..... 
مواضيع تستحق وقفة 
.
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.....
 ÙˆØ§Ø«Ù‚ الجابري
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
  
.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


عرض لكتاب السيرة والعنف الثقافي للكاتب محمد غازي الاخرس

كرار العامل

إن هذا العرض يقتصر على بيان ما جاء في الكتاب ،خالي تماما من مواد وآراء إضافية اخرى ، غير وجهة نظر الكاتب ذاته المعروضة في كتابه . والكتاب هذا نتاج لمحاولة علمية تكشف المخبوء في نفس شعراء الحداثة وتسبر اغوارهم ، تكبد بها الكاتب عناء البحث في اعماق الذات اللاشعورية والبحث في العوالم الداخلية للشاعر . فهو بمجمله دراسة معمقة لمرويات وسير شعراء الحداثة في العراق ، اذ يبين الكاتب إن الشاعر العراقي في سردياته يسيطر عليه ويحركه نسق جدلي ؛ مبني على تناقضاته النفسية .. لهذا النسق وجهان ، ينفي احداهما الآخر ، باطنه ينفي ظاهره وظاهره يقلب باطنه ، ويستند الكاتب بمفهومه هذا طبعا لرأي فرويد في النفس ، وكيف ان ظواهر نفسية كالخصاء و عقدة اوديب تكون عللا لأنساق ثقافية عبرت عنها النفس اللاشعورية بنزاعٍ يحمل في شكله الثقافي والشعري بعدا سياسيا ايديولوجيا ..ومرويات شعراء الحداثة في العراق تكشف عن هذا النوع من النزاع ، يُنظر فيه ويُبرر له من وجهة سيسولوجية وادبية ،  و هذا النزاع الثقافي ماهو الا تمظهرات  لإنفعالات لا شعورية مضمرة وقابعة في اللاوعي تبرز عنفا لفظيا -كما يسميها الكاتب - كمقدمة لردة فعل شعورية .. فهناك نص ثقافي مهيمن (الاب الفرويدي) يقابله نص ثقافي مخصي (الابن الفرويدي) ، يتجاوب معه بردة فعل عنيفة ، لا يمتصها لكي يحولها تجاه نفسه ، ليحدث في نفسه اذا حصل ما يسمى بميكانيزما النكوص  ، بل يوجهها بقوتها نحو الاب او النص المهيمن فينتج هذا المستوى من العنف اللفظي في المرويات  .. وثنائي هذا النسق هما ليسا اطرافا ادبية فحسب ، بل وسياسية ايضا (كانت في زمن مضى قبلية متجذرة في ذات النفس العراقية) .اذ ان الصراع والنزاع في اصله قبليا متعصبا وذو ازدواج شخصي مخفي يتحول  الى اشكال وصورا عصبية مماثلة ،  سياسية او ادبية او ثقافية ، وهكذا يتبدى النسق الثقافي ويعلن عن نفسه . إن طرفا هذا الثنائي  ينقلبان بين فترة واخرى ليتبادلا الادوار ، فيصبح صاحب النص المهيمن في فترة سابقة ، مخصيا في فترة لاحقة ، و يتحول المخصي في فينة ما ، مهيمنا في فينة ثانية ، وهكذا . وينسحب هذا التصور و يطبق على جميع حالات النزاع الثقافي المعلن بين شعراء الحداثة ، واحدا تلو اخر ، تارة بين شاعر ومؤسسة كما هو مع السياب  ،و تارة بين شاعر و مجتمع كما هو الحال مع نازك الملائكة ، او بين شاعر وآخر او ايديولوجية و ثانية كما هو مع الكثيرين الآخرين .وهنا يكشف الكاتب حقائق ما كانت تُكشَف لولا كتابه هذا وطرحه العميق  ، حقائق تبرز الوجه الآخر المستور لشعراء الحداثة ، وجه صبغ بعناية ليغطي ملامح كثيرة من حياتهم المليئة بالعنف الرمزي والتناقضات وصور التسقيط السياسي و الادبي المختلفة .وعلي القول ،إنما انا اعرض الآن شرح مختصر جدا عن الكتاب وهذا لا يغني ابدا عن قراءة الكتاب ، لان فيه و الصراحة قدرا كبيرا من المعلومات التي يصعب تناولها كاملة في مقال متواضع كهذا ، هذا اذا ما كنت افسد المتعة على القارئ دون ان ادري ! . و كما يحاول الكاتب أن يتناول كل شخصية شعرية و يباشر في تحليلها نفسيا على حِدة ، كذلك سنحاول تلخيص هذه الدراسة بالطريقة ذاتها ، متناولين كل رأي قاله الكاتب في كل شاعر منهم بالاختصار والتسلسل الاتي سيوضح -كما اتمنى- الكثير :


بدر شاكر السياب :

هذه اول شخصية يتناولها الكاتب ربما لأهميتها و ريادتها في الساحة الشعرية الحديثة ، او ربما لما اثارته هذه الشخصية من جدل في تلك الساحة . كتب الشاعر بدر شاكر السياب مقالات جمعها في كتاب اسماه (كنت شيوعيا ) ، ليسدل ستارا على نزاع ليس بالقصير مع المؤسسة التي كان يوما ما جزء منها كمحاولة منه لمحاكمة سيرته الطويلة معها . فهو يشن عنفا رمزيا لرفاق الامس ، ويريد تعريتهم و كشف ميولاتهم الشعبوية على حد وصفه ، يحكمه في هذا نسقا الخصاء والفحولة معا وفق رؤية الكاتب . والسياب يرى أن رفاقه و حزبه الذي اخصاه في مناسبات كثيرة حسب رأيه مرة مع حبه -مادلين - و مرة مع منصبه و مركزه الحزبي حتى ، متهما اياهم -اي رفاقه- بالتهتك والغدر والجبن ، وكل الصفات التي يراها السياب مناسبة ليطلق عليهم وفق هذا مصطلح الشعوبية ويدينها . هذه النبرة و هذا النزاع رد فعل لا شعوري لمناسبات كثيرة كان يلعب فيها رفاق السياب دور الاب الذي يهدد ابنه بالخصاء ، ويلعب السياب مجبورا دور الابن المهدد به . فيقول الكاتب (الحال إن موقفه التحريضي هذا يشير إلى سياق اجتماعي كان يعيش فيه ، فقد كان مضطهدا شاعرا بالغبن من محاربة الشيوعيين له وتسببهم بفصله والتضييق عليه .لهذا انبثق نسق الخصاء بشكل عدائي واضح ضد ذلك الاب الذي هدده بالخصاء) (١) . يحمل السياب في مرويته تناقض آخر ، فحين يعلن إنه نصير الفلاحين في مناسبة ما - وهو ابن الاقطاع- فهو يعتبرهم سذج وسراق ولاهثون وراء الغرائز والغنائم في مناسبة ثانية .و الامثلة عن هذا النزاع كثيرة يغص بها الكتاب ، ذلك النزاع الرمزي و التعنيف اللفظي بين السياب ورفاقه الشيوعيين .


