..... 
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
زكي رضا
…..
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
  
.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


وهكذا، نواصل! الكاتبة الروسية: دينا روبينا

د. تحسين رزاق عزيز

 وهكذا، نواصل!  الكاتبة الروسية: دينا روبينا

ترجمة: د. تحسين رزاق عزيز

    ... كثيراً ما أتساءل – لماذا الشخص العاري على المنصة في الأستوديو يبدو متماسكاً، وكأنه في عمله، وهل يمكنك الانطلاق بسرعة وأنتِ على هذا الحال إلى لوحة المفاتيح الكهربائية في الممر – عندما تنقطع نبيطة الأمان (الفيوز)، - وأنتِ لست موديلاً، بل مجرد امرأة عارية، مهندس كهربائي سابق... وعلى العموم، الشخص العاري – هو كائن عبثي.

 ونبيطات الأمان (الفيوزات) في الأستوديو الذي أعمل فيه موديلاً حياً، دائماً ما تنقطع. الرسامون – أناس بسطاء، ولطيفون، لكن أيديهم مشغولة بالفرشاة. فليس أمامهم سوى أن ينادوا – رايا! علاوة على ذلك، فقد كنتُ في حياتي السابقة مهندسة كهرباء.

    كلما انطفأ النور – أقفز من المنصة إلى الممر، أتلمس طريقي إلى لوحة المفاتيح، وبعد ثانية يعود كل شيء كما هو. وعندها يمد آفي كوهين – مسؤول الأستوديو، وهو رجل أصلع محبوب -  إليَّ يده ويساعدني على اعتلاء المنصة ويقول: 

    - آز أناخنو مامشيخيم – وهكذا، نواصل...

    خمسة عشر روبلاً في الساعة – أعني شيكلاً – لا تتناثر أمامي ببساطة. ثلاث ساعات لمرتين في الأسبوع – واحسبوها. فقد كنا أنا والعريف قبل التحاقه بالجيش نأكل – من مؤخرتي العارية... يُدفع للإسرائيليات، طبعاً، أكثر – إذ يستلمن خمسة وعشرين. لكن آفي كوهين وعدني بدءً من عيد الفصح بزيادة روبل – شيكل...

    إني أفهم – إنَّ هؤلاء الشباب الرسامين، سواء جماعتنا أم جماعتهم، - جميعهم متسولون. خصوصاً في فصل الشتاء عندما لا يأتي السائحون، ولا أحد يشتري لوحاتهم. إنهم، طبعاً، يكسبون رزقهم في أي مكان.

    جاءنا ساشا كونياكين من فارونيش لكي يرسم. وهو شاب لطيف، يمت لإسرائيل بعلاقة من زوجته السابقة. إنه يطحن الدقيق اللازم لخبز المصة (الفطير بعيد الفصح) في معمل صغير خاص في ميا شعاريم، لقاء ست روبلات في الساعة، أعني – شيكل. قبل مدة قصيرة جرح يده، اليمنى على وجه التحديد – ويقول، تدفق الدم... غاب عن ثلاث محاضرات. لكن لا شيء، جاء فرحاً. وقال، ليثبتوا الآن أن دم الأطفال المسيحيين لا يضاف إلى خبز الماصة...

    الروس هنا يعيشون، مثل اليهود في روسيا.

    يوجد لدينا هنا كذلك فابريسيوس فان براوفر، اللطيف جداً. إنه يهودي هولندي، وهو رجل ضخم، أشقر. الحقيقة أنه يعرف أنه هولندي، أما كونه يهودي، فلم يعرف إلا قبل ست سنوات عندما حضر الموت والدته. آنذاك أخبَرَتْه بصورة مهيبة أنه ينحدر من عائلة مارانية، من أولئك الذين تنصروا قبل خمسمئة سنة، لكنهم أصروا سراً على البقاء يهوداً، حتى لا تتعرض لهم محاكم التفتيش. فهذا يعني هنا أن أمه وضَّحت له مَن هو في الحقيقة. ولكونهما يعيشان معاً – مثلنا أنا والعريف – أخذَتْ منه عهداً بعد موتها أن يمكث حسب قانون «شيفا» ويرحل مباشرة بعدها إلى إسرائيل. وهكذا في لحظة واحدة يمكن أن ينهار كل شيء بالنسبة للشخص! تصوروا الآن هولندياً بريئاً يواجه هذه الظروف اليهودية الوحشية...

