..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


حوار مع الكاتبة الروسية لودميلا أوليتسكايا

د. تحسين رزاق عزيز

  

               ولدت لودميلا يفغينيفنا أولتسكايا في عام 1943 في مدينة دافليكا نوفا التابعة لجمهورية باشكيريا السوفيتية السابقة، حيث تم إخلاء عائلتها أيام الحرب إلى هناك. أكملت المدرسة في موسكو. ودرست في كلية الأحياء في جامعة موسكو الحكومية، متخصصة في علم الأحياء الوراثي. عملت لمدة سنتين في معهد الوراثة العامة التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية، تم فصلها من المعهد في عام بسبب نشر مطبوعات النشر الذاتي (نشر الكتب الممنوعة عن طريق الاستنساخ باليد بصورة سرية وتوزيعها - المترجم).

               عملت لمدة ثلاث سنوات مديرة قسم الأدب في المسرح الموسيقي اليهودي (1979 - 1982) كتبت العديد من المقالات ومسرحيات الأطفال وسيناريوهات للإذاعة ولمسارح الأطفال والدمى  والأعمال النقدية للمسرحيات وقامت بترجمة قصائد شعرية من اللغة المنغولية. بدأت أوليتسكايا تنشر قصصها في المجلات في نهاية الثمانينيات. اكتسبت شهرة واسعة بعد تصوير السيناريوهات التي كتبتها لأفلام «الأخوات ليبيرتي» (عام 1990 - للمخرج فلاديمير غراماتيكوف) و «امرأة للجميع» (عام 1991 - للمخرج أناتولي ماتيشكو). ثم نشرت لها مجلة «العالم الجديد»  مسرحية «سونيتشكا» (1992). وقد نالت هذه المسرحية في فرنسا عام 1994 لقب أفضل كتب العام المترجمة وحصلت المؤلفة على جائزة. وصدر في فرنسا أول كتاب للودميلا أوليتسكايا (مجموعة قصصية بعنوان «الأقارب الفقراء») عام 1993 ) باللغة الفرنسية.

               دخلت في عام 1997 ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر على رواية «مديا وأبنائها»  ونالت جائزة البوكر عام 2001 على رواية «حادثة كوكوتسكي».

               تعد روايتها «المخلص شوريك» احد أكثر الكتب المقروءة في عام 2004. صدرت في عام 2006 رواية أوليتسكايا التي ألفتها على أسس وثائقية التي تحمل اسم «المترجم دانيال شتاين».

               ألفت ل. أوليتسكايا عدة مسرحيات صدرت ضمن مجموعة تحمل عنوان «المربى الروسي و غيره» (2008).

تُرجمت نتاجات الكاتبة إلى خمس وعشرين لغة.

 

    يصعب اليوم تصديق إن أول نشر لأعمالك جرى في الخارج. فهل هذه حقيقة أم أسطورة؟

   هذه حكاية خيالية ولكن فعلاً صدر كتابي الأول باللغة الفرنسية عن دار نشر «غاليمارد». وقد سبق الطبعة الروسية بفترة قصيرة، لكنها حقيقة. إضافة لذلك هي حقيقة مثيرة لأنها الحالة الوحيدة كذلك التي تقوم بها دار نشر "غاليمارد" بنشر كتاب مترجم لكاتب ليس له كتاب بعد في وطنه. كان تسلسل الظروف الملائمة كالتالي: سلمت مخطوطة كتاب "الأقارب الفقراء" لصديقتي ماشا زونينا وهي مترجمة لغة فرنسية وسلمته هي لأحدى زميلاتها التي تتعامل من مدة طويلة مع دار نشر "غاليمارد" حيث أعطت الكتاب بدورها إلى الدار مع توصية جيدة، وتمت إضافة مقالة نقدية الى النص واستلمت العقد بالبريد. أنا اعرف إن مثل هذه الحكاية تحدث فقط في سيناريوهات الأفلام الهابطة. ولكن الذي جرى تم بهذه الطريقة. أي أنها حكاية معاصرة عن ساندريلا.

    ربما انك من اللذين يكتبون دائماً. متى و كيف بدأت ممارسة هذا العمل بصورة جدية؟

    اعتقد أني بدأت الكتابة عندما تعلمت اكتب، بوقت مبكر جداً. كتبت في طفولتي قصائداً، وأحياناً تراودني تلك القصائد حتى في هذا العمر. وكنت اكتب يومياتي في دفتر وكتبت رسائلاً ومذكرات وظلت بعض الخواطر التي كتبها دائما في جيوبي وفي الحقيبة وعلى الطاولة. اخترت علم الأحياء لي مهنة  درست علم الوراثة ولو لم يطردوني آنذاك من العمل لما بدلت مهنتي، كنت أحبها جداً. لم اعمل لمدة عشر سنوات تقريباً وبعد انقطاع كبير توجهت للعمل في المسرح - وكانت تلك مجازفة من جانبي. عملت لمدة ثلاث سنوات مديرة للقسم الأدبي في المسرح و تركت المسرح في عام 1982 ومنذ ذلك الوقت صرت احترف الأدب. قمت في الثمانينيات بممارسة مختلف الأعمال الأدبية فقد كتبت سيناريوهات لأفلام الكارتون ومقالات نقدية وترجمات شعرية وقمت بإعداد برامج تعليمية للتلفزيون وإعداد وكتابة مسرحيات لمسارح الدمى والأطفال. وبدأت في نهاية الثمانينيات بنشر أوائل قصصيي القصيرة. وهكذا سارت الأمور.

