..... 
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.....
 ÙˆØ§Ø«Ù‚ الجابري
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
  
.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الهاربة 2

حوا بطواش

3  

مات عزام. 

بعد ثلاثة أيام في العناية المركّزة التي مكث فيها، بعد حادث الطرق الذي تعرّض له في أمستردام... مات. 

«حياته في خطر في أية لحظة.» هذا كل ما قاله الأطباء لي خلال الأيام الثلاثة التي مكثتُ فيها بجانبه في المستشفى وهو فاقد الوعي، لا يحسّ بشيء من حوله، أبكي، أصلّي وأدعو من أجله... ومن أجلي. 

ضاع عزام من بين يدي... فضاع كل شيء من بعده. لقد سلّمتُه نفسي حين تزوجته وسلّمته كل حياتي، مستغنية عن كل شيء دونه، راضية به فحسب، بحبه. وفجأة، وعلى حين غرة، ودون أن أدرك كيف ولماذا... هبطت عليّ الكارثة من حيث لا أدري، كصاعقة في يوم مشمس رائق جميل.

مات عزام وماتت نفسي من بعده. ماتت أحلامي وطموحاتي ورغباتي... وبتُّ تائهة في هذه الحياة، لا أدري ماذا أفعل، ماذا أريد وكيف أكمل حياتي بعد الذي حدث.

فجأة، أصبحتُ أرملة... أرملة في الثالثة والعشرين من عمرها... وحيدة... كنتُ وحيدة في أمستردام. لم أكن أعرف أحدا فيها. كنا قد انتقلنا إلى تلك المدينة، أنا وعزام، قبل الحادث بأسبوع واحد فقط. تركنا لندن وانتقلنا إلى أمستردام بسبب ظروف عمله، حيث كنا سنمكث فيها سنة واحدة ثم نعود إلى لندن. ولكن، بعد الحادث، لم أعُد إلى لندن... لم تكن لي القدرة على فعل ذلك... ولا على العودة إلى القرية.

تركتُ القرية وأنا في الثامنة عشرة من العمر وسافرتُ إلى لندن لدراسة الطب. كنت طالبة متفوّقة جدا في المدرسة وحصلتُ على علامة عالية تؤهّلني للقبول في أفضل الجامعات، فقرّر والدي أن يبعثني إلى لندن، إلى بيت عمتي سهام التي تسكن هناك مع زوجها وأولادها الأربعة، كي أدرس الطب. كان والدي حريصا دوما على دراستي، وكان يشدّد على أهمية الدراسة، وبذل كل ما بوسعه منذ طفولتي كي يوفّر لي كل احتياجاتي في سبيل نجاحي في الدراسة. كان يقول لي دائما: «ستكونين أنت أول طبيبة من قريتنا.» وكانت عيناه تلمعان وهو يقولها لي. كان واثقا مني.

بعد إتمام المدرسة لم يدعني أنتظر طويلا. «يجب ألا تضيّعي دقيقة واحدة،» قال، «عليك إتقان اللغة بأسرع وقت.» وبعثني إلى بيت عمتي الذي سكنتُ فيه خلال فترة دراستي في لندن.

لم ألتقِ بعزام إلا بعد مرور سنتين على إقامتي في لندن. تلقّيت دروسا مكثفة في اللغة الإنكليزية خلال سنتي الأولى، ثم بدأتُ دراسة الطب في الجامعة بعد عام، لم أزُر خلاله القرية إلا مرة واحدة فقط، في عيد الميلاد، ولكن وجودي بين أفراد عائلة عمتي وزوجها وأولادهما كان يخفّف عني الغربة كثيرا، حتى أنني لم أكُن أحسّ بالوحدة.