    لقد مكث مدة الـ «شيفا» وجاء، وها هو يعيش – لا يعاني من شيء. تعجبه الحالة. لكنه لم يتقن العبرية – يتعامل باللغة الإنكليزية. يقول هذا الهولندي الضخم : «ماي فاذَر – جوي...» 

    إنه يعمل هنا بصفة حارس أمن في حائط المبكى.

    آفي كوهين من الرواد المعروفين هنا إلى حد ما – دائما بسترته البالية. جاءه قبل أيام إلى المنزل موظف من الجمارك. وتظاهر أنه أحد المشترين، فهذا ديدنهم... وفي اللحظة التي اتفقا فيها على السعر – أخرج ذلك الرجل بدلاً عن دفتر الشيكات بطاقته الوظيفية... لم ينفعل صاحبنا آفي. بل أخذه بكياسة من يده وقاده إلى الثلاجة. حيث تكمن على الرفوف الفارغة للأكل قطعة جبن منكمشة. وقف رجل مصلحة الضرائب غير المرغوب فيه وألقى نظرة على هذه القطعة البائسة من الجبن وخرج صامتاً... وكما يقول آفي كوهين في مثل هذه الحالات: «آز أناخنو مامشيخيم!» أما بالنسبة لي – فدائماً ما ظهرتُ بمظهر الشخص الميسور. والآن أبدو كذلك شخصاً ميسوراً، حتى عندما أعمل على المنصة. عندي قاعدة في الحياة – أن لا أستدين من أي أحد أبداً. وفي إحدى المرات في السوبر ماركت قام رجل مغربي – مغربي بكل وضوح - بإتمام السداد ودفع ثلاثين كوبيكاً. أعني أغورا. إنه مغربي مئة بالمئة ، من دون أي شك.

    ملأتُ سلة كاملة – فهناك الشامبو جيد، وراقت لي زجاجة فيها حمص أزرق، وصلصة الكاتشوب التي يحبها العريف (فقد جاء من الجيش لقضاء يوم السبت)... وعند الصندوق تذكرتُ فجأة أني تركت دفتر الشيكات في البيت. والنقد الذي عندي لا يكفي. كانت تجلس عند الصندوق فتاة لطيفة جداً، قالت لي – ما العمل، اتركي الأشياء غير المهمة. فكرتُ، حسناً، الزجاجة – لتذهب إلى الجحيم، وخبز الحمية – إلى الجحيم، أما الشامبو والصلصة – لا. فقالت، حسناً بقي عليكِ ثلاثين أغورا.

    وهنا أخرجَ هذا الرجل – الذي يبدو من مظهره بوضوح مغربياً – الواقف خلفي، أخرجَ خردة من محفظة نقوده وقال: «كم أغورا تحتاجين؟»

    رفعتُ صوتي. وقلت، ماذا تفعل، موتيك (يا عزيزي)، شكراً لك، طبعاً، لكن لا تقلق، أنا شخص ميسور. فأجابني: «دعكِ من هذا، آه، ماذا تقوين!..» - ورمى الخردة على مسجلة النقود من دون اكتراث... إنه تقليدي مئة بالمئة كما يُرسَمون في الصحف الروسية: سلسلة ذهبية في عنقه وعلى معصميه...

    ها أنا أتساءل: ما الذي دفعه؟ هل أراد إذلالي؟ أم أنه كان ببساطة على عجلة من أمره، وأنا عالقة عند صندوق الدفع. وربما، هو مجرد رجل غير سيء، ولا داعي للخشية والحرص الزائد. كلا، فهذه الحادثة لا تؤثر عليَّ لا سلباً ولا إيجاباً... وحتى من المضحك أن أزعَجَني – تعهد خطي بعدم المغادرة! وكأني الآن أريد أن أرحل إلى الخارج. أولاً – ما الذي لم أره هناك. ثانياً، لدينا أنا والعريف ثمة ما ننفق عليه غير هذا... وها أنا أعاني! أجلس في الليالي ألوم نفسي، وألوم... ما هذا الذي يحدث، - أفكر مع نفسي، إلى أين وصلتُ؟! على الرغم  - من أنه يجب الحكم بموضوعية: من أي شيء ينطلق الشرطة؟ ينطلقون من الحقائق. لكن أي حقائق؟ هل كنتُ أنظف عند هذه العجوز؟ نعم، كنت أنظف. هل فُقِدَت لديها ماسات، كما كتبتْ في العريضة؟ من يدري، يبدو فُقِدَتْ...

