..... 
مواضيع تستحق وقفة 
.
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.....
 ÙˆØ§Ø«Ù‚ الجابري
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
  
.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


القرد - جيتكوف بوريس ستيبانوفيتش (1882-1938)

د. تحسين رزاق عزيز

ترجمة: د. تحسين رزاق عزيز

كان عمري اثنتا عشرة سنة وكنت آنذاك لا ازال ادرس في المدرسة. جائني ذات مرّة صاحبي يوخيمنكو في الاستراحة وقال: 

- هل تريد أن أعطيك قرداً؟ 

لم اصدقه- وتصورت انه سيعمل بي مقلباً ما، حتى يتطاير الشرار من عينه ويقول: 

هذا هو "القرد" - أنا اكبر من ذلك. 

فقلت : - حسناً ، نعرف. 

قال : 

- كلا، حقيقي. قرد حي. انه جميل. اسمه يشكوي. وابي غاضب. 

- على من؟ 

- عليّ وعلى يشكوي. ويقول ، ابعده عني الى اي مكان تريد . وأظن أعطيك إياه أفضل. 

    بعد ان انتهت الدروس ذهبنا الى بيته. وكنت لا ازال غير مصدقاً بعد. فمن غير المعقول ان يكون عندي قرد حيّ؟ وكنت اتساءل كيف يبدو. 

     قال يوخيمينكو: 

- ستراه، لا تخف، انه صغير. 

     وفعلاً بدا صغيراً. اذا وقف على رجليه لا يزيد طوله على نصف متر. وجهه مغضّن عليه تجاعيد الشيخوخة وعيناه حيويتان ولمّاعتان . يغطي جسده شعر أشقر وقائمتاه سوداوتان، كأنهما يدا إنسان بقفازين أسودين. وكان يرتدي سترة زرقاء. 

صاح يوخيمنكو : 

- - ياشكا، ياشكا تعال، انظر ماذا سأعطيك!

     ودس يده في جيبه. صرخ القرد: " آه، آه!" – ونط بقفزتين على ذراع يوخيمنكو. حضنه وادخله في معطفه. وقال: 

- هيا بنا نذهب . 

     لم استطيع أن اصدق ما رأته عيناي. سرنا في الشارع نحمل هذا الشيء المثير، ولا احد يعرف ماذا يوجد في حضننا. 

قالت له عزيزي يوخيمنكو ماذا يجب أن اطعمه. 

- أنه يأكل كل شيء، اعطيه كل شيء. هو يحب الحلويات. الحلوى- رهيبة! ينقض عليها ويأكلها بالتأكيد. يحب الشاي سائلاً ويريده حلواً. 

افرضه عليه. اعطه قطعتين. ضع السكر له في الشاي، اذا اعطيته السكر والشاي على حدة سياخذ السكر ولا يشرب الشاي. 

      كنت استمع لما يقوله وافكر: ساعطيه حتى ثلاث قطع سوف لن ابخل عليه. انه لطيف جداً، وكأنه لعبة- دمية بشرية. ثم تذكرت هنا انه ليس لديه ذنب. 

- هل أنت قطعت ذيله من الجذر؟ 

قال يوخيمينكو. 

- انه قرد ما كال. هذه القرود لاتنمو لها ذيول. 

    ذهبنا إلى بيتنا. امي والبنات كانوا يجلسون على مائدة الغداء . دخلنا أنا ويوخيمينكو مباشرة بمعاطفنا. 

قلت:

- انظروا  مَنْ عندنا؟ 

     استدار الجميع بوجوههم نحونا. فتح يوخيمنكو معطفه. لم يكن الوقت كافياً لأي احد حتى يتفحص الأمر، وقفز ياشكا من يوخيمينكو إلى أمي واندفع برأسه ورجليه ثم سقط على الخزانة وقد  لخبط تسريحة أمي. 

