..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


نشأة الدولة الرومانية 2

علي الابراهيمي

النبي سليمان ودوره في مواجهة سحرة الفراعنة وعقيدتهم المنتشرة

كان تولي سليمان الحكم في بني اسرائي امرا ضروريا ، لان مجتمعهم لم يعد تنفع فيه روحانية الانبياء كثيرا ، ولكن لما فتح بنو إسرائيل ممرات الارض امام العوالم الماورائية صار على سليمان ان يغلقها جميعا ، وفي نفس الوقت ان يبهر هذه العين المادية لبني اسرائيل .

جاء وصف التابوت في سفر الخروج من الإصحاح ٢٥ الى ٢٨ ، مع طقوس التعامل معه ، وهو صندوق مُحلَّى بالذهب من الداخل والخارج، يقف عليه ملاكان (كروبان) ناشرين أجنحتهما ، ويرمز الى الارتباط بالعرش الالهي ، الذي هو مصدر الفيض لما دونه من عوالم . كان بنو اسرائيل يحملون التابوت معهم في ترحالهم، على أن يقوم أعضاء من سبط اللاويين بحمله ، ثم وُضعت التوراة بجانب اللوحين ، ومن ثم فإنه يُسمَّى أحياناً «تابوت الشهادة» . وصار التابوت رمزاً للعهد مع الإله . لم يكن يُسمَح لأحد بأن يمس التابوت باعتباره محرماً ، وكان التابوت يحتوي على المن، وعصا هارون، ولوحى الشريعة أو العهد، ثم وُضع بجانبه كتاب التوراه، ولكنّ المن وعصا هارون كانتا قد اختفتا مع حكم سليمان .

ان القدرات الفيزيائية التي منحها الله لسليمان جعلته قادرا على معالجة الخلط بين الاكوان المتوازية للمخلوقات , وهو الخلط الذي اوجد الفوضى الوثنية والعملية في العالمين . كان على سليمان ان يتحرك في خطين متوازيين , الاول يقضي باغلاق المنافذ والابواب التي فتحها سحرة بني اسرائيل ومن قبلهم , عبر استخدام وسائل الملك العلمي الذي لسليمان , والثاني يقضي بايجاد مجتمع بديل عن بني اسرائيل لحمل الراية الايمانية , وكان المجتمع الاقوى ترشيحا عند سليمان هو مجتمع ( سبأ ) من العرب القحطانيين .

لقد فجّر سليمان ثورة معرفية , كانت لازمة لفتح اذهان الناس نحو الحقائق العلمية والطبيعة والخلق , تمهيدا لاقناع ذلك المجتمع المادي بان ( السحر ) ما هو الا تصرف بقوانين الكون .

«وتكلم (سليمان) بثلاثة آلاف مثَل، وكانت نشائده ألفاً وخمساً. وتكلم عن الأشجار من الأرز الذي في لبنان إلى الزوفا النابت في الحائط. وتكلم عن البهائم وعن الطير وعن الدبيب وعن السمك. وكانوا يأتون من جميع الشعوب ليسمعوا حكمة سليمان من جميع ملوك الأرض الذين سمعوا بحكمته». الملوك الأول .

ان الطلب الذي اراد سليمان اجابته من ربه في تلك الظروف والعوالم المعقدة كان : ( قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) ، ( ملكا ) و ( لا ينبغي لاحد ) و ( دليل الهبة الالهية ) , لابد انه كان شيئا فريدا وعظيما , ومتناسبا مع طلب سليمان وظروف عالمه . ان الاهم يأتي كأول العطايا بالتأكيد , والاول (  فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ ) تجري بامر سليمان حيث أصاب , ثم يأتي بعدها في الاهمية ( تسخير الشياطين ) , وهي تلك المخلوقات ذات القدرات الكبيرة . فما هي حقيقة هذه ( الريح ) ؟ وما دورها واهميتها في وظيفة سليمان الكونية ؟ , انها بالتأكيد لم تكن من اجل تحريك ( بساطه السحري ) .

ان سليمان باخفائه لتلك الآلات التي تتفوق على قدرات الجن التقنية ختم مرحلة الفوضى والاختلاط بين العوالم على الارض . لكن ذلك لا يمنع ان تعود تلك الآلات للاستخدام في حالة عادت الفوضى والاختلاط بين العوالم : عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ( عليه السلام ) قَالَ (( كَانَتْ عَصَا مُوسَى لآِدَمَ ( عليه السلام ) فَصَارَتْ إِلَى شُعَيْبٍ ثُمَّ صَارَتْ إِلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ وَ إِنَّهَا لَعِنْدَنَا وَ إِنَّ عَهْدِي بِهَا آنِفاً وَ هِيَ خَضْرَاءُ كَهَيْئَتِهَا حِينَ انْتُزِعَتْ مِنْ شَجَرَتِهَا وَ إِنَّهَا لَتَنْطِقُ إِذَا اسْتُنْطِقَتْ أُعِدَّتْ لِقَائِمِنَا ( عليه السلام ) يَصْنَعُ بِهَا مَا كَانَ يَصْنَعُ مُوسَى وَ إِنَّهَا لَتَرُوعُ وَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ وَ تَصْنَعُ مَا تُؤْمَرُ بِهِ إِنَّهَا حَيْثُ أَقْبَلَتْ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ يُفْتَحُ لَهَا شُعْبَتَانِ إِحْدَاهُمَا فِي الْأَرْضِ وَ الْأُخْرَى فِي السَّقْفِ وَ بَيْنَهُمَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعاً تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ بِلِسَانِهَا )) . وعَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ( عليه السلام ) قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ (( أَلْوَاحُ مُوسَى ( عليه السلام ) عِنْدَنَا وَ عَصَا مُوسَى عِنْدَنَا وَ نَحْنُ وَرَثَةُ النَّبِيِّينَ )) . وعَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ( عليه السلام ) قَالَ (( خَرَجَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ( عليه السلام ) ذَاتَ لَيْلَةٍ بَعْدَ عَتَمَةٍ وَ هُوَ يَقُولُ هَمْهَمَةً هَمْهَمَةً وَ لَيْلَةً مُظْلِمَةً خَرَجَ عَلَيْكُمُ الْإِمَامُ عَلَيْهِ قَمِيصُ آدَمَ وَ فِي يَدِهِ خَاتَمُ سُلَيْمَانَ وَ عَصَا مُوسَى ( عليه السلام ) ) . وعنه أيضاً عليه السلام: (( إذا قام القائم بمكة وأراد أن يتوجه إلى الكوفة نادي مناديه ألا لا يحمل أحد منكم طعاماً ولا شراباً، ويحمل حجر موسى بن عمران وهو وقر بعير، ولا ينزل منزلاً إلاّ انبعث عين منه فمن كان جائعاً شبع ومن كان ظمآن روي، فهو زادهم حتى نزلوا النجف من ظهر الكوفة )).

الواضح من الروايات ان للعصا و الحجر والتابوت الذي ربما يحويهم اهمية خاصة في الربط بين عوالم الخلق , وكذلك يمكن اعتبارها منظومات للسيطرة على بوابات العوالم , بل هي اعلى واسمى , حيث انها تعتمد في العمل على القوانين الكلية المحيطة بالخلق .

لكن على ما يبدو انّ كتبة التوراة المتأخرين من كهنة السنهدرين أرادوا تضييع جهود سليمان تلك ، وحاولوا أمرين ، الاول هو ربطه بمصر الفرعونية ، من خلال جعله زوجاً لابنة فرعون ، وربما بذلك يثبتون فضل الباطنية الفرعونية علوّ شأنها على ما لدى سليمان ، والثاني هو وصف مملكة سليمان بمبالغة مادية تتجاوز الواقع ، ولا تتناسب مع الحدث والجغرافيا التاريخية ، لطمس معالم الجهود العلمية ربما .

يقول ( ويلز ) في كتابه ( معالم تاريخ الانسانية ) : (( انّ قصة ملك سليمان وحكمته التي اوردها الكتاب المقدَّس تعرّضت لحشو وإضافات على نطاق واسع على يد كاتب متأخر كان مشغوفاً بالمبالغة في وصف رخاء عصر سليمان ... )) .

لكن يبدو انّ الثأر المعنوي من سليمان على يد كهنة السنهدرين لم ينتهِ بهذه الصورة ، بل جعلوا منه وثنياً دنيوياً ، كما صوّرته نصوصهم المكتوبة . فيما يمكننا أنْ نرى انّ أعداء سليمان ( هدد ) ملك الادوميين و ( يربعام بن ناباط ) الاسرائيلي جميعهم التجأوا الى فرعون مصر ، وهو احد فراعنة الأسرتين الحادية والعشرين او الثانية والعشرين الليبية ، وبقوا هناك حتى وفاة سليمان النبي ، مما يثبت كذب تلك المصاهرة المدّعاة بينه وبين الفراعنة ، ويؤيد الفكرة التي ترى انّ الكهنة الذين كتبوا التوراة كانوا من الباطنيين الذين أرادوا إيجاد فضل ما للفرعونية . وكل ذلك واضح في سفر الملوك الاول من الكتاب المقدس .


اضطهاد الرومان للمسيحيين

ينقل ( سلامة موسى ) في كتابه ( مصر أصل الحضارة ) عن ( إليوت سميث ) انه كان ذات مرة يفحص عن القحوف البشرية في إنجلترا ، وكان أمامه قحف لرأس مصري من عهد الفراعنة فوضعه مصادفة الى جنب رأس إنجليزي حديث الوفاة ، فما راعه إِلَّا المشابهة بل المطابقة بين الاثنين .

ويذهب سلامة موسى لتفسير ذلك بانتماء الرأسين للشعوب الميديترانية المتوسطية . لكن ما يهمّني انّ أوربا أخذت عن مصر الفرعونية قسوتها على العقائد التوحيدية ، اكثر من اخذها شكلاً خارجياً لكائن ما .

يستدلّ بعض الباحثين بوصف ( تاسيتوس ) للديانة اليهودية بنحو سلبي ، لإثبات عجز الرومان عن فهم جوهر عقيدة التوحيد . فيما كان انتهاك الضبّاط الرومان لمقدسات اليهود أمراً معتاداً ، رغم احترامهم لمعابد الوثنيين ، لكنهم في مرحلة التحالف مع يهود السنهدرين اخذوا يبنون معابد اوثانهم الى جنب المعابد اليهودية .

لقد ذكرت بعض المصادر انّ ( نيرون ) الصق تهمة احراق ( روما ) بالمسيحيين ايضا ، ربما لأنهم كانوا في هذا المرحلة المتقدمة من تاريخهم ( ٦٤ م ) جزءاً من المنظومة التوحيدية اليهودية ، التي كانت متهمة - لما يمتلك بعض كهنتها من تاريخ تآمري - بتدبير الكثير من الحوادث المشابهة ، لا أقلّ من قتلهم الأنبياء . وربما كان كهنة اليهود - ذوو العلاقة المميزة مع الوثنية الرومانية - هم من افتعل هذه الأحداث لإيقاع الضرر على المسيحيين الذين يشكّلون خطراً كبيراً على الوثنية اليهودية الجديدة .

انّ الأحداث التي اعقبت حريق روما شهدت ما يشبه الإبادة للمسيحيين في روما ، حيث حكم بالموت على اعداد ضخمة منهم ، بأبشع الوسائل ، فصُلب بعضهم ، ولُفّ بعض اخر في جلود الحيوانات ، وتمّ القائمه للكلاب المسعورة في المسرح الروماني ، فيما بلغت الوحشية ذروتها عندما تمّ طلي المسيحيين بالقار والزيت وإشعالهم في حدائق روما ليلا .

اما ( دوميتيان ) فقد اعتبر اعتناق المسيحية جرما ، وحكم على المسيحيين بالموت ، ومنهم قريبه القنصل ( فلافيوس كليمنس ) ، وصادر أموال بعضهم ، ووسّع اضطهاد كنائس اسيا الصغرى ، فيما ألقى القديس ( يوحنا الانجيلي ) في زيت مغلي في روما .

واعتبر الإمبراطور ( تراجان ) المسيحية ديانة محرّمة ، واعتبر تجمعاتها من التجمعات السرية الممنوعة قانونا ، وقد استغلّ اليهود هذه التشريعات في عهده ، فاتّهموا ( سمعان ) اسقف أورشليم ، فحُكم عليه بالصلب وهو في سن المائة والعشرين . وكذلك تمّ الفعل بأسقف إنطاكية ( إغناطيوس ) ، فاُرسل الى روما وألقي الى الوحوش الضارية .

ورغم انّ التمييز بين الجماعتين - اليهودية والمسيحية - صار معتاداً بحدود عام ١٥٠ م إِلَّا انّ الاضطهاد الروماني للمسيحيين استمرّ وبقوة ، فرضاً للديانة الرومانية ، التي لم يتم فرضها سابقاً على اليهود بهذه الكيفية ، بل كان الخلاف مع جزء من اليهودية ، في ظاهره سياسي ، فيما كانت روما تتعامل مع يهود السنهدرين بايجابية . وقد كانت أوامر روما تقضي بضرورة احترام المسيحيين للآلهة الحارسة للإمبراطورية ، وتقديم القرابين للأصنام ، كما يجب الاعتقاد بعبادة الإمبراطور ذاته .

