..... 
.
......
.....
مواضيع تحتاج وقفة
 
 
......
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
   .......
  

   
.............

.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


حوار مع الكاتب الروسي يفغيني غريشكوفيتس

د. تحسين رزاق عزيز

 حوار مع الكاتب الروسي يفغيني غريشكوفيتس

ترجمة: د. تحسين رزاق عزيز

 


(أصرّ على أنّ ما اكتبه، ليس أدب مراقبة لما يحدث بل أدب معاناة)


ولد يفغيني فلاديميريفيتش في 17 شباط عام 1967 في مدينة كيميروفو. دخل في عام 1984 كلية اللغة والآدب في جامعة كيميروفو. في عام 1985 استدعي للخدمة في الجيش وخدم ثلاث سنوات في أسطول المحيط الهادي. وعاد إلى الجامعة بعد تسريحه من الجيش. اشتغل من عام 1988 الى 1990 في أستوديو و مثل في مسرح البانتوميم التابع لجامعة كيميروفو الحكومية. وشارك في عدة مهرجانات لمسارح البانتوميم. وبعد إن انهى دراسته في عام 1990 شكل مسرح (المقصورة) الطلابي ضمن جامعة كوزباسك التقنية. و قد جرى في هذا المسرح عرض حوالي عشر مسرحيات  خلال سبعة أعوام.

في عام 1998 انتقل غريشكوفيتس إلى مدينة كالينينغراد. وقام في نفس العام بإخراج أول مسرحية له، «كيف أكلت الكلب» وعرضها في موسكو. وحصل على هذه المسرحية في عام 1999 على جائزة «القناع الذهبي» التي ينظمها المسرح القومي، ورشح لجوائز «التجديد» و«جائزة النقاد».

       حصل في عام 1999 على جائزة أنتي بوكر (Anti-booker) على مسرحيته «مذكرات سائح روسي» و«الشتاء». ونال في عام 2000 جائزة «انتصار الشباب». 

        في عام 2003 اصدر غريشكوفيتس مع فرقة «بيغودي» ألبومه الموسيقي الأول «الآن» وهو مشروع غير اعتيادي نشأ من خلال الربط بين الأدب والمسرح والموسيقى وثقافة النوادي المعاصرة.

      وفي عام 2004 حازت روايته «القميص» على تسمية «كتاب العام» من قبل اللجنة المشرفة على جائزة «الباكورة».

        له عدة مؤلفات منها قصته «انهار» (2005) مجموعتي قصص بعنوان «اللوح» (2006) و«اتبع اثري» (2007) و رواية «الإسفلت» عام (2008).


لنتحدث في البداية عن مسرحياتك التي يمكن قراءتها باعتبارها نثر فنّي. لو تأملت في الماضي كيف تنظر شخصياً إلى نتاجاتك الآن؟

أول نص كتبته كان نصاً مدوناً لمسرحية «كيف أكلت الكلب» الحالية. وأنا اعتبر أن هذا النص تاريخياً وفيه الكثير من التنازل رغم أني حاولت كتابته وفق قواعد النص لا أن أقوم باختزال المسرحية الجاهزة. ثم كتبت ثلاث مسرحيات، اعتقد جازماً أن بالإمكان قراءتها كأدب فني لأنها تخلو من التعليقات وهذا ما يجعلها سهلة القراءة. ولكن بعد كتابتي للرواية لم يعد النص المسرحي يثير اهتمامي. وافهم ،على كل حال، عندما اكتب مسرحية فاني دائماً ما أضع المسرح نصب عيني. و إن المسرحية كنتاج فني هي ليست متكاملة فانا لا اكتبها كاملة للنهاية لأنها يجب أن تُخرَج على المسرح وعندما تكون تمثيلية ستكون نتاجاً فنياً متكاملاً  رغم إن الذي جعلها نتاجاً فيناً ليس أنا بل شخص آخر هو مخرج التمثيلية الذي صار هو مؤلفها. رغم انه يستفيد من مسرحيتي لهذا الشيء. أما ما كتبته وما أنا مستمر بكتابته الآن فهو عبارة عن نصوص معروضة بالتحديد على شكل كتاب ولا أرى سبيلاً آخرا للتعرف عليها سوى شراء الكتاب و قراءته. الآن التقي بالناس كثيراً وأتحدث معهم وأسافر إلى المدن التي لم تعرض فيها مسرحياتي مطلقاً وأرى أن الناس فيها يعرفونني فقط باعتباري كاتباً. فبعد أن يقرؤون كتاب «القميص» أو ألآن «الأنهار»  يأخذون بالاهتمام بما اعمله للمسرح ويشاهدون مسرحياتي التي لا تعجب بعضهم كثيراً. أما الناس الذين شاهدوني في البداية على خشبة المسرح فيرون أنَّ ما اعمله في الأدب هو شيء ثانوي. وهذا الأمر طبيعي.