عبد الوهاب البياتي :

يسيطر على سيرة الشاعر البياتي تعارضا نسقيا مواده التصوف ونفي الفضاء والمكان من جهة و فحولة بدوية واضحة من جهة آخرى . فيظهر تارة عارفا متجردا من الصغائر احقادا كانت وخلافات ، و تارة كفحل شعبي لا يتوانى ابدا عن مهاجمة خصومه والبطش بهم لفظيا . يقول الاستاذ الاخرس (هذا الاستعلاء يشير ضمنيا إلى تعارض نسقي داخلي .فظاهر المتصوف يبدو على شكل تواضع واحتقار للذات ، غير انه يخفي في الجوهر احتقارا للعامة وازدراء لمعارفهم التي تقتصر للظاهر ) (٢) ، وهذا التعارض مرده الى نرجسية ذات تحاول تركيز نفسها وتموضع الآخرين كمرآة لها .ان البياتي يحرك الانساق ويقلبها خدمة لتلك النرجسية العالية حتى اذا كان ذلك يحمل تعارضا صارخا. ان التناقض يتبدى عنده -اي البياتي - مثلا حينما كان يكتب لصديقه فؤاد التكرلي في احدى المناسبات قائلا له (كم يؤلمني هؤلاء الاوغاد وهم يمضغون هذه اللفظة -يقصد الحياة- بشهية ونهم كريم ، هذه اللفظة التي طردناها من قواميسنا) (٣).ولكنه لا ضير مطلقا أن يرى هؤلاء الذين يصفهم بالاوغاد ،في زمان لاحق ، قوم مؤمنون بالحياة ، يعملون عن طريق الكدح الى تغييرها !. ان مبدأ الفحولة الذي يسيطر عليه -اي البياتي- يفرض عليه خلق اما ؛  مريدين يتحلقون حوله ، لا يستطيعوا التخلي عنه ؛ فيتخذ من المقهى مثلا وسيلة لتحقيق ذلك  ، كما يتخذ العارف الصوفي من التكية منبرا  ، لكن ليسوا اتباع وطلبة علم هنا، بل معجبين وقراء ونقاد . او يخلق شخصيات يحققون غايته ، يبنيهم في مرويته ليخدموا فحولته ، ويسخرون انفسهم لتنفيذ تخيله الشعبي .مثلا كجد يوصي ابنه بالحفاظ على هذا الفتى الفريد ويحيطه بأهتمام خاص . او عرافة تتنبئ له ، تخبره عن ازمنة ومقامات صوفية للترحال ، ما ينبئ عن مستقبل عظيم لعارف ورجل صوفي !. وهذا كله يؤكد سعي البياتي لاستقطاب الاشياء نحوه ، لشد العالم نحو نقطة تمثل ذاته متمركزة ، محولا العالم كله الى فلك يدور حول ذاته النرجسية ، لذلك تجده يناقض نفسه ويقلب الانساق على بعضها ، لينتج هذا التعارض الواضح والبين.


نازك الملائكة :

ليس السياب وحده من يقف بغرور قومي ، يهاجم به الشعوبية والشعوبيين ، فنازك الملائكة ، تفعل ذلك ايضا ، لكن مع حدة اقل شدة منها عند السياب . وكذلك تؤكد نازك المحنة التي تواجهها المرأة ، فتوضح الاسباب وراء النشاط المحدود للمرأة العربية . فإذا كان الجسد والدماغ بأعتبارها اشياء محسوسة تتسع وتنمو ،  فللنفس توسعها و نموها ايضا . و هي تتوسع بالممارسة النفسية والعقلية ، ولان المرأة محددة مسبقا بممارسات خدمية واعمال منزلية ، اذ  تقتصر هذه الاعمال كما تعرفون فقط على الاستخدام البدني ، لا النفسي ، فحصتها من ذلك النمو النفسي ضئيلة جدا ، وهذه احدى الاسباب التي تراها نازك كافية لخلق كائن هامشي جل همه جذب انتباه الذكر واغواءه كمحاولة منه لتعويض الطاقة المكبوتة داخل هذا الكائن، و لم يكسبه ذلك الاهتمام سوى وسائل الكيد و الحسد والغرور حسب رأيها . تهاجم نازك ذلك الاهتمام بوصفه استجابة قسرية لقوانين ذكورية فصلت على مقاس الرجل وتخدم غاياته . ان الشاعرة نازك الملائكة بأهتمامها الادبي والنحوي شقت الصف الذكوري و نافسته . ان اهتمام نازك بالادب والنحو فرضته العائلة و جوها الادبي ، ومارسته نازك بدورها على اخوتها . فتماهيا مع والدها صادق الملائكة المختص في الادب والنحو ، فرضت نازك سلطتها الادبية على اخوتها ، مثلا اجبرت نازك الملائكة اخوتها على التخاطب بالفصحى بينهم . ويظهر هذا المزاج نسقا فحوليا متماهيا مع فحولة ورقابة ابوية ادبية صارمة . يضيف الاستاذ محمد الاخرس رأيا آخرا فيقول (الحال إن سيطرة النسق الفحولي على الشاعرة جعلها تتصف بكل الصفات التي يتصف بها الشعراء الذكور ابتداء من النرجسية مرورا بالمثالية وتغليب العاطفة على العقل و انتهاء بالتمركز حول الثقافة العليا الممثلة باللغة العربية الفخمة ..... الخ) (٤) ، وهذا ما يفسر هجموها اللاذع ذاك تجاه الشعوبية  . ويقابل هذا الاهتمام بالادب العربي الفصيح ، اهتماما آخر مضادا في الشعر الشعبي والغناء ، تعده نازك مجرد لهو ، و (الملاحظ بهذا الخصوص انها تتعاطى مع هذه الشعبيات بوصفها هامشا لا يعتد به ولا يفترض ان يتجاوز التعامل معه تلك الحدود التي تذكرها ) (٥)


فاضل العزاوي :

يشن العزاوي حربا على فئات ثلاث ، فاتحا النار على جيلين ، احداهما سابق لجيله و ثاني لاحق له ، وفئة ثالثة وهم قلة من جيله ومعاصروه . ولكل نزاع مع فئة يتخذ اسلوب ودوافع مختلفة . فنزاعه مع الجيل السابق له مثلا ، جيل الخمسينيات ،  يستند على قوله في فهمهم السياسي الذي يراه هو فهما قاصرا ، بينما يصف جيله ، جيل الستينات بأنه جيل بالغ لسن الرشد . ينقل الكاتب قول العزاوي بأن وعيه لاشكاليات ثورة تموز التي يمكن اعتبار جيل الخمسينيات آباءها ، قاده الى فهم ضيق الأفق لدى جيل الخمسينيات و مدى طفوليتهم في الفهم السياسي والاجتماعي للثورة ، كما يتهمهم بالقبلية التي ظن انه تخلص منها ! . وكما يطلق رشقاته ضد الخمسينيين ،كذلك يفعل مع جيل السبعينيات اللاحق لجيله - جيل الستينات - قاصدا استلابهم من قبل سردية وهمية و غفلتهم بما وصل لهم من سرد مزيف ، و تلاعب واضح بالحقائق من قبل شعراء بعثيين عاصروه ، هيمنوا على المراكز والاجهزة الثقافية في ذلك الوقت ، كان ذلك التزييف نتاج لحيازتهم تلك . وهو يكتب سرديته ليكشف المطمور و يميط اللثام عن هكذا تزييف على حد زعمه  .اما نزاعه مع معاصريه يحمل بعدا ايديولوجيا سياسيا ، ويبزر -رغم رفضه تبعيته و سيطرته عليه- نزاعا و عنفا ثقافيا . يقول الكاتب الاستاذ محمد غازي الاخرس (ما ان يفتتح العزاوي كتابه حتى يضيء النسق المركزي التي يشكل خطاب سيرته .مختصرا شكل الصراح حول الستينات ، الصراع الذي يبدو في الظاهر ثقافيا ، لكن ما ان تتمعن في جوهره حتى تجد أنه صراع سياسي منعكس عن الصراع الايديولوجي المحموم الذي عاشه العراق . النسق المعني هو العنف الثقافي المتمظهر بأشكال عديدة منها العنف اللفظي و النقد الحاد الذي يقرب ان يكون تقريعا . ناهيك عن تحقير الخصوم و تفكيك صورهم بما يسوءهم )(٦) .وتفاصيل كثيرة يضج بها الكتاب تؤكد عنفه اللفظي وتقريعه حتى للذين يشاركونه ايديولوجيته ، لا الوقت ولا الحال يسعفني لذكرها .