وحتى على مستوى إمبراطور فيلسوف ومثقف مثل ( اوريليوس ) لم تكن المواجهة لتخفّ ، بل انتقلت من التجريم القانوني للمسيحية الى تجريم وجودها فلسفيا ، فهدّد من يُخَوِّف النَّاسَ من الله بالنفي . وفي عهده - الذي انتشرت فيه الكوارث الطبيعية ضمن رقعة الامبراطورية - تمّ إرجاع ذلك الى ذنوب المسيحيين واسائتهم للآلهة الرومانية ، لذلك تمّت محاصرتهم اجتماعيا وسياسيا . وكانت هناك عمليات اضطهاد واسعة في ليون ١٧٧ م .

وفي عهد ( سبتميوس ساويرس ) نجد التناقض الذي يكشف عن وجود نوعين من المسيحية ، كالنوعين الذين انقسمت لهما اليهودية من قبل ، حيث رغم وجود بعض المسيحيين في بلاط هذا الإمبراطور كطبيبه ( بروكولس ) ، إِلَّا انه اصدر مرسوماً يمنع المسيحيين من الدعوة الى دينهم والتبشير بما جاء فيه ، فتعرّض المسيحيون في مصر وشمال افريقيا على اثر ذلك الى مذابح عديدة ، لا سيما في قرطاجة ٢٠٣ م .

امّا ( مكسيميانوس ) الذي سمح للشعب في المشاركة باضطهاد المسيحيين ، فقد وجّه غضبه نحو الأساقفة الكبار ، حتى انّ معاملته مع المسيحيين وصفت بالبربرية القاسية .

فيما قرّر ( ديسيوس ) عام ٢٥٠ م انّ من يكتفي باسم المسيحي ولا يقدّم الأضحية للآلهة الصنمية يتعرّض للملاحقة ، وهو القانون الذي أعاد ( فاليريانوس ) تأكيده عام ٢٥٧ م . وقد كانت عمليات إعدام المؤمنين المسيحيين تؤخِّر فرص الوصول الى اتفاق . حيث أراد ( ديسيوس ) اعادة الديانة الامبراطورية القديمة ، فاستغلّ حكّام الأقاليم هذا المرسوم وصاروا يذيقون المسيحيين أشدّ انواع التنكيل والعذاب ، حتى ضعف بعضهم وقدّم القرابين للآلهة الوثنية ، لكنّ الكثيرين فضّلوا السجن او الموت على ذلك ، ومن هؤلاء مرقوريوس و فابيانوس الروماني وبابيلاس الأنطاكي وإسكندر الأورشليمي .

فيما كان عهد ( فاليريانوس ) متناقضاً كعهد ( سبتميوس ساويرس ) ، حيث تضمّن بلاطه مجموعة من المسيحيين إِلَّا انه اصدر قرارات اجرامية ضدّ العموم المسيحي ، وقرّر إعدام كبار رجال الدين المسيحيين ، ومصادرة املاك الأغنياء وألقاب الفرسان والنبلاء منهم ، فيما تسلب أموال النساء المتزوجات ويتم نفسهن ، والصغار يتم أخذهم للعمل في ضياع الإمبراطور سخرة . وممن تمّ قتلهم في عهده ( سكستوس الثاني ) اسقف روما و ( كبريانوس ) اسقف قرطاجة .

وحين جاء ( اوريليان ) اصدر اوامره بقتل المسيحيين من جديد ، رغم فترة الهدوء البسيطة نسبياً قبله . وقد خلفه مجموعة من الاباطرة كانت فترتهم هادئة قياساً الى عهده حتى مجيء ( ديوقليديانوس ) .

لقد دخلت المسيحية في صراع غير متكافئ ماديّاً مع الوثنية العتيقة للرومان ، وقد كانت صور الموت منتشرة ومعتادة بين المسيحيين المؤمنين ، والذين دخلوا في عصر الشهادة ، ليواجهوا هذا الطغيان الكبير .

يقول اسقف الغربية الانبا ( يؤانس ) في بحثه ( الاستشهاد في المسيحية ) : (( كانت الوثنية هي العدو الأكبر الذي تصدى للمسيحية ، وقاومها مقاومة المستميت ، وحاربها حرب الإبادة ، حرب الحياة او الموت . ولا يسجّل التاريخ صداماً أقوى وأطول وأكثر وحشية من ذلك الصراع الذي احتدم بين روما الامبراطورية الوثنية بآلهتها واباطرتها وجحافلها ، وبين المسيحية التي ظهرت على مسرح العالم بلا سند من قوة زمنية ، وبلا سلاح حربي ... )) .

ونظر الرومان للمسيحية على انها خرافة ، لا ديانة ، دنيئة لا تستحق ان ينظر اليها - بحسبهم - ، فواجهوا انتشارها باعتبارها محرّمة رسمياً . وحسب رواية ( ترتليانوس ) صار التعبير الموجّه للمسيحي هو (( لا حقّ لك في الوجود )) .

لم يكن المنطلق الديني بالمعنى الفلسفي هو وحده ما يبعث على التحريض وقمع المسيحية ، بل كان هناك الباعث النفعي المستغلّ للدين ، كما هي دوافع ( ديمتريوس ) الصائغ في ( افسس ) ، وايضاً دوافع تلك الساحرة في ( فيلبي ) ، حيث يشرح حاكم بيثينية ( بليني الصغير ) عام ١٠٠م في تقرير للإمبراطور كيف تسبب انتشار المسيحية وزيادة عدد معتنقيها في تقليل عدد التقدمات للآلهة ، وهو ما يعني انحسار سوق الذهب والبخور وغيرها ، كما هو انحسار شديد لعمل العرّافات والكهنة .

كان المسيحي مكشوفاً للسلطة ، حيث يعاني الانفصال عن لغة المجتمع الوثنية ، وسوقه الوثني ، وأعياده الوثنية ، وأسرته الوثنية ، وطقوسه الجماعية الوثنية ، لذلك كان يعاني في كل نَفَس وفي كل خطوة .

ومن القصص التي يوردها ( يوسابيوس ) تلك التي تحكي استشهاد الضابط ( مارينوس ) في قيصرية ، حيث دُعيَ للترقية الى رتبة قائد مائة ، لكنّ زميلاً له طعن فيه ، واتهمه بالمسيحية ، فأعطى القاضي لمارينوس ثلاث ساعات ليختار بين الإنجيل والسيف ، فاختار الإنجيل ، وقضى شهيدا .

وفي مرحلة تاريخية متأخرة بحدود ٣٠٦ م كانت كافية لإدراك المعاني الفلسفية والمعرفية والروحية للمسيحية زار الإمبراطور ( ماكسميانوس ) قيصرية ، في ذكرى ميلاده ، وفي عادة هؤلاء الاباطرة الوحشية والسادية والدينية في نفس الوقت قرّر تقديم اضحيات بشرية تبتلعها الحيوانات المفترسة ، فجاء باثنين ، احدهما مسيحي هو ( اغابيوس ) ، والآخر مجرم وثني قاتل ، لكنّه اطلق سراح القاتل ، وعرّض المسيحي للاستهزاء في العامَّة ، ثمّ القاه الى أنثى دب جائعة ، ولمّا لم يمت القاه في البحر .

وقد وصل الامر في ليون وفيينا الى منع المسيحيين من الدخول الى الاسواق والحمامات العامة ، وذلك في عهد ( اوريليوس ) ، من خلال تحريض العامَّة من الوثنيين وترك الامر اليهم ، حتى انّ الجمهور أخذ يعذّب المسيحيين ويقتلهم ، ومن ثمّ ألقى جثثهم في نهر الرون . فيما كانت بيوت بعض المسيحيين تتعرض للسرقة والحرق .

وفي احدى المحاكمات الغريبة لرجل دين مسيحي في ازمير يُدعى ( بوليكاربوس ) كان القاضي يصادق على رغبات الجمهور الوثني كاحكام قانونية ، وحين دعوا لحرق الرجل اقرّ القاضي ذلك ، فجمعوا الحطب استعداداً لذلك في الحال .


قام الرومان باضطهاد المسيحيين في مصر ، باعتبارهم خطراً يهدد سلامة الدولة ، لعدم مشاركتهم في إقامة الشعائر وتقديس تماثيل الاباطرة . وقد بدأ اضطهادهم في مصر بطريقة منتظمة خلال حكم ( سبتميوس سفروس ) بحدود ١٩٣ - ٢١١ م ، وبلغ اشدّه في أواخر عصر ( دقلديانوس ) في حدود ٢٨٤ - ٣٠٥ م ، وهو ما تسمّيه الكنيسة ( عصر الشهداء ) .

انّ القراءة المسيحية المعاصرة لفترة الاضطهاد الأكبر والأبشع والاقسى في تاريخ المسيحية خلال عهد ( دقلديانوس ) ليست قائمة على منطق عقلي فاحص . انها قراءة ترى فترتين من التسامح والاضطهاد ، من تغيّر المواقف السياسية ، من الاختلاف بين الشرق والغرب صدفوية ، لكنّ الامر ليس كذلك .

انّ ( دقلديانوس ) خرج بأمر إهلاك المسيحية من داخل الغرفة المقدسة في المعبد ، وهو الرجل الذي كان يشغل المسيحيون الكثير من الوظائف داخل قصره ، فيما كان صهره ( جالريوس ) وثنياً متعصباً ، وهو زوج ( فالريا ) ابنة الإمبراطور التي كان البعض يراها مسيحية ، وكذلك أمها ( بريسكا ) ! . انّ هذه الشبكة التي احرقت المسيحيين لاحقاً لم تكن يوماً لتؤمن بالمسيحية أبدا ، لكنها بدأت مشروعاً جديدا ، حين وصلت بالمسيحيين الى ما وصلت اليه الفرعونية باليهود ، حينما جعلت منهم قسماً يهوداً وثنيين ، يقودهم كهنوت الظلام في السنهدرين ، كذلك أصبحت المسيحية على قسمين ، نتج احدهما عن كهنوت الظلام الجديد الذي اخلفه ( بولص ) .

انّ هذا المشروع يقتضي إبادة كل الجماعات المسيحية التي لا تزال توّحد الله ، والإبقاء على الجماعات البولصية ، التي ستتعبّد بالديانة الرومانية الجديدة ، وهي القائمة على الوثنية البولصية ، التي يمكن ان نسمّيها النسخة المحدِّثة عن الديانة الرومانية القديمة ، والتي هي أيضاً كانت نسخة محدثة عن الديانة الفرعونية القديمة .

لذلك كانت قسوة المشروع الخبيث هذا تصب جام غضبها على المسيحيين الشرقيين الموحدين ، وتلك الشعوب التي ترتكز الى فلسفة التوحيد الإبراهيمية ، فيما الجماعات المسيحية في الغرب التي ترتكز الى أصل وثني تمّ تلويثه بالبولصية الوثنية فتمّ الإبقاء عليها ، لتكون الارضيّة المستقبلية لانطلاق المسيحية الرومانية .

وسواءً كان ما نقله ( شاف ) عن لسان الكاهن وهو حرم الآلهة مخاطباً الإمبراطور - الذي يرافقه خدمته من المسيحيين - (( انّ الآلهة لا تتكلم في حضرة اعدائها )) ، قاصداً أولاء المسيحيين ، او ما نقله ( لكتانتيويس ) من تأثير صهر الإمبراطور ( جالريوس ) الوثني المتعصب المتعطش للدماء ، من أسباب لثورة ( دقلديانوس ) الأعنف ضد المسيحيين ، فذلك لا يبرِّر قسوتها ومنهجيتها وتخطيطها العالي . انّ السببين الذين تمّ ذكرهما آنفاً كانا عاملين ساعدا في تحقيق الرغبة الوثنية الوحشية للإمبراطورية ، والمنسقة بإتقان ، لابادة مسيحيي الشرق ، والإبقاء على المسيحية البولصية ( الكاثوليكية ) في الغرب . اذ لا يستطيع كاهن ما التحدث باسم الآلهة بحضور الإمبراطور ، والذي هو الكاهن الأعظم وابن الآلهة ، فضلاً عن اخباره بامتناعها عن الكلام ، وليس الإمبراطور ساذجاً وهو يرث هذا العرش الضخم ليكون تحت تأثير ( جالريوس ) زوجة ابنته ، التي يُفترض انها مسيحية ! . انّ هذه العمليات كانت مخاضاً اوليّاً لولادة ديانة جديدة ، سرقوا لها عنوانا ، وتبع ذلك مجموعة مخاضات لاحقاً في عموم أوربا ، لتبدأ سلسلة من الأفكار والجماعات والهوس ، حتى الوصول للقرن الأخير المعاصر ، كل ذلك بخدعة قديمة ، تمّ تطبيقها لأوّل مرة من قبل الحضارة القابيلية الاولى .

اصدر ( دقلديانوس ) مرسوماً عام ٣٠٣ م يقضي بهدم الكنائس وحرق الكتب المقدسة وطرد ذوي المناصب الرفيعة وحرمانهم من الحقوق المدنية وحرمان العبيد من الحرية إِنْ اصرّوا على المسيحية . فيما نصّ المرسوم على عقوبة لم يحدد ماهيتها .