    قلت للشرطي في الاستجواب – حسنا، انظر إليَّ – حتى إني أبدو شخصاً ميسوراً، فما حاجتي لمجوهراتها؟

    وقال لي هو بكل ود – اسمعي، سلمي ما أخذتيه، وبإمكانكِ الذهاب حيث تشائين. قلت: اني أحمل شهادة جامعية، أنا مهندسة كهرباء. هل تعرف كم ترأست في المصنع من الرجال أمثالك؟

    فقال لي: ليس لدي وقت لمعرفة سيرتكِ الذاتية. ارجعي ما أخذتيه من المرأة، وبإمكانك أن تكوني طليقة. وإذا تظلين تعاندين، سنقترح تمريركم عبر جهاز كشف الكذب. حتى إني ضحكت بصوت عالٍ. اجلب إلى هنا جهازك لكشف الكذب. وجدَّتَ ما تخيف به يهودياً روسياً. لكن بشرط أن تُمَرَّر تلك العجوز الشمطاء على جهاز الكذب أيضاً. فكتب بدوره بالملف: موافقة، بزعمها، على اجتياز «ميخونات أميت» (جهاز كشف الكذب).

    حسناً...

    وهنا اتضح أن صاحبتنا العجوز رفضت الفحص على جهاز كشف الكذب. بسبب ارتفاع الضغط. وعند ذلك بدأتُ أتذكَّر أحاديثنا الحميمة معها. إذ كنتُ أنظِّف بقطعة القماش بحركة ونشاط الأرضية تحت الأرائك والخُزانات، وهي تمشي خلفي وتتحسر، كيف أننا نحن اليهود الروس قد ابتعدنا عن التقاليد العظيمة لشعبنا. تمشي خلفي خطوة بخطوة، وتعطي التعليمات –أي مكان آخر ينبغي أن أمسحه – وهي مستمرة بإقناعي بالعودة إلى التقاليد.

    وطبعاً، نحن لا نبالي بالتقاليد. وعلى كل حال موقفنا أنا والعريف من هذه القضية مخجل. فعندما وصلنا للتو أهدى الجيران العريف تاليت (شال للصلاة). إذ طرقوا الباب في الصباح ودخلوا، وألقوه على كتفه بشكل مهيب. تأثر العريف كثيراً. وأخذ يقول، أنظري، يا أمي، أي قطعة قماش جميلة أهديتْ إليَّ. إذاً، بالنسبة للتقاليد - هي محقة ورأيها صحيح.. وقد تذكرتُ بعد الاستجواب فجأة، كيف أنها قبل الحادثة كانت تحاول دائماً أن تتباهى أمامي بإظهار الماسات. وتقول، أنظري أيّ مجوهرات ثمينة عندي!.. لكني في ذلك اليوم تأخرت عن الذهاب إلى الأستوديو، ولم يكن لدي وقت لأهتم بمجوهرات الغير.

    وعندما تذكرتُ هذا... صار كل شيء، على العموم، واضح بالنسبة لي. وانتابتني الرغبة لأسألها فقط – كيف هي التقاليد العظيمة لشعبنا؟ أسألها فحسب.

    وذهبتُ إليها. لديها فيلا صغيرة في جارنوف. ضغطتُ على الجرس في البوابة الخارجية، كالعادة. خرج إلى الشرفة حفيدها، وهو صبي بعمر السادسة عشر، لطيف جداً، ذو قرط في أذنه. صاح الصبي، انقلعي، أيتها السارقة الروسية! هكذا إذاً - «ساغقة غوسيِّة». حسناً، ليكن، أنا لا أبالي بهذه الكلمات، وليس لديَّ حساسية منها... فأنا بطبيعتي إنسان غير عاطفي. إضافة لذلك قام بفك رباط الكلب، وهذا غباء مطلق: أنا لا أخاف الكلاب، والحمد لله، لست من هذا البلد، وزيادة على ذلك، الكلب يعرفني. اقترب الكلب راكضاً نحو البوابة، فرحاً، ويهزُّ بذيله. أعترف، إني التقطتُ حجراً، جيداً وثقيلاً... ثم ثُبتُ إلى رشدي. وقلتُ مع نفسي، لو كسرتُ لهم النافذة، سيتحتم عليَّ فيما بعد أن أدفع ثمن الزجاجة. وذهبتُ. وأهم شيء أني لم أحدِّث العريف بشيء. لم يسبق لي أبداً، حتى هناك، أن حمَّلته متاعبي. فقد كان العريف منذ الطفولة صبياً متأملاً. وبسبب تأمله هذا لم أتزوجه لكي أعطيه تبريراً لتأملاته. والآن لستُ بحاجة لهذا الزواج حتى بلا مقابل. علمتني الحياة. فقدح الماء ذاته، ربما، يُقَدَّم لكم، لكن المسألة – بأي ثمن وهل ستعيش عموماً حتى تحصل على ذلك القدح...

