..... 
.
......
مواضيع تستحق وقفة 
حسام برغل
.....
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
  
.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


حوار مع الكاتب الروسي يوري ماملييف

د. تحسين رزاق عزيز

      

 (عندما تصف الشر، لا يعني انك تنغمس فيه - بل تفعل ذلك لكي تتطهر منه)

               ولد يوري فيتاليفيتش ماملييف في 11 كانون الأول من عام 1931 في موسكو في عائلة أستاذ بالطب النفسي، قتل أثناء الإرهاب الستاليني. تخرج في عام 1956 في معهد تقنية الغابات بموسكو، ثم صار يدرس الرياضيات في المدارس المسائية، وانشغل الى جانب ذلك بممارسة الإبداع الأدبي والفلسفة الهندية والفلسفة الباطنية والغيبيّة.

               كتب للمدة من عام 1953 الى 1973 مئات القصص القصيرة، وروايتين والكثير من الدراسات الفلسفية والأشعار. لكن لم تُطبع كل هذه النتاجات.

        انتشرت نصوص مؤلفاته عن طريق الاستنساخ باليد وكاسيتات التسجيل التي تحمل قراءة لنصوص كتاباته. نظم ماملييف منذ عام 1958 في شقته في زقاق يوجينسكي حلقة سرية للفلسفة الباطنية سماها «المتصوفون الجنسيون».

               غادر ماملييف الاتحاد السوفيتي في عام 1974. وعاش في الولايات المتحدة الأمريكية للمدة من عام 1975 حتى عام 1983 حيث كان يُدَّرس الأدب الروسي في جامعة كورنيليا في مدينة إتاكا.

               تردد اسم ماملييف لأول مرة في عام 1975 في مجلتي «الموجة الثالثة» و «المجلة الجديدة»  بعدها صدرت له في دورية م. شيمياكين (أبولون 77) تشكيلة مختارة من قصصه. بعد إصدار المجموعة الأمريكية لنثر ماملييف (The sky Above Hell)  (1980) التي تحمل اسم احدى قصصه «سماء فوق الجحيم» صار الكاتب عضواً في نادي القلم. انتقل في عام 1983 الى باريس حيث استمر بتدريس الأدب و اللغة الروسية في معهد باريس للغات والحضارات الشرقية و في مركز ميدون لدراسة اللغة الروسية و الأدب.

               نال في المدة التي قضاها في المهجر شهرة عالمية. حيث صَدَرت نتاجاته باللغات الروسية والإنكليزية والفرنسية والألمانية وغيرها...

               بدء منذ عام 1989 ينشر نتاجاته في بلاده. أعيدت في 1991 الجنسية الروسية ليوري ماملييف، وعاد في السنة نفسها الى روسيا.

               للكاتب مشاركات كثيرة في المؤتمرات الدولية  يلقي المحاضرات في مختلف الجامعات وله برامج إذاعية وتلفزيونية .

               لكن يظل اهتمامه الرئيس منصباً على نشاطه في الأدب والفلسفة. فهو يقوم بتدريس الفلسفة الهندّية في جامعة موسكو الحكومية وينشر دراسات في مجلّة «قضايا الفلسفة»  ونشرة (Unio mistica). يوري ماملييف حائز على جائزة اندريه بيلي (1991) و جائزة بوشكين العالمية التي أسسها صندوق الفريد توبفير بمشاركة نادي - القلم الدولي (1993).

 

    يوري فيتاليفيتش، أنت اليوم احد اشهر الكتاب الجديين في موسكو، كتبك تصدر ويعاد طبعها وتتحدث في مختلف محطات الإذاعة والتلفزيون في كل مكان. فكيف كان الأمر في الستينيات عندما كنت تعيش في زقاق يوجينسكي؟

               كانت تلك حقبة وجود السلطة السوفيتية، فمن الطبيعي، ان نتاجات مثل نتاجاتي لا يمكن نشرها، رغم انها كانت تخلو من كل ما هو سياسيي، لكن علم الجمال في الاتحاد السوفيتي كان محدداً برؤية واحدة للواقعية الاشتراكية لدرجة ان كل دار نشر سوفيتية كانت تهرب من نتاجاتي. كان في زقاق يوجينسكي في ذلك الوقت احد مراكز ما يسمى بالثقافة غير الرسمية في روسيا. كانت تجتمع هناك مختلف الشخصيات - بما فيهم مخالفو الرأي السياسيون من أمثال فلاديمير بوكوفسكي والرسام المعروف - اناتولي زفيريف والكسندر خاريتونوف و الشعراء، مثل غوبانوف، وهو شاعر موهوب بصورة غير اعتيادية. إضافة الى مختلف أفراد المجتمع. كانت حلقة فلسفية أدبية تركَّزَ حولها الكثير من الشباب. وقد انطلقت أنا من هذه الحلقة بالذات. انحصر نشاطها في أن أقوم بقراءة قصصي ونقوم بمناقشتها، وكنا نلتقي ليس في زقاق يوجينسكي فقط، إذ كانت توجد في موسكو عدة مراكز أخرى ازدهرت فيها الثقافة غير الرسمية. وانحصر نشاطها بالأساس بالقراءات ومعارض الرسامين.

