..... 
.
......
مواضيع تستحق وقفة 
حسام برغل
.....
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
  
.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


عمق الكون... عمق الكلم قراءة في نص أساطيرُالجَمرْ.. للشاعرة رفيف الفارس

الحبيب بالحاج سالم

• النص :

  اساطير الجمر ...   

لا قوانين للحرب 

كلُ " صباح الخير

همسة شعر 

كل آآه .. صدر ينتظر العجز 

قرارٌ يتمنى الجواب 

وجوابٌ يُعلنُ دورة لحن 

لا حدود للفرص حين يموج بحرْ 

وتنتفضُ من عينيكَ إلتماعة  

ويختلج وترْ 

وِزْرٌ أَشدني إليه 

مهما اهتزت الأرض 

لا نهاية للبدايات  

لا قوانين 

كل ألم هو استثناء 

كل هزيمة .. بداية انتصار 

معك ... لا مسميات

لا صوت للجهر

لا صمت للوجيب

كل الكون ساحة وملعب

يا أيها المختال بالتمني

تحنت يداي بدم التراتيل

وشمتُكَ من دهرٍ

آخر الرجال

استوت في عينيكَ الأرض والسماء

أُفقٌ من خزفٍ ودخان

وأساطير جمرْ

توشم بك الدمْ

يا أيها النابض بالهَدجْ

الساجي على أحلام التباشير

تشابكت أحرفنا ...

يقينا نحن في زمن الشك

همسا .. حين لا يسمع صوت

تَشظت خلايانا

ملايين اليراعات

تُهدي الكون أَنجمه

لا زمان بعد زماننا

ولا خلق الله بعدنا نبض

ماذا أُسميك

وكل الأسماءِ فيك كفرْ!

ماذا أسميك

صلاة التبتل ؟

أمير الوجد ؟

فيضا ً تَفلت من طفولة الأنهار؟!

أَنذرُ في حقولِكَ عمرا من وجع السنين

وأنتظر غيثك والأمنيات

شرائطي البيضاء تنتظر عينيك...

وصوتك النابض في الروح

ليل حزيران غارقا في العطرْ

تعمد جبيني

كأمنيات الناذر للمطر

قطرات من حنين

دفءُ اصابعك

يفرد الغضون

يَشجُ الغربة من عمق الكلم

 

النشر الأول لقصيدة (اساطير الجمر) على صفحة الشاعرة رفيف الفارس

************************************************

• تقديم:

من النصوص ما هو جامع ممتنع عن التصنيف ضمن خانة من خانات أنماط الخطاب أو أجناسه، بحسب معيار موضوعي أو غرضيّ.. وتأتي هذه السمة ضمن دلائل الكونيّة من حيث هي هاجس ومقصد ومحرك دافع للكتابة. وتقترن هذه الكونيّة بكثرة دلاليّة تكسب النصّ من الأبعاد ما لا حصر له، وتتيح للقارئ إمكانات تأويليّة تضرب به في كل صوب مادامت إمكانات النص التعبيرية تمكن من ذلك، فيبدو في الحرب والحب والشكوى والحكمة والتأمل والوطنية والاجتماع والإبداع واللغة والفنّ..

هكذا رأينا هذا النص للشاعرة رفيف الفارس. وهو نص بيانيّ مؤسس لرؤية في الشعر وفي الفن عموما، وكذلك لرؤية أو فلسفة في الوجود والكينونة. فجاء حربا على الحرب ودعوة للحياة والفن والحب، في بناء شعريّ صارم مختار...

وقوام هذا البناء التقابل بين ضربين من التراكيب (النفي في اتجاهين هما الهدم والبناء) والإثبات تأسيسا وإعادة بناء للمفاهيم (مفهوم الشعر، مفهوم الفن، مفهوم الحياة..) في عبارة موسومة بالكلّيّة واليقينيّة المغالبة للألم والشك والعدم، والمواجهة للحرب والفناء والقتل، بالحب والشعر والفن والقيم الإنسانيّة العليا..

  هو النص في شطر منه، أما الشطر الثاني فهو انتشار للأوّل بدخول عنصر فنّي دلاليّ جديد، هو المخاطب، وفيه تتخذ التجربة الموصوفة كل أبعادها الحضوريّة، وتخرج مما كانت عليه من تجريد وأحكام كانت ضرورية في الشطر الأول..