 

    هل كنت ستتمكنين إن تصبحي كاتبة لو بقي الاتحاد السوفيتي موجوداً؟

    تصعب الإجابة على هذا السؤال. محتمل، نعم. لكن المشكلة أني وجدت نفسي كاتباً "لا سوفيتياً". فقد كنت اهتم دائماً بالإنسان منفرداً وبقدرته على التعايش مع المجتمع، إما السياسة فدائماً ما نظرت إليها كشر لا بد منه. وأقول بكل ثقة أني ما كنت لأصير كاتباً "سوفيتياً" أبداً.

 

        جينيا بنت الثامنة من عمرها تقرأ في قصة "نظام الممر" كتاب "دون كيخوته"، وأنا أتصورك كذلك قرأت مبكراً لكل الأدباء الكلاسيكيين. فماذا قرأت من الأدب السوفيتي وكيف اثر عليك؟

               أحببت جداً "ما رأيته" لبوريس جيتكوف وهو كتاب أطفال رائع. ولم أخطأ، فقد قرأت قبل عدة سنين روايته التي بقيت سالمة بمعجزة وهي مبعثرة في نص منضّد في عام 1937، هذه الرواية المكرسة للثورة الروسية صدرت قبل سنتين، وقد بدى جيتكوف من خلالها كاتباً رائعاً فعلاً. و قرأت في طفولتي كل ما تضمنه البرنامج المدرسي. درسنا في صفوف المرحلة المتقدمة الأدب السوفيتي. وكانت القراءة "مبرمجة"، درسنا "والفولاذ سقيناه" لأوستروفسكي و "الحرس الفتي" لفادييف ومن ثم ماياكوفسكي. القضية لم تكمن في كون هذه الكتب جيدة أم لا، بل في تقديم هذه الكتب لنا على انها نماذج إيديولوجية مما أثار عندنا احتجاج داخلي عليها. وكانت طرائق التدريس قاتلة وتثير الاشمئزاز. وبسبب هذا التقزز من أدب المدرسة لم أقرأ الكلاسيكيين الروس برغبة إلا بعد التخرج من المدرسة. مقابل هذا تمكنت من القيام باكتشافاتي الخاصة: فقد اكتشفت في سن الثالث عشرة بوريس باسترناك واعتقدت لمدة طويلة أن أحداً غيري لا يعرفه على الإطلاق. ثم اندهشت عندما علمت إن احدى صديقاتي في المدرسة تعرفه شخصياً حيث انه يسكن معهم في إحدى البلدات المخصصة للكتاب وتتبادل التحية معه قرب احد المحلات. إنها معجزة. فقد كنت إنساناً متحاملاً جداً على الأدب السوفيتي وشاكاً في وجوده. ثم اكتشفت اندريه بلاتونوف  وشعره العظيم الباقي رغم السلطة الحديدية. وطبعاً إلى جانبهم كان كل من تريفونوف  وناغيبين وكازاكوف لكني لم ألحظهم بسبب تعجرفي الطفولي.

  

      قلتِ أكثر من مرة انك ليس لديك أي معلمين في الأدب. لكن رغم ذلك تذكرين بكل حب واحترام نابوكوف وتشيخوف...

      لم يدر بخلدي إن اسمّي هذين الكاتبين العظيمين معلميَّ. المسافة بيننا كبيرة جداً رغم أني لا أرى إن من واجبي البحث عمن اثر عليّ. لكني في الطفولة شُغِفتُ بكتّاب مختلفين وانصب اهتمامي على قراءة أو. هنري أحياناً وبونين أحياناً أخرى. وكان ولعي الأخير في سنوات الدراسة في الجامعة بنابوكوف واستمر طويلاً. لكني أصر مرة أخرى على أني لم  أجرؤ أبداً على أن اسمي نفسي تلميذة لأحد من هؤلاء العظماء...

  

     هذه ليست المرة الأولى التي نتحدث بها معك. هل تذكرين كلمات عن البريسترويكا (إعادة البناء)؟ قلت أنكم لا تحتاجون إعادة البناء في أسرتكم لأنكم ليس لديكم أي أوهام...

               نعم، سجن جداي كلاهما. وكانا يعرفان قيمة السلطة السوفيتية. جيل الكبار سكت وحدَّثنا عن القليل، لكن علاقته بالسلطة تسربت لنا وتمثلت بالخوف والاشمئزاز. هذا الشعور الذي غمر الكثيرين. لهذا لم يكن لدي ما أعيد بناءه فيما يخص العالم المحيط بي فيما يتعلق بانهيار النظام السوفيتي. وإما اليوم أريد أن أعيد بناء حياتي. إني اعرف منذ زمن بعيد بوجود صراع عميق جداً بين الفرد والدولة. فالدولة تسعى دائماً لجعل جميع المواطنين متشابهين، بينما المواطن مفرداً يحاول بكل ما أعطي من قوة أن يحافظ على خصوصيته وعلى شخصيته إن أمكن له ذلك. وهذا الصراع وجودي لكنه في ظل النظم الشمولية يتحول من صراع وجودي إلى صراع قاتل للبشر. وهذا الأمر ينطبق على الأوهام الموجودة دائماً عند البشر. وأنا كذلك كانت لدي أوهام كثيرة، مختلفة لكن لا تمت بعلاقة مع طبيعة السلطة...

