطبه آخر

(امشي ابن الـكـ ... ) تصرخ امرأة عجوز

وهو مسترسل في إكمال مهمته التي بدأها، يطرطش الماء في كل ناحية، سعيداً بمنظر الوحل و تطايره. يهتف أول من رآه من الأطفال (بائعي الأكياس) مبشراً أصحابه المتعبين بقيلولة يسرقون فيها جزءاً من الوقت معه : (حسّان... حسّان). 

(حسّان) هو المنغولي الأكثر شهرة في المدينة، الذي يلفُّ شوارعها كل يوم، مستعطياً من المارة تارة، أو يتناول المأكولات المجانية تارة أخرى. 

يكتمل عدد بائعي الأكياس، يصنعون دائرة كالقلادة على حسّان الراقص في وسطها مرددين(هي هي هي هي) يكتفي هو بالرقص والضحك والتصفيق كالمعتاد. (هي... هي...)هتاف الأطفال يعلو، يطالع بعض الناس ملتفتين إلى المنظر، وتلك الدائرة التي شكَّلها الأطفال حول حسّان. قفز وتصفيق بلا اهتمام، حتى هتف بهم صاحب مقهى أن يخفضوا من أصواتهم، فالجميع كان متحلّق حول التلفاز المعلق في المقهى، مستمعين إلى خبر يتلوه المذيع، عن قرب موعد (عيد ميلاد الأب القائد). والأب القائد هو أحد الجنرالات العسكريين الذي حكم البلد منذ  نصف قرن، لم يناده أحد إلا بهذا الاسم. بعد حرب طالت بينه وبين أعداءه، فصل المدينة ومدائن أخرى عن وطن كبير. فظلت الدولة على هذا الحال طوال تلك المدة، ماتت ناس وعاشت ناس، وظل القائد يحكم، ويظهر على شاشات التلفاز بكامل قوته وشبابه وحيويته. لا يعرف أحد إلى الآن اسم البلد سابقاً، فبعض الناس مات، وبعضهم سمع إشاعات عن اسم البلد قديماً ويخشى أن يبوح بسر كهذا. الأب القائد منع تداول الاسم القديم في كتب التاريخ والسيرة والبحوث. بل رفع اسمه من الخرائط والصور والصحف والكتب الرسمية وغير الرسمية. حتى خرجت الأجيال وهي لا تعرف بماذا كان يُسمى البلد قديماً.  

***


 يعود حسّان إلى منزله، الذي يعيش به مع أمه (أحلام). منزل صغير يقع في طرف أحد الأحياء.. تهتف أمه حين رأته ( حساااان... مثل كل مرة.!!!). فتدخله إلى الحمام الصغير ذي الجدران المتهرئة من الرطوبة، فيطأطئ رأسه خانعاً، وهو يتلقَّف من أمه صفعات كلامية، ثم تغسل ملابسه من بقايا البقع الطينية، وحسّان مستسلم في كل أحوله، في الأكل، النوم، الاستحمام. كانت أمه أنيسه الوحيد بعد أن رحل زوجها قتيلاً في أحدى معارك الأب القائد. في معركة عنيفة حدثت في سنة من سنوات حرب لهمت آلاف الجنود، مخلفاً جنيناً في أحشائها لم تعرف هي إلّا بعد فوات الأوان انه سيعاني من (متلازمة داون) .

 تكملُ تنظيفه، تأمره بالتوجه إلى باحة المنزل ليجلس على حصيرة وينتظر الغداء.

بالرغم من هبوب رياح الأربعين على بستان عمرها، مازالت أحلام مصرّة على رفض فكرة الزواج والإنجاب مرة أخرى، ففكرة مجيء أخ لحسّان يحمل الصفات ذاتها، كانت كوسواس قهري تزعجها، متجاهلة الرغبة الروحية في مشاطرة أي رجل حياتها وحبها وسريرها. حتى مات الحب في داخلها، وصار الحديث عن الزواج والحب والرجال في نظرها، حديثاً مشابهاً لأخبار الصحون الطائرة. لم تنل من حكومة الأب القائد غير وسام شرف يشهد على حتف زوجها. ألقته في كومة أغراض قديمة مركونة في مخزن المنزل. ترغب في الوحدة والانزواء بولدها حسّان بعيداً عن البشر. في منزل صغير يأويها، تلملم فيه ما تشظى من أيامها وأحلامها. بعد أن صرفت لها حكومة الأب القائد راتباً تقاعدياً لزوجها الراحل.