لم أكن أخرج كثيرا من البيت. كنتُ أعيش حياتي على وتيرة واحدة، هادئة، بين البيت والجامعة، أنام وأستيقظ على كتبي ودفاتري وبين أوراقي وأقلامي كما كنت طوال حياتي، وأغزل الأحلام في نفسي، أحلاما كبيرة وطموحات بلا حدود. كنت أتخيّل في نفسي ذلك اليوم الذي أعود فيه إلى القرية، ومعي شهادتي، فيفخر بي والدي أمام أقربائنا، جيراننا وأهالي القرية جميعا، وتتحقق أحلامي وطموحاتي التي بذلتُ جهودي من أجلها طوال حياتي.

ثم التقيتُ بعزام.

كان ذلك خلال عطلة الصيف بعد سنتي الأولى من دراستي. كان شابا جميلا من بيروت، من أم فرنسية وأب لبناني، طويلا، نحيفا، رشيقا، عيناه عسليتان تأتلقان بفرح دائم، وشعره بنيٌّ فاتح، مائل إلى الشقار. كان بنظري شابا مكتمل الأوصاف. كنتُ مشدودة إليه من أول نظرة.

لم تكن لديّ تجارب في الحب من قبل. لم أكن أقابل الشباب. كنت حريصة على إبقاء مسافة بيني وبينهم.  لم أكن أهتمّ بهم ولا أفكّر فيهم. ولكن عزام كان يختلف عن كل الشباب الذين عرفتهم قبله، ليس بمظهره الجميل فحسب، بل بحضوره الطاغي، وطبعه اللطيف، ومرحه وخفة ظلّه المحبّبة. عزام جعلني أحرق كتبي ودفاتري وأُطلق العنان لأنوثتي الكامنة في قاع أعماقي، تحت رماد كتبي ودفاتري، وأطلقَ من داخلي أحاسيس ورغبات لم أكن أعلم بوجودها على الإطلاق. عزام اجتاح نفسي وكل كياني دون جهد أو عناء ودون احتمال عودة.      

أسلمتُ نفسي للحب. لم أفكّر لا في دينه ولا في ملّته، ولا حتى فكّرتُ في أحد. ظننتُ أن الحب أكبر من أن أفكّر بأي شيء دونه. عندما علم أبي بالأمر، استولى عليهالغضب وأمر بأن أترك كل شيء وأعود حالا إلى القرية.

لا أدري من أين جئتُ بكل تلك الجرأة للتمرّد، ولأول مرة في حياتي، رفضتُ طلبه وعصيت أمره... وكنتُ مؤمنة تماما أن الحب يستحقّ مني ذلك. 

والدي الذي كان مصرّا على دراستي الطب ويفتخر بي بسبب ذكائي وتفوّقي، وحلمه الكبير كان أن أصبح طبيبة مثله، أول طبيبة من قريتنا الصغيرة الوادعة، مثلما كان هو أول طبيب، تبرّأ مني تماما إلى آخر يوم في عمره، وكأنني لم أكن يوما ابنته المدللة، المحبّبة. هكذا، ببساطة.


*          *          *


أطلّ وجه الصباح أخيرا. عدتُ إلى المطبخ وغسلتُ كوب الشاي الذي لم أشرب أكثر من نصفه، ثم أسرعتُ لتبديل ثيابي وتحضير حقيبتي. ترى، كيف تبدو ملامحها الآن؟ هل ما زال وجهها نضرا ولامعا كما كان دائما؟ وصوتها، أما زال قويا وصافيا؟ وماذا عن منى؟ لا شك أنها كبرت كثيرا. هل هي تشبه صورها؟

ترى، كيف سيكون استقبالهما لي؟ ماذا ستقولان؟وماذا سأقول؟


4


عندما جلستْ منى مع أمها قرب الطاولة المستديرة التي في الطرف البعيد من المقهى، أمام زجاج النافذة المطلة على الشارع العام، خالجها الخوف الذي لا تفسير له،جلست، تكاد لا تصدّق ما يحدث، أو ما سيحدث. سنوات طويلة تمنّت، حلمت وتخيّلت اللقاء المجدّد مع سماح. اشتياقها لها قد اشتد وتضاعف خلال العامين الماضيين، منذ تجدّد التواصل بينهما.  بقي ربع ساعة حتى تدق الساعة العاشرة.