        لكن الحقيقة انك بدأت كاتباً للمسرح ومسرحياً وانك قمت بتمثيل النصوص التي كتبتها- فهل اثر ذلك في نهاية المطاف على أسلوبك؟ وهل اثر ذلك على تطوّر أسلوبك الأدبي؟

نعم، أولا، أنا عرفت الكثير، وأكثر ما عرفته هو عن الناس الذين اعمل هذا من أجلهم بما يسمح به الكتّاب لأنفسهم لأني مثلت الكثير من المسرحيات. كنت التقي يومياً بمئات الأشخاص الذين يسمعون هذا وهذا اثر بصورة كبيرة على شكل الأدب الذي اكتبه الآن. فنتاجاتي لا تتضمن مطلقاً أي آراء أو أفكار عن العالم. ولا أتحدث عن ما أحب أو لا أحب. هذا هو قانون المسرح لان في المسرح يجلس في الوقت نفسه مئات الأشخاص الذين يختلفون في درجة تعليمهم واختصاصاتهم وفي الوضع الاجتماعي والمستوى الاجتماعي وتوجهاتهم السياسية مختلفة جداً - أي انك تجد كل شيء -  ويجب عليهم استيعاب المسرحية في الوقت نفسه. تعلمت أن أتحدث بهذا الشكل. وقد نقلت إلى الأدب هذه الطريقة الشاملة في الحديث. وربما يتهمني البعض بالتفاؤل المفرط، أي أنهم يتهمون نصوصي بصدى تفاؤلي محب للحياة – بيد أنَّ إن هذا ينطلق من المسرح وعندما أتعرف على النصوص المعاصرة التي يكتبها أشخاص بعمري أو اصغر مني، افهم في هذا المعنى إني ، طبعاً اختلف عنهم جذرياً لسبب بسيط هو إني لا اكتب عن أي شيء سيء اجتماعياً ولا أُفصح عن رأي بما يحدث اليوم ولا عن البلد والأشخاص الآخرين ولا عن السياسيين وما شابه ذلك. لا اذكر رأيي مطلقاً لأنه يصعب استيعاب الرأي بواسطة الأدب الفني وبواسطة الأدب بصورة عامة. الرأي – هو مسألة خاصة.


        ألا تبدو قريباً جداً من أبطالك؟

أبطالي يشبهوني كثيراً لأنني لا أجيد الافتعال والابتداع واختلاس النظر. لا اكتب إلا عن ما أعايشه شخصياً واعرفه أو عما يجري بالقرب مني أو ما يخصني جداً. ولهذا أبطالي يشبهوني...  ربما، لا اعرف الكتابة بطريقة أخرى. أنا لست كاتباً شاملاً. أنا اكتب قليلاً اكتب عن ما عانيته فقط. طالما اني لم أوفّق للمعاناة بصورة كثيرة وسريعة لهذا اكتب قليلاً جداً.


       يصادفنا في الكثير من نتاجاتك، مثلاً، في مسرحية «المدينة» و رواية «القميص»، ممثلو الطبقة الوسطى المسكوفية. ولكنهم ليسوا (روسيين) جداً، فربما، نجدهم في أي مدينة أوربية كبيرة، فهل توافقني الرأي أم لك وجهة نظر أخرى؟


نعم... لدي تجربة كبيرة من خلال العروض المسرحية في أوربا... وعندما جرى هذا للأول مرّة، فهمت أن من غير الممتع لي أن أقص عليهم حكاية (روسيّة) عن إنسان روسي. ارغب بالتحدث عن قصة، عن إنسان اعتيادي، عن ابن المدينة في هذه الأيام. ليس المدينة الأوربية فحسب بل المدينة الاعتيادية التي فيها بعض تفاصيل وحقائق نظام الحياة. المدن بمفردها لا تعني شيء بقدر ما في هذه المدن من أشياء مشتركة، في كل مدننا الأوربية الكبيرة... وإلا فان التفاصيل التي ربما تخص الروس فقط ستصرف القارئ بصورة جدية، مثلاً، القارئ الأوربي وأنها ستصرف المشاهد خصوصاً. وطالما أني تعودت على التمثيل في المسرح واعرف بالضبط أن الناس يأتون للمسرح لكي يسمعوا عن أنفسهم لا عن غلام روسي من سيبيريا. لهذا السبب عملت على تعميم نصّي وأن أبقيتها محدودة التفاصيل، لكني دائماً كنت أسعى لاختيار التفاصيل العمومية للإنسان في أوربا – في هلسنكي أو في نيس.


          لكنك لا تعمل، على كل حال، لأوربا الغربية!

طبعاً. أنا اكتب نصي باللغة الروسية وللقارئ الروسي، مفترضاً أن القارئ الروسي -  شخص اعتيادي لا يختلف عنّي.  بالنسبة لي لا وجود للحدود من زمان ولا أدرك، أين تمر هذه الحدود. الآن بالتأكيد لا تمر بالأورال. 