بعد الظهر، وحين كانت أحلام تغط في قيلولتها، تُطرَقُ الباب بشدة. لم ينتبه لها سوى حسّان فينهض كالمفزوع. ثم ينبّه أمه و يهرول أمامها إلى الباب مرتدياً. تستغرب أحلام من عدم سماعها جرس الباب!!. أذنها التي تتحسس أي صوت حتى لو كان بعيداً، فكيف بجرس المنزل ذي الصوت المدوي!. ثم تتفاجأ برجل عريض الصدر، يحمل أوراقاً وله شارب كشارب القائد. يناولها ورقة ثم ينصرف بهدوء. تقرأ أحلام الورقة:

(نداء إلى الشرفاء في المدينة...ستتم حملة كبيرة للتبرع بزجاجة دم قبل مناسبة ميلاد ((الأب القائد)). وسيتم جمع هذه الزجاجات لرسم صورة كبيرة في وسط المدينة احتفالاً بعيد ميلاده البهي. لهذا نود إعلامكم الحضور يوم العطلة المقبلة إلى المستشفى للتبرع بالدم). تأففت أحلام بعد قراءتها للتبليغ، لكنها أزمعت على الذهاب للتبرع في الموعد المحدد، ولم يُحزن أحلام سوى رفض المسؤول عن التبرع أخذَ كمية من الدم من ابنها حسّان. وأعتبره إهانة لصورة القائد حين يُضاف إليها دم شخص مصاب بالعته. لم تشأ أحلام معاندة الشخص المسؤول عن جمع دماء المتبرعين، ولكنها سألت شخصاً أخر حاله كحالها: 

- متى ينتهي كل هذا؟

 يجيبها مع لفتات يمينا وشمالاً :

- سينتهي كل شيء قريباً، لم يتبق ليوم الحادي والعشرين من آذار الكثير. إنهم يجهزون المواكب للاحتفال بعيد ميلاد حبيبنا الأب القائد، سنخرج بلا شك في مسيرة كبيرة نصرخ باسمه في كل المدن.. إنه حبيبنا وقائدنا الأوحد..

ثم انصرف مسرعاً..

***

لم يستطع الناس في سوق المدينة، سماع صوت أعلى من صوت الاناشيد. أناشيد تصدح بحياة ومجد الزعيم وعيد ميلاده الذي يقترب. أطفال المدارس يهرولون بملابس خاصة، كانت نسخة مصغرة عن ملابسه. وسيارات حكومية تجول بسماعات تملأ الفضاء بالأغاني. وأهل المدينة ينثرون الابتسامات بسبب أو من دون سبب. ولوحة الأب القائد التي سوف يُخصص لها مكان عام في وسط المدينة، يشتغل على رسمها أفضل الرسامين. وإلى حين انتهاء رسم الصورة، تواصل الكراديس والكتائب التي ستملأ الشوارع والمدارس والساحات تدريباتها.. مازالت الصباحات باردة، منائر الجوامع ارهقها الدعاء الطويل للأب القائد بالحياة المجيدة، نواقيس الكنائس كادت تتكسر من شدة الضرب، فرحاً بقدوم عيد الميلاد المرتقب. 

