..... 
مواضيع تستحق وقفة 
.
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.....
 ÙˆØ§Ø«Ù‚ الجابري
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
  
.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


جولات قصة قصيرة

ندى الدانا

اعتدت أن أتجول دائما في شوارع حلب حتى سميت (المتجولة ). لكنني بدأت أسير بخوف وحذر حين  اشتعلت الحرب في مدينتي ، صار التجوال في الشوارع مغامرة خطرة ، فبين الحين والآخر يرسل المسلحون في الطرف الثاني من المدينة هدايا خطرة من قذائف الهاون،

 أ والصواريخ المحلية الصنع ، أو جرات الغاز المحشوة بالمواد المتفجرة ، وعلي أن أتوقع هدية ثمينة من المسلحين الكرماء قد تودي بحياتي ، أو أخسر أحد أعضاء جسدي ، أو أصاب بجراح تطرحني في الفراش زمناً طويلاً ، ربما أختفي بعدها في غياهب الموت الرحيم . أصبح الموت رحمة في هذه الأيام الخارجة عن القانون ، في البداية كنا حين يموت شخص بقذيفة أو رصاصة قناص نقول: مسكين مات . صرنا بعد تفاقم الأحداث نقول: الحمد لله الذي مات ولم يخسر عينه او يده أو رجله أو يشل .

أصادف كثيرا من الأشخاص الذين يمشون على عكازات، أو كراسي مدولبة ، لأنهم خسروا رجلاً أو اثنتين ، أرى أشخاصا بيد واحدة ، أحمد ربي على الصحة والعافية، وأدعو الله أن يصبرهم على بلواهم .

في الشارع المؤدي إلى الحديقة العامة أرى فتاة جميلة خسرت رجلها في الحرب ، تقف عند زاوية الشارع، تستند إلى سور الحديقة ، تتوكأ على عكازتيها ، وتبيع بعض الحلوى. 

قال لي بائع (بسطة ) خسر رجله في قذيفة غادرة اخترقت منزله : أشعر دائما أن رجلي المقطوعة موجودة ،وأحس بألم في قدمي المفقودة حين أمشي .

 وأنا أشعر أن حلب توجعني ، حلب التي صارت اثنتين شرقية وغربية ، حلب الشرقية يسيطر عليها المسلحون الذين يحلمون باقتحام حلب الغربية ، لكنهم لا يستطيعون ، فيعزون أنفسهم بالتدمير والقتل عن بعد . رغم تقطيع أوصال حلب ما زلت أشعر بها كاملة بهية .

حلب برجل واحدة تنتظر الشجعان والعشاق كي يعيدوا لها رجلها الأخرى . تشرق الشمس من الشرق ، وتغرب من الغرب ، لكنها لم تعد تشرق عندنا ، صرنا في حالة غروب دائم .

 أينما سرت أرى الحواجز والمتاريس ،صخور ضخمة، أكياس متراكمة  فوق بعضها ، كنا نقرأ عن الحواجز في حرب لبنان ، فصرنا في قلب الحرب .

تكاثر الغرباء حولنا ، تسللوا من الجحور والأنفاق ليدمروا بلادنا. 

 بين الحين والآخر أرى الدمار في الأبنية التي طاردتها القذائف ، أرى سيارات محروقة، أشعر بالأسى على مدينتي المنهكة .

 باعة البسطات غزوا كل الشوارع ، كل واحد منهم يحمل هموما كثيرة تثقل كاهله ، وحكاية حزينة عن بيته المسروق ، ودكانه المدمر ، وأسرته المشردة . 

معظم الباعة كانت لهم أعمال أخرى مختلفة خسروها في الحرب . بعض الباعة نصبوا شوادر تحميهم من قيظ الصيف ، ومطر الشتاء  . احتلوا الأرصفة فصرت أضطر إلى السير في طرف الشارع .

 قال لي أحد باعة الأدوات المنزلية :( بصعوبة شديدة استطعت أن أنقل بضائعي  من دكاني في السويقة قبل أن تسرق ويهدم الدكان ، الحمد لله بيتي في حي المحافظة ولم أتشرد ، العمل ليس عيباً ، حين تتحسن أوضاعي سأستأجر دكانا في حارة آمنة وأتابع عملي ). حارة آمنة لم تعد كلمة دقيقة فالأمان نسبي ، لأن كل الحارات مستهدفة . 

كنت أتجول في (السويقة) بين الحين والآخر أشتري منها الأدوات المنزلية بأسعار رخيصة  ، أستمتع بالسير في الدروب القديمة ، لأشم رائحة الأجداد، أستمتع برؤية البضائع المعروضة بألقها وبهائها .

في جولاتي رأيت بائع بسطة يبيع طاسات نحاسية قديمة ، قال لي مشيرا إلى طاسة عليها بعض الكتابات المحفورة هذه( طاسة الرعبة) ، تذكرت أنني اشتريت مجموعة من الأدوات النحاسية من سوق النحاسين في حلب القديمة ، وأنني أمتلك (طاسة رعبة) مزخرفة  ،قررت أن أشرب الماء من (طاسة الرعبة) كي أشفى من حالة الرعب التي تنتابني  حين أسمع ضجيج الحرب ....