 

         يبدو أن المعارف المهنية، غير الأدب، تمثل للكاتب ثروة. فقد عشتِ في عائلة أطباء وأنت نفسك درست الطب. ما مدى تأثير ذلك على عملك الأدبي؟

               أرى أن التعليم "الأخر" ضروري جداً للكاتب. إضافة لذلك لا افهم أبداً ما يعنيه التعليم "الأدبي". ودراستي لم تكن في مجال الطب بل في العلوم الطبية. وهو قريب من الطب جداً. وقد أعطتني جامعة موسكو التي درست فيها في قسم الوراثة، أعطتني الكثير جداً: عندما تدرس الحياة كموضوع تتوسع مداركك. كأن الأمر موضوعاً يراقب موضوعاً أخر. إضافة لذلك تشعر براحة عميقة مع الفئران والأسماك والبزاليا. وتبدو لك خطة موحدة لبناء العالم. المتخصص بعلم الوراثة يعرف أكثر من أي عالم أخر، مدى القرابة الحميمة التي تربط كل الأحياء. وهذا رائع! وأستطيع إن أضيف أن المعرفة بالعلوم الإنسانية تنقصني وهذا ما اشعر به دائماً. والمحزن أني اقرِّع نفسي لأن الكثير من العناصر المهمة للثقافة قد فاتتني وليس لدي الوقت الكافي في لمعرفتها....

        هل تعتقدين انك، بفضل دراستك، استطعت تصوير الجنس بصورة طبيعية خاصة في روايتك "سونتشكا"؟

               لقد وجهت لي سؤالاً يتوجب علي للإجابة عليه أن ابتعد جداً عن جوهر السؤال. إني لا اعتقد بوجود تقسيم المجالين الذهني والفسيولوجي. وأدب الإثارة يتعلق بالمجال الفسيولوجي مثلما يتعلق بالمجال الذهني. فالإنسان هو كائن متكامل وأن محاولة تعيين قوى "عليا" و "السفلى" في الجوهر الإنساني هو من نتاج حضارتنا الناقصة غير المستقيمة، التي ظل فيها هذا التقسيم موجوداً على مدى قرون عديدة. وصارت الإثارة الجنسية منطقة صمت، ممنوع التطرق عنها رغم أنها تمثل قسماً مهماً جداً من الحياة الإنسانية.

               السؤال في الحقيقة، يكون بالنسبة لي بطريقة أخرى تماماً وهو: كيف يمكن الكتابة عن الإثارة؟ فاللغة الروسية عفيفة جداً حتى انه ليس فيها قاموساً إدبياً لموضوعة الحب: الموجود إما مصطلحات طبية أو كلمات فاحشة لا تستعمل وغير موجودة في المعجم الأكاديمي أو مفردات ملطّفة ومعدلة. والمسألة مطروحة بهذا الشكل: كيف يمكن الكتابة عن الانفعالات الغرامية الدقيقة جداً في ظل هذا الموجود اللغوي...

               لم أقم بالتنظير عندما بدأت الكتابة. فانا لا انتمي إلى الكتاب البنيويين التنظيريين بل إلى الأحياء الذين يستندون إلى الحياة الانفعالية. وحتى البداية العقلانية تصطبغ بالانفعال. وهذا بدوره ليس حسناً ولا سيئاً إنما هو مسألة تنظيم داخلي فحسب.

               عندما كتبت "سونيتشكا" كنت بعيدة بما فيه الكفاية عن تلك الأشياء الانثروبولوجية التي شغلتني كثيراً مع مرور الزمن. واستمالني أدب الإثارة الجنسية ليس بسبب المنع وأحياناً الإلغاء الحاصل له في الأدب الروسي بل لأنه موضوع قليل التناول. ولم تكن لدي القدرة لإغلاق هذا الموضوع لكني كنت ارغب بإيجاد وسيلة "مشروعة" للحديث عنه ولو أحياناً وبالإمكانيات المتاحة. واعتقد أني استنفذت كل إمكانياتي بعد أن كتبت رواية "المخلص شورك". واستبعد أن أستطيع تحقيق ما هو اكبر منها رغم إن الروايات السابقة لها "ميديا وأبناءها" و "قضية كوكوتسكي" تعالج بعض جوانب الحياة الجنسية للإنسان. أن علم الفيزيولوجيا ما هو إلا أسلوب لتوظيف الجسد البشري والحيواني وتطبيق للإمكانيات الجنسية للإنسان بصورة شرعية مشابهة لعملية هضم الغذاء. لكن الإنسان لديه نشاط عصبي متطور ومعقد جداً وبواعث اجتماعية معقدة وعدد هائل من الممنوعات الثقافية غير الثابتة دائماً، بل تتغير مع الزمن وأحياناً تكون هذه التغيرات قاتلة. ولكن هذا في مجال العلم لا الفن. وكان بأمكاني البقاء في مجال الفن لكني دخلت مجال الفن بكل ما عرفته سابقاً في ماضيّي البيولوجي.

 

        أتذَكّرُ في "ميديا" يُجلسون الأطفال على القعّادة. أظن إن هذا يطرح لأول مرة في الأدب الروسي؟

               كلا، ليس كذلك. ألا نرى في الفصول الأخيرة من "الحرب والسلام" ناتاشا روستوفا ومعها ملفة الطفل الملوثة؟  وطالما جعل النقاد من هذه الملفة رمزاً لعدم احترام تولستوي للمرآة. لكني وإياكِ نعرف جيداً أن الملفة الملوثة هي شيء مهم جداً لمن يربي الطفل.