وفي الجملة رأينا الشاعرة، خصوصا في القسم الأول، تقابل بين "اللاّقوانين" (نبذ الحرب) واللاّحدود (حبّ الحياة) فينعكس ذلك على حركة النص، لتتسم، كما ذُكر، بانتشاريّة في شعريّة القول في اتجاهين متنافيين:

• اتجاه نابذ دافع، إيقاعه النفي بانتشار اللاّءات النافية ( في الحرب ومعانيها ومتعلقاتها)

• اتجاه جابذ جالب، إيقاعه الأثبات وتواتر صيغة (كلّ....) وذلك في الحب ومعانيه ومتعلّقاته..

ومن خلال هذه اللعبة "الحواريّة" الجدليّة يطفو موقف عامّ ومقصد أسمى، هو الدعوة إلى نبذ العدم، وإلى حبّ الحياة واغتنام ما تمنحنا إيّاه من لحظات، هي "فرص" للحب والشعر والموسيقى. وهي أرقى وجوه الحياة، بل هي الحياة أصلا..

لذلك جاء النص حاسما جازما نافيا ليثبت، مواجها الأضداد ليتحدى الضدية، معيدا بناء المفاهيم في إطار مقابلة نعدّها مفتاحا للقراءة، هي المقابلة بين الحياة والحرب أو بين قوانين الحياة و"قوانين الحرب" لينضم إليهما مفهوم ثالث هو امتداد أو وجه آخر من وجوه الحياة ، نعني الحبّ، ومفهوم رابع هو الفن (الشعر والموسيقى).ويبدو أن الحياة والحب والشعر جوهر واحد نتحسّسه أو نصبو إليه من وجوه تبدو مختلفة وهي متجانسة..

ونحن نحتاج إلى ما نعتبره مفهوما تقده الشاعرة وتستهل به النص وتنشره في صور كثيرة،  نعني مفهوم "الفرصة" وهي في المعاجم : النُّهْزَةُ والنَّوْبةُ..وهي أيضا الإمكان والاغتنام والفوز..ولئن كان استعمالها يوحي بانحسار مجالها وانحصارها في المكان والزمان، وكأنها الفسحة التي تفصل بين أطوار أطول من الحياة لا شأن لها( وقد تكون الفسحة أو الهدنة بين موقعتين) فإن الشاعرة توسّع هذا المجال بل تجعل "الفرصة" هي القانون والسمة المميزة للحياة..

1) الحرب والشعر

ينشأ النص بجمل قصار حاكمة جازمة في بنية اسمية مقابلة بين النفي والإثبات:

لا قوانين للحرب

كلُ " صباح الخير "

همسة شعر

كل آآه .. صدر ينتظر العجز

قرارٌ يتمنى الجواب

وجوابٌ يُعلنُ دورة لحن

وللنفي أكبر ممّا يمكن اعتباره دلالة تفاؤلية، إنه في إعلان الحياة ضد الحرب، وفي إبطال الحرب حتمية وأمرا لا مناص منه، كأنه القدر، ليكون القانون الأصلي هو قانون الحياة، وتتجرد الحرب من كونها حالة "طبيعية" أو معقولة أو ضرورية، فتتنزل منزلة الشاذ قياسا إلى القاعدة، وهي الحياة، وصورتها المثلى هي الشعر خصوصا والموسيقى خصوصا والفن عموما..

والمستطرف هنا هو مفهوم الشعر الذي تصوغه الشاعرة، فتخرجه من الدائرة الصناعية الضيقة، وتحرره وتجعل حدوده الحياة..

ونفهم من ذلك أنها تميز بين الشعر والقصيدة، إذ القصيدة صورة من صور الشعر ومظهر ووجه، أما الشعر (وإن شئنا الشعرية أو الشاعرية) فهو جنس عام لا يمكن أن يتحدّد في مقومات أو قواعد مطلقة، وهو أيضا (وهذا أهم) حالة شعرية، التعابير عنها لا حصر لها، لأنها تقع داخل دوائر فن القول، كما تقع خارج كل دائرة، أي في مختلف مظاهر الحياة والتفاعل اللفظي وغير اللفظي بين الإنسان والإنسان..