       ربما انك محق.

نعم، إن من يحاول إقامتها، أي الحدود الأوربية، فانه يتصرف بغطرسة و سرعان ما يصبح شبيهاً بالسياسي. أتذكر كيف وجه لي احد الصحفيين سؤالاً في سويسرا إن كنت اشعر إني أوربي أم لا. أجبته: "أتعرف انك عندما توجه لي مثل هذا السؤال فانك لا تحسبني أوربياً". فما أن يبدأ احدهم بمناقشة الأوربية حتى تبرز لي عدة تساؤلات: "بماذا تتميز، مثلاً، مدينة ما بولونية، لنفترض أولشتين او مدينة غرودنو البيلوروسية او أي مدينة أخرى، لا اعرف، فيتيسك البيلوروسية، مثلاً بماذا تتميز لتصبح مدينة أكثر أوربية من مدينة نوفوسيبيرسك؟" لا تتميز بأي شيء الناس يدرسون فيها بنفس الجامعات. واغلب الظن أنهم يعرفون بتعمق، بالذات بتعمق، الأدب البيلوروسي والفن والفلسفة وما شابه ذلك. بيد أنهم يعيشون في ظل العموميات ذاتها، غير الأوربية، بالاهتمامات الحياتية العميقة العامة.


تنفرد بأن لديك القليل من خصائص الروسي. فأحياناً يصعب تحديد كونك بالذات كاتب روسي. لا يوجد عندك تطرف الحياة الروسية رغم انه موجد الآن من حولنا مثل: السياسة والجريمة، الإملاق والغنى والفساد والتعسف، ألا ترى كل ذلك من حولك؟

أشاهد هذا في الأخبار. وهو يدخل في حياتي لأنني أخشى واقلق على عائلتي وحياتي ووطني. أنا اكتب وأتحدث كثيراً عن هذا. ولكن الذي يهمني هو من أي شيء تتكون الحالة اليومية للحياة. إضافة الى ذلك يهمني الإنسان غير الساذج ذو المهنة القريبة من مركز اهتمامات الناس والشرطي واللص - هم أشخاص مهنهم على أطراف الحياة.


        لكن رغم ذلك بالإمكان مشاهدتهم.

نعم، ولكن حتى رجال الشرطة واللصوص أنفسهم يفهمون دائماً الحالة الاعتيادية. إنهم يفهمون جيداً أنهم يعيشون حياة غير طبيعية. لهذا فهم يخفون بدقة حياتهم الخاصة أو لا يعلنونها على كل حال. إضافة إلى إن حياتهم كريهة ولا تثير اهتمام أي احد. انا اهتم بحياة الإنسان الاعتيادي. وكذلك الحال مع الشخص الغني في روسيا: الكل وليس الأكثرية الكل بلا استثناء – جميع الأغنياء من جيلي أو اللذين هم اكبر سناً قد درسوا في المدارس نفسها ودخلوا الجامعات نفسها وخدموا في الجيش نفسه. فالغنى هذا حدث لهم فيما بعد. نحن جمعياً عشنا حكاية متشابهة تماماً ولو إلى سن الخامسة والعشرين. ويفترض أني لدي بعض المنجزات أيضا وأثير اهتمامهم كمتحدث. وأنا أثير اهتمامهم جداً وهم أنفسهم يأتون للحديث معي وهم يثيرون فضولي باعتبارهم أناس حققوا نجاحات بارزة. ونتحدث كثيراً ولدي أصدقاء ومعارف من بين هؤلاء الأثرياء جداً والحوار يجري على أساس الاحترام المتبادل. وهذا لا يعني أني اطلب منهم نقوداً أو هم يطلبون مني أن أكتب كتاباً عن حياتهم. كلا، لم يحدث مثل هذا الأمر مطلقاً.


          لديك خصلة أخرى غير اعتيادية. لا نكاد نشعر في نتاجاتك بضرورة التخلص من الماضي، لا من الأدب السوفيتي ولا من التاريخ السوفيتي.

بل على العكس. أنا لا أتحدث أبدا ودائما عن "الاتحاد السوفيتي" ولا توجد هذه العبارة في أي نص كتبته.


         و لا حتى في «الأنهار».