         لو تأملنا في الماضي كيف ترى دورك في تلك الأيام؟

               آنذاك لم نكن نستغرق بالتفكير بالمستقبل على وجه خاص لأنه كان غير واضح المعالم، أي انه كان مرتبطاً بالحوادث. وكنت ببساطة أرى نفسي أقوم بدور احد مؤسسي الثقافة الروسية الجديدة، غير الخاضعة للرقابة. وبما أن الظروف كانت آنذاك لا تسمح لنا بأن نأمل بنشر أعمالنا، فالرقابة كانت غير موجودة على أعمالنا. و لم ترفع الرقابة السوفيتية فحسب، بل حتى الرقابة الداخلية، أي كانت حالة من الحرية المطلقة لم يجر الكلام خلالها عن أي تصحيح -  لقد كنا أحراراً تماماً في كل شيء وخاصة كنا نعوض وجود الاستبداد الذي يخيم فوق رؤوسنا بالحرية الكاملة في التعبير وفي مناقشة مختلف المسائل والقضايا. واني اعتقد ان في تلك الفترة لم يجرؤ أحد على نشر مثل هذه الأشياء حتى في الولايات المتحدة.

        ألم تكونوا تخافون؟ 

               لم نكن نخاف، أولاً لأن كل هؤلاء الناس كانوا يعرفون بعضهم بعضاً بشكل جيد - كانت الحلقة ضيقة. ثانياً بما انهم لم يسمحوا لنا بالنشر في تلك الحقبة ولا بإقامة المعارض للفانين، فإنهم لم يتابعوا ما كنا نعمل في الداخل - كانوا يعرفون أن هذا الأمر لابد منه. الملاحقة كانت بالأساس للمعارضين السياسيين المباشرين - من أمثال سولجنيتسين او بوكوفسكي.

        روايتك «المتسكعون» هي اكثر أعمالك شهرة و حزناً. ما مقدار تصويرها لتلك الحقبة من حياتك؟

               كتبت هذه الرواية في تلك الحقبة بالذات، وقد ساعد غياب كل انواع الرقابة، بما في ذلك الرقابة الداخلية على تكوين هذه الرواية، التي عالجت اكثر القضايا المؤلمة للحياة البشرية، التي عادة ما يتهرب الانسان من الحديث عنها. الحقيقة ان التعبير لم يكن حرفياً - لأنها كانت رواية فنية و ليس عملاً وثائقياً. لكن كانت توجد فيها نماذج أصلية. وعُرضت المواقف في الرواية بصورة فنية، وكما هو الحال في الادب فقد تم ذلك بصورة حادة أي ان هذه المشاكل كانت موجودة بالفعل لكنها لم تكن موجودة بهذا الشكل المكشوف الشاذ المفضوح كما هو في هذه الرواية. وكان وقعها قوياً لان كل شيء فيها تم تضخيمه وسلِّط الضوء على كل الجوانب المعتمة.

 

         اقتبس لك هذا القول: "يذكر معارف ماملييف في الستينيات انه كان لا يختلف عن أبطاله. فالخوف من الموت والإدمان على المشروبات الكحولية، وشكل الحياة البوهيمي وتأرجح الإبداع قد أضعفت أعصاب الكاتب. وانه كان يصور أبطاله الفظيعين من واقع حياته").

              

               هذه، طبعاً حقيقة، ولكنها حقيقة سطحية جداً وناقصة. لأنه أولاً، اعذريني، عمّا يقول كاتب المقالة، ففي تلك الحقبة كانت روسيا كلها مدمنة على الكحول ونحن لم نختلف عن الآخرين في هذا المجال. ثانياً، في ما يخص ضعف أعصابي، فهذا غير صحيح البتة: فالكاتب عندما يؤلف نتاجاً أدبياً، على العكس، هو يقوى روحياً - ويحدث له التنفيس الروحي المعروف في علم الجمال. ولهذا فعندما تصف الشر ذلك لا يعني انك منغمس فيه بل أنت تتطهر منه. إذن فذلك لم يكن ضعفاً في الأعصاب لا من جانبي و لا من جانب الآخرين.

 

       أنت نفسك قلت في احدى المرات أن: "هذه الروايات قد ألفتها في قبو عميق في موسكو وكتبتها في جو من اليأس عندما كانت الآمال كلها تبدو خائبة بما في ذلك الإيمان بالخلود...".

               نعم، بكل تأكيد. هذا وصف فعلي دقيق لذلك الوضع، والكاتب بطبيعة الحال لا يشبه أبطاله مطلقاً وبصورة كاملة، أي ان الكاتب دائماً ما يسمو فوق أبطاله و إلاّ فإنه لا يستطيع أن يخلقهم لو كان حاله مثلهم. على الأقل كانت توجد في حياتي العملية غربة من نوع خاص: فربما اني كنت هادئ بعض الشيء أو متحمساً أحياناً ولكني مراقباً لما يجري، أي أني كنت في حالة دراسة وبحث - والفن كان عندي يؤدي، على الأغلب، دور الإدراك، ادراك لهذه الأعماق غير الاعتيادية للنفس البشرية. وهذا هو نهج دوستويفسكي بالذات.