  كلُ " صباح الخير

همسة شعر

بهذا المعنى لا تعتبر الشاعرة الشعر حالة صناعية خاصة بل هو لحظات حياة /لحظات حب مسترسلة ، وكل لحظة هي حالة شعرية من حيث هي التعبير، مهما يكن، عن حالة عاطفية ما، تنقل مهما يكن الحامل، إلى متلقّ، فتوقع فيه شعورا ما..وكذا تكون تحية الحبيب للحبيب والصديق للصديق والقريب للقريب والغريب للغريب، ولنقل الإنسان للإنسان..

وبقدر ما تتسع العبارة الشعرية فتجري على كل لسان، فهي تسم كل علاقة، مادام الكلام لا يقال، إذا استثنينا "الحديث الذاتي" إلا في سياق علاقة تواصلية واصلة بين الناس في مقامات خطابية لا حصر لها..

وبذلك يصبح الشعر حالة كلّيّة (كل صباح الخير..) لا خاصّة، فلا يبحث عنها في الدواوين ولدى "محترفي القول" بل هي مبثوثة مقسومة بالتساوي بين كل الناس، ما داموا ذوي قلوب تعقل وتشعر وتحمل قيما إنسانية مشتركة...

كذا تؤسس الشاعرة للشعر مفهوما شاملا، لتجعل كل لحظة من لحظات الحياة شعرا، فالبشر لا يقولون الشعر بل الحياة تقوله أو الشعر يقول ذاته، فتنطق به كل الشفاه..

وحين نفت في مطلع النص لتثبت:

لا قوانين للحرب

كلُ " صباح الخير "

همسة شعر

أقامت علاقة "حوارية" جدلية بين الحرب عمل قتل وموت وإفناء، والشعر، بالمفهوم الذي بنته، عمل إحياء.. ونرى أن العلاقة بين الجملتين هي علاقة حجاجية تفسيرية، إذ النفي رد على "منطق الحرب" باعتباره منطقا اعتباطيا لا يلائم طبيعة الحياة في دوراتها ومقوماتها التي يعبر عنها الشعر يجري في مخاطبات الناس وتفاعلاتهم حين يقبل بعضهم على بعض بالتحية في كل صباح جديد..

وبذلك تتماهى لحظات الحياة ولحظات الشعر، كما تتماهى فرص الحياة وفرص الشعر وفرص الحب..

ويجد هذا التماهي أكمل صورة له في علاقة التجانس والتناسب التي تقيمها الشاعرة بين الانفعالات الإنسانية واللحظات الشعرية، لتعدها جميعها "لحظات موسيقية" إيقاعها كما إيقاع الشعر، هو إيقاع الحياة، إيقاع النفس الإنسانية..

ولا يتم ذلك في منطق النص بحسب قانون المحاكاة، فليس الشعر ولا الموسيقى تعبيرا عن شيء في النفس، بل هما ما في النفس وما في الحياة..فتصبح دورات الحياة هي ذاتها دورات الشعر ودورات الألحان:

كل آآه .. صدر ينتظر العجز

قرارٌ يتمنى الجواب

وجوابٌ يُعلنُ دورة لحن

  

وهنا أيضا مكان ومكانة للعلاقات الإنسانية باعتبارها جميعا محكومة بقانون كلّيّ يصوغه الفن (الشعر والموسيقى) ومفهوم الدورة ينزّل التجربة في سياق "الكثرة" المتوحّدة المتجانسة المحققة لإيقاع كلّيّ، في ضرب من الملحمة الكونيّة، تتغنى بالحياة وتنبذ العدم..

ويتنامى النص قائما على إيقاع تركيبيّ تداوليّ وتراوح بنيويّ، فتأتي لاءات النفي حاسرة مساحات العدم والحرب:

لا قوانين للحرب

لا قوانين...

وهي محدودة كما يلاحظ..أمّا اللاءات الفاتحة لآفاق الحياة وسياقات الإثبات فهي عديدة غامرة:

لا حدود للفرص (في إثبات الكثرة)

  لا نهاية للبدايات (في إثبات التجدد)

لا صوت للجهر

     لا صمت للوجيب...

  

وفي ثنايا ذلك تنتشر "القوانين" الجديدة المبشّرة بالحياة:

كل صباح الخير...