نعم، لا توجد حتى في «الأنهار». ولا توجد هناك حتى إشارة إلى الماضي، لا الى الكمسومول ولا الى تنظيمات الطلائع، لأنني افترض إن هذه الرواية سيقرأها الشباب الذي لم يكونوا يوماً في الطلائع أو تنظيمات الشبيبة الشيوعية ( الكمسومول). وهذا سيثير فيهم النفور وسيشعرون إن هذه الرواية ليست عنهم. هذا يعني انه كان يجب عليّ أن اكتب عن الماضي وعن ماضيي الخاص بالشكل الذي لا ينفر الشاب من هذا الكتاب، ولا تجعله يستوعب الكتاب وكأنه كتاب الكبار وعن جيل آخر. وعلى العموم فأنا أحاول تجنب الأطر التاريخية أي إن كتبي تخلو من علامات الأجيال. أما كوني لا أفارق الماضي و كذلك أبطالي لا يفارقون الماضي، فهذا ينطلق من فهمي الخاص، بل في الواقع، حتى من مواقف الحياة. إني مدركٌ بصورة واضحة إني لا أكون يوماً سعيداً كما كنت في طفولتي                    ولهذا فالحياة سوف لن تمنحني سروراً بالقدر الذي منحتن إياه في الطفولة وهنا لا يهمني نوع النظام الذي كان يسود في بلدنا. فليكن النظام السياسي كما كان. أنا كنت سعيداً لأنني كنت طفلاً. ولان ليس باستطاعتي الآن أن أكون اسعد فان إبطالي يبدون مطمئنين بما فيه الكفاية بخصوص ذلك الزمن بينما هم يعانون ويعشون معاناة ما داخلية شديدة وهم من الداخل غير مطمئنين رغم كونهم من الخارج يبدون موفقين بما فيه الكفاية. فعلى سبيل المثال بطل رواية "القميص" رغم انه بخير من الناحية المادية فهو لديه عمل و عنده كل علامات التوفيق. لكنه متحير تماماً و لا يفهم كيف العيش.


       نعم، وكذلك هو حال بطل مسرحيتك «المدينة». 

أنا شاهدت عرض مسرحية «المدينة» في فرنسا وألمانيا. ورأيت كيف أن الجمهور الفرنسي والألماني يستوعب بصورة مطلقة هذه المسرحية وكأنها خاصتهم.


        هذا مفهوم. لكن يوجد كذلك سبب أخر يمكن وفقاً له أن تطلق عليك تسمية الكاتب الروسي الفريد. وأنت          نفسك تحدثت عن هذا. إذ انك تتميز باعتقادك بوجهة نظر متفائلة حتى فيما يخص روسيا.

نعم. أنا اعرف إأن في روسيا، على سبيل المثال، لم يوجد عملياً أي جيل من الناس الذين استقبلوا شيخوختهم بسلامة وسط أبناءهم وأحفادهم في عالم مرتب بحيث لم تحدث فيه تقلبات قوية جداً. لم يحدث هذا ولو لجيل واحد. بيد أن التقلبات الآن، على كل حال، ليست شاملة وقاسية كما كان يحدث طوال الوقت. الحقيقة إن الروس يعتادون بسرعة كبيرة على كل شيء. وهذه طبعاً صفة مميزة. أنا أحب وطني وأنا استعمل كلمة "وطن" بالذات ليس كما هو متعارف، حيث أرى دائماً عبارة "هذا البلد"، أما أنا فأقول "أنا أحب وطني".


        بملء الفم تقولها.    

نعم بملء الفم. أنا اعرف روسيا جيداً كما يبدو لي واضحاً. اعرفها ليس من موسكو بل من خارج حدودها حيث إن القسم الأكبر من حياتي قضيته في سيبيريا، هناك كانت طفولتي. وقد خدمت في الأسطول لفترة طويلة وصعبة. أما الآن فانا اسكن في مكان آخر تماماً. أنا دائماً ما أتجول في البلاد وأين ما حللت اعمل، علاقتي بالبلاد ليست سياحية. فانا اعرف جيداً كيف هي الحالة سيئة في المدن الصغيرة وفي مدن المناجم وكيف بنيت المراكز الصناعية بصورة سيئة واعرف أي سلطة محلية مقرفة هناك وأي استبداد ... لكنني أكرر القول إن هذه كلها مظاهر فردية. فلو افترضنا أن شرطياً يوقفني، وأنا الآن ليست عندي إقامة في موسكو، ولن اعمل هذه الإقامة، نعم. يوقفني الشرطي  ويتحدث معي بطريقة خشنة. بإمكانه، من حيث المبدأ، أن يقبض عليّ وينقلني إلى قسم الشرطة. ولكي لا يقوم بذلك ادفع له مبلغاً من المال، طبعاً، لن أكون راضياً بذلك. ولكني أقول إن ذلك لن يجعلني اكره وطني وكذلك السياسيون الذين يعكرون حياة البلد دائماً لن يجعلوني اكره الوطن.   


        ربما روسيا بحاجة كبيرة إلى ناس مثلك بالذات. وأنت تراقب باعتبارك كاتب أكثر مما تحلل.

