..... 
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
زكي رضا
…..
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
  
.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


صاحب الوجه المحروق

علي ناظم شاكر

من منا لا يملك لنفسه شيئاً خاصاً يداعبه كلما امتلكه الضجر او استحوذ عليه القلق , كان يقول لها هذه الكلمات حين تحرجه الحياة و تسقطه على جوانب طرقاتها كما تسقط الرياح العاتية اوراق الاشجار الصفراء من اغصانها , كان يتردد اليها في ساعات الوحشة و الوحدة حين لا يجد لنفسه مؤنساً سوى تلك الدمية الحسناء التي كانت تنتظره بكامل حلتها و زينتها , و يتجهز لتلك الساعة الموعودة كما لو انها ستكون الساعة الاخيرة في حياته !

بينما كانت المدينة تنعم بالموت المؤقت كان يخط مسيره اليها بقلب مضطرب يكابد بين لوعة الحب و مرارة الاشتياق من جهة و ثقل الوعد و الايفاء به من جهة اخرى , بينما هي كانت تنتظره كامرأة لم تجد في حياتها رجلاً حقيقياً سواه فتتحضر في كل مرة لتتقبله كيفما اتى مبتسماً كان أو عابساً , مرحاً كان أو مكتئباً , فلم تعد تؤمن بمكدرات الدهر و انعكاساته عليه , و انما كانت تؤمن بتلك الروح النبيلة التي تتربع على مشاعره و احاسيسه الكلية !

لقد كان ناصر رجلها الاوحد الذي انقذها من ماضيها التي تتضعضع فيه احلامها كلما تذكرته , و حاضرها الذي يشابه زهرة رفعت راسها تواً من بين ظلمة الصخور لتستقبل اشعة الشمس بصدرها الرحب , و مهندس مستقبلها الذي يخطط  و يصور لها حياتها القادمة بأنامله السحرية و هو يضع يديه على عينيها في كل مرة داعيا اياها الى ان تنزع عن نفسها ملابس القنوط لتلبس اثواب الامل !  

لقد كان انيس روحها التي لا تتصور ابداً ان هناك روحاً بشرية اخرى تستطيع ان تتجانس و تتناغم معها كما تتجانس روحها مع روحه .

مرت اللحظات بعد اللحظات و لم يتبقى للقائهما سوى دقائق لاهثات من اللهفة , كلاهما متعبان الآن كل منهم رسم في مخيلته الف الف لوحة عن شكل اللقاء الذي سيكون بعد قليل , هو يفكر كيف ستسلب منه وحشته و ترديه رداء الألفة بأجفانها المملوءة بدموع الشوق و اللهفة  , و هي تفكر بحقيقة مقصد كلماته التي كان يقولها لها كلما انتهى لقائهما المعتاد (( من منا لا يملك لنفسه شيئاً خاصاً يداعبه كلما امتلكه الضجر او استحوذ عليه القلق )) !

و يصل ناصر و يطرق الباب , تتقدم الى الباب بقدميها الهزيلتين المتعبتين من الوقوف على اعتباب الانتظار و تفتح له الباب مع كثير من البشاشة و الوجه الرحب , و يدخل الى دارها كرجل قادم من غابات موحشة كئيبة و بوجه قاتم لا يكاد يرى من شدة ظلمته و ضياعه , يمسك بيديها بقوة ..

- اشتقت لك ِ , كما لو انني قد فارقتك عمراً من الضياع !

- و انا ايضاً , و ان تعمقت النظر في عيني ستجد فيهما من غصات الشوق و الوجد ما يكفي دون ان نتلف هذه اللحظات الثمينة بكلمات عقيمة لا تعبر عن حقيقة ما بدواخلنا ! 

ثم سكتت لتستعيد انفاسها من جديد و اطالت النظر في وجه ناصر تحاول ان تستكشف فيه شيئاً جديداً ..