 

         لديك الكثير من المواضيع الممنوعة بصورة أو أخرى في الأدب السوفيتي وهي: الإثارة الجنسية والأقليات الجنسية (المثليون) والإجهاض وإدمان الكحول والعجز عن العمل والمرض، وطبعاً، الموت. فهل ترين نفسك رائدة في هذا المجال؟

الحقيقة أني لم أفكر بذلك، إذ تصخب حولي مثل هذه الحياة الغنية المليئة بالحكايات عن حياة الناس. وهذه الحكايات تشدني حيث صور الحياة الممتعة وأنواع الدراما وهذه المآثر والخيانات التي تَسَجَّل من حولنا. ولم يدر في خلدي أن أضع مرشحة ترشح ما يجري، خاصة لو تحدثنا عن الموت. فبدون الموت ليست ثمة حياة. الموت بالذات يعطي كل شيء مغزى وقيمة. ومهما أغمضنا عيوننا عن هذا الحال ومهما تجنبنا هذا الموضوع فهو سيأتي بلا محال لكل واحد فينا. الموت دائماً معنا، وهو بالذات يمنح الانفعالات المفرحة توتراً ويجعلنا نعطي قيمة للحب في حياتنا. نحن لا نعرف أي سر ينكشف للإنسان بعد الموت، وأني اعتقد انه سيكون لكل منا بصورة معينة معدة له شخصياً وإذا كان بعد الموت ثمة حب فهو بالتأكيد سيكون بشكل آخر يختلف عمّا نسميه حباً في إطار هذه الدنيا. واعتذر من الملحدين إذا ما خرقت تصورهم ولكني أرى إن لا احد من الملحدين سوف لن يشعر بالخيبة لو انفتح إمامنا فضاء جديد خارج حدود الحياة الدنيا.

               أن ما يهمني في الواقع، أكثر بكثير من استغلال موضوع ما ينتظرنا بعد الموت، الذي يثير اهتمامي هو الحد الفاصل بين الحياة والموت وعملية الموت نفسها والخروج من هذه الحياة. لقد شاهدت وفيات رائعة لأناس رائعين لكني رأيت آخرين لا يقلون عن أولئك روعة لكن موتهم كان شنيعاً ومؤلماً...

               إضافة الى ذلك هناك عامل جوهري آخر - هو شعوري بكوني هاوية للكتابة ولست محترفة وهذا منحني إحساساً كبيراً بالحرية. وأني لست مدينة لأي احد بأي شيء ولم امنح أو اهدى أي شيء. كنت اعمل ما يعجبني وبالطريقة التي اقدر عليها. ولم احسب حساباً للنجاح وهذا منحني كذلك درجة إضافية من الحرية.

 

         حتى انك تستخدمين في راوية "المأتم المرح" وفاة آليك لتوضيح الفرق الثقافي بين روسيا وأمريكا؟

               نعم، لقد دهشني في أمريكا أن الناس عادة ما يموتون ليس في البيت و بين العائلة، بل في المؤسسات الطبية. لم يكن هذا الآمر مقبولاً في روسيا حتى وقت قريب: الجميع يريدون الوفاة بين أفراد العائلة لا في المستشفى. احد الأسباب المحزنة هو المستشفيات السيئة جداً والرعاية السيئة. هناك سبب آخر أكثر عمقاً كما يبدو لي هو أن الحضارة الأمريكية تصبو نحو النجاح والازدهار ولا تريد أن تعكر فكرة الموت المعنويات الجيدة والاستمتاع بالحياة. إما الحياة في روسيا فلا تدعك تنسى الموت. لا أريد أن أتناول هذا الموضوع هنا لأننا سنخرج حتماً من مجال النقاش الفلسفي إلى الاجتماعي.

 

         ظهرت فجأة في رواياتك وقصصكِ شخصيات لم تكن موجودة في الأدب السوفيتي: اليهود وأبناء العرقيات الأخرى والمثليون والمعاقون جسدياً والمتخلفون عقلياً والمتسولون - أي أكثر الشخصيات خفاءً عن أعين الناس. فكيف وجدتيهم؟

               لقد ذكرت سابقاً أني كنت أفكر منذ الطفولة بموضوع من يستطيع أن يحافظ على شخصيته بصورة أفضل في ظل ضغط السلطة. وتوصلت إلى اكتشاف صغير لكنه شخصي: إنهم الأشخاص الذين لا يسعون للنجاح. إما الذين يريدون أن يحققوا الانتصار في هذه الحياة فلا محال سيفقدون ملامحهم الشخصية. وأفضل من يستطيع الحفاظ على شخصيته هو المهمش، الشخص الذي لا يتغطرس للحصول على أفضل ألاماكن. ومن بين هؤلاء يبرز أبطال رواياتي مثل الممرضة ميديا التي لا تسعى للمناصب وترغب في البقاء في الظل لكنها لا تتنازل بأي شيء للسلطات ولا تخشى في اللحظات الحرجة في حياتها، بل تتصرف وفق ما يمليه عليها ضميرها. وزوج ميديا الذي لم يتمكن من بناء مستقبله لأنه، رغم كل أفكاره الثورية، يظهر انه لا يستطيع المشاركة في الإعدامات ويسقط مغشياً عليه - "بنيته الجسمية لم تتحمل ذلك!" إن من لا يملك ما يخاف فقدانه (مثل المتسولين والمعاقين) لا يخافون السلطة السوفيتية لأنهم فقدوا كل شيء. هذا حال أكثر المنبوذين. وأنا لا ابحث عنهم، حياتنا مليئة بهم.