استدار الجميع بوجوههم نحون. فتح يوخيمنكو معطفه لم يكن  الوقت كافياً لأي احدٍ حتى يتفحص الأمر، وقفز ياشكا من يوخيمينكو إلى أمي واندفع برأسه ورجليه ثم سقط على الخزانة وقد لخبط تسريحة امي. 

قفز الجميع وصاحوا:

- أوه، ما هذا، ما هذا ؟ 

جلس ياشكا على الخزانة وهو يمسح بوزه ويقرقع ويكشر عن اسنانه. خاف يوخيمينكو من أن يقوم أهلي بتأنيبه وطرده بالحال. لم ينظر احد اليه، بل حدّق الجميع بالقرد. وفجأة نادت البنات جميعهن بصوت واحد: 

- يا له من جميل ! 

بينما كانت أمي منشغلة بترتيب شعرها قالت: 

- من أين جئتم به؟

    تطلعت من حولي. لم يكن يوخيمينكو موجوداً وهذا يعني اني صرت مالكه. واردت ان ابين اني أجيد التعامل مع القرد كما ينبغي. فأدخلت يدي في جيبي وصحت كما كان يفعل يوفيمينكو: 

- ياشكا، ياشكا! سأعطيك شيئاً ما!

   الجميع كان ينتظر. لم ينظر ياشكا نحوي وصار يحك قليلاً بقائمته السوداء. لم ينزل ياشكا حتى المساء، وكان يقفز في الاعلى: من الخزانة الى الباب، ومن الباب الى الدولاب ومن هناك الى الموقد.  

وفي المساء قال ابي: 

- لايمكن تركه هنا في الليل، انه سيقلب الشقة رأساً على عقب. 

وبدأت أحاول الإمساك بياشكا. آتي إلى الخزانة - يذهب هو إلى الموقد. 

قذفته من هناك بالفرشاة - قفز على الساعة. فتأرجحت الساعة وتوقفت. وصار ياشكا بتأرجح بالستائر. ومن هناك قفز على اللوحة فانحت لأحد الجانب: وكنت اخشى ان يثب ياشكا إلى المصباح المعلق. 

وهنا اجتمع الكل وصاروا يطاردون ياشكا. كانوا يقذفونه بالكرة  وبكرات الخيوط واخيراَ حشرناه في الزواية . 

استند ياشكا على الحائط، وكشرّ عن اسنانه كالمبتسم وصار ينقر بلسانه محاولاَ اخافتنا. لكننا غطيناه بوشاح الصوف ولففناه وشبكناه به. 

تعثر ياشكا وصار يصرخ، ثم سرعان ما لفــفـناه بحيث لم يبقَ إلا رأسه يتأرجح. فأدار رأسه ورمش عينيه وبدا كأنه سيجهش بالبكاء مما حل به. 

    هل سنقوم بتقميط القرد في كل ليلة؟ وقال الأب: 

- اربطة من صدره وساقه الى الطاولة. 

    جلبت حبلاً، ووجدت زراراَ على ظهره، أدخلت الحبل في الحلقة وشددته بأحكام. كانت في سترة ياشكا ثلاثة ازرار في الظهر.

       ثم حملت ياشكا، كما كان، مربوطاً بالطاولة وربطت الحبل بساقه وبعدها ارخيت الوشاح وفككته عنه. 

أوه، كيف بدأ يقفز وينط! ولكن من اين له القوة حتى يقطع الحبل !صار يصرخ، واشتد غضبه ثم جلس حزيناً على الارض. 

اخذت سكراً من الخزانة واعطيته ياشكا. خطف قطعة بقائمته السوداء ودسها في فمه. وصارت سحنته كلها تتلوى من هذا. 

   طلبت من ياشكا أن يناولني يده. فمدها اليّ. 

وهنا لاحظت ما اجمل اظافره السود. يالها من يدٍ حيةٍ صغيرة كأنها يد دمية! صرت امسد يده وأقول في نفسي: انه كالطفل تماماً. 