لقد بدأ تنفيذ المرسوم مباشرة في عيد ( الانتهاء ) ، بعد ان تمّ تعليق منشور المرسوم على جدران القصر الإمبراطوري ذاته ، لذلك كانت كنيسة ( نيقوميدية ) القريبة منه اوّل ضحايا قرار الهدم هذا ، لتسري هستيريا القتل والهدم في جميع الأقاليم .

وفي خطة جديدة قديمة أيضاً قام شخص ما بإحراق اجزاء من قصر الإمبراطور ، وبالتالي اتهام المسيحيين بتهمة محاولة حرق الإمبراطور وصهره احياء ، فانفجر العنف والقتل والحرق ضد المسيحيين كبركان . وهو الحريق الذي نسبه ( قنسطنطين ) للإضاءة لاحقا ، بعد استتباب الأمور للمسيحية البولصية ، لتبرير إعلانها ديناً إمبراطوريا ، رغم اتهامها بالإجرام سابقا .

وأصدر ( دقلديانوس ) مرسومين اخرين ، يقضيان بسجن جميع شيوخ الكنائس ، وتعريضهم للتعذيب ، بقصد إجبارهم على ترك الإيمان بالمسيحية .

اما الخطة التي انتهجها ( دقلديانوس ) لاصدار أوامر امبراطورية يتم تطبيقها في اقليم دون اقليم اخر ، وكذلك تمكّن الامبراطورية من الاشراف المباشر والسريع على إبادة المسيحيين ، فكانت بتقسيم الامبراطورية الى أربعة أقاليم ، تخضع لروما مركزيا ، لكنها تحت حكم حاكم برتبة ( إمبراطور ) . فكان ( دقلديانوس ) حاكماً على الشرق في اسيا ومصر وتراقيا ، وجعل مقرّه في ( نيقوميدية ) ، وكما هو واضح فالشرق مهد المسيحية ومصدر قوتها الفكرية والبشرية ، ومن ثمّ ( جالريوس ) الذي حكم الدانوب لبعض الوقت ، لكنّ الحاجة لسرعة الإبادة جعلت ( دقلديانوس ) يستدعيه الى الشرق ، و ( مكسميانوس هركوليوس ) على إيطاليا وإفريقيا ، و ( قنسطنطينوس كلوروس ) على ( غاليا ) التي هي فرنسا حالياً بما يتبعها من أقاليم ، وهو والد ( قنسطنطين الكبير ) الذي اقرّ المسيحية كدين رسمي لاحقا .

وقد اصدر ( مكسميانوس هركوليوس ) قراراً امبراطورياً أيضاً يقضي بإرغام جميع المسيحيين في المدن والقرى على التضحية للآلهة .

لكنّ ملامح تلك المؤامرة الكبرى ضد الشرق المسيحي الموحد والفيلسوف تكشّفت عندما اختار ( دقلديانوس ) قبيل استقالته عام ٣٠٥ م ( مكسميانوس دازا ) قيصراً ، وأطلق يده في سوريا ومصر ، وهو ابن اخي المتشدد الوثني ( جالريوس ) . ولمعرفة شخصية ( دازا ) هذه يكفي ان نعرف انه اصدر مرسوماً يقضي بإعادة بناء مذابح الأوثان ، وان يقدم الرجال والنساء والأولاد وحتى الرضّع الذبائح والتقدمات للآلهة ، وتذوّق تلك التقدمات بالاكراه ، وتدنيس الأطعمة التي تباع في الاسواق بسكائب الذبائح تلك ، ووقوف الحرّاس امام الحمامات العامة لتدنيس من يدخل اليها للاغتسال . وفي عام ٣١١ م امر ( دازا ) ببناء الهياكل في كل مدينة وإعادة الأحراش الوثنية المقدسة التي ازيلت سابقا ، وعيّن كهنة الأصنام ، وجعل عليهم في كل مقاطعة رئيساً ، ومنح جميع السحرة وظائف ادارية ، وأمر لهم بامتيازات خاصة .

وكما هو مكشوف فقد اقتصر الاضطهاد العام تحت قيادة ( دقلديانوس ) على الفترة ( ٣٠٣ - ٣٠٥ ) ، لكنّه في الشرق الذي يديره ( جالريوس ) و ( دازا ) استمر لفترة طويلة ( ٣٠٣ - ٣١١ ) ، فيما كانت اقسى فتراته التي اقتصرت على الشرق خلال ( ٣٠٨ - ٣١١ ) م .

وفيما تصف الكنيسة المعاصرة - بسذاجة - القيصر ( قنسطنطين كلوروس ) بالعطوف على المسيحيين في الغرب ، وتُرجِع لابنه ( قنسطنطين ) الفضل في الاعتراف بالمسيحية والتسامح الديني ، تفوتها تلك المؤامرة على مسيحية الشرق الموحدة ، ضمن لعبة لانعاش القابيلية الفرعونية الرومانية ، تحت راية المسيحية ، بعد ادراك الرومان قوّة هذه الديانة ، وشريانها في المجتمع العالمي رغماً عنهم .




عقائد روما المسيحية التثليثية

اصدر الإمبراطوران المشتركان ( قنسطنطين ) و ( ليكينيوس ) بعد التقائهما عقب الانتصار في معركة ( قنطرة ملفيا ) قرب روما بياناً مشتركاً ، أعلنا فيه التسامح الديني ، واجازا المسيحية كدين يمكن للعامّة الاعتقاد به . وكان ذلك بعد هزيمة ( مكسنتيوس بن مكسيميانوس ) في المعركة السابقة . وكان ذلك اللقاء في ( ميلان ) ، فعُرف المرسوم باسم ( مرسوم ميلان ) ، الذي صدر عام ٣١٣ م . ومن الغريب ان يتبعهما الإمبراطور ( دازا ) المجرم بمرسوم مشابه ، أعلن فيه التسامح الديني ، وسمح للمسيحية الجديدة بالظهور .

لكنّ إمبراطور الشرق ( ليكينيوس ) عاد لاضطهاد المسيحيين الشرقيين مرةً اخرى ، فواجهه ( قنسطنطين ) ، وانتصر عليه في عام ٣٢٣ م ، ليصبح ( قنسطنطين ) إمبراطوراً وحيداً للشرق والغرب الروماني . كما صار ( قنسطنطين ) - كنسياً - اوّل الاباطرة المسيحيين .

انّ هذا التلاعب بعقائد الناس وحياتهم وأرزاقهم لا يمكن ان تكون نهايته الإيمان الحقيقي من قبل كهنة الامبراطورية ، فضلاً عن معبودها ( الإمبراطور ) ، الذي يُفترض به ان يكون حلقة الوصل مع الآلهة ، ولا يمكن كذلك الاقتناع بإيمان وتسامح مجاميع من الأسر والقبائل الوثنية فجأة ، وبقرار إمبراطوري ، فضلاً عن آلاف السحرة ، والعشرات من المؤسسات التي تتفرع عن الوثنية الرومانية .

انّ القراءة العقلانية للمسيحية البولصية الرومانية يمكنها ان تكشف اسرار هذا الإيمان الطارئ على المسيحية ، وكذلك يمكنها تفسير هذا الحلف الدموي بين الاباطرة والباباوات الكنسيين ، الذي يمكن مقارنته بالحلف الذي تمّ عقده في ( نجد ) بين ( ال سعود ) وبين ( محمد بن عبد الوهاب ) ومن ثمّ ذريته ، لإنشاء الديانة الوهابية الدموية .

ولعلّ المفتاح الاول لمعرفة عقائد المسيحية الرومانية الجديدة يكمن في معرفة ( بولص ) ، الذي تلقّبه الكاثوليكية بالرسول ، لما له من دور تأسيسي للمرحلة البابوية الرومانية . وعلى ما يبدو فقد كان بولص يدخل في حوارات الفرق اليهودية ، مما يثير بينهم الفرقة والصراع كثيرا ، (( ولمّا علم بولص انّ قسماً منهم صدوقيون والقسم الاخر فريسيون صاح في الرجال الإخوة ... فَلَمَّا قال ذلك وقع اختلاف بين الفريسيين والصدوقيين وانشقّت الجماعة ... )) كما جاء في اعمال الرسل من الكتاب المقدس .

يقول مؤرخ اللاهوت الديني ( هايم ماكبي ) : (( وعلى الرغم من انّ بولص أعطى عيسى دوراً اوليّاً فأنّ هذا لا يعني انّه مؤسس هذا الدين مثلما انّ هاملت لم يكتب مسرح شكسبير )) .

( بولص الطرسوسي ) المغامر المجهول الأصل والديانة ، ولد في ( طرسوس ) من ( كيليكا ) في اسيا ، بعيداً عن القدس ، ولم يَرَى المسيحَ في حياته . هاجر الى القدس ، لغاية ما ، لكنّه عمل شرطياً ومخبراً للكاهن الأكبر اليهودي ، الذي تعيّنه الدولة الرومانية ، وبالتالي فكلاهما موظّفان رومانيان . يذكر الكتاب المقدس انّ اسمه قبل المسيحية كان ( شاؤول ) . عمل لصالح الكاهن الأعظم في مطاردة المؤمنين المسيحيين وسجنهم وتعذيبهم . ثمّ أعلن انه في طريقه الى دمشق - ضمن مهمة خطف ضد المسيحيين الهاربين الى دولة الانباط - ظهر له ( يسوع المسيح ) ، وقد جعله رسولا . ويبدو انه استثمر رغبة جهتين في التهام الدين المسيحي ، هما الرومانية واليهودية الكهنوتية ، فحظي بمساعدتهما ، وحظيا بمساعدته . لذلك دخل في مواجهة حادّة مع تلامذة عيسى المسيح من الحواريين ، مثل ( يعقوب العادل ) القائم بأعمال عيسى الإدارية ، و ( سمعان بطرس ) القائم على تعاليم عيسى الدينية ، واللذان يشرفان على جماعة القدس التي تتلمذت على يد النبي . حيث ادّعى انّ احلامه ورؤاه الخيالية لعيسى اهم من الارث الذي تركه لمدرسة القدس ، التي يشرف عليها اخو المسيح ( يعقوب ) ، لذلك عمل جاهداً - ونجح كثيراً - في طمس تاريخ مدرسة القدس المسيحية للحواريين وانصار المسيح الأوائل . وقد اكمل ( لوقا ) تلميذ بولص تلك المهمة في تزوير التاريخ ، فترك لنا انجيلاً مليئاً بالتناقضات التاريخية والفكرية ، كلّ هدفه طمس معالم المسيحية الاولى للحواريين ، الذين صوّرهم في إنجيله بنحو يظهرهم لا يفهمون تعاليم المسيح ، كما فهمها الغريب بولص ! . وقد كانت اهم نصوص بولص المتوارثة هي رسائله ، التي كتبها في حدود ( ٥٠ - ٦٠ ) م ، وبالتالي فهي اسبق من تاريخ الاناجيل التي وصلتنا ، والتي كُتبت كما يبدو بحدود ( ٧٠ - ١١٠ ) م ، ومن ثمّ فهي متأثرة بما اوجده بولص من تفسيرات وتأويلات وكهنوت ، وما أضفاه من رؤى على تعاليم عيسى . وفي الوقت الذي حاولت فيه أناجيل الكنسية الباطنية التماشي مع مفاهيم بولص ، من خلال موائمة الأحداث التي سبقت ظهوره مع فلسفته ، فقد تمّ اخفاء كل الموروث الانجيلي لتلامذة عيسى الذين خالفوا بولص في اعتقاداته . وكذلك تمّ تصوير تلامذة عيسى المباشرين على انهم مجموعة من محدودي الذكاء الذين لم يستطيعوا مواجهة العقل الذي تمتع به هذا الحربائي بولص . واتهمت الكنيسة الرسمية لاحقاً كل تعاليم وموروث حواريي عيسى الرسول بالكفر والهرطقة ، وأمرت بإزالته ، في إبادة لتاريخ وامة ، وسرقة مشابهة لما قام به كهنة الفراعنة عندما سرقوا اليهودية ، مع الفارق انّ السرقة للمسيحية كانت أشدّ قسوة وابلغ اثرا . ومن هنا سنجد تلك الشخصيات المختارة والنخبة الإيمانية من الحواريين قد عُتِّم عليهم في الكتاب المقدس ، وتمّ تحويلهم الى شخصيات باهتة ، فيما يُفترض انّ التاريخ المكتوب عنهم يكون بحجم ما ورثوه وما عانوه وما أفاضوه ، لكنّ الكتاب المقدس اكتفى ببعض معجزات لهم ، وبعض ما ادَّعاه من حضور بولص بينهم .

والغريب في التاريخ الرسمي لهذه الديانة أنْ ينقل إرث رجل لم يلتقِ النبيَّ صاحبَ الرسالة كبولص ، ويترك جملةً وتفصيلاً ما افاضه القائم بشؤون المسيحية بعد عيسى مباشرة ، وهو ( يعقوب ) المدعو اخا المسيح ! . لقد تزعّم يعقوب المسيحيين منذ رحل عيسى ، وكان رائدهم عند غيابه ، وعلى جماعته أطلقت الكنيسة الرسمية ( كنيسة القدس ) .