سامي مهدي : 

يهيمن على مروية سامي مهدي نسق متعارض ، وهو نسق المحايد / المنحاز في محاولته رسم صورة حقيقة عن جيله حسب زعمه ،  فيحاول اخفاء عنفه اللفظي بتلبسه دور الراوي الموضوعي والمهني ، يحقق ذلك استثماره ارشيف الدولة العراقية واشهار الوثائق الرسمية في رواية الاحداث ضد الخصوم بقصد ازاحتهم عن تمثيل هذا الجيل ، يساعده في هذا هيمنته السابقة هو ورفاقه على المراكز الثقافية في الدولة خلال حكم البعث .و تستمر تناقضات سامي مهدي التي يجهد في اخفاءها في مرويته تلك . تشاهده حينا يدعي معرفته بما يخفيه اضداده من الستينيين الذين يقابلونه ايديولوجيا وعلى رأسهم فاضل العزاوي ، و يسرد تفاصيلهم وتحركاتهم ، و واحدة منها قوله بتخليهم عن تنظيماتهم السياسية اليسارية و جنوحهم نحو الراديكالية ، ولكنه يعود ثانية ليقول إن ابناء جيله منغلقين على انفسهم ، الذي غالبا ما يصاحب هكذا انغلاق سرية عالية في طرح قضاياهم الخاصة بهم فيما بينهم ، لا تتعدى مع ذلك المقهى الذي يجلسون فيه ، وهذا تناقض مبين . فإذا كانت نشاطاتهم و اخبارهم بهذا المستوى من السرية ، كيف اشيع خبر انقطاعهم عن تنظيماتهم السياسية بهذه الصورة ! . ويفسر الكاتب هذا التضارب (عبر الانتباه لفكرة إن إختلاف المنظور بالنسبة للراوي ، هو ما يؤدي إلى ظهور ما يمكن اعتباره تناقضات ، فحين يزعم مهدي بيقين أنه كان عارفا بانقطاع راديكاليي الستينات عن احزابهم ، إنما كان يحاول وضع أساس لوجهة نظر حول اتسامهم بالجنوح الفكري . لكنه ما أن ينتقل الى منظور آخر حتى يناقض تلك المعلومة فيزعم اعتماده على الظن أنهم منظمون سياسيا و لهم علاقة ببعض تقل سامي مهدي اللفظي ينحرف من كونه عنف ثقافي ، يرتدي في مناسبات سابقة رداءا موضوعيا ، الى عنف تهكمي ساخر يصل حد الاعابة الخلقية و الوصف القاسي و التهوين من دور غرائمه و الاستهانة العريضة بهم ، واحيانا يبتعد كثيرا عن نتاج الكاتب الادبي ، و ينتهي باحتقار ونبز طريقة عيشه و طريقة تحدثه وغيرها ! . يعود الى السطح ، النزاع السياسي الايديولوجي الذي يبدو انه سيد تلك المرحلة ، ولم يقتصر فقط على النص الشعري والموقف ، بل و صل به الحال الى أدلجة الاماكن . فيتقاسم الطرفان المتعارضان اليساري والبعثي المقاهي ، اصبحت هناك مقاهي يرتادها احد الاطراف ، بينما يحس الطرف الاخر فيها اذا ارتادها بأنه غريب وغير مرحب به ، هذا اذا فكر اصلا الدخول اليها! . فمقهى المعقدين كان حاضنة لأولئك اليساريين المتطرفين ، بينما يرتاد رفاق يوسف مهدي البعثيون مقهى ياسين ، و الطرف الوسيط بينهما كانت مقهى البرلمان ، اذا يصفها مهدي بالارض المحايدة ، مما يشير الى وسطيتها . ان سامي مهدي لا ينازع فقط من اجل حيازة تمثيل جيله ضد فاضل العزاوي ورفاقه ، بل ينازع ايضا مع جيله ضد الآخرين بما يشبه التواطئ . فينافح من موقع مغاير -على حد تعبير الكاتب- عن فاضل العزاوي .فيصبح عدو الامس رفيق الساعة . طالما الآمر يتعلق بجيله ، فلا يجد تعبا في توحده مع خصمه السابق ضد الآخرين ، ابناء الاجيال الأخرى !.


فوزي كريم و صلاح نيازي : 

لدينا هنا شاعران مختلفان ، ليس لأنهما لم يعرضا نسق العنف اللفظي فقط ، بل و بوصفهما لا متحزبين ،  لا ينتمون الا كأعضاء يدخلون بأسماءهم فقط في هذا المجتمع الثقافي المنقسم ، اعضاءا تخلصا من ربقة التحزب والمواقف الايديولوجية العنيفة التي سادت أوساطهم الثقافية انذاك . فهذا فوزي كريم المشكك الهارب من سجون اليوتيوبات التي يشاهد ابناء جيله وهم غارقون فيها ، يعري جناية المثقفين والشعراء على الآخرين وعلى الشعر . يجري و بتسيير من الفكرة اليقينية التضحية بحيوات الآخرين خدمة لطرحهم الجمعي ، الذين يعودون ليناقضوه بفعل فردانيتهم و انانيتهم !. ان فوزي كريم يضع نفسه معارضا لليقين المطلق والايمان الاعمى ، ويجرد نفسه و الشعر من هيمنة الايديولوجية ، ولا يكتفي بذلك بل يعري انساقا كهذه ويفكك شبيهاتها ومن ثم يروي جنايتها على الشعر ، فالشعر لا يجب ان يتعدى كونه وصفا للحياة ، لا تقويما لها . الشعر الذي يحذف السياسة من لغته ، و يأنس بمفاتن الحياة . اما صلاح نيازي فوجد ايضا عزاءه في غربته ، ان يجد ما يأنسه هو ، غير الشعر واللغة . ان الشعر الذي يعبر ربما عن ارتباطه بماضيه و عربيته ، لا يسعفه ، ولا يخدمه في بيئته الجديدة ، التي تجبره على تلبس نسقا يناقض الاول . ان اغتراب صلاح نيازي في انگلترا وهو يحلم اقلها بموت كريم يوحي بالكثير ، يعبر عن كمية الآلم الذي كان يكتنفه وهو في بلاده  . لذا يصبح الموت الكريم اقصى احلامه !. ينتقل الى بيئة جديدة ليجد نفسه يصطدم بمختلفاتها و منظوماتها الفكرية ، طالما هو يواجهها بروحية عربية متجذرة .المشكلة الكبرى أنه حين ينصدم بها يظهر لأعضاء المجتمع الجديد -الذي يحاول نيازي الاندماج فيه - ذلك التناقض فاضحا ، مسببا له احراجات كثيرة . كواحدة منها ، يذكر الكاتب نقلا عن نيازي نفسه أنه - اي نيازي - اندفع ذات مرة بنزعة سوبرمانية ، وهي النزعة التي تعود عليها العرب معظمهم ، فيقول نيازي للعجوز الذي يسكن الأول في بيته ، بأن له القابلية على حفظ مئة كلمة انگليزية في كل يوم! ، ليشعر بعدها بالاهانة حين يرد العجوز بأستغراب (بسهولة؟؟) ، وهذا المنطق ربما يشعره بالاهانة كون الأول يخضع لروحية عراقية تأبى ان يشكك احدا  في اقوالها بالصورة التي فعلها العجوز الانگليزي معها .