    حرامٌ عليَّ الشكوى – فالعريف دائماً ما يجلب إلى البيت كتب الشكر من الجيش. وحتى أنه حصل قبل مدة على تكريم بجهاز استقبال. سألته مهتمة بالموضوع: 

    - وهل حصلتَ على مكافأة تشجيعية مادية أخرى؟ 

    فقال: 

    - حصلتُ على مكافأة. 

    - ما هي؟ - أجلسني الجنرال إلى جانيه على الغداء. 

    – هل ضغضغتَ عند المضغ؟ - سألته. 

    – كلا، - قال، - الجنرال ضغضغ...

    وهنا قبل أيام اقتُرِح عليه أن يجري اختباراً لبعض دورات الضباط. وملأ الاستمارة. فاستدعاه الطبيب النفسي في الجيش، وقال، الحقيقة، استناداً إلى نتائج هذا الاختبار، وضعيتك ليس لا تسمح لك بدخول دورة الضباط فحسب - بل تمنع من بقائك في الجيش على العموم... اذهب وبعد شهرين ستكتب اختبار جديد. فقال له العريف: وهل تعتقد أن العالم سيعطيني فرصة لتغيير رأيي عنه؟.. ضحك الرجل وقال: ما كان بودي أن أتخذك ضابطاً. لكني أرغب بأن أتخذك صديقاً. فالعريف عندي الأصغر. أي ما يزال عريفاً أصغر. وقريباً سيترفع إلى عريف أقدم. لكنه غير مهتم بذلك. يقول إنه لا يرغب. لماذا؟ - سألته. يقول، شارات الرتب تُفتَق، ثم تُخاط شارات جديدة...


    ... أجل، هكذا إذن، أنا أعيش في ظروف الإقامة الجبرية – وهذا ما لا أستحقه. ولا أخرج سوى للركض كل صباح إلى صندوق البريد لكي لا تفوتني مذكرة الاستدعاء من الشرطة.

    والوضع لدينا في الأستوديو مرتبك. فصاحبنا فابريسيوس، فان براوفر، اتفق مع إحدى صالات العرض في أمستردام على معرض لأخويتنا (لجمعيتنا). والآن - يجب نقل اللوحات، لكن ليس هناك من يفعل ذلك. ساشكا كونياكين يطحن الدقيق للماصة – فعيد الفصح على الأبواب، والوقت محرج جداً. وفابريسيوس مرابط عند حائط المبكى يوزع الأوشحة على السيدات ولا يمكنه أن يتغيب كذلك.

    وإذا بهم يقولون لي: ألا ترغبين الذهاب، يا رايا، - لتوصيل اللوحات. نضعكِ على الطريق ونوجهكِ.

     إذن لابد من ذلك – وكلما أقنعت نفسي، بأن الأمر لديَّ سيّان، وليس عندي رغبة بالذهاب إلى أي مكان، لاح لي شعور بالرغبة في الذهاب إلى أمستردام. وأحسستُ: أني منذ الطفولة تمنيت الذهاب إلى أمستردام.

    قلت لهم: في كل الأحوال، أنا دائماً مستعدة لأقدم لكم، يا رجال، كل ما بوسعي وأحملكم على كتفي، لكني في هذا الوقت مُدرَجَة في سجل الشرطة بقضية سرقة مجوهرات. وحدثتهم، على العموم، عن العجوز...