 سوق النحاسين في الطرف الآخر من المدينة ، لا أدري ماذا حل به وبتحفه النحاسية ، هل سرقت ؟! هل تهدم السوق ؟! أحاول استعادة ملامح السوق والتحف المميزة  ، تتراقص أمامي الطاسات القديمة ، أنتقل إلى حمام يلبغا عند قلعة حلب ، أذكر أنني دخلت الحمام ذات يوم وصورته ، كم كانت زخارفه رائعة  ؟! ترى ماذا حل به ؟! هل دمر ؟ أم كتب له البقاء في هذه الحرب المجنونة؟! 

عاهدت نفسي أن أستحم في حمام يلبغا إذا ظلت موجودة حين تنتهي الحرب. 

وضع على طاولته الصغيرة بعض الحلي الفضية ، تأملتها ، إنها جميلة ، لكن الحلي التي كنت أراها في خان الشونة أجمل منها ، ماذا حل بخان الشونة ؟! إنه في منطقة اشتباكات في حلب القديمة ...خان الشونة يتألق في ذاكرتي بدكاكينه المصفوفة على أطرافه بانتظام ، تحتفي بالتراث الحلبي بكل أشكاله ، ماذا حل  بصندوق الثياب العجمي  بألوانه الربيعية وأزهاره ؟! اشتريته من فنان لديه دكان في خان الشونة ،وقررت بيعه لعدم توفر مكان في منزلي أضعه فيه ،تركته في الدكان معروضا للبيع ، لم يشتره أحد ، معظم هواة الفن فقراء ، قررت إحضاره ، لم تعد الطرق سالكة ، وخسرت صندوقي الجميل ، هل سرق ؟ هل احترق ؟ لن أفكر ، سأقول مثل جدتي:( ليس لي نصيب فيه )

هل دمر خان الشونة  في الحرب ؟ لا أدري . نقرأ ونسمع كثيرا من الأخبار والشائعات عن دمار حلب القديمة ، يقولون إنها صارت خرابا ، هل يعقل هذا ؟ أم أنهم يبالغون ؟! لن أفكر كي لا أفقد  ما تبقى من عقلي . 

هذه (بسطة) صفت عليها بعض السجاجيد اليدوية بألوانها الترابية ، إنها جميلة لكنني كنت أرى سجاجيد أجمل منها في سوق المدينة القديم .قال لي البائع:( استطعت إنقاذ بضائعي من دكاني في سوق المدينة  و الحمد لله) .

 اشتريت سجادة مددتها في غرفة نومي كي أتخيل نفسي أتجول في سوق المدينة، كما كنت أفعل سابقا ، ندمت لأنني لم أودع السوق قبل أن يتهدم ، يؤكدون أن السوق احترق بكامله ، سوق ألف ليلة وليلة ، بدروبه الضيقة ، سوق واسع ، متشعب ، متفرع  لأسواق كثيرة : سوق العطارين ، سوق  القماش الذي يسمونه (سوق تفضلي)، سوق الذهب ، سوق الأحذية ، وكثير من الأسواق المتشابكة ، المتداخلة  لتؤلف سيمفونية متناغمة . ما زلت أشم رائحة التوابل  ، والعطور ، المسك ، العنبر ، البخور ، هل يمكن أن تختفي ، ولا يبقى سوى رائحة الحريق .

أرى بطاقات معايدة على إحدى البسطات ، صور مختلفة ، دفاتر ، أقلام ، بعض قصص الأطفال ، صورة قلعة حلب على إحدى البطاقات ، قلعة حلب لم أعد أراها إلا من الشرفة ، مازالت صامدة . كم كنت أزورها ، وأتابع مهرجانات الغناء والتراث فيها ، كم كنت أتجول في سراديبها ، وفي قاعة العرش ، التي فتنتني بعظمتها .

تخطر لي أغنية وطنية  قديمة : (شعبنا يوم الكفاح ..فعله يسبق قوله .. لا تقل ضاع الرجاء .. إن للباطل جولة )

للباطل جولة ، وللحق جولات ، للحزن جولة ، وللفرح جولات ، ولي جولات كثيرة في أزقة حلب وشوارعها ، سأترك بصماتي في كل شبر منها .

تنساب الأغنية في تلافيف ذاكرتي:( فوق أرضي لن يمروا .. وبها لن يستقروا ...نحن للتاريخ أمجادا بنينا ..ورسالات الهدى بين يدينا  ..) 

مازال هناك أمل ... القلعة صامدة ، ربما نعيد بناء الأسواق القديمة ، ربما نبني بيوتا أجمل من التي تهدمت ، الذين قتلوا سيعيشون في ذاكرة محبيهم ، أصحاب العاهات سيكتملون بجمال أرواحهم وصبرهم ، الذين شردوا سيعودون إلى بيوتهم ... 

متى يتوقف القتل والدمار ، كي نغني للحياة ، وننسى الموت  ،كي يعم السلام والأمان ، كي أتجول في كل الشوارع ، وفي كل الاتجاهات ، كي أكتب الأغاني بدلا من المراثي . 

ندى الدانا


التعليقات




5000