لقد هاجم ( الابيونيون ) - وهم الفقراء من اتباع عيسى - بولص وعقائده ، واعتبرها محرّفة ووثنية ، فيما يقول ( ماكبي ) انّ هناك نصّاً عربيًّا لأحد اتباع المسيح الأوائل يهاجم فيه بولص .

وفيما ينقل ( لوقا ) تلميذ بولص انّه من مواليد ( طرسوس ) في اسيا ، نرى بولص يكذب على أهل رومية فيقول انّه إسرائيلي من سِبْط بنيامين . وهو ما تتجاوزه الكنيسة الرسمية ولا تحاول الخوض فيه ، لأنّ ذلك سيكشف كيف انّ بولص كان يحاول خداع الامم بدعوى قربه من مصدر الرسالة ، وهذا ما عبّر عنه أستاذ تاريخ اللاهوت ( ماكبي ) ايضا . واستمراراً في التزوير والخداع كان بولص يدّعي انه ( فريسي ) ، لما كان من سمعة جيدة نسبياً لطائفة الفريسيين اليهود ، حيث هي اقرب للناس من طائفة الصدوقيين التي كان كاهنها يمثّل السلطة الرومانية ، كما كان تعبير الفريسيين اقرب لتمثيل اليهودية شعبياً ، مما يسمح ليوصل ان يدّعي انّ معارفه تستمد جذورها من اليهودية ، لكن المفاجأة انّ بولص كان شرطياً عند كاهن الصدوقيين كما عبّر هو ! .

يقول لوقا في اعمال الرسل (( وَأَمَّا شاؤول فكان يسطو على الكنيسة وهو يدخل البيوت ويجرّ رجالاً ونساءً ويسلمّهم الى السجن )) . وقد كان الكاهن الأكبر المشرف على السجن صدوقيّاً كما ينقل المتخصصون .

لقد كانت تعاليم بولص وثنية فقط ، ترجع اصولها - كما ستبين لاحقاً - الى معتقدات الأقوام غير الموحدة ، مما يعني انها لا ترتبط بالتوحيدية اليهودية ، لا سيما في عقيدة الفداء والتضحية البشرية للمسيح وألوهيته .

فيما كان ( مرسيون ) - الذي عاش في روما بعد زمن بولص - يبشّر بعقائد بولص الجديدة ، لكنّه كان يراها ديناً جديداً ، كما هي فعلاً ، ولا يرى انها ترتبط باليهودية . والطريف انّ فلاسفة المسيحية في القرون التالية حاولوا موائمة معتقدات بولص مع الجذور اليهودية رغم معرفتهم بالمواجهات الحادة بينه وبين رجال الدين اليهود والمسيحيين الأوائل ، الى الدرجة التي ادّعى فيها انه يهتمّ للأمم غير اليهودية ويذر اليهود لما اختاروا بينهم .

لقد كانت الفترة الدموية الإرهابية ( ٣٠٣ - ٣١١ ) كافية لابادة ما كتبه فقراء وعامّة المسيحيين ( الابيونيون ) ، حول عيسى او بولص ، ويبدو انّ غاية هذه الحملة لم تتعدَ هذا الهدف ، لكنّ ارائهم المنقولة في كتب من ردّ عليهم تكشف انهم لم يروا في عيسى سوى انه بشر رسول ، وانّ بولصاً كان منحرفاً عن جادة التوحيد . ورغم انّ الابيونيين كانوا اتباع عيسى وشهدوا رسالته وانتشارها ، كما انهم عرفوا بولص عن قرب إِلَّا انّ الكنيسة الرسمية رفضت شهادتهم بالأصل الوثني لبولص وانه لم يكن يهودياً حتى خروجه من طرسوس .

وفيما انقسم اليهود حول نبوة عيسى ، كان جمع غفير منهم - لا سيما شعبيا - يصدّق برسالته ، سوى الكهنوت الذي عمل لديه بولص . وفي الوقت الذي كان غالب اليهود ومعهم المسيح وحواريوه يعادون السلطة الوثنية الرومانية كان بولص يتعاون معها قبل وبعد دعواه الباطلة ، وقد عرفنا كيف كان ذلك قبل كذبته الكبرى ، وبقي ان نعرف كيف كان تعاونه ما بعدها لاحقا ، حيث انّ كذبته وسرقته للمسيحية لم تكن سوى اتماماً لمهمة أمنية رومانية .

ونظرية الكائن الالهي ( الرَّبّ ) الذي يفدي البشرية لم تكن سوى أسطورة وثنية مصرية قديمة . وهذه النظرية وفَّرت لاتباع بولص فرص الذنوب الكبرى والمجازر والاساءة وكلّ اثم ، بدعوى التكفير عن الخطايا من خلال الإيمان بالمسيح ، وكانت أصل ( صكوك الغفران ) سيئة الصيت .

لا يمكننا كباحثين الاستساغة المنطقية لتحوّل اكثر رجال السلطان الوثني اجراماً مثل ( بولص = شاؤول ) الى متحدّث باسم الله ورسوله ، وقيّماً على معتقدات وسلوك تلاميذ المسيح الأوائل من الحواريين . لقد جاء في اعمال الرسل الإصحاح التاسع (( 1 أَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ لَمْ يَزَلْ يَنْفُثُ تَهَدُّدًا وَقَتْلاً عَلَى تَلاَمِيذِ الرَّبِّ، فَتَقَدَّمَ إِلَى رَئِيسِ الْكَهَنَةِ 2 وَطَلَبَ مِنْهُ رَسَائِلَ إِلَى دِمَشْقَ، إِلَى الْجَمَاعَاتِ، حَتَّى إِذَا وَجَدَ أُنَاسًا مِنَ الطَّرِيقِ، رِجَالاً أَوْ نِسَاءً، يَسُوقُهُمْ مُوثَقِينَ إِلَى أُورُشَلِيمَ. )) . وهنا يمكننا الاستعانة بالمفهوم الرسالي القراني الذي يخبرنا انّ ( عهد الله ) لن يكون من نصيب الظالمين ، فهو ( جعل ) الهي ، لا يكون بالمزاج البشري ، لا سيما لظالم مثل ( بولص ) ، [ وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [الجزء: ١ | البقرة (٢)| الآية: ١٢٤] .

ويبدو - كما انتبه اليه المختصون - انّ ذهاب بولص الى دمشق لم يكن من اجل الرسائل ، فهي كانت تقع تحت الحكم العربي للملك الانباطي ( الحارث ) ، الذي لم يكن يوالي الرومان ، وكان يدخل في خصومة معهم ، لذلك لجأت اليه جماعات من المسيحيين ، هرباً من اجرام الرومان والكاهن الأكبر ، وبالتالي لن يسمح لبولص ان ( يسوقهم موثقين الى أورشليم ) ، لكنّ الامر - كما يُقرأ عسكرياً - لم يكن سوى عملية من عمليات الخطف التي كان يديرها بولص ضد قيادات الجماعة المسيحية المؤمنة .

وفعلاً يرى كاتب مسيحي في العصور المتأخرة يُدعى ( كليمنت ) في كتاب له بعنوان ( استكشافات ) انّ بولص توجّه الى دمشق لاختطاف ( بطرس ) ، احد قطبي المسيحية الناصرية ، الذي لجأ الى دمشق ، بعد محاولة اغتيال ( يعقوب ) القطب الاخر في المسيحية الاولى . وهذا ما أيَّده اعتراف بولص في رسالته الى أهل كورنثوس الإصحاح الحادي عشر (( 32 فِي دِمَشْقَ، وَالِي الْحَارِثِ الْمَلِكِ كَانَ يَحْرُسُ مدِينَةَ الدِّمَشْقِيِّينَ، يُرِيدُ أَنْ يُمْسِكَنِي، 33 فَتَدَلَّيْتُ مِنْ طَاقَةٍ فِي زَنْبِيل مِنَ السُّورِ، وَنَجَوْتُ مِنْ يَدَيْهِ. )) .

وهذه الرحلة الاجرامية الى دمشق هي التي ادّعى بولص انّ وحي المسيح نزل عليه في طريقها ، فأخبره انه رسوله الى الامم ، والتي يتناقض في نقلها الكتاب المقدس ، ليقول مرة انّ مرافقي بولص رأوْا الشخص ولم يسمعوا الصوت ، ومرة انهم سمعوا الصوت ولم يروا الشخص ! . ومن هذا الطريق الاجرامي ابتدأت قصة المسيحية الرسمية الكاثوليكية البابوية .

ومن اهم مغالطات وبدع بولص التي جاء بها من الطقوس الفرعونية - المرتبطة باوزوريس - هي فكرة ( القربان المقدس ) ، حين يشترك المؤمن في شرب دم المسيح الذي افتداه ، والتي كان اليهود والمسيحيون الأوائل يرونها من عادات الوثنيين ، كما في يوحنا الإصحاح السادس (( 53 فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ. 54 مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ، 55 لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَق وَدَمِي مَشْرَبٌ حَق. 56 مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ. 57 كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ الْحَيُّ، وَأَنَا حَيٌّ بِالآبِ، فَمَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي. 58 هذَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. لَيْسَ كَمَا أَكَلَ آبَاؤُكُمُ الْمَنَّ وَمَاتُوا. مَنْ يَأْكُلْ هذَا الْخُبْزَ فَإِنَّهُ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ». )) ، وهي المقاطع التي تتوافق مع معتقد بولص في رسالته الثانية لأهل كورنثوس الإصحاح الخامس ((  21 لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ. )) ، ورسالته الاولى لهم الإصحاح الخامس ايضا (( 7 إِذًا نَقُّوا مِنْكُمُ الْخَمِيرَةَ الْعَتِيقَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا عَجِينًا جَدِيدًا كَمَا أَنْتُمْ فَطِيرٌ. لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبحَ لأَجْلِنَا. )) ، والغريب انّ بولص يدّعي تسلّمه ذلك الطقس بالوحي عن طريق ( الرَّبّ ) ، كما في رسالته لأهل كورنثوس الإصحاح ١١ ((  23 لأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا )) .

ومن الاعمال التي ابتكرها بولص كان إنشائه للكنيسة ، حيث لم يكن المسيحيون - وعيسى كذلك - قد اسسوا مراكزاً دينية خاصة بهم ، وهذا ما يكشفه الكتاب المقدس في اعمال الرسل الإصحاح الثاني ((  46 وَكَانُوا كُلَّ يَوْمٍ يُواظِبُونَ فِي الْهَيْكَلِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ. وَإِذْ هُمْ يَكْسِرُونَ الْخُبْزَ فِي الْبُيُوتِ، كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ الطَّعَامَ بِابْتِهَاجٍ وَبَسَاطَةِ قَلْبٍ، 47 مُسَبِّحِينَ اللهَ، وَلَهُمْ نِعْمَةٌ لَدَى جَمِيعِ الشَّعْبِ. وَكَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ )) . لكنّ بولص أراد ان تكون لسلطته تراتبية ادارية ، مشابهة لما كانت عليه الوثنية الفرعونية ، والرومانية ، وكذلك ما يمكّنه من منافسة الكهنوت اليهودي القائم على مركزية الهيكل . وهو الامر الذي أعطى للرومان لاحقاً القدرة على إدارة دفّة الامم المسيحية .

ورغم التناقض الذي نجده في نصّين للكتاب المقدس في الإصحاح السادس عشر من متّى ، إِلَّا اننا نستشفّ منه انّ عيسى جعل ( بطرس ) الزعيم الروحي للأمة المسيحية ، ولا نعرف كيف تسنّى لبولص ان يعارضه ويناقشه ويدخل معه ومع الجماعة التي يشرف عليها في القدس في خلاف ! . لكنّ من كتبوا الإنجيل بعد بولص عالجوا هذا الإشكال بالطعن في ( بطرس ) في النصّ الذي يليه ! . امّا مفردة ( كنيستي ) التي جائت ضمن المقطع فهي ربما من وضع هؤلاء الكتبة ، وربما هي ترجمة منهم لمعنى روحي قصده المسيح ، وهذه الترجمات المحرفة ترد كثيرا في الإنجيل او في غيره ، كما ترجم الاثاريون مفردة ( دنجير ) السومرية بمعنى ( اله ) ولم تكن سوى بمعنى ( ولي او نبي ) . (( 13 وَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى نَوَاحِي قَيْصَرِيَّةِ فِيلُبُّسَ سَأَلَ تَلاَمِيذَهُ قِائِلاً:«مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا ابْنُ الإِنْسَانِ؟» 14 فَقَالُوا:«قَوْمٌ: يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ، وَآخَرُونَ: إِيلِيَّا، وَآخَرُونَ: إِرْمِيَا أَوْ وَاحِدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ». 15 قَالَ لَهُمْ:«وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟» 16 فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَقَالَ:«أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!». 17 فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ:«طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. 18 وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضًا: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا. 19 وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاوَاتِ. وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاوَاتِ». 20 حِينَئِذٍ أَوْصَى تَلاَمِيذَهُ أَنْ لاَ يَقُولُوا لأَحَدٍ إِنَّهُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ.

