..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


حوار مع الكاتب الروسي ميخائيل شيشكين

د. تحسين رزاق عزيز

       ولد مخائيل بافلوفيتششيشكين في موسكو في 18كانون الثاني من  عام1961. عمل مدرسا في احدى المدارس ومن ثم صحفيا ومترجما.

حصل الكاتب، بعد نشر أول رواية له «ليلة واحدة بانتظار الجميع» في مجلة «الراية» عام 1993، على جائزة أفضل باكورة لعام1993، التي تمنحها المجلة.

      بدأ شيشكين نشر أعماله اللاحقة في هذه المجلة بالذات «اسر إسماعيل» 1999،  و«شعر فينوس» (2005 ).

      استوطن في سويسرا منذ عام 1995، لأسباب عائلية، حيث صار يعمل مترجما في دائرة الهجرة.

      حصلت روايته «اسر إسماعيل» على جائزة البوكر الروسي لأفضل رواية روسية لعام2000.

   حصل الكاتب في باريس على جائزة أفضل كتاب أجنبي للعام 2005 صنف «المقالة» على الترجمة الفرنسية لكتاب «مونتريو- ميسولونغي- استابوفو»:على خطى بايرون وتولستوي، المنشور في البداية في نفس السنة باللغة الألمانية.

 

        حصل في عام 2005 على جائزة «الكتاب الوطني الأكثر مبيعا» على رواية «شعر فينوس»، وفي عام2006 على جائزة «الكتاب الكبير». ثم في السنة نفسها اخرج روايته «شعر فينوس» على مسرح فومينكو في موسكو.

         من أين جاء اهتمامك بالأدب؟ وما هو الدور الذي لعبته في ذلك المدرسة والعائلة - لاسيما أن أمك مدرسة لمادة الأدب الروسي؟

         أدّى الأدب آنذاك دورا آخرا تماما. فابني السويسري الذي عمره الآن عشر سنوات لا يقرأ لا باللغة الألمانية ولا بالروسية. اعني انه لا يقرا دائماً وكثيرا كما كنت افعل في عمره. رغم انه يستطيع القراءة باللغة الروسية واللغة الألمانية بصورة رائعة. لأنه ليس بحاجة لذلك. عندما كان عمري عشر سنوات كنا نعيش في (كيس من الجلد). ولم تكن لدينا طريقة أخرى للحصول على المعلومات الثقافية لأننا معزولون عن العالم وعن ماضينا وكنا مجبرين على التنفس فقط من ذلك (الهواء السوفيتي)الخانق. لم يكن لدينا أي شيء إنساني عدا الكتب، أي تلفزيون وراديو كان آنذاك؟ أي أننا نحصل على المعلومات الثقافية كلها عن طريق الكلمة المطبوعة. نعم كانت والدتي تُدَرّس اللغة الروسية والأدب لكني اعتقد أن ذلك لم يؤثر علي. إن من اثر علي هو أخي الكبير الذي كان يجلب إلى البيت الكتب الممنوعة. أحدثت الكتب الحيوية ثغرة في جدار ذلك العالم المنغلق. وهكذا جذبتني موجة الثقافة الحقيقية لا السوفيتية. وسرعان ما ظهر صراع داخل الأسرة لان أمي كانت عضوا في الحزب ومديرة مدرسة. وقد خافت علينا. إني الآن أتفهم موقفها. لكني لم افهمه آنذاك. صار عمر أخي ثماني عشرة سنة. وجاءت الانتخابات الأولى بالنسبة له، وكان يراها اختباراً له هل يبيع روحه للشيطان. فلم يذهب إلى الانتخابات، وجاءوا إليه من القاطع الانتخابي فاحدث فضيحة. إنها السبعينيات. مسكينة أمي ماذا تفعل فقد وقفت إلى جانب أخي مدافعة عنه. انك لا تخاف شيئا في عمر المراهقة والشباب لأنك لم تعرف بعد الخوف الحقيقي. الخوف على الأولاد. وهكذا صار أخي المنتفض وأصدقائه وكتبه بالنسبة لي أهم من مقررات الأدب في المدرسة. وبدا لي الفتى المبثور الوجه وأصدقائه آلهة. كنت اجلس صامتا في الزاوية وأصغي إلى الأحاديث الحرة الذكية. وهكذا عرفت الأسماء التي ما كنت سأعرفها عن طريق أدب المدرسة.