كل آاه...

كل ألم...

كل هزيمة...

كل الكون....

والطريف أن آخر "حكم" أو قانون كونيّ تسنّه الشاعرة (كلّ الكون ساحة وملعب) يغلق طورا هو الشطر الأول من النص، ويسمه من الخصائص بما يكسبه هويّة جزئيّة وسمات خاصّة، في إطار بنائه العامّ ..

ويجدر أن نستخلص أنّ البعد الدلاليّ الأبعد في ما رأينا، يتعلّق بتلك الكونيّة باعتبارها الثابت الأكبر واليقين النافي للعدم الطارئ على الإنسانيّة..

ومن  بنية الجمع ومعنى الكثرة اللامتناهية (لا حدود للفرص) تلتقط الشاعرة أحايين وأحوالا، هي بعض القطع من الحياة، وجزر وجود في بحر مضطرب آيل إلى العدم:

لا حدود للفرص حين يموج بحر

وتنتفض في عينيك التماعة

ويختلج وتر

وزر أشدني إليه

مهما اهتزت الأرض

ويبرز في هذه اللحظة من حركة النص الملمح الأول للمخاطب، حبيبا باهت الصورة مختزلا في "التماعة" هي بارقة الحياة والحب، في ما يجوز لنا أن نفهم من الصورة..كما تنبثق من ذات العينين النغمة الأولى المحاكية للنبضة الأولى للحياة، فتجد المتكلمة في ذاك الكون العشقي الناشئ ما ينقذها من التلاشي ويشدّها إلى الحياة..وتنتشر في العبارة سمات أسطوريّة جامعة بين الحب والحياة والموت والانبعاث والنجاة من السقوط في المهاوي الرهيبة:

وزر أشدني إليه

كلما اهتزت الأرض

  ومن الطاقة الدلالية المعجمية (الوَزَرُ: المَلْجَأُ، وأَصل الوَزَرِ الجبل المنيع، وكلُّ مَعْقِلٍ وَزَرٌ.) تنشئ الشاعرة سياقا"سرديّا" مندمجا في التصوير الشعري، فتحكي الهول والانتظار والخلاص والنجاة من النهاية الفاجعة، فتعيش الأبديّة في لحظة أو اللحظة أبديّة:

لا نهاية للبدايات

فتغالب بالحب الفناء والعدم، وترى الانتصار القادم في مقدماته وهو في لبوس الهزيمة:

كل ألم هو استثناء

كل هزيمة هي بداية انتصار

وما هذا الانقلاب في الرؤية إلا ترجمان لبعض الملامح الأسطورية المسخّرة للتعبير عن انبثاق الحياة من العدم في دورات لا متناهية..ولسنا نحتاج إلى بيان أصول هذه الرؤية وتجذرها في صميم التراث الانبعاثي (جدلية الموت والانبعاث..).

2) الشعر والحياة...الشعر والحبّ

  

عبارتان لوسم علاقة واحدة، فنحن بإزاء تجربة تتأسس على الحبّ باعثا الحياة ومخلصا من الشك والضياع، وهاديا إلى سبيل اليقين والسلام..

لذلك نعدّ الطور الثاني من حركة النصّ حركة انبعاث نشأت في رحم الطور الأول. ف"الالتماعة" هي الإرهاص الأول المقترن بظهور المخاطب، هذا الذي سيكون عماد الحركة الثانية والصورة الكبرى التي ستتشكل أثناءها..

لذلك نرى أن هذه الحركة الثانية محكومة بثلاثة مستويات متضافرة متكاملة متفاعلة في إنتاج المعنى العام المراد:

• صورة المخاطب وهي تتشكل حتى تكتمل.

• صورة المتكلمة منتجة للصورة ومتماهية معها، حتى تكتمل هي أيضا وتجد مستقرّها حين يتم الانصهار (نحن...)

• العلاقة بينهما.

• الخطاب الأسطوري الطقوسي الابتهالي الحاضن للصورتين في انفصالهما ثم في اتحادهما آخرا...

أ‌) المخاطب، وهو العنصر الأبرز في الزخم الشعري للنص، كائن واقع خارج اللغة، خارج التسمية:

معك لا مسميات

لا صوت للجهر

ماذا أسميك؟

كل الأسماء فيك كفر

ماذا أسميك؟..