إني أعاني أكثر. ولديّ حتى تصور بهذا المجال إني بالتحديد لا ارقب الآخرين لأنني واثق تماماً إن الناس  لا يعيشون لكي يراقبهم الآخرون. أنا لا استفز الحياة ولا أحللها... نحن لسنا محللون. الناس الذين يعيشون مثل أبطالي هم ليسوا محللون ولا فلاسفة ولا نفسانيون. إنهم أناس يعانون ويستطيعون بطرقة ما أن يعبروا عن ذلك بالكلام. بطريقة ما نعم. هذا ليس موقف مراقبة. أصر على قول إن ما اكتبه هو ليس أدب مراقبة بل أدب معاناة. كذلك أنا واثق جداً باني الآن، في هذا الجيل، من الواقعيين القلائل. (وأقول من جيل هذه الأيام لأنني على كل حال بالنسبة للأدب الروسي اعتبر مؤلفاً شاباً). إني اكتب أدبا واقعياً وهذا الفن قليلون الآن الذين يجيدونه. أنا – كاتب واقعي أواصل تقاليد الأدب الواقعي الروسي. أقول ذلك بوصفي مختصاً باللغة والأدب وقادراً على أن أقوّم عملي الخاص من وجهة نظر تخصصيّة. 


       إضافة إلى ذلك يبدو لي انك تتمتع بميزة أخرى ربما، يمكن على ضوئها حتى مقارنتك بـ "بتروشيفسكايا". أي انك تفهم ما هو عمومي و انك تقتنص اللامدرك المشترك وبفكرة ما تكوِّن  منه فولكلوراً جديداً.

نعم بالتأكيد إن مقارنتي مع بتروشيفسكايا، خاصة مراحلها المبكرة تسعدني جداً. ولكن هي كانت دقيقة جداً في زمانها، أنا  كذلك لي زمني ما أزال فيه. لكنها رائعة طبعاً.


      إني قلت أكثر من مرة، يبدو لي، انك لا تشبه أحدا، ولكن مع ذلك النقاد يعتبرونك تعمل على أرضية تشيخوف. لهذا أتساءل: من هو الأقرب لك في الأدب الروسي؟

       في الأدب؟ اسمي الكاتبين الذين هما الأقرب لي والأحب بصورة كبيرة - هما طبعاً تشيخوف وبونين. خاصة «حياة ارسينيف». ربما هو أهم نص بالنسبة لي باللغة الروسية.  ومن المبكرين – محتمل – غوغول. إذ إني اعرف نص «النفوس الميتة» عن ظهر غيب تقريباً. و ربما فامبيلوف. احدهم رسم مثل هذا الخط المنقط: تشيخوف  - فامبيلوف - ومسرحية «المدينة». و أنا لا أجدال على ذلك. فامبيلون لم يتناول التعميم بل على العكس، كان يكتب بصورة مفصلة جداً و كان مرتبطاً بصورة وثيقة بذلك الزمان لهذا الآن لا يمكن تقريباً إخراج أعمال فامبيلف على المسرح لكنه يمتاز باهتمامه العفوي بطبيعة مسرح تشيخوف نفسها واستعماله للحوار ذاته. نعم استطيع القول أنهم بالنسبة لي ليسوا معلمين بأي حال من الأحوال بل أنهم أشخاص عندما أقرأهم اشعر بأني لستُ وحيداً. اجل إنهم تشيخوف و فامبيلوف.


        ربما انك قرأت لكتّاب أجانب أيضا. فهل وجدت احدهم ممتعاً و قريباً منك؟ أم انه فقط ممتع و ليس قريب؟

لقد استقبلت بفرح غامر ظهور رواية «فائق بسذاجة» لإرلاند لو. وأتذكر إني سمعت بها من الإنترنيت لأنه كان منشوراً هناك عن إصدار رواية لغريشكوفيتس نرويجي. وسرعان ما أثار ذلك اهتمامي واشتريت رواية «فائق بسذاجة». و أعجبتني الرواية جداً ونصحت الكثيرين بقراءتها. وكانت هذه الرواية واحدة من الكتيبات التي تركت لدي انطباعاً قوياً في الأيام الأخيرة.


       انك لم تتحدث في رواية «الأنهار» عن الطبقة المتوسطة المسكوفية، بل صرت تتحدث عن منطقتك التي أتيت منها. أرى وكما قلت لك سابقاً إن هذه القصة هي نص قوي جداً وله خصوصيته. فأين تكمن جذور هذا النص؟

لم أكن لأكتب هذه القصة أبدا لو لم أغادر مدينة كيميروفو. وهي مرتبطة، طبعاً بذكريات عن جدي، الذي مات في عام ثلاثة وتسعين.