شاعران من طينة واحدة ؛ حسين مردان و عبد القادر الجنابي


هكذا يراهما الكاتب ، ويفرد لهما مبحثا كاملا . وهذا الحكم ينطلق من كونهما يتشاركان اجتماعيا تصعلكهما معا . و يظهران تمردا اجتماعيا يخفي في كثير من المواضع نسقا مناقضا يضاء مع حسين مردان في شعره مثلا . فهذا الشاعر المطرود اجتماعيا بسبب عناده ، يرى نفسه دكتاتورا في الادب ، ولا يتوانى ابدا في اطلاق الاحكام ، دون مراعاة لمشاعر احد و دون مجاملة . ومن ثم يجاهد الحكومات الاقصائية و الشعوب الجامدة -المحكومة بتقاليد متحجرة -  بالمرأة ،اذ يتخذ منها -بما يشبه المجاز - سلاحا يشهره في وجوه الخصوم . انه شاعر نرجسي يرى نفسه كبير الشعراء و أنه كما سترى في الكتاب لا يقارن بينه وبين شعراء كبار كالجواهري مثلا ، بل يتجاوزهم ، ويجد أنهم يسعون الى القمر صعودا ، بينما هو يروم الهبوط الى باطن الأرض . هو يأبى التجريد و يسعى كنبي وجودي الى خلق تجسيد للفكرة وتعضيدها واقعيا بالانسان والارض. هذا النبي الذي انشَد من جميع جوانبه الى اقدام الحفاة ، ويدعو الى الاشاحة عن جسد المرأة و من ثم الالتفات الى لحم الشعب و تقبيله ، لكنه يكشف بطريقة لا واعية -تفضح اكثر مما تستر - عن انشداده الغريب نحو جسد المرأة . ان هذا الانشداد للمرأة يجد طريقه بالظهور في اكثر من مرة واصفا اياها -اي المرأة- بأوصاف تحيل كلها ، الى أنها صيد ثمين .ماذا عن عبد القادر الجنابي ؟ . بغض النظر عن الطريقة التي يستخدمها ، فنحن امام شاعر ثوري ، يقرن القول بالفعل . ان عبد القادر الجنابي لا يريد نضالا خطابيا ، او شعريا ، لا يسمن . بل يمارس عنفه الثقافي ، واقعيا عبر الفعل اليومي ، وذلك بخلق وضعا مضادا للنظام السائد ، الغرض منه تحطيمه . وبصور اكثر ميكافيلية ،  مرة بسرقة الكتب من المكتبات الرأسمالية ومن ثم تأميمها . ومرة في بث الاشاعات وتلفيق الحقائق . بل و يتجاوز كل هذه الصور المكيافيلية ، فتتخذ الامور ، وسائل اوسع ، ليشمل آلية خطف ، تتمثل في اختطاف اشكال من الماضي اليقيني و تحطيمه ومن ثم دفعه نحو تغيير ذاته .


جماعة كركوك و شعراء مدينة الثورة :

نصل هنا لصورة اخرى من صور التنازع الثقافي وهي صورة تستطبن قهرا خطابيا يقسم شعراء جيل الستينات والسبعينات الى فئتين ، الى اولا متن -يمارس هذا القهر - متمثل بالصورة المركزية التي تظهرها بغداد كعاصمة ، وهامش يُمارس ضده قهرا خطابيا ، يشمل كل الفئات الفرعية ثانيا . وهذا التقسيم يبدأ حين تعمد الصورة المركزية الى إدامة ظروف هيمنتها و خلق شروط استمرارها على حالها ، كثقافة مهيمنة بواسطة الشرعنة الثقافية والادبية . ونتيجة لذلك تستجيب الفئات الفرعية لها بالتحييد والاندماج والتماهي بغية الحصول على الشرعية ، التي تفرضها الهوية المركزية و تهبها لمن يبدي روحا عالية في الاندماج بها . لكن هذا التناسي و التنكر للهوية الفرعية ، يتخلله او يناقضه احيانا اعتراف بها ، و وضعها بالشكل الذي يضمن مقاومتها للخطاب السائد وخرقها للثقافة المهيمنة  ، و هذا يبرر ربما تسمية مجموع الشعراء النازحين من كركوك الى بغداد  بجماعة كركوك . وايضا تجد هذا التناقض ، في القبول والرفض بنفس الوقت لدى الهويات الفرعية ، بإتخاذ شكل مناسب لها و يناسب ثقافتها ، ولهذا ترى تمسك جماعة كركوك تمسكا شديدا بالقصيدة النثرية  في مقابل الشعر العمودي الموزون الذي يكتبه الشعراء البغداديون .هذا جعل الفرصة مناسبة لتعنيفهم من قبل اصحاب النص المهيمن و صل الى حد اعتبارهم اقلام هشة و موادهم بالعموم مواد ضعيفة !. وهو وصفا - والقول قولي- لا يخلو من جور ابدا  . وهذا التعنيف لم يشمل الكركوكيين فحسب بل يشمل كل الصور الفرعية ، ومنهم شعراء مدينة الثورة . ان مدينة الثورة ، رغم كونها تنتمي مكانيا الى بغداد -الهوية المهيمنة - الا انها ومنذ تشييدها يتم التعامل معها كجزء لا هو بالموصول بالجسد الأم - بغداد - ولا هو بالجزء المفصول عنه . انكم تعرفون ان مدينة الثورة ، بنيت بإيعاز من عبد الكريم قاسم لتستوعب البيوتات الفقيرة .ان طبيعة الثقافة المهيمنة المركزية ضد الساكنين فيها - وهم من مناطق و هويات فرعية- تفرض ذلك ، التي تفترض انها - اي مدينة الثورة -حديقة منزل ، بينما -بغداد- ذلك المنزل . وهذه سياسة احد المعماريين الذين فوضتهم اميريكا - وفق تبنيها لمنظومة التحديث الليبرالي - لبناء بما يشبه المستوطنات ، لتكون جزءا خلفيا تابع لمدن اكبر في اغلب البلدان ، للتقليل من التضخمات السكانية . ويصدف ان تكون مدينة الثورة احد مشاريع هذا المعماري ، وان هدف هذا المعماري -ربما يبدو هدفا نبيلا- كان يدفعه لبناء المدن على شكل قطاعات متماثلة و مصممة بشكل يسمح بضمان تكافل اجتماعي للجميع و تضمن هذه الصورة التي تبنى بها هذه المدن عدم شعور مواطنيها - واغلبهم من المهاجرين - بالنفور من انماط الحياة الحضرية . لكن جاءت النتائج معكوسة ، فبدل ان يندمج -وفق هذا التصور- المهاجرين بقيم المدينة ، راحوا يشكلون شرائح اجتماعية غير مندمجة و شاعرة بالعزل ومجم وسكانها ، قاد هذا الشعور سكان مدينة الثورة الى تبني افكار اليسار والدخول في تشكلات سياسية ثورية ناقمة .


هنا ننتهي من هذا العرض ومع كل هذا نجد انه -اي العرض- يعوزه بعض التفاصيل ، و بعض المعلومات التي ستجدها ثرية ، لم نتمكن من ايرادها هنا و لو فعلنا ، لوجدتنا للآن نكتب مقالات اخرى عن الغرض ذاته !. ان الكتاب المذكور ، لهو كتاب -اراه مهما -  يكشف - لا خبايا نزاع شعراء اجيال معينة فحسب بل ثقافة اجيال بأكملها ، تعكسه وتنعكس له .