ودغدغت راحة يده. واذا بهذا الطفل يسحب يده بصورة خاطفة ويضربني على قدمي. لم استطع حتى ان ارمش عيني وإذا به يصفعني ويقفز تحت الطاولة. جلس هناك وكشّر عن أسنانه. هذا هو الطفل الصغير!. 

   ولكن بعد ذلك اضطررت إلى الذهاب إلى النوم. 

كنت أود ان اربط ياشكا بسريري، لكن اهلي لم يسمحو لي. لقد استمعت الى ما يفعله ياشكا وفكرت انه لا بد من عمل سرير له حتى ينام كالناس ويتغطى باللحاف. ويضع رأسه على وسادة. فكرت وفكرت حتى نمت. 

نهضت في الصباح وحتى من دون ان ارتدي ملابسي توجهت الى ياشكا. ياشكا غير موجود بالحبل. الحبل موجود وبه السترة مربوطة لكن القرد غير موجود. ورأيت أن الأزرار الثلاثة كلها محلولة. فقد حل السترة وتركها بالحبل وفلت بنفسه. صرت ابحث عنه بالغرفة. واتخطى بهدوء بقدميّ الحافتين. انه غير موجود في أي مكان. انتابني شعور بالخوف. ولكن كيف هرب؟ لم يمكث يوماً كاملاَ. ماذا سأفعل. ألقيت نظرة على خزانات الملابس على الموقد- غير موجود. اذاً هرب الى الشارع. لكن البردَ قارصٌ في الشارع - سيتجمد المسكين! وهنا شعرت بنفسي بالبرد. فاندفعت راكضاً لكي ارتدي ملابسي. وفجأة رأيت في سريري شيئاً ما يتحرك. اللحاف يتنقَّل. حتى اني إرتجفت. ها هو هنا! فقد شعر بالبرد على أرضية الغرفة وهرب إلى سريري وارتمى تحت اللحاف. ولم اشعر به لاني كنت نائماً. لم يستوحش ياشكا من شدة النعاس وسلم نفسه بيدي ووضعت عليه السترة الزرقاء من جديد. 

عندما جلسنا لشرب الشاي نطّ ياشكا على الطاولة ونظر من حوله فوجد اناء السكر ادخل يده فيه وقفز على الباب. فقد قفز بخفة شديدة حتى بدا لنا انه يطير لا يقفز. للقرود في ارجلها اصابع كما في اليدين لهذا استطاع ياشكا ان يخاطف برجليه. وهذا ما كان يفعله، حيث يجلس كالطفل على يديّ أحدنا ويبسط يديه لكنه في الوقت نفسه يمد رجله إلى المائدة ليأخذ شيئاً ما. انه يسحب السكين ويصير  يقفز والسكين بيديه. حتى اذا اردنا ان نأخذها منه قد يضربنا بها. كنا نعطي ياشكا الشاي بالقدح فيحتضن القدح كالدلو. يشرب ويمط بشفتيه. ولم ابخل عليه بالسكر. 

وعندما ذهبت الى المدرسة ربطت ياشكا بمقبض الباب. وفي هذه المرّة ربطت الحبل حول وسطه بحيث لا يمكن ان يفلت. وعندما عدت الى البيت رأيت من الرواق ماذا يفعل ياشكا. كان معلقاَ على مقبض الباب ويتأرجح بالباب وكأنه ارجوحة. يندفع عن عضادة الباب باتجاه الجدار. يدفع الجدار برجليه ويعود الى الخلف. 