وليس نبذ التسمية قصورا في الوصف أو لمسافة تحول دون الإدراك، وإنما هو في منطق النص، لحركة في النفس واقعة خارج ما تواضع أو اصطلح عليه الناس في العلاقات بين "الكلمات والأشياء" أو الأسماء والمسمّيات، وهي في العالم ساكنة ثابتة نهائيّة مقنعة، معناها معطى بصورة قبليّة، لا عناء في تدبّرها وتداولها والتفاهم في شأنها..

أما في صلب هذا النص فللمخاطب منزلة المدرَك الخاص، فهو وليد الذات في حركتها الفرديّة ونزوعها نزوعا إدراكيّا معرفيّا فريدا، لا يسكن العالم بل يسكن أعماق الذات وإن أتاها من بعيد، وهو وليد الأسطورة الحيّة الباعثة الحياة، المبدعة الإنسان في كماله ومطلق كينونته..ولذلك رأينا المخاطب شخصية نامية مركبة شيئا فشيئا:

تنتفضُ من عينيكَ إلتماعة

يا أيها المختال بالتمني

  أُفقٌ من خزفٍ ودخان                   

وأساطير جمرْ

يا أيها النابض بالهَدجْ

الساجي على أحلام التباشير

صلاة التبتل ؟    

أمير الوجد ؟

فيضا ً تَفلت من طفولة الأنهار؟!

وصوتك النابض في الروح

آخر الرجال.....

  

وليس غريبا أن تبلغ اللغة الشعريّة أعلى ذراها حين تريد الشاعرة أن تمسك باللغة ما يقع (أو من يقع) خارج اللغة، لأنه كائن روحيّ متوهّج الحضور مشكّل من الأماني والأحلام، اشتقته المتكلمة من باطنها كما كانت تفعل الآلهة القديمة..فيه من أمارات الألوهة والنبوّة، لكنه عندها كان "الرّجل المنتظر"، وإن شئت الوطن المنتظر، المخترق للأزمان، القادم من القدم، الواقع خارج المكان وفي كل الأمكنة، أفقا بلا حدود...

بدأ "التماعة" وعينين وانتهى مكتملا "آخر الرجال" من حيث هو مطلق الكمال..

ولكنه "لغويّ" رغم ذلك، صوّرته الشاعرة مشتقا من ذاتها، فيه سمات الأمنية والحلم، ولكن الملامح الأسطورية فيه أجلى وأظهر، و"في عينيه استوت الأرض والسماء" فجاء كونيّا صاهرا موحدا العوالم:

  

استوت في عينيكَ الأرض والسماء..

  

رسمته الشاعرة فسخّرت في نحته الشعري النور والنار، فجاء متوهجا توهّجا أبديّا، جمرا لا يخبو...

  

ب‌)  المتكلمة :

هي من حيث التلفظ مزدوجة الحضور: صوت يحكي التجربة وذات تحياها، مركبة تركيبا عجيبا، فيها القدرة على المماهاة بين ذاتها شاعرة وذاتها في صميم تجربة عشق أسطورية التكوين، جامعة بين ضعف الإنسان وحيرته وشكه وحاجته إلى مخلّص، وقوة "الآلهة" تقدّ من حلمها وباطنها ومن تاريخها ولا وعيها "آخر الرجال" بملامح خارقة مفارقة سحرية عجيبةـ تتقن طقوس الابتهال والانتظار

والرجاء، عاشقة عابدة...

تحنت يداي بدم التراتيل             

وشمتُكَ من دهرٍ

أَنذرُ في حقولِكَ عمرا من وجع السنين

      وأنتظر غيثك والأمنيات

                 شرائطي البيضاء تنتظر عينيك...

  

  

ج) العلاقة بينهما

  

في العلاقة أيضا ملامح الشخصيتين، فيها ما فيهما من تركيب وتطوّر وانبناء تدرّجي تبعا للحظات التجربة.. فهي في البدء كانت علاقة عشق وقداسة واغتراب وانفصال وتفكك في إطار العموديّة (الأرض/السماء..أنا /أنت..) وفي المنتهى أضحت علاقة انصهار وتماه، لتنبثق الهوية الواحدة والاسم الواحد:

  

تشابكت أحرفنا ...