من المفترض أن أحلام واحدة من المتطوعات في استعراض عيد ميلاد الأب القائد، في كراديس زوجات الشهداء. ولكنها لم تمتثل للأمر بسبب خوفها على أبنها وبقائه وحيداً. وهذا ما دفع بالرفيق المناوب على المنطقة التي تسكن فيها أحلام، إلى تهديدها بالسجن إن لم تمتثل للأمر. فلم يكن لها خيار سوى الذهاب إلى المقر الحزبي، وتقديم طلب إعفاء من مشاركتها في الاستعراض المقبل. ولكنها كانت تؤجل الذهاب كل يوم بسبب انشغالها المتواصل والعمل على خياطة ملابس لنساء الحي.. كانت أحلام تميز دقات الناس العاديين من الجيران، عن دقات رجال الأب القائد، وهذا ماحدث بعد عودة أحلام وأبنها من التبرع بيومين. حين سمع حسّان أيضاً الضرب المتواصل على باب المنزل، وقفز نحو الباب فاتحاً إياه، ويطالع بعجب سيارة (الرفيق الأبوي) وحراسه. تحاول أحلام شرح حالتها ووضعها المنزلي العسير، يطلق الرفيق في وجهها سيلاً من الشتائم والتهم. ما يدفعها إلى تهديده بالشكوى فوراً عند مسؤوله الأكبر رتبة منه غداً. وفي اليوم التالي تخرج أحلام من المنزل برفقة حسّان، تسير حثيثة وفي قلبها يغلي الدم، تقلب كلماتها التي سوف تدلي بها عن حادثة الرفيق الأبوي. تصل أحلام إلى باب الفرقة الحزبية، تنتظر اجتماعاً هاماً للرفاق لكي تلتقي بمسؤول المكان. احلام تطالع البساطيل التي تدخل وتخرج، والبدلات المرقطة والرتب والشوارب الكثة.

تدخل إلى المسؤول وتقف أمامه مع ولدها حسّان، يطالع وجهها الذابل كوردة لم تسق منذ دهر. تشير إلى ولدها مع كلمة مبهمة خرجت من فمها، لم يفهمها المسؤول واستفسر مرة أخرى (ماذا وراءك..؟). تحاول أحلام الحديث شاكية للمسؤول غلظة الرفيق الذي داهم منزلها، وأنها تخضع لرعاية ولدها المصاب بمتلازمة داون، ولكن الكلمات تخرج من فمها كحشرجات.

 (إن لم تتحدثي الآن سوف أجبرك على المغادرة ) يقول المسؤول لأحلام الواقفة بلا حراك. أحلام التي هرب صوتها كعصفور لم تستطع الإمساك به. تنظر إلى حسّان الذي كان مشغولاً بحاجيات المكتب المبعثرة، تومئ إليه بحرج كبير، وتضع كفها على بلعومها ماسكة إياه، وتحاول الكلام ولكن من دون جدوى، فينتفض المسؤول  ويأمرها بالمغادرة من المكان فوراً.

***

المناخ تغير في المدينة، صار الهواء أكثر دفئاً ،مع تراكم لغيوم محملة بالمطر الثقيل، تبكي دفعة واحدة على صدر المدينة وترحل. في شهر آذار الذي يصادف فيه عيد ميلاد الأب القائد في نهايته بالضبط، وبالتحديد يوم الحادي والعشرين. في السابق كان الناس يتحدثون عن عيد يصادف في اليوم نفسه. يتحدثون بالسر عنه وعن حكايات وأفراح وسفرات كان الناس يمارسونها. آخر المسنين في المدينة أقسم أنه حين كان طفلاً، كان يخرج مع أهله في اليوم ذاته، وكان يسميه الناس (عيد نوروز*).ولأن المواطنين في دولة الأب القائد مطيعون لكل الأوامر الصادرة من القيادة العليا ، فقد لُغي العيد السابق. لم يعلم أحد بصدق أو كذب هذا التأريخ بالضبط، فكل السجلات التي تخص ماضي الأب القائد سرية ولا يطلع عليها أحد سواه. هكذا أُعلن، أن في هذا اليوم وُلِد زعيمكم المجيد، فصار الناس يحتفلون به كل سنة. ثم أن محبي الأب القائد من الرفاق الأبويين، وحاشية ومواطنين، بدأوا يجتهدون في تقديم أفضل ما لديهم من عروض وفعاليات متعددة اللون والمذاق الولائي. 

تزينت الأبنية بالأشرطة الملونة والصور الكبيرة للقائد. المدارس وضعت صور مختلفة لمرحلة واحدة من حياته. أعمدة الكهرباء هي الأخرى زينوها بتلك الصور، بل حتى النخيل في البساتين القريبة من المدينة زينها أهلها بتلك الصور. إلا أن رجال الأمن لم يكونوا مرتاحين بتاتاً. كانوا كمن يبحث عن شيء في السوق والشوارع والأزقة والأفرع. كانوا يهرولون وكأنهم يطاردون لصاً خفياً لا يراه أحد غيرهم.. بالمقابل كان الناس يلاحظون أشياء غريبة تحدث، اختفاء البعض فجأة. هناك عوائل اختفت  ولم  يعلم احد سر هذا الاختفاء.. العوائل تتآكل..