وحينما جلست احظر دروسي اجلست ياشكا على الطاولة. كان يحب أن يتدفأ قرب المصباح. أَخَذَتْه سِنَة من النوم كالعجوز عندما تجلس في مكان مشمس، كان يتمايل وبالكاد يفتح عينيه وينظر كيف اركس القلم بالمحبرة. كان معلمنا صارماً لهذا اكتب الصفحة بكل عناية. ولم اريدها ان تتبدل حتى لا تتسخ. تركتها تجف. جئت ونظرت وإذا بياشكا يجلس على الدفتر ويدس إصبعه في المحبرة، يزمجر ويشخبط على كتابتي. أوه، اللعنة! كدت أبكي من الحزن هرعت إلى ياشكا. الى أين! قفز على الستائر فلطخ الستائر كلها بالحبر. عرفت لماذا غضب والد يوخيمينكو عليه وعلى ياشكا. 

ولكن هذه المرة والدي سيغضب على ياشكا. فقد اقتلع ياشكا الزهور التي كانت على النوافذ. يقطع الأوراق ويهيج. أمسك والدي بياشكا طوح به ثم ربطه بعد ذلك بالدرج المؤدي إلى العلية عقاباً له. السلم ضيق. فالسلم العريض كان يمتد من الشقة الى الاسفل. 

وفي الصباح ذهب ابي الى العمل. اغتسل وارتدى قبعته ونزل على السلم. طاق! قطعة جص تسقط. توقف ابي. هزّ قبعته. ونظر الى الاعلى- لا احد. وما ان مشى- حتى سمع قرقعة، طاق وإذا قطعة اخرى من الجص تقع على رأسه مباشرة . ما هذا يا ترى؟ 

رأيت من الجانب ما يفعل ياشكا. كان يكّسر الجص من الجدار وينشره على حافات السلالم، يرقد ويتوارى على السلم فوق رأس والدي تماماً. ما ان سار أبي حتى قذف ياشكا بهدوء قطعة من الجص من السلمة فسقطت على قبعة أبي. لقد انتقم من والدي لانه طوح به في العشية. 

ولكن ما أن بدأ يحل الشتاء الحقيقي وصارت الريح تعوي وامتلأت النوافذ بالثلج. صار ياشكا حزيناً. كنت أدفئه وأضمه اليّ. وبدت سحنة ياشكا حزينة متهدلة وأنَّ وتشبث بي. فحاولت ان ادسه الى صدري تحت سريري. استقر ياشكا الآن هناك: تمسك بقوائمه الأربع كلها بقميصي وتعلق وكأنه قد التصق بي. نام هناك ولم يحرك  قوائمه. لا انسى أبداً ان عندي كائن حي تحت سترتي وأنا استند الى الطاولة . وكان ياشكا يخدش جنبي بكفه: يعطيني إشارة كي أكون حذراً.

وذات مرة زارنا يوم الأحد فتيات. جلسنا لتناول طعام الإفطار. جلس ياشكا بهدوء في حضني ولم يكن ملحوظاَ تماماً. وفي النهاية وزعت قطع الحلوى. وصرت اول من يفتح قطعة الحلوى واذا بيدٍ تخرخ من حضني تلوح وتخطف الحلوى وتعود. صرخت الفتيات من الخوف. كان ذلك ياشكا ، سمع حفيف ورقة الحلوى وخمّن أننا نتناول الحلوى. فقلت للفتيات: "هذا أنا عندي يد ثالثة؛ وبتلك اليد أدس الحلوى في بطني  مباشرة  حتى لا اتعب بمضغها طويلاَ". لكن الجميع حزروا ان هذا قرد وكان مسموعاً من تحت السترة كيف يمضغ الحلوى: انه ياشكا يقرض ويقضم وكأني الوك في بطني. 