 

       إنك تُصوّر في "المتسكعين" العالم و كأنه جحيم والناس مسوخ. فالكثيرون من أبطالك الشاذين أما قتلة مرعبون أو ساديون بشعون. مفهوم، بلا شك، ان هناك أشكال مختلفة لاستيعاب أبطال نتاجاتك الأدبية فهل شعرت مرة، باعتبارك مؤلف، بالتقزز من أبطالك؟

               نعم، ولكن ليس التقزز ... و الغالب ان هذا لا يقتصر على "المتسكعين" فقط بل يشمل كذلك القصص الأخرى، انا كما قلتي انت، على مستوى مباشر اعتيادي، ربما كنت اشعر بالفزع مما كتبت. هذا في الحالة الاعتيادية، ولكني افهم انهم، كما يقال، قرابين يضحي بهم عادة الأديب عندما يعمل بالفن.

 

        فهل يعني هذا انك كنت تكتب نصوصك في وضعٍ خاص؟

               بكل تأكيد لم يحدث ذلك مطلقاً! ولم تشمل هذه الحالة اي إدمان ما على المخدّرات او الكحول. اعتقد انه لا يمكن في هذه الحالة تأليف شيء ما. كلا، انها كانت حالة قريبة من التأمل. إذ أني متخصص بالأمور الهندية، ثم اني مدرس الفلسفة الهندية ودائماً ما كنت مهتماً بالشرق. لم تكن المسألة سوى حالة رأيت فيها هذه الزوايا الغريبة وغير الاعتيادية للنفس البشرية التي لم تكن اعتيادية. لهذا فاني قد دخلت في هذه الحالة ثم خرجت منها.

 

       عندما تكتب، هل تستغرق في هذه الحالة عدة ساعات؟

               نعم، تقريباً. في البداية كان صعباً الدخول في هذه الحالة ثم صار طبيعياً. وكنت استغرق فيها ساعتين او ثلاث ساعات. عادة لا استمر في الكتابة اكثر من ثلاث ساعات. ثم أكون قد خرجت منها بشكل ما ولكن فيما بعد كان سهلاً الدخول في هذه الحالة، لأنها كانت طبيعية بالنسبة لي.

  

        لماذا تلزم نفسك بعرض مختلف أنواع الشر الأكثر وحشية وظلامية؟ الدمار لديك ذو طابع فلسفي وميتافيزيقي، أليس كذلك؟        

               نعم، بكل تأكيد. ولكن يجب القول ان رواياتي الأخيرة "الزمن الضال" و"العالم والقهقهة" والرواية الأخيرة "الآخر" تعتبر مغايرة لـ "المتسكعين" إن "الزمن الضال" بمضمونها الفلسفي وبفلسفة ما بين السطور فيها هي جواب على التساؤلات التي طرحت بصورة حادة في "المتسكعين". هناك فيها النور والأمل و فيها الإيمان. اما تلك الحقبة المدمرّة فكانت ضرورية. هل تعرفين ان هذا يذكرني بطقوس الاستهلال عندما تكون مجبراً في البداية على الانغماس بالصورة السلبية للعالم وبحالته السلبية ومن ثم تستطيع الخروج من هناك الى الامل والنور والصفاء وهذا الطريق للوصول للنور اعتيادي في الشرق.

 

        هل ترى ممكناً عد رواياتك "المتسكعون" و"الزمن الضال" و"العالم و القهقهة" ثلاثية؟

               ربما، نعم، من الناحية الفلسفية. رغم ان رواية "الزمن الضال" كتبتها في روسيا أما "المتسكعون" ففي الاتحاد السوفيتي. ولكن بلا شك يوجد خيط يمكن أن يربط بينها، وربما تبدو ثلاثية، تجري فيها الإجابة المتدرجة على تلك المتاهات التي تمت الإشارة لها في "المتسكعين". و كما قال الكاتب الأمريكي المعروف جيم ماكونكي ما معناه أن كتاب "المتسكعين" قاتِلٌ بهزله لكن محتواه غيبياً.

 

        يبدو لي انه في هذا العالم الخيالي المضحك الغريب "للمتسكعين" تحمل كل شخصية في ذاتها تقريباً سؤالاً  مفرداً - وحيداً: هو ما هي حدود ما بعد الموت؟

               نعم، ما هي حدود ما بعد الموت؟ ولكن هناك توجد أيضاً حالة مهمة أخرى، اذا تحدثنا عن المضمون الفلسفي، ألا وهي الإحساس بالعالم كوهم. وكما كتب الأمريكان عن فيدور سومنوف، هذا الشخص يقتل لأنه يبحث عن الخلود. مفهوم انه كان يرى هذا العالم وهماً و كان يصلي من اجل، أرواح من قتلهم هو بنفسه.