          أتذكر عندما غادرنا أنا وأبي اشتغلنا بوضع تذكاراً على قبره لأنّا كنا نعرف أنا سنأتي الى كيميروفو بصورة قليلة. وبقي هناك قبر شخص عزيز جداً وهذا القبر بعيد... وكل شيء هناك مرتبط بجدي. واروي حادثة غريبة فقبل مدة قريبة جداً دعاني غليب بانفيلوف، المخرج الروسي الكبير لأمثل دوراً صغيراً في فلمه المأخوذ عن رواية سولجينتسن «في الدائرة الأولى».  وطلب مني إن امثل دور كونسطنطين سيمونوف بالذات مشهد صغير جداً جداً جداً. ولكي أأدي الدور ألبسوني بدله من إنتاج سوفيتي. لم ارتدي في حياتي بدلة سوفيتية الصنع وذلك فقط لأني عندما كانت البدلات سوفيتية الصنع لم أكن ارتدي بدلة مطلقاً. وعندما صرت البس السترة لم تعد البدلات السوفيتية موجودة وكانت السترة بنية اللون ذات أكتاف ومن ذلك القماش الذي لا يمكن تخيله أبدا، من ذلك النوع الذي تنتجه معامل النسيج السوفيتية فقط. وبعدما ارتديتها ووضعوا لي قليلا من الماكياج ألبسوني ربطة عنق من ذلك النوع الذي كان يستعمل في تلك الأيام أي في الأربعينيات.  و بعد أن اقتربت من المرآة شاهدت فيها جدي بالذات طبقاً لصورته نحن لا نتشابه في صورة الوجه جداً، لكن في الوقت نفسه عندما نظرت في المرآة شاهدت صورة وكأنها صورة حية لجدي. وهكذا فجأة ظهرت لي صورة مباشرة ومهمة لجدي، ومنها بالذات بدأت وآخذت اجمع كل الذكريات الصغيرة جداً التي بقيت في ذاكرتي وكل حكاياته التي صرت استرجعها هناك. وبدى لي هذا الأمر مهماً وقيماً جداً، لأني إذا ما نسيته فسوف لن يبقى شيء من هذا الشخص أبدا. فقبره يبعد آلاف الكيلومترات، بينما هو شخص عزيز عليّ وطالما انه موجود في حياتي، يعني، أن أحفظ كل ذلك بطريقة ما. ورغم إن هذا العمل لم يكن مهمة أدبية ولكني ما أن بدأت بالقصة حتى تحول الأمر إلى مهمة أدبية.


        جدك، طبعاً موجود في كتاب «الأنهار». فيه الكثير من السيرة الذاتية ولكن على مستوى إنساني شامل. أنت أبقيت مسافة فلا وجود هناك حتى لاسم مدينتك وتقريباً لا تذكر شيئاً عن عائلتك ولا اسم والديك...

طبعا. لا أذكر هناك أسماء عائلتي و لم أتحدث حتى عن اسم النهر.


        ما هي أسباب مثل هذا الموقف؟

أولا، سبب بسيط، هو إن سيبيريا كبيرة والأورال كبيرة. ولو إني ذكرت فقط اسم الشارع .... فإن الناس في تومسك سيتصورون ان هذه هي تومسك والناس في كراسنويارسك سيكونون متأكدين بأن هذه مدينة كراسنويارسك لأن هناك الكثير من التطابق. فهذه المدن مبنية بصورة متشابهة وفيها نهر. الناس في الأورال متأكدون أن هذه المدينة من الأورال. ولا تتعجبي إذا عرفتي إن الناس من اوسكولوا القديمة أو من كورسك يقولون: «انك لو لم تكتب إن هذه سيبيريا لاعتقدنا إن هذه مدننا».


        عندما اقرأ هذا النص في فنلندا، أتصوره محاولة من قبلي لفهم سيبيريا بل حتى، ربما، فهم روسيا عن طريق سيبيريا.

إنها محاولة لحبها، لأنك ما إن تقول في روسيا انك تحب الوطن، حتى يتوجب عليك أن تفسر كثيراً لماذا تحبه. لنتصور إني اظهر هكذا في موسكو أو في كراسنويارسك أو في خباروفسك كشخص غير معروف من أين أتيت وليس لدي طفولة هناك ولا ذكريات – لا يمكن حب ذلك الأمر. ذلك، ربما، يثير الإعجاب أما الحب فمن الصعب أن يتحقق. إن قصتي هذه بالضبط ليست اعترافاً بالحب بل هي محاولة لتفسير سبب حبي لكل تلك الأمور بهذه الشدة. وسبب صعوبة الحديث عن ذلك. نعم، الكتاب هو عن صعوبة الحديث عن وعن صعوبة الحديث عن الحب للوطن. و اعتقد ان استقرار البلد و حجمه هنا ليس مهماً كثيراً.


      الحب يختلف تماماً عندما يكون البلد كبيراً! نعم، انه حب آخر، طبعاً ولكن ذلك ممتع لك. وطبعاً مرحلة جديدة بالنسبة لك.

تماماً. «الأنهار» هي طبعاً، نتاج مبرمج. واشعر إن كل شي قد تغيّر وسلسلة القصص القصيرة التي اكتبها الآن، اكتبها بلغة روسية أكثر رصانة. استطيع القول إني عندما كتبت «الأنهار»  كنت أرى إن هذا الكتاب اكبر منّي. انه مكتوب بلغة أفضل من تلك التي أتحدث بها أي إني لا استطيع التحدث بنفس اللغة المكتوبة فيه. هناك سبق في صياغة الكتاب.