هدير السوق الذي كان يدوّي في الفضاء صار خافتاً. الناس باتت أصواتهم ضعيفة لا يتحدثون كثيراً، بل صار البعض منهم يستعين أغلب الوقت بلغة الإشارة والإيماء ولا يحرك شفتيه بتاتاً. يحدث شيء في تقاطع إشارة مرورية، عند منتصف السوق الكبير. شرطي مرور ينظم حركة السير، كان واقفاً إلى جنبه رجل أمن ضخم يمتلك شارباً كثاً، يلاحظ بدقة حركة الشرطي وطريقة تنظيمه للسير. يحاول الشرطي الهتاف بسيارة كانت تعيق الحركة لكنه يستعين بصافرته. يلوح بيديه بوجه سائق السيارة .ثم تنطلق السيارة على عجل. 

____________________________________________________________

* يوم 21/3 تصادف فيه أعياد (عيد نوروز) و(عيد الأم )، و(يوم متلازمة داون العالمي).

رجل الأمن يدنو من الشرطي ويستفسر منه بفضول، لكن الشرطي لم يجب. حينها ينادي رجل الأمن بجهاز لاسلكي بحوزته، فلم تتأخر دقائق سيارة مظللة، يدفع أشخاصٌ بالشرطي إلى جوفها وينطلقون تاركين التقاطع والناس مندهشين من عملية الاعتقال. لم يفهم المتجمهرون سبب الاعتقال حتى ظهر الخبر أخيراً، فقد اعلن التلفاز الرسمي عن وباء منتشر بين المواطنين، راجين أن يأخذ الناس حذرهم من انتشاره على مدى أوسع. ثم يعقب بيان التلفاز قرارٌ بالفحص والتدقيق عن أية إصابة به بين المواطنين. وفي جلسة أخرى في التلفاز الرسمي تثبت مجموعة من الأطباء أن الوباء الفايروسي ظهر للمرة الاولى في هذه المدينة، ولم تسجل المدائن الأخرى حالات مشابهة. (وباء خطير سنعالجه بلا شك ونضع الحلول له)هكذا يجيب الطبيب في لقائه مع مذيع التلفاز، مبينا ً أن الوباء يصيب الحبال الصوتية بالشلل، ثم الخرس وينتقل إلى منطقة الأذن فيصيبها هي الأخرى بالصمم الكلي. وبعد انتقال المعلومة من السر إلى العلن، يجن جنون (المنظمات الأبوية) ودوائر الأمن، تصير المراقبة أشد، وينتشرون في الشوارع والمحلات والمدارس والدوائر الحكومية باحثين عن أية إصابة محتملة. فقد أعلن مسؤول تنظيم (الحزب الأبوي) في المدينة أن الوباء عار عليها، وبالأخص ظهوره فيها دون باقي المدن ،فلم يتبق لميلاد الأب القائد سوى أيام معدودة وإلى ذلك الحين سيخيم الصمت على المدينة وهذا سيلحق بها العقاب والعار الشنيع. وبالأخص بعد صدور مرسوم أبوي من الأب القائد بتسمية المدينة (مدينة الصراخ) تحدياً لهذا المرض. 