 

         تظهر في الجزء الأخير من قصة "الخط المباشر" الشيشانية فيوليتا، وربما هي واحد من أكثر الصور الإيجابية النادرة للشيشانيين في الأدب الروسي المعاصر؟

               ربما كذلك. ودائماً ما يوجه لي اللوم لأني اكتب عن سنوات السبعينيات والثمانينيات وأتجاهل الواقع المعاصر. لكن ها هي الشيشانية تقع في دائرة الضوء. تماماً كما يجري ذلك في الحياة. ان اختلاف الناس يثير إعجابي جداً. وأتذكر عندما دخلت مترو نيويورك لأول مرة في حياتي كدت ابكي من الدهشة، وبدى لي إن الثقافة قد غيرت سماتها وكم بدت لي رائعة "بابل" هذه التي دائماً ما فهمناها على أنها خليط غير مشروع لشعوب مختلفة وعلى أنها رذيلة ثقافية. فالناس من شتى الألوان وبمختلف الملابس يحملون صحفاً بلغات شتى و يجمعهم إيقاع واحد... وعندما درست في الجامعة كان معي في الصف طلاب من مختلف الشعوب: كورية وأوسيتني ولتواني ناهيك عن الكوبي والفنزويلية. كنا نهتم بعضنا ببعض ولم تكن بيننا أي ظلال للعنصرية. بينما صارت روسيا اليوم بلداً عنصرياً يُكرَه فيه الزنوج والآسيويون والقوقازيون ناهيك عن اليهود. وهذه إدانة لنا أنفسنا.

 

          لنتحدث أيضاً عن المناقب الإنسانية. انك تعرضينها في تطور الحوادث: وهذه المناقب لا تنحصر بنضال بافل اليكسيفيتش ضد قوانين ستالين فحسب بل تبدو في قيام سونيتشكا بكوي غطاء السفرة وفي تحضير ميديا الطعام لأقاربها الكثيرين.

               يطيب لي جداً أن أكون مفهومة بصورة صحيحة. وهذا يعني أني تمكنت بعض الشيء من إعطاء الدرس الذي تعلمته من جدتي.

               أحببتها كثيراً، لكن مع العمر فهمت كيف يحترمها الجميع. فقد كانت شخصاً ذا مناقب يندر وجودها، لم اسمعها مرة رفعت صوتها على احد، ولم يجرؤ احد على رفع صوته عليها. إن شعورها بعزة النفس حملها على أن تتصرف بكرامة وهذا الأمر لم يكن محصوراً بتنفيذ التزاماتها بل تعداها إلى أن تقوم بتنفيذ هذه الالتزامات على أحسن وجه. أنا دائماً جزوعة ومهملة. وكانت جدتي تتعجب عندما تشاهد إهمالي وهذا سبب لي الإحراج فقد كانت جدتي تقوم في أيام الحرب بغسل غطاء المائدة الأبيض رغم إن عليها أن تجلب الماء من النهر وفي الشتاء. إنها أمنت بأن لا تنزل إلى مستوى الأكل على الجرائد. رغم انه لم يكن على المائدة سوى جريش الدخن. وضم جيل جدتي الكثير من هذه النماذج. إني لا أنساهم وأوجه خالص شكري لهم.

 

        ومع ذلك يتهمونك بأنك تعالجين "مواضيع سطحية"؟

               نعم. قيل ذلك عني. لكن توقفوا الآن عن ذلك بسبب ما. ولكي لا يكون هناك انطباع باني في روسيا لم أجد سوى النقد السلبي، يتوجب علي أن اذكر إن هناك مقالات نقدية إيجابية كثيرة قيلت بحقي إضافة إلى عدد النسخ العالي لنتاجاتي. فقد تجاوز مجمل نسخ كتبي ثلاثة ملايين نسخة. زد على ذلك القراء اللذين يهمهم ما اعمل.

 

       يبدو لي العكس هو الصحيح، فمن هذه المواضيع التي تسمى سطحية ينشأ موضوع كبير، اعني به موضوع الحياة اليومية للأسرة، بوصفها مسكناً وملجأ.

               بل اكبر من ذلك، العائلة بوصفها العالم، الكون. حتى ربما، إن مهنتي السابقة علمتني أن الفرد يرث كل الصفات من الأسرة إما عبر الكيمياء الحياتية والجينات الخاضعة بشكل أو أخر لقانون مندل أو عبر الإرث الاجتماعي الذي يأتي عن طريق العائلة وتأثيرها المعنوي عبر التربية.

  

          ترتبط فكرة العائلة عندك بالتقاليد والاستقامة، وبعدِّ العائلة المنقذ والضمان للحرية الداخلية؟

          تتعرض مؤسسة الأسرة والزوج إلى أزمة جدية. والأسرة بالنسبة لي مرتبطة بتقاليد معينة وتمثل الأسرة لي المُدافع الأول للطفل أمام الروابط الاجتماعية العدوانية وهي مصدر الإسناد والتحصين. لكن الحياة عادة ما تبدو لنا بصورة مغايرة تماماً. ويكفي أن ننظر إلى دور إصلاحيات الأحداث حتى نفهم ما تعنيه الأسرة السيئة. فاكثر من نصف الأطفال المودعين هناك بسبب ارتكاب جرائم جدية، بشكل أو أخر هم ضحايا أسرهم.