 

         لديك أيضاً رواية "واقعية" هي "المناورة المسكوفية". فكم هي وثائقية؟

               انها رواية واقعية تماماً. وهي وثائقية لدرجة كافية و لكن رغم ذلك هي نتاج أدبي. وفيها بالذات تم وصف حالة شارع يوجينسكي والصالونات الثقافية الأخرى في موسكو. والشخصية الفنية الوحيدة هي شخصية البطل الرئيسي الكسندر تريبيتوف - وما هي إلاّ تركيز للبحث الروحي كله الذي كان يجري هناك. والشخصيات فيها هي نماذج حقيقية وهذا الشي واضح كل الوضوح.

 

        كيف كانت أيام شبابك السوفيتية؟

               كان شبابي، بشكل او آخر، عادياً للانتلجينسيا السوفيتية في ذلك الزمان: والدي كان مختصاً بعلم النفس  وأمي خريجة كلية الجغرافيا، جامعة موسكو. عشنا، حسب المعايير السوفيتية، بصورة جيدة نسبياً في الثلاثينات، ولكن والدي أُعتُقِل لأسباب سياسية (حسب المادة 58 التي على ضوئها زجوا بالسجون كل ذوي المعتقدات اللاسوفيتية). وقامت والدتي بتربيتي اثناء الحرب وبعدها، وطبعاً كان الوضع صعباً. ولكن كانت تساعد والدتي أختها التي كانت بروفسورة مختصة بالأمراض النسائية، وزوجها جوروف اسحق سولومونوفيتش الذي كان كذلك بروفسوراً جراحاً ومخدراً. هذه هي العائلة التي ساعدتنا وساعدت والدتي على تربيتي.

 

        كان والدك في تلك المدة في معسكرات الاعتقال؟

               نعم، والدي توفي في تلك المعسكرات. هكذا كان الحال.

 

        قلت ان والدك كان مختصاً بالطب النفسي وأقاربك كذلك أطباء. فهل اثر ذلك بشكل ما على إبداعك وعليك بوصفك كاتباً؟

               نعم، يمكن القول، إن ذلك كان له تأثير لأن اقاربنا و اصدقاء عائلتنا الآخرون كانوا ايضاً أطباء و اطباء نفسانيين. وعرفت من خلالهم الكثير من الحالات غير الاعتيادية، التي وصفتها فيما بعد في "المتسكعين"، بما في ذلك الولد، الذي كان يصنع الحساء من جسمه. اي اني عرفت العلاج النفسي من كتب والدي، ولكني لم اكن مهتماً بالجنون الفعلي، اي مجالات الشيزوفرينيا  والكآبة بحد ذاتها. لأن هذه الحالات هي أمراض واضحة للعيان فلم اهتم بها. و لكن التي أثارت اهتمامي هي تلك الحالات التي لا يكون فيها الانسان مريضاً بمعنى الكلمة بل على حافة المرض كما يقال. اي الحالات النفسية التي يكون فيها الفرد على الحد بين الصحة و الجنون لان هؤلاء الأفراد بالذات لا يخافون و لا يستطيعون أن يخفوا ما يخفيه الإنسان الاعتيادي.

 

        هل توجد بعض نتاجات الأدب السوفيتي التي مازالت تمثل لك أهمية ملحة؟

        أنت تعرفين ماذا يعني مصطلح الادب "السوفيتي". فلو أخذنا، في سبيل المثال، بولغاكوف و بلاتونوف الذين عاشوا في الحقبة السوفيتية لرأينا انهم في الواقع كتاب روس من روسيا لأنهم تربوّا في حقبة ما قبل الثورة. وإن إبداعهم هو استمرار حقيقي للكلاسيكية الروسية. او نأخذ أدب العشرينيات مثلاً (بيلنياك) انه تماماً غير سوفيتي. وحتى اليكسي تولستوي وغوركي، كلهم كانوا استمرار لكلاسيكية الأدب الروسي. الأدب السوفيتي بمعناه الحرفي بدأ بعد الحرب عندما غادر هذا الجيل الحياة، وربما هنا لم يظهر ما يثير اهتمامي في الادب السوفيتي. القضية الأخرى هو ظهور نتاجات الادب غير الرسمي في هذه الحقبة مثل أشعار غوبانوف وأدب برودسكي وسولجنتسين. وظهر كذلك، ولازال يعجبني، فينيتشكا يروفيف بملحمتهِ الخالدة التي يسميها الفرنسيون "إلياذة الإدمان الروسي". وتعرفت على يروفييف شخصياً وكان قريباً من حلقتنا في يوجينسكي. قرأت هذا الكتاب مستنسخاً باليد عن طريق اصدقائه المقربين، أثار هذا الكتاب آنذاك انطباعاً عميقاً ومحركاً للعواطف.