يقينا نحن في زمن الشك

فإذا هما فكرة وحالة وعقيدة (اليقين) فتحرر وسكينة وسلام وانسجام مع الكون..صورة هما لاكتمال السيرورة الإنسانيّة صعودا إلى سنام الكمال والنور والحسن والقوة :

تَشظت خلايانا

ملايين اليراعات

تُهدي الكون أَنجمه

لا زمان بعد زماننا

                                       ولا خلق الله بعدنا نبض

  

هكذا تكون الشاعرة قد أخرجت لنا تجربة من عمق الكونيّة، فصاغت ذاتها والإنسانيّة في أكمل أمانيها وأحلامها، تحررا من الغربة والوجع والشك وانتهاء إلى الحرية والسلام والحب واليقين..

ولتصوغ هذه التجربة على الوجه الأكمل ذهبت بعيدا في "عمق الكلم"...

 

الحبيب بالحاج سالم


التعليقات

الاسم: الحبيب بالحاج سالم
التاريخ: 15/09/2018 14:08:18
الاستاذة نورة السعدي
شرفت بقراءة ما تلفظت به من أنيق العبارة واستجلبيت حسا شعريا راقيا...
لك شكري وتقديري الخالصان...

الاسم: الحبيب بالحاج سالم
التاريخ: 15/09/2018 14:05:03
الأستاذ جميل حسين الساعدي
شكرا لما تفضلت به من قول كشف كشف لطيفا بعض مكامن الجمال والجودة في نص السيدة رفيف الفارس...
تحياتي وتقديري..

الاسم: نورة سعدي
التاريخ: 09/09/2018 15:35:45
تحية عطرة للشاعرة الألقة الأنيقة العميقة الأستاذة رفيف
الفارس وكل الشكر والتقدير للكاتب و الناقد المتمرس الأستاذ
الحبيب بالحاج سالم على قراءته التحليلية النقدية وما تضمنته من إضاءات قيّمة مكنت القارىء من سبر أغوار ماجاء
في متن قصيدة أساطير الجمر ومن استجلاء أهم مميزاتها ،قصيدة موفقة معنى ومبنى من النصوص المفتوحة القابلة لقراءات
متعددة كما نوهتم في مقالتكم الثرة
نورة مع التحية

الاسم: جميل حسين الساعدي
التاريخ: 09/09/2018 04:57:46
الأستاذ الفاضل الحبيب بالحاج سالم
قراءة نقدية رائعة وممتعة لقصيدة أساطير الجمر لشاعرتنا الرائعة المتميزة رفيف الفارس التي أبهرتنا بالصور الشعرية المبتكرة الزاخرة باالدلالات والمعاني العميقة.هذه القصيدة هي نشيد كوني قديم قدم الحياة نفسها نستمع الآن إلى صدى نغماته القادم إلينا من البعيد البعيد عابرا بوابات الزمن فيستيقظ فينا الحلم الراقد في أعماق أعماقنا، حلم العودة الى فردوسنا المفقود.
ما أروع الشعر حين يضفي على المشاعر والأحاسيس كلّ هذا الجمال الأسطوري
إن حضور رفيف الفارس كشاعرة في قصيدة (أساطير الجمر) أشبه بحصور الآلهة في الأساطير القديمة

الاسم: الحبيب بالحاج سالم
التاريخ: 07/09/2018 22:55:30
الأستاذ يوسف لفتة الربيعي
شكرا جزيلا للطفك وحسك النقدي الرفيع..وشكرا للشاعرة المبدعة رفيف الفارس التي أتاحت أن نشرف بلقائك..تحياتي الخالصة...

الاسم: يوسف لفتة الربيعي
التاريخ: 07/09/2018 20:06:11
الأستاذ الحبيب بالحاج سالم ....رعاكم الله
تحية طيبة
إنتقاء موفق لنصٍّ رائع وتحليل بديع لمكنوناته ،بورك سعيكم لإبراز الإبداع وأهله ،وفقكم الله أيها البهي ، وتحية للشاعرة الألق الأستاذة رفيف الفارس على هذا النتاج البهيج النابع من صدق الإحساس والرؤى الحيّة لإظهار مكامن الوجع ومخرجات الواقع المرير ووإذكاء روح الأمل نحو الغد المشرق .




5000