21 مِنْ ذلِكَ الْوَقْتِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يُظْهِرُ لِتَلاَمِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيرًا مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ. 22 فَأَخَذَهُ بُطْرُسُ إِلَيْهِ وَابْتَدَأَ يَنْتَهِرُهُ قَائِلاً:«حَاشَاكَ يَارَبُّ! لاَ يَكُونُ لَكَ هذَا!» 23 فَالْتَفَتَ وَقَالَ لِبُطْرُسَ:«اذْهَبْ عَنِّي يَاشَيْطَانُ! أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي، لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا للهِ لكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ». )) . وربما كان من أهداف هذه النصوص اثارة ما ذهبنا اليه من تصوير الاناجيل البولصية للحواريين بنحو يظهرهم بمستوى أقلّ من بولص ذاته ، لمنحه فرصة البروز والقفز على التاريخ .

وفي الوقت الذي كان فيه بولص يتمتع بعلاقات مميزة مع الكاهن الصدوقي الأكبر ، وكذلك بالمواطنة الرومانية التي وفَّرت له الحماية العسكرية ، كان اتباع عيسى وعائلته يعانون ضريبة إيمانهم ، كسائر اتباع الرسل ، بخلاف بولص . لقد أخذ الكاهن الأكبر المشرف على المسيحيين بعد عيسى ( يعقوب ) وقام بإعدامه ، ومن بعده اصدر الرومان أمراً باعتقال ذرية ( داوود ) ، وعلى اثره ألقوا القبض على خليفة يعقوب ( شمعون ) وأعدموه . وهذا ما يفسّر هروب ( بطرس ) وجماعته الى دمشق الانباط ، رغم انه لم يكن من ذرية داوود .

وقد كان الخلاف بين الحواريين وبين بولص واضحا ، يثبت أنّهم كانوا يحاربون أفكاره بشدّة . انّ اخطر دعاوى بولص كانت في رفضه للناموس ( شريعة موسى ) ، ومنها ( الختان ) ، مما اثار ضجة كبيرة ، من داخل اليهود الذين كانوا يعرفون انّ عيسى جعل الشريعة الموسوية جزءاً عملياً من رسالته ، ومن داخل المسيحيين الذين أستهجنوا هذه البدعة البولصية ، ومن داخل الامم التي اضطربت نتيجة لما يأتيها من رؤى مختلفة حول تعاليم المسيحية . لذلك كانت ( المحاكم المسيحية ) تُعقد لمسائلة بولص ، وأحياناً كان جمهور القدس المسيحي يريد تأديبه ، إِلَّا انه كان ينجو بفعل الحماية الرومانية ، وعلى يد الضبّاط والجنود الرومان . وقد أشار لذلك الكتاب المقدس في اعمال الرسل الإصحاح الخامس عشر (( 1 وَانْحَدَرَ قَوْمٌ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ، وَجَعَلُوا يُعَلِّمُونَ الإِخْوَةَ أَنَّهُ «إِنْ لَمْ تَخْتَتِنُوا حَسَبَ عَادَةِ مُوسَى، لاَ يُمْكِنُكُمْ أَنْ تَخْلُصُوا». 2 فَلَمَّا حَصَلَ لِبُولُسَ وَبَرْنَابَا مُنَازَعَةٌ وَمُبَاحَثَةٌ لَيْسَتْ بِقَلِيلَةٍ مَعَهُمْ، رَتَّبُوا أَنْ يَصْعَدَ بُولُسُ وَبَرْنَابَا وَأُنَاسٌ آخَرُونَ مِنْهُمْ إِلَى الرُّسُلِ وَالْمَشَايخِ إِلَى أُورُشَلِيمَ مِنْ أَجْلِ هذِهِ الْمَسْأَلَةِ. 3 فَهؤُلاَءِ بَعْدَ مَا شَيَّعَتْهُمُ الْكَنِيسَةُ اجْتَازُوا فِي فِينِيقِيَةَ وَالسَّامِرَةِ يُخْبِرُونَهُمْ بِرُجُوعِ الأُمَمِ، وَكَانُوا يُسَبِّبُونَ سُرُورًا عَظِيمًا لِجَمِيعِ الإِخْوَةِ. 4 وَلَمَّا حَضَرُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ قَبِلَتْهُمُ الْكَنِيسَةُ وَالرُّسُلُ وَالْمَشَايخُ، فَأَخْبَرُوهُمْ بِكُلِّ مَا صَنَعَ اللهُ مَعَهُمْ. 5 وَلكِنْ قَامَ أُنَاسٌ مِنَ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ آمَنُوا مِنْ مَذْهَبِ الْفَرِّيسِيِّينَ، وَقَالُوا:«إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَنُوا، وَيُوصَوْا بِأَنْ يَحْفَظُوا نَامُوسَ مُوسَى». )) . ورغم انّ هذه النصوص وما بعدها تمت صياغتها لصالح آراء بولص ، إِلَّا انها تكشف مدى الخلاف بين الحواريين وبينه .

وفي رسالته لأهل غلاطية يكشف بولص لنا عدّة حقائق ، فهو قد تمّ استدعائه للمحاكمة من قبل زعماء الحواريين في القدس ، وقد كان يرافقه ( تيطس ) اليوناني الذي لا يلتزم الشريعة الموسوية ، ويظهر واضحاً انه كان متهماً باستخدامه لإنجيل مبتدع لدعوته بين الامم ، يخالف ما عليه الْحَوَارِيُّونَ ، لذلك كان مضطراً لعرضه على هؤلاء الزعماء ، وفيه أيضاً نرى انّ المسيحيين كانوا يرصدون له من يراقبه ويتجسس على تحركاته ، مما يكشف عن ريبة كبيرة تجاهه ، ومن خلاله ندرك انّ بولص لم يكن يقيم لهؤلاء الزعماء وعلمهم وزناً ، وافترض انه يعادلهم جميعاً في القيمة الروحية والدينية ، ويظهر في كلامه انه غير مقتنع بأنهم كانوا أعمدة القوم والديانة ، رغم انه كذبَ في ادّعائه منحهم له سلطة دينية تساوي ما لهم ، في تناقض بين القيمة المتدنية التي اعطاهم وبين حاجته الى إجازتهم المكذوبة . ولعلّ اهم ما عرضه في هذه الرسالة كان بدعته الكبرى بانتفاء الشريعة العملية بمجرد الإيمان بيسوع المسيح ، كما هي مفاهيم ( صكّ الغفران ) .

ومفاد هذه الرسالة كالآتي الإصحاح الثاني (( 1 ثُمَّ بَعْدَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً صَعِدْتُ أَيْضًا إِلَى أُورُشَلِيمَ مَعَ بَرْنَابَا، آخِذًا مَعِي تِيطُسَ أَيْضًا. 2 وَإِنَّمَا صَعِدْتُ بِمُوجَبِ إِعْلاَنٍ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمِ الإِنْجِيلَ الَّذِي أَكْرِزُ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، وَلكِنْ بِالانْفِرَادِ عَلَى الْمُعْتَبَرِينَ، لِئَلاَّ أَكُونَ أَسْعَى أَوْ قَدْ سَعَيْتُ بَاطِلاً. 3 لكِنْ لَمْ يَضْطَرَّ وَلاَ تِيطُسُ الَّذِي كَانَ مَعِي، وَهُوَ يُونَانِيٌّ، أَنْ يَخْتَتِنَ. 4 وَلكِنْ بِسَبَبِ الإِخْوَةِ الْكَذَبَةِ الْمُدْخَلِينَ خُفْيَةً، الَّذِينَ دَخَلُوا اخْتِلاَسًا لِيَتَجَسَّسُوا حُرِّيَّتَنَا الَّتِي لَنَا فِي الْمَسِيحِ كَيْ يَسْتَعْبِدُونَا، 5 اَلَّذِينَ لَمْ نُذْعِنْ لَهُمْ بِالْخُضُوعِ وَلاَ سَاعَةً، لِيَبْقَى عِنْدَكُمْ حَقُّ الإِنْجِيلِ. 6 وَأَمَّا الْمُعْتَبَرُونَ أَنَّهُمْ شَيْءٌ ¬ مَهْمَا كَانُوا، لاَ فَرْقَ عِنْدِي، اَللهُ لاَ يَأْخُذُ بِوَجْهِ إِنْسَانٍ ¬ فَإِنَّ هؤُلاَءِ الْمُعْتَبَرِينَ لَمْ يُشِيرُوا عَلَيَّ بِشَيْءٍ. 7 بَلْ بِالْعَكْسِ، إِذْ رَأَوْا أَنِّي اؤْتُمِنْتُ عَلَى إِنْجِيلِ الْغُرْلَةِ كَمَا بُطْرُسُ عَلَى إِنْجِيلِ الْخِتَانِ. 8 فَإِنَّ الَّذِي عَمِلَ فِي بُطْرُسَ لِرِسَالَةِ الْخِتَانِ عَمِلَ فِيَّ أَيْضًا لِلأُمَمِ. 9 فَإِذْ عَلِمَ بِالنِّعْمَةِ الْمُعْطَاةِ لِي يَعْقُوبُ وَصَفَا وَيُوحَنَّا، الْمُعْتَبَرُونَ أَنَّهُمْ أَعْمِدَةٌ، أَعْطَوْنِي وَبَرْنَابَا يَمِينَ الشَّرِكَةِ لِنَكُونَ نَحْنُ لِلأُمَمِ، وَأَمَّا هُمْ فَلِلْخِتَانِ. 10 غَيْرَ أَنْ نَذْكُرَ الْفُقَرَاءَ. وَهذَا عَيْنُهُ كُنْتُ اعْتَنَيْتُ أَنْ أَفْعَلَهُ.

11 وَلكِنْ لَمَّا أَتَى بُطْرُسُ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ قَاوَمْتُهُ مُواجَهَةً، لأَنَّهُ كَانَ مَلُومًا. 12 لأَنَّهُ قَبْلَمَا أَتَى قَوْمٌ مِنْ عِنْدِ يَعْقُوبَ كَانَ يَأْكُلُ مَعَ الأُمَمِ، وَلكِنْ لَمَّا أَتَوْا كَانَ يُؤَخِّرُ وَيُفْرِزُ نَفْسَهُ، خَائِفًا مِنَ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الْخِتَانِ. 13 وَرَاءَى مَعَهُ بَاقِي الْيَهُودِ أَيْضًا، حَتَّى إِنَّ بَرْنَابَا أَيْضًا انْقَادَ إِلَى رِيَائِهِمْ! 14 لكِنْ لَمَّا رَأَيْتُ أَنَّهُمْ لاَ يَسْلُكُونَ بِاسْتِقَامَةٍ حَسَبَ حَقِّ الإِنْجِيلِ، قُلْتُ لِبُطْرُسَ قُدَّامَ الْجَمِيعِ:«إِنْ كُنْتَ وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ تَعِيشُ أُمَمِيًّا لاَ يَهُودِيًّا، فَلِمَاذَا تُلْزِمُ الأُمَمَ أَنْ يَتَهَوَّدُوا؟» 15 نَحْنُ بِالطَّبِيعَةِ يَهُودٌ وَلَسْنَا مِنَ الأُمَمِ خُطَاةً، 16 إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَتَبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ، بَلْ بِإِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، آمَنَّا نَحْنُ أَيْضًا بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، لِنَتَبَرَّرَ بِإِيمَانِ يَسُوعَ لاَ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ. لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ لاَ يَتَبَرَّرُ جَسَدٌ مَا. 17 فَإِنْ كُنَّا وَنَحْنُ طَالِبُونَ أَنْ نَتَبَرَّرَ فِي الْمَسِيحِ، نُوجَدُ نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا خُطَاةً، أَفَالْمَسِيحُ خَادِمٌ لِلْخَطِيَّةِ؟ حَاشَا! 18 فَإِنِّي إِنْ كُنْتُ أَبْنِي أَيْضًا هذَا الَّذِي قَدْ هَدَمْتُهُ، فَإِنِّي أُظْهِرُ نَفْسِي مُتَعَدِّيًا. 19 لأَنِّي مُتُّ بِالنَّامُوسِ لِلنَّامُوسِ لأَحْيَا للهِ. 20 مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي. 21 لَسْتُ أُبْطِلُ نِعْمَةَ اللهِ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِالنَّامُوسِ بِرٌّ، فَالْمَسِيحُ إِذًا مَاتَ بِلاَ سَبَبٍ! )) .

ومن الإصحاح الحادي والعشرين من اعمال الرسل نعرف حقائقاً اخرى ، حيث انّ بولص كان كالحرباء ، يتلوّن اعتماداً على مستوى الخطر والتهديد ، كما نرى كيف انّه كان متهماً من قبل اليهود والمسيحيين على حدٍ سواء بأنّه يدعو الناس للارتداد عن شريعة موسى ، وهي الجانب العملي من رسالة عيسى . وفيما يدعو هو لذلك فعلاً - وهذا ما يؤيده الإنجيل - استنكر عليه الْحَوَارِيُّونَ واتباع المسيح الأوائل ذلك ، فَلَو كان هذا الارتداد والهجران الموسوية من تعاليم عيسى كيف جاز لهؤلاء الاتباع المقربين الغفلة عنه واستنكاره ! . لكن يبدو انّ المسيحيين المعاصرين يغفلون عن ذلك بتأثير التعاليم البولصية ذاتها ، تحت رعاية الكنيسة الرومانية البابوية الحالية .