 

        كيف بدأتَ الكتابة؟

               كان عندي ميل واضح للادب والفلسفة وقد لاحظ المدرسون ذلك في المدرسة. ولدينا في المدرسة مدرس الفيزياء يفغيني رودولفوفيتش وهو شخص ذو اطلاع موسوعي من جيل ما قبل الثورة القديم. لم يتمكن من التدريس في المعاهد العليا السوفيتية بسبب أصوله فأخذ يدرَّس عندنا رغم انه كان يعرف الفيزياء بصورة فريدة. وهو شخص مثقف. ونصحني قائلاً: "يورا لا تذهب، بأي حال من الأحوال، للدراسة في المعاهد الإنسانية، أولاً لأن التقديم لها بسيط. والسبب الثاني، ان الأدب دائماً هو بحر مجهول، الأفضل لك ان تحصل على اختصاص معيين تستطيع ان تأكل خبزك منه...". أقاربي كذلك نصحوني أن لا اجازف بالتقديم الى معهد للدراسات الإنسانية لا سيما ان والدي كان معتقلاً. فكان لا يفرق عندي التقدم الى اي معهد فني فدخلت معهد تقنية الغابات. هذا ما حدث. والحق اني مُنِحْتُ عند تخرجي في المعهد شهادة مهندس، لأني درست في كلية زراعة الغابات حيث كنّا ندرس كذلك الرياضيات والفيزياء. وهذه الشهادة منحتني الحق بتدريس الرياضيات لأن القانون السوفيتي كان يسمح للمهندس أن يُدَرَّس في المدرسة الثانوية الفيزياء والرياضيات.

 

كيف عشت في زقاق يوجينسكي وقمت بتدريس الرياضيات، هل تعرضّت للملاحقة؟

               الحقيقة كان الجميع تحت المراقبة، وهذا طبيعي. فلنا جميعاً أهل الفن غير الرسمي (من كَتَبَ او عرض لوحاته) نظمَّت ملفات غير رسمية.  وكانوا يجمعون المعلومات عن مثل هؤلاء الأشخاص بما في ذلك من كان يشاهد هذه المعارض، اي جرت عمليات استجواب. حدثني فيما بعد من تم استجوابه انهم كانوا دائماً يسألونهم عنّي: من هو وما هي نتاجاته و غيرها من الأسئلة، لكن لم يجر استجوابي لأنهم كما قالت لي احد قرّائي انهم لم يتمكنوا حسب كلامهم أن "يفهموا، من هذا الشخص و لماذا يكتب مثل هذه النتاجات؟ لا توجد في نتاجاته سياسة. نحن نعتقل الأشخاص عندما يكون عندهم شيء ملموس؛ عندما نعرف ماهية الشخص و نعرف بماذا نواجهه". ولهذا كانت ردة فعلهم بهذا الشكل.

 

        لماذا اتخذت قراراً بمغادرة البلاد عام 1974؟ وكيف تركوك تغادر؟

               تركوني لسبب بسيط: هو ان في تلك الفترة كان يوجد موقف غير علني يسمح لما يسمون بمخالفي الرأي بمغادرة البلاد سوية مع المهاجرين اليهود. وكان ذلك متنفساً بسيطاً لم يشمل فقط المخالفين السياسيين مثل سولجنيتسين وماكسيموف و سينيافسكي بل حتى كل الكتاب المنشقين والرسامين الانعزاليين الذين نظمت لهم أضابير في الأجهزة الأمنية وكانوا مشهورين في الأوساط الفنية غير الرسمية. وبهذا الطريقة كان يمكن مغادرة البلاد. ولو جاءهم شخص غريب غير معروف لهم فسوف لن يتعرّض إلاّ لبعض المضايقة. وقد غادر في الواقع رسامون من أمثال شيمياكين و أصدقائي تسلكوف واوسكار رابين. هم رسامون فحسب، لم يكونوا سياسيين امطلقاً. ولكن تم السماح بالمغادرة لكل من اطلق عليهم ذوي الأفكار المغايرة بالفن. كان يمكن المغادرة لهؤلاء بل يستحب ذلك لهم.

 

         إذن العملية كانت بسيطة ولكن القرار، ربما صعباً؟

               نعم، العملية كانت سهلة لأنهم كانوا يحاولون التخلص منا. والقرار كان صعباً طبعاً. فكرنا في البداية ان نعيش في الاتحاد السوفيتي وننشر في الغرب، ولكن في تلك الحقبة ظهر قانون يعد نقل مخطوطات الثقافة غير الرسمية الى الغرب، دون علم الهيئات الرسمية جريمة جنائية. رغم ان هذا القانون لم ينفذ بكل حذافيره. لكني وزوجتي، بعد صدور هذا القانون، رأينا ان الأمر تجاوز حدّه لأن الكاتب يجب ان ينشر أعماله أثناء حياته. ولهذا السبب غادر الكثير من الكتاب والفنانين الاتحاد السوفيتي في تلك المدة.

 

        يبدو أن النقاد يخافون نتاجاتك، وبدلاً من دخول عالم الكوابيس هذا، نراهم يلمزونك بمختلف الألقاب مثل: اللاعقلاني السوداوي، واللامفهوم، السريالي... واليوم انت نفسك تقول انك تنتسب الى الواقعية الغيبية. فهل هذا اتجاه جديد في الأدب الروسي؟

               نعم، هذا اتجاه جديد تماماً في الادب الروسي. وقد أسست ذلك على مستوى فلسفي في كتابي "قدر الوجود" في الفصل الأخير (غيبية الفن). تكمن المسألة في ان عناصر الغيب، اي ما وراء حدود العالم المرئي تدخل في الحديث الواقعي بالذات، بأدق معاني هذه الكلمة. هذا يرتبط بحدس الكاتب وبمعرفته بالتقاليد الروحية، وبمعتقداته الشخصية او بعقائده. ولكن هذا يستثني الخيال. لأن المسألة كلها تكمن في ان هذا مبني على معارف معيَّنة تراكمت عند البشر عن هذا المجال بهذا الجانب وعن حدس الكاتب الشخصي. وكأن الحوادث تجري على الجانبين كليهما - هنا وهناك. هذا مبدئ الواقعية الغيبية. لكن لا تجري الحوادث في عالم الغيب بالمعنى الحرفي، بل من هناك يجب ان تأتي رؤى - ما وشعاع - ما ... الخ.