على الفور تشكلت لجان طبية بمتابعة أمنية مشددة، للبحث عن أي حالة فقد للصوت أو ضعف في السمع. تبدأ اللجان بالمدارس والجامعات، ثم بالمحلات والمتبضعين والمارة أنى كانوا. عبارة واحدة يقولها المفحوص ثم يترك إن كان سليماً أو يُعتقل إن شُك في أمره. عبارة (يعيش القائد)كل ما يتطلبه الأمر للإفراج عن أي مواطن يقع الفحص عليه. لم يسلم الأطفال من الفحص، فقد عثرت هذه اللجان على عدة أطفال لم يستطيعوا قول الجملة المنقذة، فتم اعتقالهم واعتقال أسرهم بسبب انتشار المرض بينهم أيضاً. صار الناس يتفاخرون علناً بالصوت العالي، حتى لو كان حديثهم عن أشياء لا قيمة لها، فالصوت العالي صار بنظر الناس إشارة واضحة عن حبهم ومدى ولائهم لنظام الأب القائد. صار الناس يغنون بصوت عال ويحكون النكات بصوت مسموع ويضحكون ويفتعلون العراك لكي تعلو أصواتهم، فيسلموا من أيدي رجال الامن والرفاق المتجولين بعصيهم ولاسلكياتهم الموضوعة على الأحزمة. وعلى العكس أختفى قسم كبير منهم في المنازل، يراجعون حساباتهم، ويتحدثون كل ثانية بحثاً عن ضعف أو خلة في أصواتهم، ولكي يسلموا على أرواحهم ويناموا مطمئنين .

تم محاصرة المدينة بالكامل، لا خروج منها ولا دخول إليها، كما كان يحصل في المدن التي تصاب بطاعون في العصور القديمة. ثم تنتشر الإشاعات عن وصول قوة من (الحرس الأبوي)، وهي قوة خاصة تأخذ أوامرها مباشرة من الأب القائد بلا واسطة. تنفذ تعليماته في قمع أي حالة تمرد، مجهزة بأسلحة حديثة وفتاكة، وقد ذاع صيتها في كل دولة الأب حتى صار اسمها كابوساً يخافه الجميع. يتحدث الناس عن هذه القوة التي أحاطت بالمدينة، أنها مجهزة للقضاء على المدينة باسرها بلا تمييز  لو أنتشر المرض ولم يستطع المعنيون السيطرة عليه. حتى الرفاق  مهددون بالإعدام لو لم يستطيعوا السيطرة وكشف المرضى المتورطين بهذا المرض قبل عيد ميلاد الأب القائد. فـالمدينة التي لا تصدح ولا تصرخ باسمه في عيد مولده السنوي، هي مدينة لا تستحق الحياة  - كان يكرر مسؤول الحزب - ولم يستطع أحد معرفة مصير المواطنين الذين اصابهم المرض. الكل يتحدث عن تصورات وأفكار لم يتأكد صحتها أو نفيها. البعض قال أن كل المرضى تم حرقهم في حفرة كبيرة، والبعض قال أن المعتقلين تم دفنهم لكي لا ينتشر الفايروس في الفضاء ويصاب الآخرون. ثم تبدأ عمليات البحث في المنازل، فخلال أيام قليلة تم جرد المتبقين في المعامل والدوائر والمدارس، وتم اكتشاف هروب عدد كبير منهم. لهذا يوكل الحزب إلى رفاقه البحث عبر شبكات تتفرع بين الإحياء. المنازل في المدينة باتت مهددة بالاقتحام القسري للعثور على من يشتبه بإصابته بالفايروس. كان من ضمن رؤساء اللجان الحزبية المختصة (الرفيق الأبوي الذي داهم منزل احلام من قبل)، حيث شحذ سيف عزمه، وتدرع بجعبة عسكرية وسلاح هو ورفاقه، وطبيب ومساعدين من المشفى الكبير في المدينة. بدأ الرفيق بالتفتيش عن المصابين بيتا ً بيتاً، وأي منزل يتم اكتشاف الفايروس بين أفراده، يتم قفله واعتقال أهله ووضع جملة (يعيش الأب القائد) باللون الأحمر على بابه.