 

مثلا؟

برودسكيونابوكوفماندلشتام، وصلتني نصوصهم عن طريق أخي. هذه هي البداية. قلت أن الأدب أدى آنذاك دورا آخرا تماما: فلو لم تكن هذه الثغرات موجودة وهذه الإمكانيات للتنفيس عن طريق الكتب واستنشاق الهواء الآخر عن طريق الحروف لعشنا بذّلة. العيش في الاتحاد السوفيتي كان مذلاً. كانت قراءة الكتب الممنوعة هي الفرصة الوحيدة لإيجاد المتنفس الذي لا تذلك فيه كل كلمة بل على العكس تسمو بك. وهو أسلوب للحفاظ على الكرامة الإنسانية. رغم أني بدأت الكتابة، طبعا، قبل ذلك بكثير. ربما يجب أن نميز هنا كيف يصبح الإنسان كاتبا هل بادراك منه أم لا؟ في مرحلة النضوج لا يمكن للإنسان الاعتيادي أن يكون كاتبا مالم يكن مجنونا. لأن عليه التفكير بالعائلة وبالمكسب. وللحصول على المال هناك طرق مستقيمة أكثر من الكتابة. أما في مرحلة الطفولة فلا تطرح على نفسك مثل هذه الأسئلة، تأخذ ورقة وتكتب: (رواية). روايتي الأولى كتبتها في سن التاسعة - أتذكر ذلك جيدا. وقد وصفت ذلك في رواية "اسر إسماعيل". وبإمكانك إيجاد ذلك المشهد إذ أني اصف فيه الواقع بصورة حرفية: فقد أخذت في المنزل الصيفي دفتراً مدرسياً وكتبت رواية. كانت عبارة عن صفحة واحدة لكن ما الفرق في ذلك؟ ثم بعد كتابة الرواية تحتاج إلى قارئ. لم تطالعها جدتي التي درست ثلاثة صفوف في مدرسة دينية، وانتظرت عودة أمي من العمل. جاءت والدتي فقلت لها: "ماما هاكِ لقد كتبت رواية!" أخذت تقرا وشاهدت كيف تجهمت وصارت جدية وغير راضية. وإذا ما تجهمت أمي فإنها بنظرة واحدة تستطيع أن تروض صفا مشاغبا. فقالت لي بنبرة عدم رضا جدية: "يا ميشا، يجب أن تكتب عن الأشياء التي تفهمها!" ربما، كانت تتوقع أن تكون الرواية حول الهنود الحمر أو الخيال العلمي - أو عن القادمين من الكواكب الأخرى والمغامرات. بينما هذه الرواية عن الطلاق لأن أمي وأبي كانا في حالة طلاق دائم. وهكذا وصفت ما كان ماثلاً أمامي. وما زالت موضوعة الأسرة، منذ ذلك الحين، تحتل كل كتبي ودائما ما كنت اكتب عن تلك الأشياء التي لا افهمها.

 

لكن رغم النقد السلبي الذي وجهته لك والدتك، يبدو طريقك نحو الأدب مباشرا بصورة غير اعتيادية: فقد أكملت تعليمك ليس في مجال الهندسة بل في مجال اللغة والأدب، وقد تمت ملاحظتك وتقييمك بوصفك كاتباً منذ البداية. فهل حدث ذلك حقا؟