 

      كتب احد النقاد: "يبدو لي، أن ظاهرة ماملييف الاستثنائية ستبقى تعذب أهل الأدب لسنوات طوال. طبعاً، لا يجرؤ احد على تناول مثل هذه المادة غير المفهومة". فهل توجد مقالات نقدية لنتاجاتك قد أثارت إعجابك؟ او أنك غالباً ما تشعر انهم لا يفهمونك؟

               كلا، كلا. انهم يفهمون بصورة ممتازة، ولكن، ربما، لا يفهمون للنهاية لأنه كما قلتي أنت، ان في نتاجاتي عدة مستويات. ولكن الآن صارت تكتب أطروحات دكتوراه وتصدر كتب نقدية عن إبداعي هنا، في روسيا، وكما سمعت، في الغرب.  وقد أرسلت لي احدى الفتيات من ألمانيا أطروحة رائعة، وكذلك من إيطاليا من جامعة فينيسيا. ان النقد العام في الصحف متنوع فربما يكون عاطفياً جداً او يحاول التغلغل في أعماق المادة. النقاد الآن كثيرون. وعندي ملفات كاملة باللغات الفرنسية والألمانية والإنكليزية والإيطالية والروسية. ولكن ليس فيها فطنة علمية للأمر. انه نقد عاطفي وحتى انه احياناً يستند بصورة كبيرة على احاديثي الصحفية التي احاول فيها بطريقة ما توضيح نتاجاتي. حيث تصبح مفهومة على مستوى ما معيّن. لدي الكثير من القراء من بين الشباب الذين يتعصبون لي (ولا أخاف أن أقول هذه الكلمة). ويحبون نتاجاتي ويتأثرون بها وتحدث لهم بعد قراءتها تأثيرات مختلفة: مثلاً، أراد شخصان روسيان موسيقيان يقيمان في برلين في التسعينيات ان ينهيا حياتهما بالانتحار. وقد قاما بالتناوب على قراءة رواية "المتسكعين" في ليلة واحدة (حصلا على الكتاب بالصدفة). وقد ترك الكتاب لديهم انطباعاً بحيث قالا: "سوف لن نقوم بالانتحار لأن الحياة خيالية ورائعة لدرجة لا نريد معها الموت" اي إن هذه الرواية الكئيبة تركت تأثيراً عكسياً - التنفيس بالفن. وسمعت ان هذا يحدث في الكثير من الحالات. وقد يثير النفور، طبعاً، عند البعض حيث يقولون: "اني لا استطيع قراءة هذا - لأنه سيدمرني". وبعضهم يقولون: "نعم، هذا فعلاً شيء ظلامي لكنه معمول بهذا الشكل لكي تقوم قوة الفن نفسها بإحداث التأثير الطيب". اما غيرهم، كما هو حال الموسيقيين، سيقولون: "كلا، إن هناك في العمق يوجد ما يجبر الإنسان على العيش". فعلاً ان الحب للوجود فيها قوي جداً. لماذا هم يبحثون عن الخلود؟ لأنهم يريدون ان يعشون بصورة أبدية.  وهذا ليس ما يدمر الحياة: انه اليأس، لكنه يمثل كذلك بحثاً ما عن الحياة الأبدية. تكمن في أساسه الرغبة بالعيش وتمني الخلود.

 

        تدور حوادث رواياتك، دائماً، بأماكن مهجورة وغريبة في اطراف موسكو في المراحيض او أماكن تجيع النفايات - في أوساط المُهَمَّشين. ربما لا توجد الآن في ضواحي موسكو مثل هذه الأماكن؟

               كانت هذه الأماكن موجودة في الاتحاد السوفيتي. بينما روايتي الجديدة "الآخر" تصف الروسي الجديد وبيته الفخم. أبطالي صاروا يعيشون في وضع غير مهمّش بل على العكس في غنى. هذا الحال الأول. اما الحال الثاني - هو اني في "الزمن الضال" و "العالم والقهقهة" لم أتناول إهمال هذه الأماكن بل تناولت موضوع عزلتها. فهذه البيوت ربما تكون ملائمة لكنها منعزلة. ومثل هذه الاماكن موجودة حتى الآن: فقد يوجد بيت منعزل في مكان ما، مثلاً، في اطراف المنازل الصيفية ... قرب مناطق تجميع النفايات...

 

        إنها بيئة شاذة - كما في الأحلام، شيء ما سريالي...