    أصيب جماعتي الرسامون بالذهول من وقع المفاجأة. وانكبوا عليَّ، يشتمونني  - لماذا لم أخبرهم. فأجبتهم، أن مبدأي في الحياة – أن لا أكون مديونة لأحد أبداً. عبس آفي كوهين وكشَّر من هذه الحكاية كما يكشر من الحامض. قال، لا محال تذهبين، بالعبري، طبعاً، أي هراء هذا! وذهب معي إلى الشرطة، وجلس طويلاً عند رئيس (المخفر)، ولا أعرف إن كان وقَّع تعهداً، أو شيئاً من هذا القبيل، لكن سُمِح لي بالغياب ثلاثة أيام. خرجنا أنا وآفي وذهبنا إلى شارع يافا، واشترينا لكل منّا سندويش شاورما. كانت الشمس مشرقة والناس مزدحمون، نعمة إلهية. وقال لي، لا شيء، كما ترين، يا رايا، مثل ما يقال – في إسرائيل كل شيء على الطريقة المنزلية، والأهم، اعلمي، في إسرائيل دائماً تجدين من يدفع عنك... الحقيقة، قال، ربما، عند هذه العجوز أوهام؟ أو ربما، حفيدها يعبث بالعلب، واعتقدتْ أنكِ أنتِ؟ الحقيقة، أقول، لتغرب هي وحفيدها وعلبها وأوهامها... أنهى آفي أكل الشاورما وقال: «آز أناخنو مامشيخيم!»...


    ... أيمكن أن لا أتحدث عن أمستردام؟ وماذا عساي أن أقول، آخ... لقد تجولتُ فيها ثلاثة أيام، وطوال الوقت كنت أفكر بفابريسيوس فان براوفر – من كان يتصور، إلى أين القدر سار بهذا الرجل. وتصورتُ، كيف يوزع الآن طائرنا الهولندي الأوشحة على السيدات عند حائط المبكى. والشيء السيء – أن اللغة الإنكليزية ضاعت مني. فما أن أريد قول عبارتين أو ثلاث عبارات مكتملة بالمعنى مثل البشر، حتى تطير من بالي في تلك اللحظة وتخرج بدلاً عنها كلمات بالعبري. والأدهى من ذلك، تظهر لديك حالة من الهيجان في اللاوعي ضد المُحاور: يقف أمامك، أتفْهم، مغفل، يهز بأذنيه ولا ينبس ببنت شفة باللغة العبرية القديمة.

    مبلغ الإيفاد استوفيته. وحصلتُ للشباب على نقود – إذ اشترت صاحبة صالة العرض ثلاث لوحا على الفور وأخذت خمس أُخَر إلى مزاد لبيع التحف. وبقيت أربع لوحات يجب أن أنقلها. طلبتُ سيارة أجرة إلى المطار. جاءني هولندي – أنيق ومعطَّر. العفو، قلتُ، عندي لوحات كبيرة، ويجب أن لا أضعها في صندوق السيارة. فقال، آه، هراء، دونْت وَري، ميس! وأخذ اللوحات، ووضعها في صندوق السيارة، فلم ينغلق الصندوق، إذا به يُخرِج من مكانٍ ما مَشْبَكاً، عشَّقَه وربطه، ثم جلسنا في السيارة وانطلقنا. كل شيء بسرعة ودقة، الأجانب أوغاد...

    هبطتُ في الساعة الثانية ليلاً في مطار بن غوريون مع جميع أغراضي – اللوحات والحقيبة. واندفعتُ نحو الحافلة: 

    - كم الأجرة إلى القدس؟

    أجاب ثمة شخص ضخم، بسلسلة ذهبية في عنقه، يمضغ العلكة، ويطالع النظر إلى مكان ما بعيد: 

    - مائة شيكل. 

    – ماذا؟ - تساءلتُ. – بالحافلة – مائة شيكل؟! بهذا المبلغ بإمكاني الآن أن أكتري سيارة أجرة إلى البيت!

    توقف عن المضغ، وأكتسب وجهه هيأة الحجر، وقذف العلكة جانباً. 

    - ماذا؟! – قال صارخاً. – إلى القدس بسيارة الأجرة – مائة شيكل؟! لنذهب، وأريني ذلك الذي ينقلكِ بهذا المبلغ! سأعطيه بنفسي المئة شيكل إذا وافق على الذهاب! اجلسي إلى جانبي ولا تخادعيني! 

    – عشرين. – قلتُ. 

    – اسمعي، أيتها الروسية المجنونة! ثمانين ولنذهب! 

    – عشرين، - قلتُ. 

    - أتسخرين مني؟ تعتقدين أننا هنا في روسيا؟ ستين – وقولي لي شكراً!

    جلست في حافلته. ننتظر ركاباً آخرين. مرت عشر دقائق، عشرون.