لا أرى أن طريقي نحو الأدب مباشرا. فقد كنت دائما ما اكتب ولكني اخترت بوعي أن اكتب أشياء لا يمكن نشرها في ذلك العالم. وكان طريقي مباشراً نحو الأدب وفق هذا المعنى بالفعل لأني تخليت بسهولة عن شروط اللعبة وقواعدها التي لا أريد تبنيها. ولم يتمكن الأدب الرسمي من تلبية احتياجاتي بأي صورة. خاصة من ناحية الأسلوب. وحتى بعض الأشياء الممنوعة التي كان عندي حافزا قوياً لقراءتها، اصطدمت بعد قراءتها بالأسلوب غير المستساغ وتوقفت عن ذلك. جلبوا لي ذات ليلة، على سبيل المثال، (مغامرات تشونكين) لغونوفتش، التي أعجبت الجميع، وقرأتها لأنها ممنوعة، لكنها لم تثر إعجابي لان صياغتها وفق الأسلوب السوفيتي الذي لا أستسيغه. فقد كانت من الصنف السوفيتي الشمولي بلحمه ودمه لكن مقلوبا رأسا على عقب ومتخذا أسلوبا خاصا به في التعبير. كان العمل مع الأسلوب ومع الكلمة ومحاولة إيجاد ما هو جديد ومهم عن طريق الكلمة يمثل بالنسبة لي، منذ البداية، ضرورة من ضروريات الحياة. فقد قرأت وأنا بعمر ست عشرة سنة رواية "مدرسة الحمقى" لساشاسوكولوف المنشورة للتو آنذاك في الولايات المتحدة والتي وصلت إلى روسيا بطرق لا يمكن فهمها الآن، وقد تركت لدي انطباعا رهيبا. تصوري أن إنسان يعيش في عالم الكذب السوفيتي المقرف، ويمثل الأدب والكُتَّاب الشيء الوحيد الرباني الحقيقي المتبقي له. لكن أولئك الآلهة عاشوا منذ فترة بعيدة جدا، كما هو مفترض للآلهة. أما الكتب التي يؤلفها المعاصرون والتي تعرض على رفوف مخازن بيع الكتب والمكتبات فإنها بلا روح وخالية مما هو مقدس ورباني. ثم فجأة يظهر كتاب يدلك على الطريق ويقول: كلا إن الكلمة لا تزال حية وبالإمكان عن طريق الكلمة الحية إيجاد ما هو مهم وحقيقي. كنت اكتب دائما وبلا أمل من إمكانية النشر في هذه البلاد. ربما يمكنني ذلك في وقت ما وفي مكان ما في الغرب إذا ما كتبت شيئا جديرا بالنشر، هذه الفكرة كثيرا ما دارت في راسي لكنها ليست الفكرة الرئيسية، الأهم بالنسبة لي هو أن اكتب شيئا جديدا مغايراً. وان أكون راضيا عما اكتبه وان اعتقد باني تمكنت من قول شيئا خاصا. وطبعا لم أكن راضيا عن كل ما كتبته. فقد الفت الرواية الأولى ولم تعجبني فأبعدتها عني. وأول مرة شعرت بها أني وجدت ما ابحث عنه، عندما الفت قصة "درس الخط". فقد كتبتها في حدود عام1989 او1990. لم تكن لدي قبل البريسترويكا (إعادة البناء) أي أفكار حول النشر. وهنا صار الأمر صعبا فقد اصطف بطابور طويل كل المؤلفين الذين لم يطبعوا نتاجاتهم على مدى سبعين سنة من السلطة السوفيتية. إن قياس قصتي مع نتاجاتهم كان يبدو تافها ومضحكا، فلم افعل ذلك. بلانتظرت على أمل أن يأتي الدور في وقت ما إلى قصتي (درس الخط). وقد أتى الدور وتم النشر في عام1993، ربما، هذا الأمر منطقي لأنه تم طبع القسم الأكبر مما لم ينشر سابقاً، ومن جديد توجهت أنضار المجلات الكبيرة الحجم إلى الأدب المعاصر وصاروا يبحثون عن أسماء جديدة.

 

        وهكذا حصلت روايتك الأولى على جائزة مجلة "الراية" بوصفها أفضل باكورة أدبية.

       نعم، آنذاك أعلنت "الراية" الجائزة لأفضل باكورة لتلك السنة. وقد منحوني الجائزة على قصة "درس الخط" وعلى الرواية الأولى "مذكرات لاريونوف" التي نشرت في المجلة تحت اسم آخر - مع سطر من هوراسيوس (الشاعر اللاتيني - المترجم) "ليلة واحدة بانتظار الجميع".