 - ناصر , هل فيك شيء يا عزيزي , هل ازعجك احد و انت قادم الي ؟

- لا يا حبيبتي , كل ما في الأمر انني لم اعتد بعد على الوقوف امامك رغم كل السنوات التي مرت , عجباً كم انا رجل لا يجيد الوقوف امام النساء ! 

- و أنتِ , ما بك ؟ لم كل هذا الشحوب في وجهك كما لو انك فص شمس ذائبة  ؟

- لا ادري , ربما لأني متعبة اليوم . نحن النساء صاحبات مزاج متقلب , تميتنا كلمة و تحيينا كلمة !

ثم نظر اليها نظرة من يتفحص في وجه محبوبته عن حياته الضائعة التي راحت من بين يديه , ثم انتبه الى نفسه بعد ان شعر انها تريد ان تسحب يديها بخجل ..

- كيف احوال العلاج , هل لازالت التحاليل تعطي نفس النتائج ؟

- لنؤجل الحديث عن هذا الموضوع قليلاً , تستطيع ان تجلس بينما احضر لك شيئاً دافئاً لتشربه .

و راحت تصنع له كوباً من الشاي و مع ذوبان فص السكر راحت تقلب صفحات الذاكرة , و تستعيد لقائهما الاول , و السبب الذي جعل هذا الرجل  في عينيها شخصاً استثنائياً !

مريم كانت تعاني من العقم , و عقمها  سبب لها الانفصال عن زوجها الاول حين تركها صبية ذليلة تستجدي من الناس مسكناً يأويها بعدما هاجر ابواها الى دار الآخرة دون ان يورثوها شيئاً من دارهم الذي كان معمراً بالصفيح , حتى حصل ذات يوم و التقت برجل يخفي وجهه من الناس , شارداً بذهنه الى عوالم خفية , يمشي كما لو انه قد فقد شخصاً عزيزاً على قلبه و ينشد بصوت مبحوح (( آه يا حبيبتي أين أنتِ .. آه يا عزيزتي لو قدمتِ ))  ! 

 كانت قد سمعت من امها تقول : (( ان الله يبعث ملائكته بأشكال عدة , و هم يأتون اذا ما طلب أحدهم ذلك بقلب صادق و مهموم   ! )) . فراحت تجري باتجاهه كعجوزة تلاحق امام المرآة سنين عمرها الضائعات ,  فأوقفته و أمسكت بيديه و منعته من العبور , كان يخفي وجهه بلثام و يديه بقفازات . وقفت أمامه حينها بجرأة امرأة بائسة تريد ان تخسر ورقة يانصيبها الأخيرة , و طلبت منه ان تشارك معه أنشودته , و يأخذها الى أي مكان يريد مخلصاً اياها من شرور الناس و نظراتهم المستحقرة لها , و تحرشات اصدقاء زوجها القديم و معارفه !

حينها نظر اليها بعدما رفع اللثام عن وجهه ليخرج لها كائناً غريباً موحشاً بوجه مريض لا يكاد يرى من شدة بشاعته و قال لها : (( هل ترضين ان تسكني مع هذا الوحش ؟ هل تقبلين ان تكوني انيسة رجل قد اكلت النار معالم وجهه بعدما كان يشع حسنأ و جمالاً ؟ هل تقبلين بأن تصبحي جليسة رجل متقلب المزاج يكره نفسه الى حد الجشع , و يقرر بين ليلة و اخرى الانتحار خلاصاً من أحكام هذه الحياة الظالمة ؟ ان تستطيعين ان تتحملي كل هذا فأنا مستعد لما تطلبيه ! ))

و قبلت ان تكون أنيسة له و رفيقة أنشودته و قد اشعل بكلامه الصادق  في قلبها عاطفة الام الحنون , و قررت ان تكون امه و مربيته في نفس الوقت , و قرر هو في قرارة نفسه ان يسكنها منزله  دون ان يمس جسدها أو يفكر في اغتصاب انوثتها , و قد اخذ على نفسه عهداً ان يدافع عنها مهما حصل , و أن لا يفضح سرها , و يحافظ عليها كزهرة ذابلة قد اجبرتها دواهي الايام و ملماته للاحتماء من غضب الشمس بجسد الصبار !