جاء في اعمال الرسل الإصحاح الحادي والعشرين (( وَلَمَّا وَصَلْنَا إِلَى أُورُشَلِيمَ قَبِلَنَا الإِخْوَةُ بِفَرَحٍ. 18 وَفِي الْغَدِ دَخَلَ بُولُسُ مَعَنَا إِلَى يَعْقُوبَ، وَحَضَرَ جَمِيعُ الْمَشَايخِ. 19 فَبَعْدَ مَا سَلَّمَ عَلَيْهِمْ طَفِقَ يُحَدِّثُهُمْ شَيْئًا فَشَيْئًا بِكُلِّ مَا فَعَلَهُ اللهُ بَيْنَ الأُمَمِ بِوَاسِطَةِ خِدْمَتِهِ. 20 فَلَمَّا سَمِعُوا كَانُوا يُمَجِّدُونَ الرَّبَّ. وَقَالُوا لَهُ:«أَنْتَ تَرَى أَيُّهَا الأَخُ كَمْ يُوجَدُ رَبْوَةً مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ آمَنُوا، وَهُمْ جَمِيعًا غَيُورُونَ لِلنَّامُوسِ. 21 وَقَدْ أُخْبِرُوا عَنْكَ أَنَّكَ تُعَلِّمُ جَمِيعَ الْيَهُودِ الَّذِينَ بَيْنَ الأُمَمِ الارْتِدَادَ عَنْ مُوسَى، قَائِلاً أَنْ لاَ يَخْتِنُوا أَوْلاَدَهُمْ وَلاَ يَسْلُكُوا حَسَبَ الْعَوَائِدِ. 22 فَإِذًا مَاذَا يَكُونُ؟ لاَ بُدَّ عَلَى كُلِّ حَال أَنْ يَجْتَمِعَ الْجُمْهُورُ، لأَنَّهُمْ سَيَسْمَعُونَ أَنَّكَ قَدْ جِئْتَ. 23 فَافْعَلْ هذَا الَّذِي نَقُولُ لَكَ: عِنْدَنَا أَرْبَعَةُ رِجَال عَلَيْهِمْ نَذْرٌ. 24 خُذْ هؤُلاَءِ وَتَطهَّرْ مَعَهُمْ وَأَنْفِقْ عَلَيْهِمْ لِيَحْلِقُوا رُؤُوسَهُمْ، فَيَعْلَمَ الْجَمِيعُ أَنْ لَيْسَ شَيْءٌ مِمَّا أُخْبِرُوا عَنْكَ، بَلْ تَسْلُكُ أَنْتَ أَيْضًا حَافِظًا لِلنَّامُوسِ. 25 وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الأُمَمِ، فَأَرْسَلْنَا نَحْنُ إِلَيْهِمْ وَحَكَمْنَا أَنْ لاَ يَحْفَظُوا شَيْئًا مِثْلَ ذلِكَ، سِوَى أَنْ يُحَافِظُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِمَّا ذُبحَ لِلأَصْنَامِ، وَمِنَ الدَّمِ، وَالْمَخْنُوقِ، وَالزِّنَا». 26 حِينَئِذٍ أَخَذَ بُولُسُ الرِّجَالَ فِي الْغَدِ، وَتَطَهَّرَ مَعَهُمْ وَدَخَلَ الْهَيْكَلَ، مُخْبِرًا بِكَمَالِ أَيَّامِ التَّطْهِيرِ، إِلَى أَنْ يُقَرَّبَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْقُرْبَانُ. )) .

وما يؤيد هذه الحربائية لدى بولص رسالته لأهل كورنثوس الاولى الإصحاح التاسع ((  20 فَصِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ. وَلِلَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ كَأَنِّي تَحْتَ النَّامُوسِ لأَرْبَحَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ. 21 وَلِلَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ كَأَنِّي بِلاَ نَامُوسٍ ¬ مَعَ أَنِّي لَسْتُ بِلاَ نَامُوسٍ ِللهِ، بَلْ تَحْتَ نَامُوسٍ لِلْمَسِيحِ ¬ لأَرْبَحَ الَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ. )) .

لكنّه كان ممقوتاً من سكّان القدس ، فهاج الشعب ضدّه واراد تأديبه ، لا سيما وقد رافقه احد الوثنيين غير المتطهرين المدعو ( تروفيمس ) ، وقد ادخله بولص لحرم الهيكل ، لكنّ الرومان انقذوه ، كما انهم أشاروا الى كونه مصرياً اثار الفتنة قبل ايام في المدينة ، ورغم ذلك سمحوا له بالصعود ومخاطبة الشعب !! . وهذا ما يبيّنه النص في اعمال الرسل ((  27 وَلَمَّا قَارَبَتِ الأَيَّامُ السَّبْعَةُ أَنْ تَتِمَّ، رَآهُ الْيَهُودُ الَّذِينَ مِنْ أَسِيَّا فِي الْهَيْكَلِ، فَأَهَاجُوا كُلَّ الْجَمْعِ وَأَلْقَوْا عَلَيْهِ الأَيَادِيَ 28 صَارِخِينَ:«يَا أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ، أَعِينُوا! هذَا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يُعَلِّمُ الْجَمِيعَ فِي كُلِّ مَكَانٍ ضِدًّا لِلشَّعْبِ وَالنَّامُوسِ وَهذَا الْمَوْضِعِ، حَتَّى أَدْخَلَ يُونَانِيِّينَ أَيْضًا إِلَى الْهَيْكَلِ وَدَنَّسَ هذَا الْمَوْضِعَ الْمُقَدَّسَ». 29 لأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ رَأَوْا مَعَهُ فِي الْمَدِينَةِ تُرُوفِيمُسَ الأَفَسُسِيَّ، فَكَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ بُولُسَ أَدْخَلَهُ إِلَى الْهَيْكَلِ. 30 فَهَاجَتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا، وَتَرَاكَضَ الشَّعْبُ وَأَمْسَكُوا بُولُسَ وَجَرُّوهُ خَارِجَ الْهَيْكَلِ. وَلِلْوَقْتِ أُغْلِقَتِ الأَبْوَابُ. 31 وَبَيْنَمَا هُمْ يَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، نَمَا خَبَرٌ إِلَى أَمِيرِ الْكَتِيبَةِ أَنَّ أُورُشَلِيمَ كُلَّهَا قَدِ اضْطَرَبَتْ. 32 فَلِلْوَقْتِ أَخَذَ عَسْكَرًا وَقُوَّادَ مِئَاتٍ وَرَكَضَ إِلَيْهِمْ. فَلَمَّا رأَوْا الأَمِيرَ وَالْعَسْكَرَ كَفُّوا عَنْ ضَرْبِ بُولُسَ.

33 حِينَئِذٍ اقْتَرَبَ الأَمِيرُ وَأَمْسَكَهُ، وَأَمَرَ أَنْ يُقَيَّدَ بِسِلْسِلَتَيْنِ، وَطَفِقَ يَسْتَخْبِرُ: تُرَى مَنْ يَكُونُ؟ وَمَاذَا فَعَلَ؟ 34 وَكَانَ الْبَعْضُ يَصْرُخُونَ بِشَيْءٍ وَالْبَعْضُ بِشَيْءٍ آخَرَ فِي الْجَمْعِ. وَلَمَّا لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَعْلَمَ الْيَقِينَ لِسَبَبِ الشَّغَبِ، أَمَرَ أَنْ يُذْهَبَ بِهِ إِلَى الْمُعَسْكَرِ. 35 وَلَمَّا صَارَ عَلَى الدَّرَجِ اتَّفَقَ أَنَّ الْعَسْكَرَ حَمَلَهُ بِسَبَبِ عُنْفِ الْجَمْعِ، 36 لأَنَّ جُمْهُورَ الشَّعْبِ كَانُوا يَتْبَعُونَهُ صَارِخِينَ: «خُذْهُ!». 37 وَإِذْ قَارَبَ بُولُسُ أَنْ يَدْخُلَ الْمُعَسْكَرَ قَالَ لِلأَمِيرِ:«أَيَجُوزُ لِي أَنْ أَقُولَ لَكَ شَيْئًا؟» فَقَالَ:«أَتَعْرِفُ الْيُونَانِيَّةَ؟ 38 أَفَلَسْتَ أَنْتَ الْمِصْرِيَّ الَّذِي صَنَعَ قَبْلَ هذِهِ الأَيَّامِ فِتْنَةً، وَأَخْرَجَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعَةَ الآلاَفِ الرَّجُلِ مِنَ الْقَتَلَةِ؟». 39 فَقَالَ بُولُسُ:«أَنَا رَجُلٌ يَهُودِيٌّ طَرْسُوسِيٌّ، مِنْ أَهْلِ مَدِينَةٍ غَيْرِ دَنِيَّةٍ مِنْ كِيلِيكِيَّةَ. وَأَلْتَمِسُ مِنْكَ أَنْ تَأْذَنَ لِي أَنْ أُكَلِّمَ الشَّعْبَ». 40 فَلَمَّا أَذِنَ لَهُ، وَقَفَ بُولُسُ عَلَى الدَّرَجِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الشَّعْبِ، فَصَارَ سُكُوتٌ عَظِيمٌ. فَنَادَى بِاللُّغَةِ الْعِبْرَانِيَّةِ ... )) .

وفي اعمال الرسل الإصحاح الثالث والعشرين يبدو واضحاً انّ هناك من كان يعاون بولص ويعمل على إيصال اخباره للرومان من اجل حمايته (( 22 فَأَطْلَقَ الأَمِيرُ الشَّابَّ مُوصِيًا إِيَّاهُ أَنْ:«لاَ تَقُلْ لأَحَدٍ إِنَّكَ أَعْلَمْتَنِي بِهذَا». 23 ثُمَّ دَعَا اثْنَيْنِ مِنْ قُوَّادِ الْمِئَاتِ وَقَالَ:«أَعِدَّا مِئَتَيْ عَسْكَرِيٍّ لِيَذْهَبُوا إِلَى قَيْصَرِيَّةَ، وَسَبْعِينَ فَارِسًا وَمِئَتَيْ رَامِحٍ، مِنَ السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ مِنَ اللَّيْلِ. 24 وَأَنْ يُقَدِّمَا دَوَابَّ لِيُرْكِبَا بُولُسَ وَيُوصِلاَهُ سَالِمًا إِلَى فِيلِكْسَ الْوَالِي». 25 وَكَتَبَ رِسَالَةً حَاوِيَةً هذِهِ الصُّورَةَ:

26 «كُلُودِيُوسُ لِيسِيَاسُ، يُهْدِي سَلاَمًا إِلَى الْعَزِيزِ فِيلِكْسَ الْوَالِي: 27 هذَا الرَّجُلُ لَمَّا أَمْسَكَهُ الْيَهُودُ وَكَانُوا مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، أَقْبَلْتُ مَعَ الْعَسْكَرِ وَأَنْقَذْتُهُ، إِذْ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ رُومَانِيٌّ. 28 وَكُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَعْلَمَ الْعِلَّةَ الَّتِي لأَجْلِهَا كَانُوا يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ، فَأَنْزَلْتُهُ إِلَى مَجْمَعِهِمْ، 29 فَوَجَدْتُهُ مَشْكُوًّا عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ مَسَائِلِ نَامُوسِهِمْ. وَلكِنَّ شَكْوَى تَسْتَحِقُّ الْمَوْتَ أَوِ الْقُيُودَ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ. 30 ثُمَّ لَمَّا أُعْلِمْتُ بِمَكِيدَةٍ عَتِيدَةٍ أَنْ تَصِيرَ عَلَى الرَّجُلِ مِنَ الْيَهُودِ، أَرْسَلْتُهُ لِلْوَقْتِ إِلَيْكَ، آمِرًا الْمُشْتَكِينَ أَيْضًا أَنْ يَقُولُوا لَدَيْكَ مَا عَلَيْهِ. كُنْ مُعَافىً». )) .