 

       ثم حزتَ ثلاث جوائز أدبية قيمة: على الرواية الثانية "اسر إسماعيل" حصلت على البوكر الروسي، وعلى الرواية الثالثة "شعر فينوس" حصلت على جائزتين هما: جائزة "الكتاب الوطني الأكثر مبيعا" وجائزة "الكتاب الكبير". هل ساعدك هذا الاعتراف على الاستمرار بتعزيز أسلوبك الخاص المتميز بالكتابة؟

فيما يخص الاعتراف وهل ساعدني أم لا- فهذا سؤال صعب. إني بصراحة لم أفكر بذلك. ربما كنت سأكتب بالطريقة والكيفية نفسها حتى لو لم احصل على أية جائزة. وكما يبدو أن كل نص يصدر لي يحصل على جائزة، مع أني اكتب "بلا احتراف" تماما وبصورة قليلة، رواية واحدة كل خمس أو ست سنوات. إني لا أتنازل إلى الحلول الوسط ولا اجعل النص سهل القراءة ولا اركض خلف الاعتراف ناهيك عن الركض خلف الجوائز. ففي كل مرة عندما انهي كتابة رواية وأرسلها إلى مجلة (الراية) أتصور أنهم سوف لن يقبلوها. لأني أسير عكس التيار. إن العامل الموجه الأساسي في الأدب الروسي المعاصر هو عامل السهولة وقابلية النص على أن يُقرأ بسهولة ومن قبل الجميع و"ظاهرة أكونين". إذ أن نجمة الدلالة للأدب الروسي هذه الأيام هو أكونين ببساطته وسهولة فهمه. أنا جدا أحب واقدر بوريس أكونينوغريغوريتشخارتيشفيلي، لكني أسير باتجاه آخر. وكل مرة تصدر فيها كتبي وتحصل على جوائز تكون مفاجأة غير متوقعة بالنسبة لي وبالطبع هذه المفاجأة سعيدة. لكن هل ساعدني هذا الاعتراف كما تقولين؟...اعتقد انه ساعدني لأنك عندما تحصل على جائزة تتصور أن الحصول عليها مهم جداً، ويبدو لك أنها ستحل بعض المشاكل وتساعدك ماديا وتساعدك في النشر. وهكذا مهم أن تحصل على جائزة لكي تتحرر من هذا التصور لأنك ترى أن لا شيء يتغير في الواقع. النصوص التي كتبتها تبقى هي نصوصك.

 

وطالما أن جميع كتبك حصلت على جوائز فإنك أصبحت حرا تماما...

         ربما يمكننا قول ذلك. ولكن يجب أن تحصل على جائزة لكي تفهم انك ربما لا تحصل على جائزة.

 

         وبما انك تحدثت عن أكونين، أقول لك إن الكثير من النقاد، وليس الجمهور العريض فقط، يرون أن أعمالك لا تقرأ بسهولة. كتب احد النقاد عن روايتك "اسر إسماعيل" انه قضى تسعة أيام عمل كاملة بقراءة أول خمسين صفحة... وقال آخر انك "كعبة الميالين لسفسطة الكلمات" والثالث قال بصراحة: "سوف لن اقرأ لشيشكين..." هل تثير أغضبتك مثل هذه الملاحظات؟