***

المدينة تتآكل شيئاً فشيئاً. ولا أحد يعرف مكان ومصائر المعتقلين بتهمة الصمم حتى الرفاق الأبويين ورجال الأمن. شوارع المدينة بدت فارغة بالكامل، والمنازل بات يخيم عليها الصمت. تدمع عينا احلام وتشهق كشهقة معرفتها بوفاة زوجها قبل سنوات. وتضع كفيها على وجهها وتحاول تقيأ الكلام بكل قوتها لكنها تفشل. كانت دموعها تنهمر، ولم يزعجها حسّان بصوته العالي حين كان يدور حولها راكضاً في حوش المنزل، لأنها لم تكن تسمع شيئاً، ولم تستطع الصراخ به بتاتاً. ولم تشعر أيضاً بدقات الباب العنيفة ولا جرسه المدوي. يلكز حسّان امه منبهاً أن شخصاً يدق الباب بعنف. ترفع أحلام رأسها لتطالع حسّان وهو يشير إلى الباب، وقد تشابكت أصابع يديه كما يفعل دائماً عند خوفه. تطالع طويلاً المنظر عند الباب ثم تتوسع عيناها ،وتضع كفيها على فمها. (إنهم وراء الباب) حدثت نفسها، بعد أن طالعتْ من فتحة في الباب الأقدامَ التي تحتذي البساطيل الحمر والأحذية الرسمية السود. تفتح البابَ فيخوض الرجال إلى المنزل، رجال الحزب و الأمن المكممين، ويمسكون بأحلام ويأمرها الرفيق قائد الدورية:

- رددي ورائي.. يعيش الأب القائد

تحاول أحلام نطق الجملة، تضع كفيها على بطنها وتعصر صدرها ولكنها تسعل وتحمر عيناها ولا تستطيع فتبكي بصمت من دون عويل.. يقودها الرجال خارج المنزل وكانت كالمخدرة بالكامل. وكانت الاكتاف تحيطها فلم تستطع الالتفات صوب ابنها. يتم وضعها في سيارة، وينبس احد رجال الأمن (والمنغولي يا رفيق؟). يجيبه بعد لحظات بعد أن نظر فيها إلى حسّان (لا حاجة لنا به ). تنطلق السيارات مخلفة وراءها غباراً كثيفاً ، كانت تحمل صورة كبيرة للأب القائد وهو جالس على كرسي مبتسماً ابتسامة عريضة، (هي الصورة ذاتها التي سوف تُرسم بدماء أهل المدينة المجموعة من التبرعات). تختفي السيارات بعد أن تركن حسّان وصراخاً عالياً منه، مهرولاً وراءهن  حتى توقف متعباً، ولم يعد يرى لهن أثراً.


***

منذ أن استنشق حسّان  الهواء في هذا العالم، وإلى لحظة اعتقال أمه أمامه، لم يبت ليلة واحدة من دونها. المنزل ينام صامتاً لمدة، ثم يصحو على همهمات من حسّان وكلام يخرج من فمه العريض، مخلوطا بأنّات وبكاء تارة وتارة أخرى نداء لأمه. دخل حسّان إلى غرفة امه وخرج ثلاثين مرة، في كل مرة يتخيل وجود أمه لكنه يتفاجأ بفراغ يقذف في قلبه رجفة. صار يبحث عنها في المطبخ والصالة كل دقيقة، ثم يخرج إلى الشارع فيحدق في الظلام هناك، ثم يجفل من نباح كلاب ويدخل مسرعاً. يجول في المنزل متوجهاً بوجه لم يعرف الكآبة إلا في تلك الليلة وعينين أتعبهما البحث. يحدّق بماكنة الخياطة التي كانت أمه تشتغل عليها قبل إصابتها بالفايروس. يحركها بشكل عشوائي فأصدرت صوتها المعتاد، أراد به استفزاز أمه كما كان يفعل في الماضي، حين يعبث بهذا الشكل فتخرج من غرفتها وتوبخه. كان النعاس يهيمن على عينيه، بالرغم من فتحه لباب المنزل الداخلي الخشبي. ومطالعته للبوابة الخارجية كل ثانية في انتظار أمه. صوتها يهجم على أذنيه فجأة ثم تختفي، يخرج صوت أمه من المطبخ، يهرول إلى هناك فلا يجد صاحبة الصوت.. لم يعد يحصي المرات التي تعثر فيها، وكأنه يركض على أرض وعرة مليئة بالحشائش الملتوية. 