        نعم، كان يبدو لي سابقاً إن ما في مسرحياتك هي لغتك الخاصة. و لكن في «الأنهار» صار المستوى آخر.


نعم، هو مستوى آخر تماماً. بدأت تواً بمحاولة فهمه من خلال كتابة سلسلة القصص القصيرة. إذ إن الروايات في اللغة الروسية أكثر من القصص القصيرة الجيدة.


        ربما نجد في الانترنيت قصة قصيرة رائعة هي «دفن الملاك».

نعم، نعم. «دفن الملاك» هي أفضل نتاج أدبي لي حتى اليوم. فهي مكتوبة بصورة أقوى وأكثر دراماتيكية من «الأنهار». وضممتُ لها ثلاث قصص قصيرة جديدة أخرى وهي وثائقية تماماً. ثلاث قصص قصيرة وثائقية، استطيع إن اسميها مختلفة. إنها سلسلة قصص من حياة بحّار عسكري شاب أي أنها ثلاث قصص عن خدمتي العسكرية. ولكنها مترابطة وهي سلسلة قصص قصيرة منجزة. وإني الآن اكتب قصة قصيرة أخرى عن شاب من المحافظات وبعد أن أنجز كتابتها سأنهي هذا الكتاب أي انه سيتكون من ست قصص قصيرة. هذا ما تم إنجازه وسوف لن اكتب أي شيء حتى نيسان وسوف انشغل بشكل إخراج الكتاب إن صح القول. وسأطلق على الكتاب تسمية «مجموعة العام الماضي».


         لقد أصبحتَ خلال السنوات الأخيرة شخصية معبودة، كما يقال هنا. أنت الآن احد الكتاب الشباب الذين يجب أن تُقرأ نتاجاتهم. فكيف يؤثر ذلك على عملك؟ هل يضيع وقتك؟

إني لم أتعلم كيفية التعامل مع الوقت. وسأقول الآن إني لم أقم بتأليف أي كتاب منذ سنتين أو سنتين ونصف ولم يكن لدي الوقت خلالها للكتابة. بل حتى لم تكن لدي فكرة. فبعد أن بدأت بكتابة الأدب وبعد أن أصبحت كاتباً، ساعدني الأدب على الانفكاك من التزاماتي فقد تحررت كثيرا من المسرح، أي لم انفك منه تماماً بل أصبحت أكثر حرية واكتشفت ميداناً جديداً لي للتحرك عليه. ولم اعد مرتبطاً بصورة شاملة بالمسرح، رغم إن الجمهور لم يغفر لي ذلك فالمجتمع المسرحي تعامل بنوع من الغيرة مع خروجي من المسرح إلى الوسط الأدبي. والحال إني ما إن ظهرت لدي فكرة الكتب حتى صارت عندي القوة، وظهرت عضلاتي، لكي استغل الزمن وأصيغ تلك الفكرة تحت مظلة الأدب. وحدث ذلك أول مرة لي عندما فهمت بوجود فكرة رواية «القميص» عندي. آنذاك لم اعرف كم احتاج من الوقت لكتابتها وقدرت لها توقيت شهرين و نصف. وبجهود كبيرة قامت مديرتي إيرينا خلال هذه الفترة بما تستطيع لكي تزيد فترة إجازتي من العمل. وبالنهاية تمت كتابة رواية «القميص» بالمدة المحددة لها بالذات وعندها فهمت إني بحاجة لمثل تلك المدة من الوقت. وهكذا أخذت إجازة أخرى في السنة الماضية لكتابة «الأنهار» واستغرق ذلك ثلاثة أشهر كذلك في الصيف.


         أنك تكتب بسرعة كبيرة!

نعم، اكتب بسرعة كبيرة جداً. نعم و لكني قبل ذلك افكّر كثيراً، أنا لا أدون أي يوميات. وفي الواقع أنا ألازم العمل المستمر بالكتابة ودائما ما أفكر بها ثم اجلس واكتب تقريباً بدون تصحيح.


        هل يمثل ذلك متعة لك؟

إنها سعادة، ليست متعة فقط بل سعادة حقيقية. إضافة لذلك إنا استطيع الكتابة في البيت في كلينينغراد فقط. في ظل ظروف مثالية. وهذه السعادة تتمثل في وجودك في البيت وأن تكتب بهذا الشكل وأن تكون في هذه المدينة الصغيرة في الشتاء وأن تنظم اليوم بالشكل الذي تريد في ظل الكتابة والتمشي ... الخ. انه وقت سعيد. ومن جراء ذلك طبعاً ستتجمع الديون التي يجب أن توفى من خلال المسرحيات. لهذا فإن الأشهر الثلاثة الأخيرة بعد تكملة الكتاب ستنحصر بالتمثيل اليومي للمسرحيات وبالتنقل في عرضها. وهكذا الآن في الثامن عشر من كانون الثاني سأنهي عرض المسرحية و لن يشاهدني احد على المسرح حتى الثامن عشر من آذار. وسأكون في البيت وسأنهي تأليف كتاب و سأكون مشغولاً بالكتابة.