غضب ياشكا على والدي فترة طويلة. وتصالح ياشكا معه بفضل قطعة حلوى. ترك والدي التدخين تماماً وصار يحمل بدلاً عن لفافات السكائر قطع حلوى صغيرة في علبة السكائر. وفي كل مرة بعد الغداء كان أبي يفتح غطاء العلبة الضيق بابهامه وظفره ويخرج  قطعة حلوى. هنا يقوم ياشكا بالقفز ويجلس على ركبته وينتظر- يتململ ويتمطى. وفي احدى المرات اعطى أبي العلبة كلها  لياشكا، أخذها ياشكا بيد، وباليد الاخرى صار يفتح الغطاء، كوالدي بالضبط، بأبهامه. كان اصبعه صغير وغطاء العلبة محكم وقوي فلم يستطع فعل شيء. واخذ يعوي من الانزعاج. وكانت رائحة الحلوى نفاذة. عندها امسك ياشكا أبي من ابهامه وصار يفتح الغطاء بظفره وكأنه أزميل. كان ذلك مسلياً لأبي وقام يفتح الغطاء واعطى العلبة لياشكا. وسرعان ما ارخى ياشكا مخلبه، واستولى على حفنة كاملة وبسرعة دسها في فمه وولى راكضاً بيد أن ليس كل يوم سعيداً كهذا اليوم. 

كان أحد معارفنا طبيباَ يحب الثرثرة بشكل فضيع خاصة عند تناول الغداء، كان الجميع يأكلون وينتهون من الأكل، أما هو فيبرد طبقه، عندها ينهض ويأخذ يقضم على عجل قطعتين ويقول:  

- شكراً جزيلاً، شبعت. 

وفي احد المّرات جاء يتغدى عندنا، لكز الشوكة في البطاطا، وصار يلوح بها ويتحدث. وشاهدتُ ياشكا ينهض في ظهر الكرسي ويتسلل بهدوء ويجلس على كتــف الطبيب. والطبيب يتحدث:

- وكما تعلمون، هناك فقط ... وأوقف الشوكة مع البطاطا قرب أذنه - وبمجرد لحظة. هجم ياشا بمخلبه بهدوء على البطاطا ورفعها بحذر من الشوكة كاللص. 

استمر الطبيب بالحديث: 

- وتخيلوا... - وأدخل الشوكة فارغة في فمه. امتعض – واعتقد انه اسقط قطعة البطاطا عندما لوّح بيديه، وصار ينظر خلفه. لم يكن ياشكا موجوداً هناك- انه يجلس في الزاوية ويحاول مضغ البطاطا ولا يستطيع لأنه سدّ بلعومه بها. 

ضحك الطبيب ، ومع هذا غضب على ياشكا. 

رتبنا لياشكا مناماً في سلة:  يحتوي على شرشف ولحاف صغير ووسادة. لم يرغب ياشكا بالنوم بشكل مرتب: فقد لفّ نفسه كالكرة وجلس طوال الليل كخيال المآتة. وخطنا له ثوباً أخضر مع غطاء للرأس وأصبح مثل طفلة محلوقة الرأس من مأوى الايتام. 

وسمعت ذات مرّة رنيناَ في الغرفة المجاورة. ما هذا؟ اقتربت بهدوء واذا بي ارى: ياشا يقف على حافة النافذة في ثوبه الاخضر، في احدى يديه زجاجة مصباح وفي اليد الاخرى قنفد وهو الزجاجة بالقنفد بكل عنف. اشتد غضبي عليه لانه لم يسمع كيف دخلت. لقد فعل ذلك لأنه شاهد كيف ينظفون الزجاجة وحاول ان يجرب ذلك بنفسه. 

واذا تركناه في الليل مع الصباح يدير صامولة النار الى اعلى لهب بحيث يدخن المصباح ويتطاير السخام في الغرفة بينما يجلس هو ويصيح على المصباح. يأتي ياشكا بالمشاكل حتى اذا  وضعته في قفص! كنت اوبخه واضربه لكني لم استطع الزعل عليه لفترة طويلة، فعندما يريد ياشكا ان يثير اعجابي يصبح حنوناً جداً ويقفز على كتفي ويأخذ  يبحث في رأسي. وهذا يعني إنه يحبني. 