         كان يهمني في أول الأمر وأنا شاب ما يُكتب عني. وتصورت آنذاك أن بعض الأذكياء الذين يفهمون في الأدب يقولون أشياء مهمة وتتعلق بهذه الأشياء المهمة الذكية أمور في الأدب. ولكن مع الزمن والخبرة وإصدارك للكتب تفهم أن النقاد لا يمتون للأدب بأي علاقة مطلقاً. وكل ما يقولونه لا يصف النص بل يصفهم شخصيا. استقبل النقاد رواية "شعر فينوس" بانتقاد عنيف. إني أحاول أن لا اقرأ ما يكتبه النقاد لاحقا. ولكن إذا ما قرأت وحاولت فهم لماذا هجموا هكذا على كتابي سرعان ما تنكشف لي أشياء مهمة. فقد ظهرت، في سبيل المثال، في مجلة (العالم الجديد) مقالة هجومية كتبها يليسييف. ولم يكن غضبه موجها نحو الشكل الفني للنص، بل كان أناثيما (لعنة دينية) فهو يقول أن الكاتب الذي يعيش في الخارج ليس له الحق الأخلاقي بالكتابة عن روسيا. ألا تفهمين ما يقول؟ عندما يجري الكلام بهذا المستوى فانه لا يمت إلى الأدب بأية صلة. وعندما يصرِّح النقاد بأنهم سوف لن يقوموا بقراءة هذا الكتاب لأنه صعب، ثم ترى أن هذا الكتاب نفسه يتصدر قائمة أكثر الكتب مبيعا في مخازن بيع الكتب في موسكو أسوة بدين براون وكويلو، ثم تصدر ثلاث طبعات متتالية لأن النسخ تباع باللحظة، ففي هذه الحالة لا يهمني بماذا يفكر النقاد.

 

 

         لكن أولئك النقاد أنفسهم يؤكدون أن رواياتك ليست أفضل المبيعات بل أنها تحف فنية لا يمكن نفادها بنسخ كثيرة. وأنت نفسك قلت: "إن سبب الاهتمام بنصوص نتاجاتي يكمن في كوني من خلالها أعيد للقارئ الروسي كرامته". فماذا تقصد بذلك؟

إذا افترض الناقد أن مقياس قيمة الكتاب هو سهولة قراءته، فإن هذا الناقد ليس له وجود عندي أبدا. وهو لا يفهم أي شيء في الأدب. هنالك طرفة أدبية معروفة: قالت إحدى القارئات لجويس: "هل تعلم كم كان صعبا علي أن اقرأ النص؟!" فأجابها جويس: "هل تعلمين كم كان صعبا علي أن اكتبه!".

         إن مقياس السهولة والصعوبة في القراءة - هو مقياس باعة الكتب ضيقي الأفق. بينما نحن نتحدث عن مستوى رفيع من الأدب بحيث لا تتطلب من القارئ مستوى معين من الإعداد فحسب بل نُشركه في الإبداع. إن الكاتب يشرك القارئ في تكوين عالم جديد غير موجود سابقا. وستتعلق صورة هذا العالم بالقارئ مثلما هي متعلقة بالكاتب بالدرجة نفسها.

فإذا لم تكن قد تعرفت على الأدب العالمي ولم تقرا عددا معينا من الكتب المهمة والأساسية التي تجعل من الإنسانية إنسانية بمعنى الكلمة، فانك لن تستطيع الحصول على المتعة من الكتاب الذي يتطلب منك هذه المعارف الأساسية. ولن تتمكن من الإحساس بالسعادة من مشاركة المؤلف بإبداعه.

           إني احصل على السعادة من نظم الكلمات. ولا اشك بوجود العدد الكافي من الناس الأذكياء والمتعلمين وحسني التربية وذوي الإحساس المرهف والمهتمين بالأدب، الذين يقاسمونني السعادة التي تمنحها الكلمات. أما كم سيكون مجموع النسخ - فهذا حديث آخر.

          لماذا يجري الكلام دائما عن عدد النسخ؟ لان الأدب في روسيا تحول إلى وسيلة لكسب المال. وتغيرت المقاييس في وعي المجتمع: فإذا كان عدد النسخ عندك كبيرا - فانك كاتب جيد، أما إذا كان العدد المباع من كتبك قليلا فهذا يعني أن ما تكتبه رديء لا يرقى إلى الأدب الجيد وانك كاتب لا يُعتد به ولا تستطيع إمتاع الجمهور. إن هذه المقاييس لا تروق لي.