       يلاحظ في إبداعك التطور الكبير: في البداية المسرحية، ثم القصة القصيرة، ثم الرواية، ثم «الأنهار». كل ذلك، كما يقول الناقد ليونيد كوستوكوف، عبارة عن مقاطع من مهمة إبداعية كبيرة ما تزال غير كاملة. فكيف ترى ذلك شخصياً؟


أوافقه الرأي ولكني كذلك استطيع القول إن ذلك ينطبق على كل مؤلف متحضر يفهم جيداً ما تعني مهمة الأدب وما هي مهمة المسرح وقريب من فهم المادة ومهتماً بها لذاتها. هذا هو المسرح. أنا اهتم بسحر المسرح، وبإمكاني فعل ذلك عندما أقوم بتأليف المسرحية تلو الأخرى أو عندما اكتب مسرحية كبيرة. وإني أقوم بذلك فعلاً. وعادة ما اكتب نصاً كبيراً ولكن الممثلين الكبار العالميين كلهم الروس و السويديين والأمريكان، وهم قليلون، قد أدوا الأدوار الكبيرة. الكتاب الكبار الذين لا انتسب إليهم، كانوا يكتبون النص الكبير. أنا ببساطة رجل ثقافة مهتم بأشياء متنوعة. اهتم بالمسرح وحتى بالأشياء الموسيقية ... مثلاً عندي البوم مع فرقة "بغودي".. إضافة لذلك اكتب الأدب وأقوم بخلق صورة ثقافية مع البطل – البطل الذي قليلاً ما يختلف عني. إذ أن اكبر قضايا المسرح المعاصر، على سبيل المثال، تنحصر في تحديد من هو بطل المسرحية؟ المسرحيات الاجتماعية الأوربية، وهي قليلة العدد، لا تجيب على هذا السؤال. لأنها تخلق وتوثق بعض مقاطع الحياة. وأكثر هذه المقاطع من هامش الحياة، وبهذا لا تقوم بحل أي مسائل فنية. فعندما يتم عرض مسرحيات عن مدمني المخدرات أو عن الأقليات الجنسية أو عن الطبقة السفلى من أهالي لندن أو برلين. لا يتواجد في المسرح أبطال هذه المسرحيات أبدا. أبطال هذه المسرحيات لا يأتون إلى المسرح. لهذا لا يلتقي النماذج والأبطال في هذه المسرحيات.


        بينما هم يلتقون عندك...

نعم، هم يلتقون عندي. ولهذا يمكن الإجابة على سؤال من هو بطل المسرحية.  بعد الإجابة على السؤال سيكون مفهوماً كيف يتحدث البطل وعن ماذا يتحدث. أنا لا اعرف من يستطيع أن يكون بطل المسرحية. لهذا قلت ها أنا ذا بطل المسرحية. وإني اعرف كيف أتحدث، واعرف جيداً ما يقلقني وماذا أقلقني وماذا عانيت. هذا ما أقوم بفعله. ولكني بالحقيقة افترض إني أتعامل مع القاعدة الإنسانية حيث إني أتحسسها جيداً وكأنها شيئاً لولبياً يمكن للإنسان التمسك به عندما يكون في حالة من الحيرة الشديدة أو عدم فهم حياته الخاصة أو عندما يمر بأزمة فضيعة. إذ بإمكانه التمسك ببعض القواعد المنطلقة سواءً من الأسرة والبيت والوالدين ومن الرب أو من الأفلام والكتب المفضلة. بما يمكن التمسك به. وفي هذه الحالة يمكن التمسك كذلك بالطعام الطيب والجو الرائع وهكذا تستمر الحياة. وأخيرا التمسك بالنقود المكتسبة عن طريق الحلال، التي يتعامل معها أبطالي بجدية لأنهم يعملون ويحصلون على عملهم بعض النقود. وكان بودهم أن يكسبوا نقوداً أكثر لكن ليس بمقدورهم.


        كيف تتصور حياتك لو انك بقيت في سيبيريا؟

لا أتصورها بل اعرف كيف ستكون. إذ إني اعرف مدينة كيروفو التي كنت أعيش فيها وكان كل شيء فيها عندي على ما يرام كما هو حال بطل رواية «المدن». ولو إني لم أغادرها لعدت إلى هذه الحياة نفسها. هناك كل شيء كان منسقاً وكل مدينة ريفية صغيرة الحياة فيها تتكون من مسارات مرسومة مسبقاً والناس فيها معارف. وهذا ليس قليلاً بل ممكن إن يكون كافياً من حيث المبدأ. وكنت سأعتاد على ذلك ولما كنا الآن نتحدث سوية معك أو... قد أكون ميتا الآن. لا اعلم.


د. تحسين رزاق عزيز


التعليقات




5000