انّ التعاليم السياسية التي نشرها بولص كانت بالضبط ما يحتاج اليه الرومان ، من جهة التهام الديانة المسيحية ، ومن جهة نشر فكرة الخنوع والخضوع للسلطان . وهذا واضح من رسالته لأهل افسس الإصحاح السادس (( 5 أَيُّهَا الْعَبِيدُ، أَطِيعُوا سَادَتَكُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ، فِي بَسَاطَةِ قُلُوبِكُمْ كَمَا لِلْمَسِيحِ 6 لاَ بِخِدْمَةِ الْعَيْنِ كَمَنْ يُرْضِي النَّاسَ، بَلْ كَعَبِيدِ الْمَسِيحِ، عَامِلِينَ مَشِيئَةَ اللهِ مِنَ الْقَلْبِ، 7 خَادِمِينَ بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ كَمَا لِلرَّبِّ، لَيْسَ لِلنَّاسِ. 8 عَالِمِينَ أَنْ مَهْمَا عَمِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَيْرِ فَذلِكَ يَنَالُهُ مِنَ الرَّبِّ، عَبْدًا كَانَ أَمْ حُرًّا. 9 وَأَنْتُمْ أَيُّهَا السَّادَةُ، افْعَلُوا لَهُمْ هذِهِ الأُمُورَ، تَارِكِينَ التَّهْدِيدَ، عَالِمِينَ أَنَّ سَيِّدَكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا فِي السَّمَاوَاتِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ مُحَابَاةٌ. )) .

امّا النهاية التي وصل اليها ( بولص ) فكانت درامية متوقعة ، حيث اشتكاه الكاهن الأكبر - صاحبه القديم - للحاكم الروماني الجديد ( فستوس ) ، الذي سلَّمه للملك اليهودي ( هيرودس اغريباس الثاني ) ، الذي كان يكره المسيحيين ، والذي اعدم والده بعض زعمائهم ، وفي حين كان متوقعاً من ملك كهذا يجمع بين سببين لكره المسيحيين كيهودي وكممثل عن السلطة السياسية الرومانية أنْ يفعل الأعاجيب بداعية مسيحي مفترض كبولص ، إِلَّا انه ارسله الى القيصر في روما ، باعتباره مواطناً رومانيا ، ليعيش هناك ويشيد كنيسته ، التي فتح باب الشيطان لاحقاً على العالم .

وهناك بدأ بولص الخطوات العملية لما حكاه نظرياً في رسالته لأهل رومية من وجوب الخضوع للسلطان في الإصحاح الثالث عشر (( 1 لِتَخْضَعْ كُلُّ نَفْسٍ لِلسَّلاَطِينِ الْفَائِقَةِ، لأَنَّهُ لَيْسَ سُلْطَانٌ إِلاَّ مِنَ اللهِ، وَالسَّلاَطِينُ الْكَائِنَةُ هِيَ مُرَتَّبَةٌ مِنَ اللهِ، 2 حَتَّى إِنَّ مَنْ يُقَاوِمُ السُّلْطَانَ يُقَاوِمُ تَرْتِيبَ اللهِ، وَالْمُقَاوِمُونَ سَيَأْخُذُونَ لأَنْفُسِهِمْ دَيْنُونَةً. 3 فَإِنَّ الْحُكَّامَ لَيْسُوا خَوْفًا لِلأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بَلْ لِلشِّرِّيرَةِ. أَفَتُرِيدُ أَنْ لاَ تَخَافَ السُّلْطَانَ؟ افْعَلِ الصَّلاَحَ فَيَكُونَ لَكَ مَدْحٌ مِنْهُ، 4 لأَنَّهُ خَادِمُ اللهِ لِلصَّلاَحِ! وَلكِنْ إِنْ فَعَلْتَ الشَّرَّ فَخَفْ، لأَنَّهُ لاَ يَحْمِلُ السَّيْفَ عَبَثًا، إِذْ هُوَ خَادِمُ اللهِ، مُنْتَقِمٌ لِلْغَضَبِ مِنَ الَّذِي يَفْعَلُ الشَّرَّ. 5 لِذلِكَ يَلْزَمُ أَنْ يُخْضَعَ لَهُ، لَيْسَ بِسَبَبِ الْغَضَبِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا بِسَبَبِ الضَّمِيرِ. 6 فَإِنَّكُمْ لأَجْلِ هذَا تُوفُونَ الْجِزْيَةَ أَيْضًا، إِذْ هُمْ خُدَّامُ اللهِ مُواظِبُونَ عَلَى ذلِكَ بِعَيْنِهِ. 7 فَأَعْطُوا الْجَمِيعَ حُقُوقَهُمُ: الْجِزْيَةَ لِمَنْ لَهُ الْجِزْيَةُ. الْجِبَايَةَ لِمَنْ لَهُ الْجِبَايَةُ. وَالْخَوْفَ لِمَنْ لَهُ الْخَوْفُ. وَالإِكْرَامَ لِمَنْ لَهُ الإِكْرَامُ. )) .

يقول ( هايم ماكبي ) : (( لقد انطلق بولص من زوبعة التأثيرات الدينية التي كانت تتزاحم في رأسه فخلق مزيجاً مشحوناً بالخيال ، مزيجاً معدّاً لانْ يكون بعد ذلك - شئنا ام لم نشأ - أساس الثقافة الغربية وجوهرها )) .

ليس من الصعب على الباحث معرفة انّ بولص لم يأتِ بعقيدة ( ابن الرَّبّ ) ، وأسطورة ( الأب - الابن - الروح القدس = إلهاً واحدا ) ، من خيالات نفسه ، بل هي عقيدة قديمة ، تواجدت في بلاد الفراعنة ، ومنها انطلقت ( الأقانيم ) المصرية الشهيرة . فبعد انتصار فراعنة الاسرة الثامنة عشرة الطيبيين على الهكسوس ، وانتشارهم في اسيا ، تمّ توحيد الإلهين الكبيرين ( رع ) و ( آمون ) في أقنوم واحد ، هو الاله ( آمون - رع ) ، الذي اصبح كبير الآلهة ، وتمّ تكريس معبدين في الكرنك والأقصر لأداء الطقوس لهذا الأقنوم الجديد . وهذه الثلاثية نجدها في أقنوم ( آتوم - شو - تفنوت ) ، الذي خرج من الاوقيانوس الأزلي ( نُون ) ، لكنّه كان ثلاثة في واحد ، اذا قبلنا بالرؤية الشائعة حول هذه الثلاثي بعيداً عن تفسيرنا لها في محلّها السابق من الكتاب .

امّا أشهر الأقانيم التي عنها أخذت المسيحية البولصية اقنومها فكان الناتج من عقيدة ( أوزوريس - إيزيس - حورس ) ، ( الأب - الام - الابن ) ، تلك الآلهة المصرية الكبرى ، والتي تحكمت في مجمل حركة العقيدة الفرعونية .

امّا قيام ( يسوع ) من بين الأموات فقد جاء به بولص من العقيدة الفرعونية التي تؤمن بقيام ( أوزوريس ) من بين الأموات . حيث ترى تلك العقيدة انّ ( أوزوريس ) قد قُتِل ، ومن ثمّ قام من بين الأموات ، وجعلت عيده السنوي يرتبط بهذه الحادثة . وقد جرت العادة في بعض الحضارات المتفرعة عن الفرعونية على قتل ملوكهم ، افتداءً للشعب والنعمة ، كما هو الحال في افتداء المسيح لشعبه في العقيدة البولصية . وفي بعض الحضارات السودانية - القريبة الى الفرعونية - كان الملك في حالة اعتلاله يرضى بالقتل فداءً لصحة شعبه . فيما ذكر ( مانيتون ) المؤرخ المصري انّ المصريين كانوا يضحّون برجل اصهب على قبر أوزوريس ، ثمّ يذرون رماده .

امّا الاحتفال الغريب بمولد المسيح - الذي يُفترض انه ولد في ١ فبراير - في يوم ٢٥ ديسمبر فليس سوى اعادة للاحتفال بالعيد الشمسي لمولد ( رع ) اله الفراعنة المصريين ، والذي كان يطلق عليه المصريون ( مسو - رع ) . لذلك ليس غريباً بعد ذلك أنْ نجد صور العذراء مريم مع طفلها يسوع نسخة عن صور ( إيزيس ) مع طفلها ( حورس ) .

من هنا كان التعبير القراني في وصف تلك العقائد المبتدعة بما عليه حال الامم الوثنية السابقة عليها دقيقاً وصائباً ، [ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ [الجزء: ١٠ | التوبة (٩) | الآية: ٣٠] . فيما يتسائل عن منطقية التوحيد الذي عليه مثل هؤلاء المبتدعين واتباعهم ، [ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الجزء: ١٠ | التوبة (٩) | الآية: ٣١] .

ولعلّ أشهر المشتركات الرمزية بين الديانتين الفرعونية والمسيحية البولصية هو ( الصليب ) ، او ( عنخ ) بالفرعونية . وهذا الرمز لم يكن مسموحاً الا للملوك او الملكات بحمله ، لانه يرمز الى الحياة ، ومن يحمله فقط له سلطة منح او سلب الحياة من البشر ذوي المراتب الدنيا ، لذلك كان حمله من قبل البابوات البولصيين دليل سلطنة . وكان الفراعنة يصنعونه من خزف القيشاني ، ومزيّن بصولجان له رأس كلب ، ليرمز للقوة ، تمّ تعديله ليلائم العقائد الإبراهيمية .

واستمراراً للسلوك الفرعوني في الزواج من المحارم قام ( هيراكليوس ) بالزواج من ابنة شقيقته ( مارتينا ) بعد وفاة زوجته الاولى ( اودوكيا ) عام ٦١٢ م ، امام نظر الكنيسة الرومانية .


الصراع بين الكنيستين التوحيدية والتثليثية

لقد انقسام الامبراطورية الرومانية الى دولتين ، روما وبيزنطة ( اسطنبول الحالية ) ، إعلاناً للانفصال الحضاري بين شعوب شرق أوربا ذات الامتداد التاريخي المدني ، وبين شعوب غرب أوربا ذات الامتداد القبلي البسيط . وبالتالي انقسمت كذلك الكنيسة المسيحية الرومانية الى شرقية وغربية ، مثلّت الشرقية الصبغة الفلسفية للحضارة المسيحية الجديدة ، وأخذت تقرأ عقائدها بروح الشرق المفعم بالمعطيات العقلية ، رغم ارتكاز العقائد البولصية فيها أيضاً بفعل السياسة الامبراطورية الرومانية السابقة ، فيما استطاعت الكنيسة الغربية التفاعل مع العقل الوثني لشعوب غرب أوربا ، التي لا تملك العمق اللازم لفلسفة لاهوتية .

ومن ذلك أنْ استطاعت الكنيسة الغربية ( روما ) نشر ثلاثية بولص الوثنية ( الأب - الابن - الروح القدس ) ، في نطاق فاعليتها المناطقية بسهولة ، فيما كانت الكنيسة الشرقية في مواجهة العقل الرافديني التوحيدي .

لقد اضطرت الكنيسة الشرقية ( بيزنطية ) الى الإقرار بناسوت المسيح ، واعتبرت انّ أمه لم تلد ( إلهاً ) ، بل ( إنساناً ) ، وبالتالي هي ليست ( أمّ الرَّبّ ) . هذا هو ملخص ما أنتجه زعيم الكنيسة الشرقية ( نسطور ) ، والذي كان له صدى مقبول في الأقاليم الشرقية التوحيدية الفلسفة .

لقد جاء نسطور من الحاضنة الفلسفية الرافدينية ، فقد كان راهب ( إنطاكية ) ، ومن ثمّ اصبح بطريرك ( القسطنطينية ) . لكنّ تعاليمه التي راقت للكنائس الشرقية لم تكن لتتماشى مع الوثنية البولصية الغربية .

امّا الكنيسة المصرية في الاسكندرية التي كانت تعاني فعلياً معضلة إرثها الوثني الفرعوني ، الذي يتماشى مع ما جاء به ( بولص ) من تأليه لعيسى ، حيث كان امتداداً للطبيعة المتناقضة التي تمتعت بها الآلهة ( أوزوريس - إيزيس - حورس ) ، وجوارها للمدرسة التوحيدية الشرقية في بلاد الرافدين - بما فيها سوريا - ، فقد حاولت الإبقاء على الوضع الوثني للمسيحية البولصية ، من خلال وقوف زعيمها ( كيرلس ) بوجه المدرسة النسطورية ، في ذات الوقت الذي حاولت الاعتراف بطبيعة ناسوتية للمسيح ، لتوائم بين الجهتين ، فقالت انّ للمسيح لاهوتاً وناسوتاً ، لكنّهما امتزجا كامتزاج النار والحديد ، مستغلّة الجهل العلمي في تلك الفترة ، لأنّ النار والحديد لا يمتزجان حسب قوانين العلم المعاصر .

وفقاً لتأثير ( كيرلس ) تمت ادانة ( نسطور ) في مجمع ( افسس ) في عام ٤٣١ م وتحريم تعاليمه . لكنّ ذلك لم يكن كافياً لاقناع العقل الشرقي الفلسفي التوّاق للتوحيد بالعدول عن معتقداته ، التي كانت اقرب للعقلانية الرافدينية ، التي ترى في عيسى نبيًّا من الأنبياء ، لا إلهاً متجسّدا .