***


المدينة تم تصفيتها بالكامل وحاصرت الفرق الجوالة من الرفاق ورجال الأمن والأطباء الموقف بحزم. لم تعاني الفرق من تعب شديد في البحث، فقد كان الأهالي يبلغ أحدهم على الآخر بسرية تامة عن أعراض المرض.  تواجد (الحرس الأبوي) لم يكن شائعة، بل كان مرابطاً بالفعل وظل على استعداده عند أطراف المدينة، جاهزاً لأنزال العقاب بأمر من الأب القائد في أي لحظة. عادت الكراديس إلى العمل، وعادت المدارس والدوائر والأسواق كما يعود جندي معاق من الحرب. تم وضع الصورة التي رُسِمت بدماء المواطنين في منتصف السوق. صورة كبيرة  للأب القائد يظهر فيها جالساً على كرسي وقد بانت على وجهه ابتسامة عريضة. تصادف في هذا اليوم الذكرى السنوية لعيد ميلاده، المنصة المحشوة بمسؤول الحزب والرفاق الأبويين ورجال الدولة كانت تطل بعلو على حشود الجماهير المستعرضة. كراديس وشت للرائي بقلتها، ولكنها كانت أفضل خيار متاح للحزب ورجاله في تلك المدينة. الناس في المدينة كانوا يتباشرون بعيد ميلاد الأب القائد، في الاسواق والطرقات وحتى في المنازل. كان الصراخ يعلو بين الكراديس المتكومة في شارع طويل يربط السوق بتقاطع عريض، وُضعت على أعمدته الكهربائية صوراً للأب القائد، وزهور اصطناعية متوزعة بالترتيب على الأبنية وأشرطة ملونة وأصوات اغان عالية كلها تغني في ذلك اليوم بعيد الميلاد الكبير. 

في تلك اللحظة يدخل حسّان متوجهاً إلى السوق كعادته في الصباح، كان شعره طويلاً وكثاً، وملابسه فاحت منها رائحة كريهة. يضع على أذنه هاتف أمه الذي كان بلا روح، يتظاهر باتصالات وشخص يكلمه. يدخل حسّان إلى سوق المدينة، يراه الأطفال - بائعو الأكياس - أصحاب الوجوه المغبرة  فيهتفون بابتهاج (حسّان... حسّان). لم يحملوا الأكياس في تلك اللحظة، لأن العمل ممنوع أثناء الاحتفال بعيد الميلاد، بل حمل كل طفل منهم علماً وصورة صغيرة للزعيم. وهذا لم يمنع أن  يصنعوا دائرة كالقلادة على حسّان الذي صار يرقص في وسطها مرددين: (هي هي هي هي.) ويكتفي هو بالرقص والتصفيق كالمعتاد. يرقص حسّان، يتقيأ وحدته وحزنه في السوق.. دائرة الراقصين تدور...تدور. لا يكترث حسّان لما حوله، يرتطم تارة بكرش أحدهم، ثم يتمايل ليرتطم بظهر امرأة، فتعود الدائرة الراقصة من جديد، بائعو الأكياس لا يريدون لحسّان الانفلات من دائرتهم. (هي...هي...هي..) يهتف الأطفال، ينشف ريق حسّان اللاهث من شدة القفز والهز، وهو يطالع الجموع الغفيرة، وأصوات الفرق الموسيقية التي تهتف بحياة القائد، ومن دون تمييز لها فقد كان صوت الإيقاع العالي يحفزه ومن معه للرقص. ثم بعد مسيرة خطوات يتوقف عند منتصف السوق، يظل يبحلق رافعاً رأسه. يستغرب بائعو الأكياس من تصرف حسّان، ووقفوا يطالعون معه صفاً إلى صورة (الأب القائد) الكبيرة المُعلقة في وسط تقاطع سوق المدينة الكبير. ينظر حسّان إليها بعينين توسعتا بشكل غريب. يصرخ حسّان بصوت عال وهو ينظر إلى الصورة ويلوح بيديه، وقد تناثر من فمه (سبال)، وتحولت عيناه إلى حمراوين كعيني غوريلا. يتجمهر الناس حوله، الرفاق ورجال الامن القريبون أيضاً يأتون مهرولين يريدون معرفة ذلك الصراخ المدوي. حسّان يصرخ عالياً والدموع تنهمر من عينيه، والناس حوله يصفقون ويهتفون بحياة الأب القائد كأن معجزة تحدث. 

حسّان يومئ نحو الصورة صارخاً بكلمات غير مفهومة...

المتجمهرون حوله يصفقون ويهتفون...   


أنمار رحمة الله


التعليقات




5000