               نعم، انها بيئة شاذة نوعاً ما. فلو قرأت بعض ذكريات الجنود الألمان الذين وقعوا في الاسر في روسيا في الحرب العالمية الثانية لعرفت ان كل هذا الوضع السوفيتي كان بالنسبة لهم يبدو كابوساً اثناء النوم او منظراً سريالياً. حيث ان الكثير مما هو سريالي من وجهة النظر العامة يبدو في روسيا واقعياً.

 

        تجري في "المتسكعين" وفي بعض قصصك القصيرة مقابلات مهمة لأشخاص من السوقة مع ممثلي الانتلجينسيا (الطبقة المثقفة).

               نعم، مثل هذه اللقاءات موجودة و تحدث الى الآن. و يتم في روايتي الجديدة (الآخر) وصف مثل هذا اللقاء. وحتى الآن تجري مثل هذه اللقاءات عندما تلتقي بعض العناصر المهمّشة في الحانات او في بعض الأماكن الأخرى مع الانتلجينسيا. وبعض هذه اللقاءات طريفة جداً رغم اني لا اعني بالسوقة المجرمين او المتحجرين، كما يقال عندنا، بل من هم على الحافة. لماذا هذه اللقاءات مهمة للانتلجينسيا؟ ولماذا أولئك يهتمون بالفن؟ لأنهم غالباً ما يكونون متقاربين من بعضهم. فأما أن يكون الناس البسطاء (السوقة) غير اعتياديين تماماً - لأن روسيا ليس فيها فرقاً اجتماعياً كما هو الحال في الغرب. فربما يكون شخص روحاني جداً في الحضيض الاجتماعي. فقد تحدثت في احدى المرات مع  شاب بسيط عسكري شارك في الكثير من النقاط الساخنة. و كان شخصاً بسيطاً اعتيادياً. وسألته: "كيف استطعت ان تبقى حياً هناك؟" أجابني "لقد قرأت أعمال بلاتونوف". و قد دُهِشْتُ لذلك.

 

         لقد كتبت خلال فترة حياتك الكثر من القصص، ربما، المئات من القصص. فمن أين تستمد مواضيع قصصك؟

               قد يكون مضمون القصص مروي، لكن ليس من الصحف، و كان دوستويفسكي يأخذ أحياناً مواضيع حتى من الصحف، كما تعرفين. وربما تكون حكاية من شخص ما في لقاء عابر...

 

         وهكذا يبدأ الموضوع؟

               هذا فقط يعطي حافز للكتابة. فلو أخذنا قصة "العالم الكبير" التي يلقي بها شاب بنفسه من الطابق الخامس الى الأسفل نتيجة جدال. فكيف تولدت هذه الفكرة؟ كنت آنذاك اعمل مدرساً في مدرسة الشباب العامل (هكذا كانوا يسمون مدارس اليافعين الذين لم يكملوا الثانوية بسبب التحاقهم بالعمل). دخلت الصف في احدى المرات ولاحظت غياب احد التلاميذ وسألت الشباب عن سبب غيابه. فذكروا لي الحادثة التي جرت له! حيث انه تناول الكحول مع احد الأشخاص وتراهن على أن يلقي بنفسه من الطابق العلوي ففعل ذلك وكان مرتدياً المعطف. وتكسر حتى الموت وطبعاً دُهِشْتُ جداً وكذلك زملاؤه. وفكرت هل كان مجنوناً؟ لكنه لم يترك عندنا انطباع بالجنون. وهكذا على أساس هذه الحادثة وتفسيرها كتبتُ قصة "العالم الكبير". ورغم اني لم أغير موضوع ومضمون الحكاية لكنّي تناولت في الكتابة الجوانب الباطنية النفسية والسيكولوجية والغيبية لهذه الحادثة الغريبة.

 

        أرى ان القصص القصيرة بالذات تعرض بصورة رائعة التغيرات في إبداعك: فماملييف الشاب هو دائماً هزلي وعنيف، بينما ماملييف الناضج هو جدي واكثر حزناً. فكيف تتصور أنت هذا التطور؟

               الحقيقة ان البداية كانت كما يجب، فقد بدأت بقصص الحياة اليومية. وقدمت في الطبعة الألمانية لقصصي الكثير من الأشياء المبكرة لأنها مرحة وهزلية. وبعد ظهور الانطباعات الجدية- الفلسفة ولقضايا العميقة - تغيّر الأمر تماماً. لكن النتاجات الأخيرة خاصة تلك التي يضمُّها كتاب "الآخر" يدخل فيها مبدأ كاتارسيس (التنفيس بالفن) بصورة اكثر وصارت فيها استنارة عقلية. ويمكن ان تقول بعبارة ابسط ان الكثير من الحالات وإن كانت مبنية على اساس القصص المتشائمة لكن النور فيها واضح للعيان. مثلاً الكتاب الجديد يحتوي على مجموعة قصص تبدأ بقصة "أمسية فكر". الموضوع مأخوذ من الحياة اليومية: يدخل قاتل وسارق الى شقة معتقداً ان أصحابها غير موجودين. لكنه يُخطئ حيث يعثر في الشقة على شخصين في منتصف العمر، في الأربعين من عمرهما. يظهر انهما ضعيفان. فيقوم بقتلهما كلاهما الرجل والمرأة. وكان يظن ان لديهما ثروة: نقود وذهب. المهم انه قتلهما. لكن القضية تكمن في خروج طفل عمره خمس سنوات بعد ذلك من الغرفة الأخرى. و جرى ذلك قبيل عيد الفصح. خرج الطفل ولم يفهم شيئاً، لأنه لم يسمع اي شيء، لأن القاتل نفذ جريمته بسرعة وبهدوء. خرج الطفل و قال للّص: "قام المسيح". أحدث ذلك تأثيراً مرعباً على القاتل بحيث فقد وعيه. ولا اعرف ماذا جرى له بعد ذلك. لقد قصوا عليّ هذه الحكاية، لعله تم اعتقاله فيما بعد لكني استمريت بالقصة بحيث ينجو القاتل على كل حال وفي النهاية يلتقي بذلك الطفل الذي قال له: "قام المسيح".