وهذه الرؤية النسطورية لم تكن بدعة ، كما صوّرتها الكنيسة الرسمية ، بل هي صدى لما عليه تلامذة المسيح الأوائل ، الذين تكشف مواجهتهم المتكررة لبولص اختلافهم عن جلّ ما جاء به ، كما هو المذهب الذي عليه ( الابيونيون ) ، وهم عامة المسيحيين الأوائل . كذلك كان ذلك ما يراه ( آريوس ) المولود عام ٢٥٦ م ، حيث قال ( انّ الله واحد غير مولود ولا احد يشاركه في ذاته ) ، وانّ المسيح ليس إِلَّا مخلوقا ، ليس له مرتبة الآلهة ، وقد انتشرت تلك التعاليم الأريوسية في مختلف اصقاع الأمة المسيحية ، مما اضطر الكنيسة الرسمية ( الوثنية ) لعقد مجمع ( نيقية ) وادانة ( آريوس ) عام ٣٢٥ م .

لقد خلقت فلسفة نسطور موجة من المواجهات الفكرية مع ( الوثنية البولصية ) في روما والإسكندرية ، وقام ( اوطاخي ) بإنتاج فلسفة مضادة تماماً لما قاله نسطور ، حيث اعتبر انّ الطبيعة الحقيقية للمسيح هي ( اللاهوت ) ، وانّ ( الناسوت ) ليس إِلَّا خيالات سريعة في مرور المسيح نحو التجسد . لكنّ مدرسة ( اوطاخي ) تمت ادانتها في مجمع ( خلقدونية ) الذي عقدته الامبراطورية الرومانية الغربية عام ٤٥١ م .

رغم أني افهم الاشتراك بين الكنيسة الرومانية ( الكاثوليكية ) والكنيسة المصرية ( القبطية ) والمتجسد في اعتقادهما معاً انّ للمسيح ناسوتاً ولاهوتاً في ذات الوقت ، إِلَّا أني لست افهم بالدقة سبب افتراقهما منذ مجمع ( خلقدونية ) . لكن ما أراه انّ اختلافهما في صورة ( الأقنوم المسيحي ) ، هل هو منفصل في ناسوته عن لاهوته ؟ ، فكلاهما يراه - كما أوزوريس وإيزيس وحورس - إلهاً متجسدا . لكنّ الغموض الشكلي والفلسفي لهذا الأقنوم الوثني الموروث عن الديانة الفرعونية الرومانية المشتركة لازال غامضاً غير مفهوم ، ولم يستطع الإجابة عن اشكالية الولادة البشرية وتناول الطعام المادي وغيرها من المظاهر لهذا الأقنوم الاله المفترض .

وفيما كانت القبائل والممالك العربية والنبطية في العراق نسطورية المذهب ، لم يكن الاعتقاد الذي عليه عرب الغساسنة في الشام واضحاً . حيث تنقل بعض المصادر انّ ملكهم ( الحارث ) كان من أنصار الطبيعة الواحدة ، وكذللك ابنه ( المنذر ) وحفيده ( النعمان ) ، إِلَّا انّ علاقتهم بالرومان البيزنطيين لم تكن واضحة المعالم ، من اكرام ( ثيودورا ) لهم ، ومقاطعة ( يوستينوس ) ، وتذبذب ( تيباريوس ) ، وصلافة ( موريسيوس ) ، حيث اختلف كلّ هؤلاء الاباطرة في مستوى علاقتهم بالشرق المسيحي الموالي لروما ، الذي يبدو انّ قادته كانوا من اليعاقبة ( كنيسة الاسكندرية ) . وفي الوقت الذي أعاد فيه ( موريسيوس ) العلاقة مع ( النعمان ) لأسباب عسكرية واستراتيجية ، دعاه لاعتناق العقيدة الرومانية ، التي ترى انّ للمسيح طبيعتين ، إِلَّا انّ ( النعمان ) اخبره برفض قبائل ( طَي ) لهذه العقيدة ، الى الدرجة التي سيذبحونه لو حاول ثنيهم عنها . ولعلّ هذا الاختلاف المذهبي - حول عقيدة التوحيد والنظرة المختلفة لتأليه عيسى - هما ما يفسران الموقفين المتناقضين لمملكتي أبناء العمّ المسيحيتين ( المناذرة ) و ( الغساسنة ) تجاه الانتشار الاسلامي . حيث قام المسيحيون الذين كانوا يتبعون مملكة المناذرة - ومركزها الحيرة في العراق - بمقاتلة الفرس المحتلين ، قبل دخول الجيش الاسلامي حدود العراق ، فانتصروا عليهم في المعركة الشهيرة ( ذي قار ) ، وكذلك دخل ابرز قادتهم في الاسلام قبل وصول الحشود الحجازية ، حيث رفعوا اسم النبي ( محمد ) شعاراً لهم في تلك المعركة . بينما كان موقف الغساسنة مضاداً للتقدم الاسلامي ، وشارك الكثير منهم ضمن جيوش الروم لصدّ ذلك التقدم . وهذا الاختلاف في طبيعة التدين الفلسفي الفطري الذي تمتعت به مملكة الحيرة عن التدين السياسي الذي تمتعت به مملكة الشام هو ما يكشف أيضاً سرّ انفراد العراقيين في نشر المسيحية النصرانية شرقاً وجنوبا . من هنا كان ( ثيوفيلاكت سموكاتا ) يرى عدم إمكانية الاعتماد على العرب ، لأنهم برأيه ( متقلّبون وعقولهم غير ثابتة وأحكامهم لا تقوم على أساس صحيح من التعقّل ) ، فهو ربما كان يعكس خيبة أمل روما وبيزنطية في جذبهم الى حظيرة الوثنية المعقدة .

لكنّ هذه النزاعات المذهبية - الناتجة عن الوثنية البولصية - جعلت أبناء الحضارة الهيلينية الواحدة من رومان ومصريين في صراع ، أدّى في النهاية الى فرض ( المقوقس ) حاكماً باسم الإمبراطور ( الخلقيدوني ) على مصر ، وفي ذات الوقت مرجعاً للمسيحية دينياً ، مما جعل كبير رجال الدين الأقباط في مصر ( بنيامين ) يهرب ويختفي ، بانتظار أنْ يُهْلِك الرَّبّ جماعة الخلقدونيين في بلاده ، بعدما سيطروا على الكنائس ، واستخدموا العنف والاكراه في فرض الدين الإمبراطوري على الأقباط ، رغم اشتراكهم في تأليه المسيح .

لقد كانت ( النصرانية ) هي الدين الذي عُرف به المسيحيون الأوائل الموحدون ، اما ( المسيحية ) فهو الاصطلاح الذي غلب بعد الحركة البولصية ، حتى صار عامًّا للجميع منهم . لكنّ العرب ظلّوا يفصلون بين الدينين ، فاختصّت النصرانية على الكنائس الشرقية . وقد كانت النصرانية انتشرت فعلياً - كدين وفكر وفلسفة - على يد الكلدان والاشوريين ، ومنهم اسرى بني اسرائيل ، الذين كانوا جميعا شعلة نورانية اوصلت النور الى حدود الصين بالكلمة ، لا السيف كما في أوربا والمسيحية الغربية . وقد كان للنسطوريين الكلدان الدور الأكبر في الحركة الفكرية للنصرانية . فقد قام النساطرة بنشر هذا الدين في الجزيرة العربية وفارس وآسيا الوسطى والأناضول والهند . وعند سقوط المدائن والحيرة بيد الجيش الاسلامي هرب بعض النساطرة ، ووصلوا الى الصين ، وهناك رحّب بهم الإمبراطور ، فأقاموا مراكزهم العلمية ، وساهموا في نشر النصرانية في الكثير من أقاليم الصين . ورغم الاضطهاد الذي تعرّضوا له من قبل ( تيمورلينك ) فقد استمرّ النساطرة في مهمتهم الدعوية للتوحيد في جنوب الهند . ورغم ذلك كله كان هؤلاء النسطوريون عرضة لقمع الكنيسة الرسمية الرومانية بفرعيها .

كانت النصرانية في البلاد الرافدينية ، والتي تعتنقها شعوبها العربية والنبطية والآشورية والفينيقية ، ملزمة بالاستعداد لحماية دينها التوحيدي امام المدّ المسيحي البولصي التأليهي ، ليس بالفكر هذه المرّة ، بل بقوة السلاح ايضا ، لذلك بدأت في التقوقع لحماية عقيدتها ، من المطرقة الزرادشتية في الشرق ، والسندان البولصي في الغرب .

وربما تكون كلمة ( الحارث بن كعب ) احد رجال الدين في قبيلة ( بلحارث ) النجرانية التي يوصي بها ابنائه ، شاهداً على مدى خطورة ما تعرّضت له النصرانية التوحيدية حينئذ ، حيث قال فيها (( يا بني قد أتت عليّ مائة وستون سنة ، ولا بقى على دين عيسى بن مريم من العرب غيري ، وغير تميم بن مرّ بن أسد ، فموتوا على شريعتي ، واحفظوا عليّ وصاتي ، وإلهكم فاتقوا ، يكفكم ما اهمكم ويصلح لكم حالكم واياكم ومعصيته )) . ورغم انّ هذه الكلمة قد اصطبغت بالمبالغة في تقدير انحسار النصرانية بين شخصين ، وذلك ما يخالف الحقيقة التاريخية ، إِلَّا انها توحي بخطورة ما تعرّضت له من طوق سياسي وغزو ثقافي .

وَمِمَّا يُنسب لكعب هذا الأبيات :

وصرتُ الى عيسى بن مريم هاديا   رشيداً فسمّاني المسيح حواريا

بني اتقوا الله الذي هو رَبُّكُم    براكم له فيما برى وبرانيا

لنعبده سبحانه دون غيره   ونستدفع البلوى به والدواهيا

ونؤمن بالإنجيل والصحف   بها نهتدي من كان للوحي تاليا

وفي الحيرة برزت جماعة ( العبّاد ) ، الذين كانوا يأتلفون عقائدياً وسلوكياً من مختلف القبائل العربية وباقي التجمعات الديمغرافية العراقية ، في مؤازرة للحنيفية الموحدة في الجزيرة العربية . وفي كثير من البلدان داخل بلاد ما بين النهرين كان بإمكان الناس عرض عقائدها المسيحية الموحدة ، إِلَّا انّ ذلك كان ممتنعاً في الأقاليم الخاضعة للسلطة او النفوذ الروماني ، الذين يجوب قساوستهم مختلف الاصقاع مبشرين باسم ( الرَّبّ يسوع ) ، تحت ارهاب السيف الإمبراطوري ، وترغيب المال التجاري ، لذلك انزوى معظم الموحدين النصارى كعبّاد زاهدين متكتمين ، يعرضون دينهم لمن يستحق وحسب .

انّ الفكرة التي استند اليها النساطرة - حسب فهمي - في تناولهم لطبيعة السيد المسيح هي ذات الفكرة التي يعتمدها ( الشيعة الإمامية ) حول طبيعة الأئمة من أهل البيت ، حيث يَرَوْن انهم في تجسّدهم كانوا بشراً كما كان غيرهم ، لكنّهم خارج الجسد مصدراً للفيض الالهي ، بنحو الواسطة . وبذلك فعيسى والأئمة مخلوقون لله ، لكنّهم في منزلة اعلى وأعظم من أنْ تكون لبشر غيرهم ، وذلك ما يشبه قولنا بنحو ما عن وظيفة الملائكة .

وهذا هو ما جعل ( بابل ) ومحيطها حاضنة مستقبلية للعقيدة الاسلامية الشيعية الإمامية ، حيث دخلت قبائل ( شيبان ) و ( عجل ) و ( الازد ) ومجمل مملكة المناذرة في الاسلام قبل وصول الجيش العربي الى العراق . كما صار الكثير من مسيحيي الامس دعاة العلوية الاسلامية ، كعائلة ( ال اعين ) .

انّ بابل والمنطقة العربية لم تكن في عقائدها تخضع للأثر السياسي الراهن ، بل كانت تستند الى ارتكاز فلسفي عميق ، ناشئ عن الفيض المعرفي الإبراهيمي ، وهذا ما ميّزها عن الشعوب الوثنية في أوربا ، التي استقبلت البدعة البولصية ، لذلك لم تعتنق الشعوب الشرقية هذه الديانة الفارسية ، رغم عمق التأثير السياسي للفرس في المنطقة .

يكتب ( يوحنا ) عن الخلقيدونيين في مصر إبّان الفتوحات العربية ما نصّه ( أعداءُ المسيح برَجَس بدعِهم ، وقد فتنوا الناس عن إيمانهم فتنة شديدة ، لم يأتِ بمثلها عبدة الأوثان ولا الهمج ، وعصوا المسيح واذلّوا اتباعه . فلم يكن من الناس من أتى بمثل سيئاتهم ولو كانوا من عبدة الأوثان ) . فيما يروي المؤرخون الخلقيدونيون الرومان كيف انّ ( اليعاقبة ) الأقباط كانوا سبباً في انكسار جيش الامبراطورية الرومانية ! .

امّا الابيونيون الذين تصفهم بعض المؤلفات باليهود الجدد فقد كانوا خلاصة الاعتقاد المسيحي التوحيدي ، حيث رفضوا بدعة بولص الوثنية ، فالتزموا النهج الذي كان عليه ( يعقوب ) و ( بطرس ) وتلامذة المسيح الأوائل . وقد أخفت الكنيسة الرسمية كتاباتهم باعتبارها ( إساءة ) لمقام ( بولص الرسول ) ! .


علي الابراهيمي


التعليقات




5000