حتى دارت الايام و اصبح كل منهم يجد في الآخر لذته الروحية , و يشعر في حضرته بتلك الطمأنينة المستعذبة النقية التي تتملك عواطفهم , و أخذت ارواحهم تتعانق شيئاً فشيئاً في سماء الحب المقدس دون ان تدنسها رغبات النفس و أطماعها .

- تأخرتي يا عزيزتي !

- أنا اعتذر , لم انتبه لنفسي , كنت افكر بسؤالك حول نتائج التحليلات , هل تعلم ان هذه الدنيا احياناً بظلمها تكون عادلة ؟

- كيف يكون ذلك ؟

- سألتني و سأجيبك , صباح هذا اليوم ذهبت الى الطبيب المختص بأمراض العقم جارة خطاي المثقلة تجاه عيادته و كلي بؤس و يأس حتى وصلت الى السكرتيرة , و قد نظرت لي نظرة تحسست منها عن شيء ما تخفيه , و قالت لي : (( هل طالعتي اخبار الابراج اليوم ؟ اظن انه يوم سعدكِ ! )) , ثم ادخلتني الى غرفة الطبيب و كان واقفاً يمسك بورقة يطالعها بدقة و تمعن مع بسمة ترتسم على شفاههه بلا شعور . سلمت عليه و دون ان يرد السلام قال لي مباشرة مبروك .. النتائج سليمة !!! 

 لم استطع ان اتمالك نفسي حينها فسقطت من مكاني , و فقدت وعيي حتى مر بعض الوقت و استعدت قوتي , و عدت الى المنزل دون ان اعي ماذا حصل و كيف جرى كل هذا الجنون ! و ها انا منذ الصباح حتى قدومك اضحك تارة و ابكي تارة دون ان احس او اشعر بشيء , لقد كنت انتظر قدومك كي احكي لك عن مدى سعادتي و تعاستي في نفس الوقت ! فسعادتي فان خبراً مثل هذا يغيض زوجي الذي طلقني و رماني بين انياب الوحوش بلا رحمة , و يجعله يتحسر على فعلته , و يذرف دموع الندم على فقده لي مدراراً , اما تعاستي فللعمر الذي ذهب هباءً و أنا اتحول بين عيادة و اخرى تقلب وجهي نظرات الناس التي تنظر الى النساء امثالي بعين الاستحقار و التفاهة كما لو اننا مخلوقات خلقت للتعاسة و العبث فقط !

وقف ناصر و قد سقط من عينيه وشاح الليل و الوحشة و استهل وجهه فرحاً كما لو بشارة سماوية قد سقطت فجأة في قلبه لتطفئ براكين همومه و ظنونه !

- هل تقولين انكِ سليمة من العقم ؟!

- نعم يا عزيزي , ألم اقل لك ان الدنيا بظلمها قد تكون عادلة احياناً , فتلك التهمة قد ابعدتني عن رجل يملك وجه طفل و قلب وحش لتعرفني على رجل له وجه وحش و قلب طفل ! 

انها عدالة السماء يا ناصر فلا تستغرب !  

ادار ظهره و تمشى قليلاً باتجاه النافذة التي كانت تطل على الحديقة و رأى امامه حمامتين تتغزلان ببعضهما البعض ثم طارتا بعد ان تحسسا وجوده ,  ثم راح يهمس مع ذاته : (( من منا لا يملك لنفسه شيئاً خاصاً يداعبه كلما امتلكه الضجر او استحوذ عليه القلق )) ! ثم التفت اليها بعدما تنهد تنهيدة عميقة مقرراً اخبارها بحقيقة مشاعره التي كان يخبئها تجاهها ..