يجب ان تقذف له شيئاً ما- قطعة حلوى او تفاحة– حتى يتسلق على كتفك ويبدأ يتلمَّس بكفوفه بعناية في شعرك: يبحث ويخربش بأظافره. لا يجد شيئاً ويتصنع انه قبض على وحش ويلتهم شيئاً ما من اصابعه . 

وفي احد الايام جاءت سيدة لزيارتنا. وكانت تعتقد انها فائقة الجمال. وارتدت ملابس فاخرة. كلها من الحرير. لم يكن شعرها تسريحة اعتيادية بل لوحة رائعة من الشعر المصفف والمجعد والمُخَصَّل. وفي جيدها سلسلة طويلة فيها مرآة صغيرة في اطار من الفضة. 

      قفز ياشكا إليها بحذر على الارض. 

- أوه ، ياله من قرد جميل!- قالت السيدة. وصارت تلاعب ياشكا بالمرآة. 

امسك ياشكا المرآة، استدار- وقفز على رقبة السيدة واخذ يجرب أكل المرآة بأسنانه. 

اخذت السيدة منه المرآة وامسكتها بيدها. وياشكا يسعى للحصول على المرآة.

مسدت السيدة ياشكا بحذر بقفازاتها ودفعته بهدوء من ركبتيها. وقرر ياشكا التحبب للسيدة وتملقها وقفز على كتفها. احكم قبضته على الدانتيل برجليه الخلفيتين وأمسك بشعرها. حل جميع خصلات شعرها وصار يفتش فيه فأحمرت السيدة من الخجل. وقالت: 

- اذهب بعيداً ، أذهب !

ليس الامر بهذه السرعة! فياشكا يحاول جاهداً: يخدِّش بأظفاره  وينقر بأسنانه. 

كانت السيدة دائماً ما تجلس مقابل المرآة لكي تتطلع الى صورتها، وتنظر في المرآة إن كان ياشكا أشعَّث شعرها- وهنا كادت  تنفجر بالبكاء. وانطلقت للمساعدة. الى هناك! أمسك ياشكا بكل ما أوتي من قوة بشعرها ونظر الي بخجل. سحبَتْه السيدة من ياقته، وكان ياشكا قد نفش لها شعرها. نظرت الى نفسها بالمرآة- وكانها ترى فزاعة محشوة. 

فارتجفتُ من الخوف وسحبتُ ياشكا، أما ضيفتنا فأمسكتْ برأسها وخرجتْ من الباب وهي تقول: 

- فضيع، فضيع! ولم تقل وداعاَ لأحد.

    "فكرت ان احتفظ به حتى الربيع وأعطيه لأحدهم، إذا ما اخذه يوخيمينكو . مهما وقعت عليّ من مشاكل من هذا القرد!" 

    وها هو الربيع يحل. وصار الجو دفئاً. اجتاز ياشكا الشتاء وصار اكثر سوءاً. ويرغب دائماً بالخروج والانطلاق ويحاول الخروج الى الفناء. وكان فناءنا كبيراً حوالي دونم. وفي وسط  الفناء كانت كومة كبيرة من الفحم التابع للدولة ومن حوله مخازن فيها بضائع. وخوفاَ من اللصوص أصطحب الحراس قطعياً كاملاً من الكلاب. كانت كلاب كبيرة ومتوحشة، يقودها جميعاً كلب أشقر. فإذا زمجر كاشتان (هذا اسم الكلب) على شخص ما تهجم الكلاب كلها عليه. والكلب الغريب يضربه كاشتان بقفزة بالصدر ويضربه من الأسفل ويقف عليه، ويزمجر، بينما هو يتقلب خائفاً. نظرتُ من النافذة : لم أرى كلاب في الفناء، فكرت أن أقود ياشكا ونذهب نتمشى لاول مرّة. ألبسته البدلة الخضراء لكي لا يبرد ، وضعت ياشكا على كتفي وذهبت. وما ان فتحت الباب حتى قفز ياشا على الأرض وركض بالفناء. وفجاة لا ادري من اين خرج قطيع الكلاب كله وكاشتان في المقدمة، وهجموا على ياشكا. اما هو فوقف صغيراً كالدمية الخضراء. وأيقنت في تلك اللحظة اذا سقط ياشكا سيقطعوه ارباَ. اندفع كاشتان إلى ياشكا لكن ياشكا استدار له، جلس وسدد نظراته. صار كاشتان على بعد خطوة من القرد. كشر أنيابه ونبح، لكنه لم يقرر الهجوم على هذا الكائن الغريب. اشتاطت الكلاب كلها غيضاَ وانتظرت ما يفعل كاشتان. 