  انتهى ؛ 


(١) انظر : السيرة والعنف الثقافي ، دراسة في مذكرات شعراء الحداثة في العراق- محمد الاخرس -ص ٧٥)

(٢) انظر: المصدر نفسه - ص  ٨٥

(٣) انظر: المصدر ذاته - ص ٧٩

(٤) انظر: المصدر نفسه - ص ١١٠ 

(٥) انظر : المصدر عينه - ص ١١١

(٦) انظر: المصدر نفسه - ص ١٤٧

(٧) انظر : المصدر نفسه - ص ١٧٧


عرض لكتاب السيرة والعنف الثقافي للكاتب محمد.غازي الاخرس



إن هذا العرض يقتصر على بيان ما جاء في الكتاب ،خالي تماما من مواد وآراء إضافية اخرى ، غير وجهة نظر الكاتب ذاته المعروضة في كتابه . والكتاب هذا نتاج لمحاولة علمية تكشف المخبوء في نفس شعراء الحداثة وتسبر اغوارهم ، تكبد بها الكاتب عناء البحث في اعماق الذات اللاشعورية والبحث في العوالم الداخلية للشاعر . فهو بمجمله دراسة معمقة لمرويات وسير شعراء الحداثة في العراق ، اذ يبين الكاتب إن الشاعر العراقي في سردياته يسيطر عليه ويحركه نسق جدلي ؛ مبني على تناقضاته النفسية .. لهذا النسق وجهان ، ينفي احداهما الآخر ، باطنه ينفي ظاهره وظاهره يقلب باطنه ، ويستند الكاتب بمفهومه هذا طبعا لرأي فرويد في النفس ، وكيف ان ظواهر نفسية كالخصاء و عقدة اوديب تكون عللا لأنساق ثقافية عبرت عنها النفس اللاشعورية بنزاعٍ يحمل في شكله الثقافي والشعري بعدا سياسيا ايديولوجيا ..ومرويات شعراء الحداثة في العراق تكشف عن هذا النوع من النزاع ، يُنظر فيه ويُبرر له من وجهة سيسولوجية وادبية ،  و هذا النزاع الثقافي ماهو الا تمظهرات  لإنفعالات لا شعورية مضمرة وقابعة في اللاوعي تبرز عنفا لفظيا -كما يسميها الكاتب - كمقدمة لردة فعل شعورية .. فهناك نص ثقافي مهيمن (الاب الفرويدي) يقابله نص ثقافي مخصي (الابن الفرويدي) ، يتجاوب معه بردة فعل عنيفة ، لا يمتصها لكي يحولها تجاه نفسه ، ليحدث في نفسه اذا حصل ما يسمى بميكانيزما النكوص  ، بل يوجهها بقوتها نحو الاب او النص المهيمن فينتج هذا المستوى من العنف اللفظي في المرويات  .. وثنائي هذا النسق هما ليسا اطرافا ادبية فحسب ، بل وسياسية ايضا (كانت في زمن مضى قبلية متجذرة في ذات النفس العراقية) .اذ ان الصراع والنزاع في اصله قبليا متعصبا وذو ازدواج شخصي مخفي يتحول  الى اشكال وصورا عصبية مماثلة ،  سياسية او ادبية او ثقافية ، وهكذا يتبدى النسق الثقافي ويعلن عن نفسه . إن طرفا هذا الثنائي  ينقلبان بين فترة واخرى ليتبادلا الادوار ، فيصبح صاحب النص المهيمن في فترة سابقة ، مخصيا في فترة لاحقة ، و يتحول المخصي في فينة ما ، مهيمنا في فينة ثانية ، وهكذا . وينسحب هذا التصور و يطبق على جميع حالات النزاع الثقافي المعلن بين شعراء الحداثة ، واحدا تلو اخر ، تارة بين شاعر ومؤسسة كما هو مع السياب  ،و تارة بين شاعر و مجتمع كما هو الحال مع نازك الملائكة ، او بين شاعر وآخر او ايديولوجية و ثانية كما هو مع الكثيرين الآخرين .وهنا يكشف الكاتب حقائق ما كانت تُكشَف لولا كتابه هذا وطرحه العميق  ، حقائق تبرز الوجه الآخر المستور لشعراء الحداثة ، وجه صبغ بعناية ليغطي ملامح كثيرة من حياتهم المليئة بالعنف الرمزي والتناقضات وصور التسقيط السياسي و الادبي المختلفة .وعلي القول ،إنما انا اعرض الآن شرح مختصر جدا عن الكتاب وهذا لا يغني ابدا عن قراءة الكتاب ، لان فيه و الصراحة قدرا كبيرا من المعلومات التي يصعب تناولها كاملة في مقال متواضع كهذا ، هذا اذا ما كنت افسد المتعة على القارئ دون ان ادري ! . و كما يحاول الكاتب أن يتناول كل شخصية شعرية و يباشر في تحليلها نفسيا على حِدة ، كذلك سنحاول تلخيص هذه الدراسة بالطريقة ذاتها ، متناولين كل رأي قاله الكاتب في كل شاعر منهم بالاختصار والتسلسل الاتي سيوضح -كما اتمنى- الكثير :


بدر شاكر السياب :

هذه اول شخصية يتناولها الكاتب ربما لأهميتها و ريادتها في الساحة الشعرية الحديثة ، او ربما لما اثارته هذه الشخصية من جدل في تلك الساحة . كتب الشاعر بدر شاكر السياب مقالات جمعها في كتاب اسماه (كنت شيوعيا ) ، ليسدل ستارا على نزاع ليس بالقصير مع المؤسسة التي كان يوما ما جزء منها كمحاولة منه لمحاكمة سيرته الطويلة معها . فهو يشن عنفا رمزيا لرفاق الامس ، ويريد تعريتهم و كشف ميولاتهم الشعبوية على حد وصفه ، يحكمه في هذا نسقا الخصاء والفحولة معا وفق رؤية الكاتب . والسياب يرى أن رفاقه و حزبه الذي اخصاه في مناسبات كثيرة حسب رأيه مرة مع حبه -مادلين - و مرة مع منصبه و مركزه الحزبي حتى ، متهما اياهم -اي رفاقه- بالتهتك والغدر والجبن ، وكل الصفات التي يراها السياب مناسبة ليطلق عليهم وفق هذا مصطلح الشعوبية ويدينها . هذه النبرة و هذا النزاع رد فعل لا شعوري لمناسبات كثيرة كان يلعب فيها رفاق السياب دور الاب الذي يهدد ابنه بالخصاء ، ويلعب السياب مجبورا دور الابن المهدد به . فيقول الكاتب (الحال إن موقفه التحريضي هذا يشير إلى سياق اجتماعي كان يعيش فيه ، فقد كان مضطهدا شاعرا بالغبن من محاربة الشيوعيين له وتسببهم بفصله والتضييق عليه .لهذا انبثق نسق الخصاء بشكل عدائي واضح ضد ذلك الاب الذي هدده بالخصاء) (١) . يحمل السياب في مرويته تناقض آخر ، فحين يعلن إنه نصير الفلاحين في مناسبة ما - وهو ابن الاقطاع- فهو يعتبرهم سذج وسراق ولاهثون وراء الغرائز والغنائم في مناسبة ثانية .و الامثلة عن هذا النزاع كثيرة يغص بها الكتاب ، ذلك النزاع الرمزي و التعنيف اللفظي بين السياب ورفاقه الشيوعيين .