«وصلنا باكرا.» قالت لأمها التي ظلّت تتحرّك في مكانها متأمّلة الشارع عبر النافذة.

«لا بأس.» قالت أمها وقلبت عينيها اللتين بدتا كأنهما تخفيان سرا يتوق أن ينفلت. خطر لها لأول مرة أن هذا الكتمان لم يعُد بالإمكان.

«ماذا تشربين؟» سألت.

«لا شيء.» أجابت دون أن تحوّل عينيها من الشارع. جلست ووجهها يكتسي بالشحوب، ملامحها غامضة الحزن، تتحرّك في مكانها دون توقّف.

لوهلة بدت كأنها سرحت بعيدا، ولكن ذلك لم يطُل كثيرا، وسرعان ما عادت تتأمل الشارع مرة أخرى.

«أنا سأشرب النيسكافيه.» قالت منى، نادت للنادل بإشارة من يدها وطلبت ذلك. 

توقّفت حافلة على محطة الحافلات التي في الطرف الآخر وهبط منها أناس كثر. تأمّلتهم واحدا واحدا دقائق طويلة حتى تفرقوا جميعا، كل إلى طريقه.

وصل النادل مع كوب النيسكافيه. وضعه على الطاولة، فشكرته وذهب.

ألقت على أمها نظرة طويلة، محدّقة. «أنتِ... اشتقت إليها كثيرا، أليس كذلك؟»

رفعت إليها نظرة ساخطة،أشاحت بوجهها وبقيت على صمتها. 

«لماذا تنكرين ذلك؟أعرف أنك اشتقت إليها. عيناك تقولان لي كل شيء.»

لم تعلّق بشيء، فأكملت منى: «أمي، سماح تبقى ابنتك، مهما حصل، من لحمك ودمك، وهي لم تفعل شيئا... سوى أنها أحبّت... أحبّت كثيرا. إنها مشتاقة إليك جدا. صدّقيني.»

تلألأت دمعة متجمّدة في عينيها وارتجفت شفتاها، قامت من مكانها ببطء، دون قول شيء، وذهبت نحو المراحيض.

عندما عادت... لم تجد منى في مكانها. سمعت ضجة وجلبة خارج المقهى. وفجأة... ارتجّ قلبها.

اقتربت من زجاج النافذة المطلة على الشارع. كانت السيارات كلها واقفة، والناس يلتفّون حول شيء ما في وسط الشارع، أمام مدخل المقهى، يتمتمون بكلمات غير واضحة. هجس في صدرها أن شيئا مريعا قد حدث.

استدارت بحدة وأخذت تركض مسرعة نحو الشارع، تدفع الناس من أمامها، حتى لمحت منى، هناك، على الشارع، وهي جاثمة فوق فتاة غارقة في الدماء، تمسكها من كتفيها وتصرخ: «سماح! سماح!»

صرخاتها دوّت في كل الجوانب، والناس من حولها واقفون، ذاهلون، يتأملون، يتهامسون: «سيارة صدمتها وهي تقطع الشارع».

«كانت تتحدث على الهاتف.»

«لم تكن ترى شيئا أمامها».

بقيت منى تهزّها وتهتف بها: «سماح! قومي! هيا قومي يا سماح!»

ولكن، الفتاة فقط فتحت عينيها بمشقة، وحين التقت بعينيّ أمها الواقفة أمامها عاليا، مذعورة العينين، تحرّكت شفتاها قليلا، كأنها أرادت أن تقول شيئا... شيء ما يلحّ أن يقال... ولكن... لم تفعل... لم تقل شيئا أبدا...ثم... أغمضت عينيها شيئا فشيئا... ولم تفتحهما أكثر.

وقفت في مكانها والرّعشة تهزّ قلبها وركبتيها. نظرت إليها طويلا، انتظرت أن تقول شيئا ما، أو تفعل شيئا ما. انتظرت كثيرا، ثم سألت: «ألن تقوم أكثر؟»

ولم يجبها أحد.



كفر كما

16.2.2018


حوا بطواش


التعليقات




5000