اردت الاندفاع للمساعدة. لكن فجأة قفز ياشكا وفي لحظة واحدة جلس على رقبة كاشتان. وهنا طارت خصلات الشعر من كاشتان. وضربه ياشكا في بوزة وعيونه بحيث لم تكن براثنه (كفوفه) ترى. وعوى كاشتان في بوزة وعيونه بحيث لم تكن براثنه (كفونه) ترى.  وعوى كاشتان بصوت رهيب وهــربت الكلاب كلها في مختلف الاتجاهات. وهرب كاشتان منكساً رأسه وياشكا يجلس متمسكاً برجليه بشعره ويتمسك بقوة، ويشد بيديه كاشتان من أذنيه، وينتف بخصلات شعره.

ثار غضب كاشتان: دار حول اكوام الفحم وهو يعوي عواءً وحشياً. ركض ياشكا ثلاث مرّات حيث كانت هناك  مضلة  خشبية، انسل اليها وجلس وصار يحك جنبه وكأن شيئا لم يحدث. أو كأنه يقول أنا لا دخل لي بما حدث! 

وأصبح كاشتان يقف في البوابة وهو يخشى هذا الوحش الرهيب. ومنذ ذلك الوقت صرت اجروء على إنزال ياشكا إلى الفناء: وما أن ترى الكلاب ياشكا في الشرفة حتى تذهب باتجاه بوابة الفناء. ولم يخش ياشا أحداً. تأتي العربات إلى الفناء وتملأ الفناء كله بحيث يصعب المرور. وياشكا يتنتقل من عربة الى اخرى. ويقفز على ظهور الخيل فتضرب الفرس بحوافرها الارض وتهز شعرها وتنخر فيقوم ياشكا بالقفز ببطء الى ظهر فرس اخرى. والحوذيون يضحكون ويندهشون لفعله. 

- أنظر أي شيطان يقفز. حقاً! وو، هوو! 

يجلس ياشكا على الاكياس ويبحث عما في الشقوق. يدس كفه فيها ويتلمس محتوياتها. يتحســس أين بذور عباد الشمس حيث يجلس على الاكياس ويحاول فتح بعضها. وكان في بعض الاحيان يتحسس الجوز فيها. فيطير من الفرح ويبدأ يضرب خده بقوائمه الاربع ويحاول ان يجمع شيئاً منها. 

     لكن ها هنا يظهر عدو لياشكا. من هذا العدو! انه قط صار يظهر في فناء الدار. لقد عاش هذا القط في احد المكاتب وكان الجميع يطعمونه حتى سمن وصار كبيراً كالكلب. وكان شريراً ويخربش. 