عبد الوهاب البياتي :

يسيطر على سيرة الشاعر البياتي تعارضا نسقيا مواده التصوف ونفي الفضاء والمكان من جهة و فحولة بدوية واضحة من جهة آخرى . فيظهر تارة عارفا متجردا من الصغائر احقادا كانت وخلافات ، و تارة كفحل شعبي لا يتوانى ابدا عن مهاجمة خصومه والبطش بهم لفظيا . يقول الاستاذ الاخرس (هذا الاستعلاء يشير ضمنيا إلى تعارض نسقي داخلي .فظاهر المتصوف يبدو على شكل تواضع واحتقار للذات ، غير انه يخفي في الجوهر احتقارا للعامة وازدراء لمعارفهم التي تقتصر للظاهر ) (٢) ، وهذا التعارض مرده الى نرجسية ذات تحاول تركيز نفسها وتموضع الآخرين كمرآة لها .ان البياتي يحرك الانساق ويقلبها خدمة لتلك النرجسية العالية حتى اذا كان ذلك يحمل تعارضا صارخا. ان التناقض يتبدى عنده -اي البياتي - مثلا حينما كان يكتب لصديقه فؤاد التكرلي في احدى المناسبات قائلا له (كم يؤلمني هؤلاء الاوغاد وهم يمضغون هذه اللفظة -يقصد الحياة- بشهية ونهم كريم ، هذه اللفظة التي طردناها من قواميسنا) (٣).ولكنه لا ضير مطلقا أن يرى هؤلاء الذين يصفهم بالاوغاد ،في زمان لاحق ، قوم مؤمنون بالحياة ، يعملون عن طريق الكدح الى تغييرها !. ان مبدأ الفحولة الذي يسيطر عليه -اي البياتي- يفرض عليه خلق اما ؛  مريدين يتحلقون حوله ، لا يستطيعوا التخلي عنه ؛ فيتخذ من المقهى مثلا وسيلة لتحقيق ذلك  ، كما يتخذ العارف الصوفي من التكية منبرا  ، لكن ليسوا اتباع وطلبة علم هنا، بل معجبين وقراء ونقاد . او يخلق شخصيات يحققون غايته ، يبنيهم في مرويته ليخدموا فحولته ، ويسخرون انفسهم لتنفيذ تخيله الشعبي .مثلا كجد يوصي ابنه بالحفاظ على هذا الفتى الفريد ويحيطه بأهتمام خاص . او عرافة تتنبئ له ، تخبره عن ازمنة ومقامات صوفية للترحال ، ما ينبئ عن مستقبل عظيم لعارف ورجل صوفي !. وهذا كله يؤكد سعي البياتي لاستقطاب الاشياء نحوه ، لشد العالم نحو نقطة تمثل ذاته متمركزة ، محولا العالم كله الى فلك يدور حول ذاته النرجسية ، لذلك تجده يناقض نفسه ويقلب الانساق على بعضها ، لينتج هذا التعارض الواضح والبين.


نازك الملائكة :

ليس السياب وحده من يقف بغرور قومي ، يهاجم به الشعوبية والشعوبيين ، فنازك الملائكة ، تفعل ذلك ايضا ، لكن مع حدة اقل شدة منها عند السياب . وكذلك تؤكد نازك المحنة التي تواجهها المرأة ، فتوضح الاسباب وراء النشاط المحدود للمرأة العربية . فإذا كان الجسد والدماغ بأعتبارها اشياء محسوسة تتسع وتنمو ،  فللنفس توسعها و نموها ايضا . و هي تتوسع بالممارسة النفسية والعقلية ، ولان المرأة محددة مسبقا بممارسات خدمية واعمال منزلية ، اذ  تقتصر هذه الاعمال كما تعرفون فقط على الاستخدام البدني ، لا النفسي ، فحصتها من ذلك النمو النفسي ضئيلة جدا ، وهذه احدى الاسباب التي تراها نازك كافية لخلق كائن هامشي جل همه جذب انتباه الذكر واغواءه كمحاولة منه لتعويض الطاقة المكبوتة داخل هذا الكائن، و لم يكسبه ذلك الاهتمام سوى وسائل الكيد و الحسد والغرور حسب رأيها . تهاجم نازك ذلك الاهتمام بوصفه استجابة قسرية لقوانين ذكورية فصلت على مقاس الرجل وتخدم غاياته . ان الشاعرة نازك الملائكة بأهتمامها الادبي والنحوي شقت الصف الذكوري و نافسته . ان اهتمام نازك بالادب والنحو فرضته العائلة و جوها الادبي ، ومارسته نازك بدورها على اخوتها . فتماهيا مع والدها صادق الملائكة المختص في الادب والنحو ، فرضت نازك سلطتها الادبية على اخوتها ، مثلا اجبرت نازك الملائكة اخوتها على التخاطب بالفصحى بينهم . ويظهر هذا المزاج نسقا فحوليا متماهيا مع فحولة ورقابة ابوية ادبية صارمة . يضيف الاستاذ محمد الاخرس رأيا آخرا فيقول (الحال إن سيطرة النسق الفحولي على الشاعرة جعلها تتصف بكل الصفات التي يتصف بها الشعراء الذكور ابتداء من النرجسية مرورا بالمثالية وتغليب العاطفة على العقل و انتهاء بالتمركز حول الثقافة العليا الممثلة باللغة العربية الفخمة ..... الخ) (٤) ، وهذا ما يفسر هجموها اللاذع ذاك تجاه الشعوبية  . ويقابل هذا الاهتمام بالادب العربي الفصيح ، اهتماما آخر مضادا في الشعر الشعبي والغناء ، تعده نازك مجرد لهو ، و (الملاحظ بهذا الخصوص انها تتعاطى مع هذه الشعبيات بوصفها هامشا لا يعتد به ولا يفترض ان يتجاوز التعامل معه تلك الحدود التي تذكرها ) (٥)


فاضل العزاوي :

يشن العزاوي حربا على فئات ثلاث ، فاتحا النار على جيلين ، احداهما سابق لجيله و ثاني لاحق له ، وفئة ثالثة وهم قلة من جيله ومعاصروه . ولكل نزاع مع فئة يتخذ اسلوب ودوافع مختلفة . فنزاعه مع الجيل السابق له مثلا ، جيل الخمسينيات ،  يستند على قوله في فهمهم السياسي الذي يراه هو فهما قاصرا ، بينما يصف جيله ، جيل الستينات بأنه جيل بالغ لسن الرشد . ينقل الكاتب قول العزاوي بأن وعيه لاشكاليات ثورة تموز التي يمكن اعتبار جيل الخمسينيات آباءها ، قاده الى فهم ضيق الأفق لدى جيل الخمسينيات و مدى طفوليتهم في الفهم السياسي والاجتماعي للثورة ، كما يتهمهم بالقبلية التي ظن انه تخلص منها ! . وكما يطلق رشقاته ضد الخمسينيين ،كذلك يفعل مع جيل السبعينيات اللاحق لجيله - جيل الستينات - قاصدا استلابهم من قبل سردية وهمية و غفلتهم بما وصل لهم من سرد مزيف ، و تلاعب واضح بالحقائق من قبل شعراء بعثيين عاصروه ، هيمنوا على المراكز والاجهزة الثقافية في ذلك الوقت ، كان ذلك التزييف نتاج لحيازتهم تلك . وهو يكتب سرديته ليكشف المطمور و يميط اللثام عن هكذا تزييف على حد زعمه  .اما نزاعه مع معاصريه يحمل بعدا ايديولوجيا سياسيا ، ويبزر -رغم رفضه تبعيته و سيطرته عليه- نزاعا و عنفا ثقافيا . يقول الكاتب الاستاذ محمد غازي الاخرس (ما ان يفتتح العزاوي كتابه حتى يضيء النسق المركزي التي يشكل خطاب سيرته .مختصرا شكل الصراح حول الستينات ، الصراع الذي يبدو في الظاهر ثقافيا ، لكن ما ان تتمعن في جوهره حتى تجد أنه صراع سياسي منعكس عن الصراع الايديولوجي المحموم الذي عاشه العراق . النسق المعني هو العنف الثقافي المتمظهر بأشكال عديدة منها العنف اللفظي و النقد الحاد الذي يقرب ان يكون تقريعا . ناهيك عن تحقير الخصوم و تفكيك صورهم بما يسوءهم )(٦) .وتفاصيل كثيرة يضج بها الكتاب تؤكد عنفه اللفظي وتقريعه حتى للذين يشاركونه ايديولوجيته ، لا الوقت ولا الحال يسعفني لذكرها .