 

          قمتِ عدة مرات بوصف تاريخ إحدى العوائل طوال قرن تقريباً. لماذا تحتاجين مثل هذه الأفاق الكبيرة؟

               يتأصل الإنسان في العالم بالدرجة الأولى عن طريق الأسرة. ويعد انقطاع الأواصر الأسرية كارثة. إن الأسرة في روسيا، التي تجري فيها الحرب بلا انقطاع منذ الحملة اليابانية - الروسية في بداية القرن التاسع عشر، دائماً مهددة. ويشير تدمير الأسرة إلى تدمير العالم. الإنسان بدون الأسرة يتحول إلى وحش. إما الإنسان الذي يعيش وينمو في أسرة جيدة ومتحابة، هذا الإنسان يقيم أفضل العلاقات مع العالم المحيط به. العائلة نفسها هي نموذج للعالم. فالحكايات التي كان يقصها لي جدي من الكتاب المقدس كانت تبدو لي حكايات عائلتنا. وبهذا الشكل بالذات يتم بناء الإنسان في التاريخ وفي الثقافة.

 

        انك تمثلين ديانتين تقليديتين - هما اليهودية و المسيحية الأرثدوكسية. فماذا يعني لك ذلك بصفتكِ كاتبة؟

               سؤال صعب جداً جداً. أولاً، هذا مهم لي بوصفي إنسانة لا كاتبة فحسب. هذا الأمر يشبه تقريباً حالة الإنسان عندما تكون لديه مهنتين ... إنها إمكانية لمشاهدة العالم ليس من وجهة نظر واحدة بل من وجهتين.

               سابقاً كنت أتصور أني يجب أن اختار إحدى الديانتين. إما الآن بعد أن أصبحت في سن الكهولة لم يعد ذلك مهماً لي. ومع الزمن اكتشفت أشياءً جديدة، احدها البوذية. هذا الأمر مثمر بدوره جداً. فالديانات الإبراهيمية قاسية جداً. أرى اليوم إن الثقافة اليهودية - المسيحية ستربح كثيراً لو تعلمت من الشرق التسامح. العدوانية صفة للعالم المسيحي، فالاعتقاد المطلق بان الحقيقة واحدة لا يوجد غيرها وهي عندي في جيبي الخاص تؤدي إلى نتائج مرّة. هاك سؤال لا توجد له إجابة: كيف جاز أن تجري حوادث مثل الهولوكوست في ظل الحضارة المسيحية؟

               إضافة الى ذلك، يجب أن أسجل اعترافاً آخراً: فقد تركت الانشغال باللاهوت العقائدي تماماً. إني لا اهتم بالثالوث، والحمل الطاهر وحتى بالمسائل الأساسية وهل كان المخَلِّص إلهاً حقيقياً أم ابن الله أم معلماً عظيماً أم نبياً... الذي يهمني هو التصرف فقط. كيف يتعامل الشخص مع أقرباءه.  ولا يهمني حتى بماذا يفكر أثناء التصرف...

               لا يمكن تصور حجم القساوة في هذا العالم. ليس هناك ثمة دين يستطيع أن يغير شيئاً من الواقع.

  

        لنتحدث الآن عن حياتك بوصفكِ كاتبة في روسيا. النقد الغربي تعامل معك بلطف بينما النقد الروسي كان قاسياً معك؟ تحدث النقاد عن "النثر النسوي" و "الروايات النسوية العاطفية" وهلم جرّا. ذكر النقاد إن لغتك الروسية دقيقة وجميلة بينما المواضيع لم تلائم الذوق ...

               أتصور أن الاختلاف في تقييم أعمالي بين الغرب وروسيا يعكس الطبيعة المضادة للمرأة في القسم الرجولي للمجتمع الروسي أكثر من كونه مقياساً موضوعياً. وهذا لا يتعلق بطبيعة إبداعي بل بطبيعة مجتمعنا الذي يعاني من تناقض عميق. ان روسيا بتاريخها وتقاليدها هي بلد شرقي بالمعنى الذي تحتل فيه المرأة دائماً مكانة ثانوية في الحياة الاجتماعية. لكن، في الجانب الآخر، كانت ديموغرافيا السكان عندنا تشير إلى أن عدد النساء خلال القرن العشرين فاق عدد الرجال بكثير. حيث تحملت المرأة أعباء الصناعة الحربية و الزراعة إثناء الثورات والحروب التي لم تنقطع طوال القرن العشرين. وظل القادة دائماً من الرجال. لا يزال هذا الوضع قائماً حتى اليوم. إذ لا تضم قيادة البلاد إلا عدداً قليلاً من النساء، فنسبتهن في مجلس دوما الدولة لا تكاد تذكر وليس لهن تأثير على المجتمع. المنظمة النسوية الوحيدة التي لها ثقل وأهمية هي لجنة أمهات الجنود.

               ثقافتنا اليوم فيها الكثير من الأسماء النسوية اللامعة لكن، بلا شك، إن القسم الأكبر من الرسامين والكتاب والموسيقيين هم رجال، ربما، فقط في المجال الفني البحت (المسرح والسينما) يعمل الرجال والنساء على قدر من المساواة. إذ لم اسمع، على العموم، ولا مرّة إن احدهم قال: "مع انها امرأة لكنها فنانة جيدة!".

               أرى إن مستوى الثقافة في البلد اليوم يتحدد وفق درجة مشاركة المرأة في الحياة الاجتماعية. هذا الأمر يتعلق فقط بالبلدان الأوربية وأمريكا ولا ينطبق على العالم الإسلامي الذي يعيش وفق قوانين مختلفة تماماً، ولا أريد أن احكم على ذلك هل هو جيد أم سيء طالما أن ملايين الناس هناك راضين على مقاييس حضارتهم.

               اشعر أن سعي نقادنا إلى تقسيم الأدب إلى نسوى ورجالي - هو تمييز خفي غير مدرك. فالكتب السيئة التي ألفها رجال لا تقل عن عدد الكتب السيئة التي ألفتها نساء.