 وتنزه ياشكا ذات مرّة في الفناء مساءً. ولم اتمكن بأي طريقة استدعاءه وارجاعه الى البيت. واذا بي ارى في الفناء قطاً قفز على المقعد وصار تحت الشجرة. وما ان رأى  ياشكا القط حتى قفز اليه مباشرة . وجلس وسار اليه ماشيئاً على اربعة ارجل ببطء الى المقعد مباشرة ولم يُنزل عينه عن القط. سحب القط براثنه وأحنى ظهره واستعد للمواجهة. أما ياشكا فصار يزحف بقربه. اتسعت عيون القط ونكص على عقبيه متراجعاً. فنط ياشكا على المقعد، فأنسحب القط الى الوراء الى الجهة الاخرى نحو الشجرة. وهنا تجمد قلبي. وزحف ياشا على المقعد نحو القط. فقلص القط جسمه وكوره وقفز فجأة لكن ليس على ياشكا بل نحو الشجرة. وتعلق بالجذع وتطلع بعينه من الأعلى بالقرد. وقفز ياشكا نحو الشجرة بالطريقة نفسها. فتمسَّك القرد بغصن أعلى- اذ انه اعتاد على الهروب الى الاشجار. وصعد ياشكا ببطء على الشجرة ووجه نضراته الى القط بعينيه السوداوين. وصار القط يصعد إلى الأعلى فالأعلى وتسلق على احد الاغصان وجلس على طرفه. نظرت ماذات سيفعل ياشكا. فتسلق ياشكا الغصن ذاته، وبكل ثقة، وكأنه لم يفعل أي شيء البته سوى صيد القطط. والقط في الاعلى يتمسك بالكاد بغصن رفيع ويتأرجح. وياشا يتسلق ويتسلق ويتشبت بجميع قوائمه الاربع. وفجأة قفز القط من الاعلى الى الرصيف، انتفض وولى هارباً بكل ما اوتي من قوة دون ان يلتفت الى وراءه. وطارده ياشكا من الشجرة وهو يصيح: "ياو ، ياو"- بصوت وحشي مخيف لم أسمعه منه من قبل ابداً. 

والآن صار ياشا ملك الفناء الوحيد. فلم يعد يريد ان يأكل شيئاً في البيت بل اكتفى بالشاي والسكر. ولّما كان يأكل الزبيب في فناء الدار لم نعد نعتني به إلا قليلاً. فأخذ ياشكا يتذمر وتبدو على عينيه الدموع وكان يتطلع الى الجميع بدلال. في البداية تأسف الجميع على ياشا وشعروا بالاسى له، لكنه بعد أن رأى الجميع  يلاعبونه صار ينكسر ويطوح بيديه وينكس رأسه ويعوي بأصوات مختلفة. فقررنا تدثيره وإعطاءه  زيت الخروع. حتى يتحسن حاله. 

لقد أعجبه زيت الخروع كثيراً بحيث صار يصيح لكي نعطيه المزيد منه. لففنا حوله قماطاً ولم نسمح له بالخروج الى الفناء ثلاثة ايام.

سرعان ما تعافى ياشا وصار يتحرق شوقاً للخروج الى فناء الدار. وكنت قلقاً عليه: لم يقدر احد على الامساك به، وأخذ ياشكا يقفز ويطارد أياماً بأكملها في الفناء. واصبح الوضع في البيت اكثر هدوءاً وقلت الحالات التي تتطلب مني الإسراع بها لرعاية ياشكا. ولما حل الخريف قال جميع من في البيت بصوت واحد. 

-اذهب بقردك الى أي مكان تشاء أو ضعه في قفص حتى لا يعبث هذا الشيطان بالشقة. 

لقد كانوا يقولون كم هو جميل، اما الآن فصار شيطاناً بالنسبة لهم. وبعد أن بدأ أوان الدراسة حتى صرت ابحث في الصف عّمن اسلمه ياشكا. واخيراً عثرت على احد الزملاء فأخذته على حدة وقلت له: 

- ألا تريد أن أهديك قرداً؟ حياً. 

ولا اعرف بعد الى من اعطا هذا الزميل ياشكا. لكني لاحظت ، بعد ان غاب ياشكا عن البيت، أن الجميع قد حزنوا لفقده في بداية الأمر وان لم يريدوا الأعتراف بذلك.  

د. تحسين رزاق عزيز


التعليقات




5000