سامي مهدي : 

يهيمن على مروية سامي مهدي نسق متعارض ، وهو نسق المحايد / المنحاز في محاولته رسم صورة حقيقة عن جيله حسب زعمه ،  فيحاول اخفاء عنفه اللفظي بتلبسه دور الراوي الموضوعي والمهني ، يحقق ذلك استثماره ارشيف الدولة العراقية واشهار الوثائق الرسمية في رواية الاحداث ضد الخصوم بقصد ازاحتهم عن تمثيل هذا الجيل ، يساعده في هذا هيمنته السابقة هو ورفاقه على المراكز الثقافية في الدولة خلال حكم البعث .و تستمر تناقضات سامي مهدي التي يجهد في اخفاءها في مرويته تلك . تشاهده حينا يدعي معرفته بما يخفيه اضداده من الستينيين الذين يقابلونه ايديولوجيا وعلى رأسهم فاضل العزاوي ، و يسرد تفاصيلهم وتحركاتهم ، و واحدة منها قوله بتخليهم عن تنظيماتهم السياسية اليسارية و جنوحهم نحو الراديكالية ، ولكنه يعود ثانية ليقول إن ابناء جيله منغلقين على انفسهم ، الذي غالبا ما يصاحب هكذا انغلاق سرية عالية في طرح قضاياهم الخاصة بهم فيما بينهم ، لا تتعدى مع ذلك المقهى الذي يجلسون فيه ، وهذا تناقض مبين . فإذا كانت نشاطاتهم و اخبارهم بهذا المستوى من السرية ، كيف اشيع خبر انقطاعهم عن تنظيماتهم السياسية بهذه الصورة ! . ويفسر الكاتب هذا التضارب (عبر الانتباه لفكرة إن إختلاف المنظور بالنسبة للراوي ، هو ما يؤدي إلى ظهور ما يمكن اعتباره تناقضات ، فحين يزعم مهدي بيقين أنه كان عارفا بانقطاع راديكاليي الستينات عن احزابهم ، إنما كان يحاول وضع أساس لوجهة نظر حول اتسامهم بالجنوح الفكري . لكنه ما أن ينتقل الى منظور آخر حتى يناقض تلك المعلومة فيزعم اعتماده على الظن أنهم منظمون سياسيا و لهم علاقة ببعض تقل سامي مهدي اللفظي ينحرف من كونه عنف ثقافي ، يرتدي في مناسبات سابقة رداءا موضوعيا ، الى عنف تهكمي ساخر يصل حد الاعابة الخلقية و الوصف القاسي و التهوين من دور غرائمه و الاستهانة العريضة بهم ، واحيانا يبتعد كثيرا عن نتاج الكاتب الادبي ، و ينتهي باحتقار ونبز طريقة عيشه و طريقة تحدثه وغيرها ! . يعود الى السطح ، النزاع السياسي الايديولوجي الذي يبدو انه سيد تلك المرحلة ، ولم يقتصر فقط على النص الشعري والموقف ، بل و صل به الحال الى أدلجة الاماكن . فيتقاسم الطرفان المتعارضان اليساري والبعثي المقاهي ، اصبحت هناك مقاهي يرتادها احد الاطراف ، بينما يحس الطرف الاخر فيها اذا ارتادها بأنه غريب وغير مرحب به ، هذا اذا فكر اصلا الدخول اليها! . فمقهى المعقدين كان حاضنة لأولئك اليساريين المتطرفين ، بينما يرتاد رفاق يوسف مهدي البعثيون مقهى ياسين ، و الطرف الوسيط بينهما كانت مقهى البرلمان ، اذا يصفها مهدي بالارض المحايدة ، مما يشير الى وسطيتها . ان سامي مهدي لا ينازع فقط من اجل حيازة تمثيل جيله ضد فاضل العزاوي ورفاقه ، بل ينازع ايضا مع جيله ضد الآخرين بما يشبه التواطئ . فينافح من موقع مغاير -على حد تعبير الكاتب- عن فاضل العزاوي .فيصبح عدو الامس رفيق الساعة . طالما الآمر يتعلق بجيله ، فلا يجد تعبا في توحده مع خصمه السابق ضد الآخرين ، ابناء الاجيال الأخرى !.


فوزي كريم و صلاح نيازي : 

لدينا هنا شاعران مختلفان ، ليس لأنهما لم يعرضا نسق العنف اللفظي فقط ، بل و بوصفهما لا متحزبين ،  لا ينتمون الا كأعضاء يدخلون بأسماءهم فقط في هذا المجتمع الثقافي المنقسم ، اعضاءا تخلصا من ربقة التحزب والمواقف الايديولوجية العنيفة التي سادت أوساطهم الثقافية انذاك . فهذا فوزي كريم المشكك الهارب من سجون اليوتيوبات التي يشاهد ابناء جيله وهم غارقون فيها ، يعري جناية المثقفين والشعراء على الآخرين وعلى الشعر . يجري و بتسيير من الفكرة اليقينية التضحية بحيوات الآخرين خدمة لطرحهم الجمعي ، الذين يعودون ليناقضوه بفعل فردانيتهم و انانيتهم !. ان فوزي كريم يضع نفسه معارضا لليقين المطلق والايمان الاعمى ، ويجرد نفسه و الشعر من هيمنة الايديولوجية ، ولا يكتفي بذلك بل يعري انساقا كهذه ويفكك شبيهاتها ومن ثم يروي جنايتها على الشعر ، فالشعر لا يجب ان يتعدى كونه وصفا للحياة ، لا تقويما لها . الشعر الذي يحذف السياسة من لغته ، و يأنس بمفاتن الحياة . اما صلاح نيازي فوجد ايضا عزاءه في غربته ، ان يجد ما يأنسه هو ، غير الشعر واللغة . ان الشعر الذي يعبر ربما عن ارتباطه بماضيه و عربيته ، لا يسعفه ، ولا يخدمه في بيئته الجديدة ، التي تجبره على تلبس نسقا يناقض الاول . ان اغتراب صلاح نيازي في انگلترا وهو يحلم اقلها بموت كريم يوحي بالكثير ، يعبر عن كمية الآلم الذي كان يكتنفه وهو في بلاده  . لذا يصبح الموت الكريم اقصى احلامه !. ينتقل الى بيئة جديدة ليجد نفسه يصطدم بمختلفاتها و منظوماتها الفكرية ، طالما هو يواجهها بروحية عربية متجذرة .المشكلة الكبرى أنه حين ينصدم بها يظهر لأعضاء المجتمع الجديد -الذي يحاول نيازي الاندماج فيه - ذلك التناقض فاضحا ، مسببا له احراجات كثيرة . كواحدة منها ، يذكر الكاتب نقلا عن نيازي نفسه أنه - اي نيازي - اندفع ذات مرة بنزعة سوبرمانية ، وهي النزعة التي تعود عليها العرب معظمهم ، فيقول نيازي للعجوز الذي يسكن الأول في بيته ، بأن له القابلية على حفظ مئة كلمة انگليزية في كل يوم! ، ليشعر بعدها بالاهانة حين يرد العجوز بأستغراب (بسهولة؟؟) ، وهذا المنطق ربما يشعره بالاهانة كون الأول يخضع لروحية عراقية تأبى ان يشكك احدا  في اقوالها بالصورة التي فعلها العجوز الانگليزي معها .