               غالباً ما يوجد الظل المهين حتى عندما يوجهون المديح لي فيقولون: أوليتسكايا كاتبة جيدة كأنها رجل!

               أستطيع، كوني متخصصة بعلم الوراثة سابقاً، أن اجزم أن كل ما يفعله الرجال والنساء إنما يفعلونه بطريقة مختلفة نوعاً ما: لأن هناك اختلاف في الفيزيولوجيا والخلفية الهرمونية والحالة النفسية. لكن الرجل والمرأة مدعون إلى أن يكونوا في هذا العالم شريكين، وأني على يقين إن المشاركة الواسعة للمرأة في جميع مجالات الحياة ستعمل على تخفيف حدة القساوة و تهدئة الروح العدائية وتغيير البرامج الاجتماعية لصالح الأطفال والطبقات الفقيرة في المجتمع.

         إني أحاول الكتابة، قدر الإمكان، كامرأة تملك وجهة نظر نسوية للعالم. ولا أحاول أن أجعل مؤلفاتي تبدو "رجالية". هناك عدد لا بأس به من الرجال من بين قرّائي (أشارت الإحصائيات إلى أن النساء يشكلن نسبة 70% من قرّائي).

               أحاول تجنب الاستعجال، أحاول أن أكون أمينة و مستقلة. و غير تابعة للنقد كذلك.

 

        حصلت في العام 2001 على جائزة البوكر. فماذا تعني بالنسبة لك؟

               أن منحي جائزة البوكر قد غيّر قبل كل شيء وضعي في السوق حيث ازداد مستوى بيع كتبي. وطبعاً كنت سعيدة جداً لاستلامي الجائزة. لكن الأهم بالنسبة لي هو وصول كتبي إلى القائمة القصيرة. هذا الذي يشهد على النوعية أكثر من الانتصار الذي يحصل مرة واحدة. لأن إثناء عملية السحب على أي جائزة توجد بعض الاعتبارات اللا أدبية. فمثلاً لم تحصل على الجائزة لودميلا بتروشيفسكايا على روايتها البارزة، التي دخلت القائمة القصيرة في 2005. بينما استحق الجائزة المذكورة كتاب لا يمكنني مقارنته ابداً برواية بتروشيفسكايا وفق أي من المقاييس. فرواية بتروشيفسكايا "الرقم واحد، أو في حدائق الامكانات الأخرى" ربما كانت صعبة جداً حتى بالنسبة لأعضاء لجنة التحكيم. واعتقد انه لو كان بالإمكان اليوم كتابة إعمال فنية بمستوى "المحاكمة" لكافكا أو "أوليس" لجويس لكان حظها قليلاً في الحصول على الجائزة. تعاني كل الجوائز الأدبية من الإفراط بالديمقراطية. ولهذا دائماً ما نجد حتى في اكثر لجان التحكيم صرامة شيئاً من عناصر سحبة اليانصيب.

               لهذا السبب لا يصيبني الغرور أبداً من جرّاء نجاحاتي. فالجوائز لا تعكس دائماً الوضع الحقيقي للأشياء في الأدب.

 

          الأفراد في رواياتك يقعون في الواجهة إما الحوادث السياسية والتاريخية فتقع في الخلفية دائماً، مثلاً في "حادثة ككُوتسكي" ما هو شخصي وأخلاقي أهم بكثير من سياسة ستالين؟

               الدولة هي طبقة خارج الإطار الأخلاقي. وضيفتها - الحماية والإدارة والتوزيع وهي قد تُنشئ فكراً لا أخلاقياً تماماً. وخير مثال على ذلك الدولة الفاشية في ألمانيا والشيوعية في الاتحاد السوفيتي. عندما يكون الفكر الاجتماعي لا أخلاقياً، يجابهه الإنسان منفرداً فقط. أن موضوعي هو التصادم بين الإنسان والدولة فعندما يقف الإنسان بوجه الأخلاق الاجتماعية للزمان والمكان المُعَيَّنَين، إنما يحقق بذلك تصوره عن الحرية والضمير والأخلاق. والدكتور كُكوتسكي هو احد أولئك الناس اللذين لم يستطيعوا مهادنة ما كانوا يرونه غير عادلاً. والشر الذي اصطدم به لم يكن له شكلاً معيناً، لكن موقفه كان شخصياً جداً وربما خاطئاً.

 

        انك تناقشين بصورة معمقة موضوعة الإجهاض بوصفها مسألة أخلاقية لكن يبدو أن ليس لها جواب؟

               ليس لدي شخصياً أي جواب. إننا نرى في البلدان الفقيرة التي ليس فيها وسائل منع الحمل أو الإجهاض، كيف تلد النساء أطفالاً، نصفهم تقريباً يموتون في المهد من الجوع والأمراض، مثلاً، في الهند. إني لا أتصور إن الإجهاض أكثر شراً من معاناة الطفل الذي قدر له أن يموت من الجوع. أن الدكتور كُكوتسكي بطل روايتي يتصادم دائماً مع مثل هذا الوضع عندما أجرت نساء عمليات إجهاض غير قانونية وتوفين من جرّاءها بعد أن تركن خلفهن أطفالهن الأحياء أيتاماً. لهذا كان يرى أن الإجهاض يجب أن يسمح به.