 

 كيف تمثلت لك عودتك الى الوطن من المهجر؟

               لقد كنا نعيش في نفس الوقت في فرنسا. عندما جاء غورباتشوف الى السلطة و بدأ البريسترويكا ومن ثم جاء يلتسين، اعتذروا منّا نحن المنشقين و قالوا لنا أننا نستطيع العيش حيث ما أردنا في فرنسا، في ألمانيا، في امريكا ولكن نستطيع ان نعيش كذلك في روسيا. لقد كانت العودة مذهلة للجميع، طبعاً، لأنه في تلك المدة جميع الناس تقريباً الذين عاشرتهم بما فيهم الأقارب كانوا أحياء. باستثناء البعض، الذين من بينهم الشاعر غوبانوف. وتحدث لك صعقة، طبعاً، عندما تشاهد، بعد خمسة عشر عاماً، الناس الذين قضيت معهم سوية الكثير من الوقت. وكذلك زوجتي كانت مندهشة لأن والدتها عاشت هنا. وكان كل شيء على ما يرام - وصار اللقاء جديداً. بينما شاهدنا على المستوى الاجتماعي ان البلد أصبح شيئاً آخراً: فقد كان في ذلك الوقت كل شيء يغلي حيث كانت تجري المظاهرات واللقاءات وغيرها. أما في الستينيات فكان اغلب الانتلجينسيا سوفيتية وتخدم السلطة السوفيتية. الجميع حتى باسترناك كتب عن ستالين ناهيك عن الكتاب السوفيت الرسميين. وفجأة شاهدنا كل شيء قد تغيَّر: صارت الانتلجينسيا تشبه الفئة الضيقة للانتلجينسيا في الستينيات بنفورها من الشيوعية. الموقف تغيَّر تماماً.

        إنك اليوم كاتب لك محبيك وتعد زعيماً لمدرسة الواقعية الغيبية التي تحدثت عنها آنفاً. حتى انه يوجد "نادي الواقعية الغيبية" التابع لدار الأدباء المركزية. فما هو العامل المشترك لدى أعضاء هذا النادي؟

               يعتبر سرغي سيبيرتسيف مؤسس كل هذا. يضم هذا النادي كتّاباً مشهورين في روسيا مثل اناتولي كيم وفلاديمير ماكانين و آخرين.

               قال كتاب جُدُد بما فيهم أوليا سلافنيكوفا اذا ما وجد شيء جديد يغني القصة الواقعية فإنهم على استعدا للانضمام لهذا النادي لأنهم يريدون تطويره. اي انهم لا يريدون ان يبقوا هذا الاتجاه وهذه النزعة على حالها وهم يسعون الى الانضمام إليّ والوقوف تحت رايتي. لكن الأهم في هذا انهم شباب. و كلهم أسماء معروفة وهم كتاب رائعون يعبرون عن الحالة الغيبية بصورة قوية جداً ومباشرة. وقد صدر عن دار النشر (أكات) مجموعة قصص لكتاب شباب من ذوي الاتجاه الغيبي. وهناك مجموعة أخرى يجري الإعداد لنشرها. إن قرائي و مُحبّي نتاجاتي هم بالأساس الشباب.

         لكن لديك ايضاً وريث في الأدب وهو في العمر اكبر من الشباب قليلاً. انه فلاديمير سوروكين.

ان حالة فلاديمير سوروكين لها خصوصيتها فهو لحد الآن لم ينضم الى حركتنا. هو نفسه يقول انه يعد نفسه تلميذي. لكنه يبقى مستقلاً ونتاجاته هي أدب له خصوصيته.

         لقد أعيدت لك الجنسية الروسية في عام 1991 وحصلت في عام 2000 على جائزة بوشكين المشهورة. فكيف تقيّم استيطانك و عملك في روسيا اليوم؟

               أنا اعمل بصورة اعتيادية ولكن الأدب دائماً مرتبط بحالة دراماتيكية معينة. فنحن دائماً ما نتواجد في أوربا بما في ذلك فرنسا وألمانيا. وأنا أعتقد أن زماننا هو زمن التوحد والتقارب لكنّهُ دراماتيكي بما فيه الكفاية.

  

  

  

د. تحسين رزاق عزيز


التعليقات




5000