شاعران من طينة واحدة ؛ حسين مردان و عبد القادر الجنابي


هكذا يراهما الكاتب ، ويفرد لهما مبحثا كاملا . وهذا الحكم ينطلق من كونهما يتشاركان اجتماعيا تصعلكهما معا . و يظهران تمردا اجتماعيا يخفي في كثير من المواضع نسقا مناقضا يضاء مع حسين مردان في شعره مثلا . فهذا الشاعر المطرود اجتماعيا بسبب عناده ، يرى نفسه دكتاتورا في الادب ، ولا يتوانى ابدا في اطلاق الاحكام ، دون مراعاة لمشاعر احد و دون مجاملة . ومن ثم يجاهد الحكومات الاقصائية و الشعوب الجامدة -المحكومة بتقاليد متحجرة -  بالمرأة ،اذ يتخذ منها -بما يشبه المجاز - سلاحا يشهره في وجوه الخصوم . انه شاعر نرجسي يرى نفسه كبير الشعراء و أنه كما سترى في الكتاب لا يقارن بينه وبين شعراء كبار كالجواهري مثلا ، بل يتجاوزهم ، ويجد أنهم يسعون الى القمر صعودا ، بينما هو يروم الهبوط الى باطن الأرض . هو يأبى التجريد و يسعى كنبي وجودي الى خلق تجسيد للفكرة وتعضيدها واقعيا بالانسان والارض. هذا النبي الذي انشَد من جميع جوانبه الى اقدام الحفاة ، ويدعو الى الاشاحة عن جسد المرأة و من ثم الالتفات الى لحم الشعب و تقبيله ، لكنه يكشف بطريقة لا واعية -تفضح اكثر مما تستر - عن انشداده الغريب نحو جسد المرأة . ان هذا الانشداد للمرأة يجد طريقه بالظهور في اكثر من مرة واصفا اياها -اي المرأة- بأوصاف تحيل كلها ، الى أنها صيد ثمين .ماذا عن عبد القادر الجنابي ؟ . بغض النظر عن الطريقة التي يستخدمها ، فنحن امام شاعر ثوري ، يقرن القول بالفعل . ان عبد القادر الجنابي لا يريد نضالا خطابيا ، او شعريا ، لا يسمن . بل يمارس عنفه الثقافي ، واقعيا عبر الفعل اليومي ، وذلك بخلق وضعا مضادا للنظام السائد ، الغرض منه تحطيمه . وبصور اكثر ميكافيلية ،  مرة بسرقة الكتب من المكتبات الرأسمالية ومن ثم تأميمها . ومرة في بث الاشاعات وتلفيق الحقائق . بل و يتجاوز كل هذه الصور المكيافيلية ، فتتخذ الامور ، وسائل اوسع ، ليشمل آلية خطف ، تتمثل في اختطاف اشكال من الماضي اليقيني و تحطيمه ومن ثم دفعه نحو تغيير ذاته .


جماعة كركوك و شعراء مدينة الثورة :

نصل هنا لصورة اخرى من صور التنازع الثقافي وهي صورة تستطبن قهرا خطابيا يقسم شعراء جيل الستينات والسبعينات الى فئتين ، الى اولا متن -يمارس هذا القهر - متمثل بالصورة المركزية التي تظهرها بغداد كعاصمة ، وهامش يُمارس ضده قهرا خطابيا ، يشمل كل الفئات الفرعية ثانيا . وهذا التقسيم يبدأ حين تعمد الصورة المركزية الى إدامة ظروف هيمنتها و خلق شروط استمرارها على حالها ، كثقافة مهيمنة بواسطة الشرعنة الثقافية والادبية . ونتيجة لذلك تستجيب الفئات الفرعية لها بالتحييد والاندماج والتماهي بغية الحصول على الشرعية ، التي تفرضها الهوية المركزية و تهبها لمن يبدي روحا عالية في الاندماج بها . لكن هذا التناسي و التنكر للهوية الفرعية ، يتخلله او يناقضه احيانا اعتراف بها ، و وضعها بالشكل الذي يضمن مقاومتها للخطاب السائد وخرقها للثقافة المهيمنة  ، و هذا يبرر ربما تسمية مجموع الشعراء النازحين من كركوك الى بغداد  بجماعة كركوك . وايضا تجد هذا التناقض ، في القبول والرفض بنفس الوقت لدى الهويات الفرعية ، بإتخاذ شكل مناسب لها و يناسب ثقافتها ، ولهذا ترى تمسك جماعة كركوك تمسكا شديدا بالقصيدة النثرية  في مقابل الشعر العمودي الموزون الذي يكتبه الشعراء البغداديون .هذا جعل الفرصة مناسبة لتعنيفهم من قبل اصحاب النص المهيمن و صل الى حد اعتبارهم اقلام هشة و موادهم بالعموم مواد ضعيفة !. وهو وصفا - والقول قولي- لا يخلو من جور ابدا  . وهذا التعنيف لم يشمل الكركوكيين فحسب بل يشمل كل الصور الفرعية ، ومنهم شعراء مدينة الثورة . ان مدينة الثورة ، رغم كونها تنتمي مكانيا الى بغداد -الهوية المهيمنة - الا انها ومنذ تشييدها يتم التعامل معها كجزء لا هو بالموصول بالجسد الأم - بغداد - ولا هو بالجزء المفصول عنه . انكم تعرفون ان مدينة الثورة ، بنيت بإيعاز من عبد الكريم قاسم لتستوعب البيوتات الفقيرة .ان طبيعة الثقافة المهيمنة المركزية ضد الساكنين فيها - وهم من مناطق و هويات فرعية- تفرض ذلك ، التي تفترض انها - اي مدينة الثورة -حديقة منزل ، بينما -بغداد- ذلك المنزل . وهذه سياسة احد المعماريين الذين فوضتهم اميريكا - وفق تبنيها لمنظومة التحديث الليبرالي - لبناء بما يشبه المستوطنات ، لتكون جزءا خلفيا تابع لمدن اكبر في اغلب البلدان ، للتقليل من التضخمات السكانية . ويصدف ان تكون مدينة الثورة احد مشاريع هذا المعماري ، وان هدف هذا المعماري -ربما يبدو هدفا نبيلا- كان يدفعه لبناء المدن على شكل قطاعات متماثلة و مصممة بشكل يسمح بضمان تكافل اجتماعي للجميع و تضمن هذه الصورة التي تبنى بها هذه المدن عدم شعور مواطنيها - واغلبهم من المهاجرين - بالنفور من انماط الحياة الحضرية . لكن جاءت النتائج معكوسة ، فبدل ان يندمج -وفق هذا التصور- المهاجرين بقيم المدينة ، راحوا يشكلون شرائح اجتماعية غير مندمجة و شاعرة بالعزل ومجم وسكانها ، قاد هذا الشعور سكان مدينة الثورة الى تبني افكار اليسار والدخول في تشكلات سياسية ثورية ناقمة .


هنا ننتهي من هذا العرض ومع كل هذا نجد انه -اي العرض- يعوزه بعض التفاصيل ، و بعض المعلومات التي ستجدها ثرية ، لم نتمكن من ايرادها هنا و لو فعلنا ، لوجدتنا للآن نكتب مقالات اخرى عن الغرض ذاته !. ان الكتاب المذكور ، لهو كتاب -اراه مهما -  يكشف - لا خبايا نزاع شعراء اجيال معينة فحسب بل ثقافة اجيال بأكملها ، تعكسه وتنعكس له .


  انتهى ؛ 


(١) انظر : السيرة والعنف الثقافي ، دراسة في مذكرات شعراء الحداثة في العراق- محمد الاخرس -ص ٧٥)

(٢) انظر: المصدر نفسه - ص  ٨٥

(٣) انظر: المصدر ذاته - ص ٧٩

(٤) انظر: المصدر نفسه - ص ١١٠ 

(٥) انظر : المصدر عينه - ص ١١١

(٦) انظر: المصدر نفسه - ص ١٤٧

(٧) انظر : المصدر نفسه - ص ١٧٧

كرار العامل


التعليقات

الاسم: علاء العبودي
التاريخ: 06/08/2018 21:29:09
عزيزي كرار العامل... وفقت في صياغة العرض و أحسنت في تلخيصه المفهوم و المشوق لرجوع قارئ العرض لقراءة الكتاب.
بديع يا صديقي ، أحسنت .




5000