               ما هو اعتقادي الشخصي بهذا الخصوص؟ الإجهاض - هو كارثة كبيرة للمرأة وهو صدمة عميقة ومعاناة أخلاقية ثقيلة. إني أرى، بغض النظر عن هذا، إن القرار يجب أن تتخذه المرأة نفسها لا بابا روما ولا ستالين. ولو لأن بابا روما هو رجل وراهب إما ستالين فلا يمثل بالنسبة لي نموذجاً في مجال الأخلاق. وأشدد هنا على أن الحياة الإنسانية لكل فرد تساوي الحياة الأخرى لا أغلى منها ولا ارخص.

  

       هل تستطيعين أن تذكري لنا كيف أثرت على عملك التغييرات الاجتماعية في السنين العشر الأخيرة؟

               ربما لم يكن لها أي تأثير.

 

        إني أرى تغييراً واحداً في رواية "المخلص شوريك" انك صرت تكتبين عن الإثارة الجنسية بطريقة مغايرة ...

               يجب أن نأخذ بعين الاعتبار ان هذه الرواية بدأتُ كتابتها قبل كتبي الكبيرة جميعها. ترجع أولى الكتابات المرتبطة بـ "شورك" إلى بداية الثمانينيات، عندما لم أكن قد تناولت بعد "ميديا". كتبت هذه الرواية طوال عشرين سنة مع بعض الانقطاعات. واعتقد أني قد تغيّرت وكذلك تعلقي بالموضوع تغيّر خلال هذه السنوات. لا اعرف ما يحل بالمؤلفين الآخرين لكني تغيّرني الكتب التي أألفها. حتى يبدو لي أني انضج قليلاً خلال سير العمل...

 

       كيف تريدين إن يدعونك - كاتباً نسوياً، أم كاتبة أم كاتباً فقط؟

               اعتقد انه يجب اعتماد قوانين اللغة التي نعايشها. طالما أن اللغة الروسية تحتوي على كلمة "كاتبة" فليدعوني كاتبة. ولو أتمنى أن يكون الفرق في القواعد فقط.

 

         ما الذي يفرحكَ اليوم في الأدب الروسي؟

               العجيب أن أرى في الأدب بالذات مظاهر الموهبة والحرية. نشاهد في ظل ظروف الحياة الحالية ظهور الرقابة الحكومية من جديد في التلفزيون وفي وسائل الأعلام الجماهيري الأخرى. إما الأدب فلا يزال غير خاضع للرقابة وهو متنوع جداً ويتشكل وفق ما يريد الكتاب. ابتداءً من الحوادث الكبيرة كما في كتاب "ابيض على اسود" لروبين غاليغو إلى رواية  "الرقم واحد، او في حدائق الإمكانات الأخرى" للودميلا بتروشيفسكايا. ودائماً ما يظهر كتّاب جدد شباب واضحين. أظن إن كل شيء في الأدب على ما يرام.

 

         رواياتك الأخيرة "المترجم دانيال شتاين" تتميز عما كتبتيه سابقاً بالموضوع وبالتركيبة. فما الذي جرى؟       

               لم أكن أبداً مهتمة بالشكل خاصة، والقصة هي التي تختار أسلوب الحوار. إما في حالة "المترجم" فقد جرى الاختيار بصورة عشوائية وبصعوبة. ان الكتاب الحالي هو الصيغة الثالثة. فقد رفضت الصيغتين الأوليتين. حاولت منذ البداية أن اكتب كتاباً وثائقياً. احد الكتب عن روفايزين وهو نموذج لبطل روايتي موجود باللغة الإنكليزية، والكتاب الثاني صغير جداً، تقريباً كراس وهو باللغة الألمانية. وكلاهما لم يكن مُرضياً لي أبداً وكنت أرى أنهما ينقصهما أكثر الأشياء جوهريةً. تنقصهما البطولة، والبطولة ليست في زمن الحرب فقط بل بطولة الكاهن في حياته الروحية. حيث إن رفضه للكثير من الأشياء المستحكمة في الممارسات الكنسية وفي التفكير الكنسي يعتبر كذلك بطولياً. هذا أكثر ما جذبني.

               بدت لي المادة الوثائقية صعبة جداً ولم أتمكن من التعامل معها ولم أتمكن من إيجاد نبرة يعول عليها. وسهل الأمر علي فقط بعدما تخليت عن الوثائقية الدقيقة وأعطيت للبطل اسماً جديداً وأضفت في الكتاب أبطالاً جُدُداً. كان عندي الكثير من الوثائق بما في ذلك خطابات دانيال روفايزين التي استخدمتها، ووثائق تركتها أحدى الشيوعيات البولونيات. واختلقت أشياءً أخرى. قرأت الكثير جداً وكثيراً ما استشرت مختلف الناس. وهكذا تكون الكتاب. كان تجميع الوثائق مسألة صعبة تشبه عمل المخرج السينمائي.

               كنت أود أن حضور المؤلف يكون محدوداً جداً والأفضل أن لا يحضر البتة. لكن ظهر أن هذا غير ممكن، آنذاك ظهرت الرسائل الموجهة إلى يلينا كوستوكوفيتش لتكون نوعاً من التعليقات على هذا العمل كله. الكتاب يضم خمس رسائل، بينما مراسلاتنا في تلك الفترة تتكون من تسعمائة رسالة. وبالمناسبة هذا يعكس كذلك الفعالية العامة لهذا الكتاب. اعتقد إن كل ورقة مكتوبة تحتاج إلى مئتي وثيقة مقرؤه ومدروسة ومكتوبة . انه عمل صعب جداً. لا يمكنني الآن تصور كيف أتممته.

 

د. تحسين رزاق عزيز


التعليقات




5000