- احياناً رغم كل القلق و الضجر الذي اشعر به و الذي يجبرني لآتي الى هذا المنزل الذي وهبتك اياه بوعدي لك يوم التقينا , كنت أشعر بأشياء اخرى أعمق لا اعلم ما هي تدفعني الى القدوم اليك كما لو كنت لك حارساً يحميكِ , و منذ ان تعرفت عليكِ الى اليوم لم افكر و للحظة شاردة ان المس جسدك كما يفعل الغرباء بالنساء الغريبات المستضعفات , و انا اخاف الله لأن ما حصل لي كان عثرة عوقبت بسببها عقاباً صعباً , و لكنه كان السبب الذي رق من اجله قلبك لي في ذلك اليوم , و ها انا ارى ظلم الحياة عدالة في بعض الاحيان كما وصفتيها لي , فوجهي المشوه قد ابعد عني بائعات الهوى و بنات الليل اللواتي كن يحطن رقبتي بحبال الغواية و الشهوة لا حباً لي بل طمعاً بما في جيبي حتى احترق جسدي في حادث لم يكن ليخطر على بالي يوماً , انها رحمة الله التي لا تنتهي .

اصبحتِ حرة اليوم و تستطيعين ان تحلقي في فضاء الحرية كيفما تشائين , ان حياتنا هذه اجمل من ان نختبئ فيها خلف الظلام , اخرجي الى الحقول و المزارع و اعيدي لها خضرتها و رونقها , و عودي الى الشوارع و الازقة الباردة و املئيها دفئاً و حناناً !

 اخرجي من هذا القبو النتن و لا تعودي اليه ابداً قد تجدين اباً لولدك الذي يسبح في خيالك الآن , و انسي هذا الرجل البائس الذي يقف امامك كعمود من ملح فقضيته مستعصية , أنا سأحمل جسدي و اخرج من حياتك الى الابد , فلا ذنب لكِ لتقضي حياتك تحت خيمة رجل لا تستطيعين ان تخرجي معه في نزهة او تتباهين به أمام النساء !

انكِ تستحقين رجلاً يشع وجهه بماء الجنة لا بحميم الجحيم .

ثم استسلم امام الخبر استسلام انفاس الياسمين امام تموجات الهواء و القى برأسه على صدرها كمتعب وجد راحته ..

و قد شعرت بتسارع نبضات قلبه و تضاعف اهتزازات روحه فرفعت راسه من على صدرها , و لأول مرة قررت ان تكسر قيد الوعود و ان تخون القضية , فقبلته بقوة امرأة فقدت لعمر انوثتها و الغت بذلك زمناً من الوعد الذي كان بينهما  و قالت له و هي تتوهج حباً و حناناً :

قبل ان ترحل من هنا تأكد ان هذا الجسد لن يكون الا لك , و ان هذه الروح لا تستطيع ان تسبح في فضاء الارواح الا و هي متعلقة بأذيالك , و  انك لن تكون الا زوجاً لي و سأكون حبيبتك الى الابد و ان الولد الذي يسمع هذا الحديث الآن لن يكون لأحد الحق في ان يكون ابوه الا انت , و تذكر جيداً انني لم آتي اليك عبثاً , و انما قد استهوتني اليك وقع الكلمات التي كنت تغنيها في ذلك اليوم : ((آه يا حبيبتي أين أنتِ .. آه يا عزيزتي لو قدمتِ )) , و قدمت اليك و لن اضل عنك ابداً , قد امتلأ قلبي قيحاً من التيه الذي كنت فيه , فاجمع بعطفك شتات قلبي و دعنا نعيش سوياً تحت خيمة هذه السماء الجميلة .

فبكيا طويلاً و امتزجت دموعهما بأكف الحب و الرحمة , و شاع في المكان انفاس قدسية استحوذت على كل شيء , و أشرقت الشمس تاركة قبلة صفراء دافئة على حياتهم المنتظرة .


علي ناظم شاكر


التعليقات




5000