    قفزتُ، وقلتُ بصوت عالٍ – خلاص، سآخذ تكسي، ها هي فارغة تقف. فأخذني من يدي وصرخ: 

    - أتتركيني؟!! أنتِ – أيتها المقدسية – تتركيني – أنا!! تريدين أن تعطي المكسب لهذا التل أبيبي العفن! – وأشار بإصبعه إلى ناحية ما في السماء وقال بحماس: - اسمعيني! الآن الطائرات في الهواء! وسرعان ما تهبط إلى هنا كلها. كل الناس. إنهم ركابنا. هل فهمتِني؟ اجلسي وانتظري!

     عموماً، لقد تعبتُ وأُنْهِكَت قوَّتي إلى درجة لم ألحظ كيف غفوتُ. فتحتُ عيني وإذا بنور الفجر قد بزغ، ونحن نسير في الطريق الجبلي المنحدر باتجاه القدس. من اليسار مستوطنة ريموت تمتد وتهتز وكأننا ننظر لها من تحت جناح الطائرة.

    نظرتُ إلى السائق – يا إلهي، كيف لم أعرفه على الفور! طبعاً، إنه هو – السلسلة الذهبية على الرقبة – تماماً كما تصورهم الصحف الروسية. وصلنا إلى منزلي، فأخرجتُ من محفظة نقودي ستين شيكلاً وخردة – ثلاث قطع من فئة العشرة أغورا – ووضعتها في يده. اندهش – ما هذا يا ترى؟! هل تذكر، قلتُ له، إنك دفعتَ عنّي في السوبر ماركت ثلاثين أغورا؟ أنا شخص ميسور الحال ولا أحب أن أكون مديونة. هذا مبدئي في الحياة.

    أوه، قال، إذن هذه أنتِ؟ وأنا لم أتعرف عليك.

    ساعدَني في إخراج اللوحات وأصعدها إلى الطابق الثالث. ووقف ينظر كيف أفتح الباب بالمفتاح. اسمعي، قال لي، لما كان الأمر هكذا، ربما، تدعينني لشرب القهوة؟

    كلا، قلتُ، لا أريد أن أطعم تراثكم الشعبي المحلي بحكاية جديدة عن العاهرات الروسيات.

    وهكذا، صار ينزل السُلَّم ببطء... وتوقف عند منصة الطابق الأسفل ينظر كيف أسحب اللوحات إلى داخل المنزل.

    أجل، وقف عند المنصة وأخذ يتطلع إلى الأعلى وإلى الأسفل.

    لقد نسيت متى آخر مرة نظر إليَّ أحدهم بهذا الشكل. بلغت في الواقع التاسعة والثلاثين من عمري للتو، وجسمي كما يبدو لا يزال على حاله. لكني اعتدتُ على الشعور بأن عمري ثلاثمائة وثمانين، - من زمن ورق النشاف. فقبل مدة قصيرة أوقفتني في الشارع إحدى الطالبات (متخصصة بعلم الاجتماع). وقالت، نحن نُجري استبيان خاطف حسب الفئات العمرية. إلى أي فئة تنتمين – من الخمسين إلى الستين أم من الستين إلى السبعين؟

    قلتُ، أنتمي – إلى فئة من المئة إلى المئة والعشرين. فقد درستُ أيام الورق النشاف. وصرتُ أنظر لخديها الحريريتين... بيد أنها لم تفهم الفكاهة حتى بهذا المستوى. قالت «عفواً» وابتعدتْ.

    إن نظرتَ إليَّ أو لم تنظر – لن يؤثِّر ذلك فيَّ. فأنا في الواقع لستُ شخصاً عاطفياً.

    أدخلتُ اللوحات إلى البيت وأغلقتُ الباب...


    ... وفي المساء جاء العريف من الجيش، وجلسنا نشرب الشاي مع السكاكر الهولندية. وإذا به يقول – حسناً، حدثيني، هيا حدثيني عن أمستردام! 

    – الحقيقة، قلتُ، - البيوت... وكأن ماكير سكران قصها بمقص وألصقها... 

    - أنتِ، - سألني، - هل ترغبين العيش هناك؟

    صَمَتُّ، وقلتُ مع نفسي: ينبغي غداً أن أُعرِّج على الشرطة لأبلغهم بأني عدتُ، وإلا سيسجنونني بسبب العجوز اللعينة... 

   وهنا سألني العريف، كالطفل: - أين ترغبين، على العموم، أن تعيشين..؟ 

    الحقيقة، أنا لا أرغب العيش في أي مكان... فقد عشتُ ما فيه الكفاية – أفٍ! لكن العريف عندي... مهتمٌ بذلك... آز أناخنو مامشيخيم!


د. تحسين رزاق عزيز


التعليقات




5000