 

          أريد أن أوجه لك سؤالا آخرا- عن إعادة الكرامة للقارئ الروسي. ماذا كنت تعني بقولك هذا؟ 

أردت أن أقول من خلال هذه العبارة: إن البلاد التي كانت فيها القراءة الطريقة الوحيدة للحفاظ على الكرامة الإنسانية، لاحظنا فيها على مدى حياة جيل كامل كيف تغيرت صورة القيم. وأصبح للناس إيمان جديد- هو الإيمان بالمال. وصار الكل يلهث وراء المال. إني لا أتحدث عن إدانة ذلك، بل أثبته كحقيقة. يجب كسب المال من اجل العائلة والأطفال. هذا تصرف إنساني مفهوم. وهكذا صار الكتّاب كذلك يسعون لكسب المال بأقلامهم. وجرى الإغراء بأفضل الكتب مبيعا. وأصبح لدينا انطباع وكأنهم تآمروا بصورة غير معلنة فيما بينهم ضد القارئ بهدف الهبوط بالنوعية- وكلما تهبط بالنوعية كلما كثر قراءك.

         انه تآمر الكاتب مع بائع الكتب على القارئ. فالقارئ الاعتيادي لم يختفِ ولم يتبخر، انه يأتي إلى مخزن بيع الكتب ويريد إيجاد الكتاب الذي يكون بانتظاره شخصياً والذي يتجاوب مع مستواه ويلبي متطلباته الصارمة. ويحصل بدل الكتاب المنشود على نص منضد للحمقى. وهذا ما يعرضه للإهانة. إن مثل هذا القارئ ينتظر علاقة أخرى به، وهو لا يريد أن يعد أحمقا ولا يريد أن تستدعيه الأشياء الفاحشة على أغلفة الكتب.

 

تمتزج في رواياتك العصور والشعوب والقوى الاجتماعية والشخصيات والأصول التاريخية والحوادث المعروفة للجميع والأقدار الشخصية، وكذلك تمتزج مقاطع من حياة الغرباء مع ذكريات المؤلف... ربما نستطيع القول أن هذه الروايات تتحدث عن كل شيء وهي محاولة لتكوين واقع كامل. لماذا أنت مهتم هكذا بتناول الأمور بهذه الطريقة الموسعة؟

          هذا السؤال حول حجم النص. لماذا بعضهم يكتب قصصا قصيرة والبعض الآخر يكتب روايات طويلة؟ فكل كاتب قبل أن يأخذ القلم بيده، أو الأصح قبل أن يجلس خلف الكومبيوتر, يجب أن يعرف الحجم الذي سيكتب به. وكقاعدة يحدد الطلب الحجم عند الكتاب المحترفين (الاعتياديين). فلو كنت تكتب بطلب من مجله لامعة- يجب أن تكتب عدداً معيناً من آلاف العلامات. أما لو كتبت بطلب من إحدى دور النشر - فسينتظر منك كتابة عدد قياسي محدد من الصفحات المطبوعة لا يزيد ولا يقل. ولكني لا اكتب بطلب من احد. اكتب لكي أواجه بشيء ما ذلك العالم الذي أعيش فيه . فلو كان هذا العالم كبيرا ومليئا بالتنافر, يجب علي أن أقابله بشيء ما كبير ومتناسق.

        هذا يشبه الزورق. فلو وضعنا العالم الحقيقي والموت على احد جانبيه ولم نوازنه بشيء, فانه سيميل إلى احد الجانبين وينقلب. إذن لكي لا ينقلب الزورق علينا أن نوازنه بالعالم الآخر الخالي من الموت.

       إن كاتباً عبقرياً مثل بونين يستطيع أن يجعل ذلك كله في قصة قصيرة بحجم صفحه واحدة. أما أنا فلست عبقريا لهذا تنتج عندي روايات طويلة أحاول أن أُدخل فيها كل شيء حتى الخلود كذلك.

 

          لديك تركيبه خاصة في الرواية. إذ أن نصوصك تُقرأ وكأنها لقاء متعدد الأصوات لشخصيات كثيرة بنغمات مختلفة وبكلام متنوع. إنهم يقصون حكاياتهم ولكن دائما ما يقاطع بعضهم بعضاً. ربما، إن المقطعية هذه لا تمثل فقط لعبة ما بعد الحداثة؟

         اعتقد أن المسالة ليست لعبة أو أساليب كتابة أو عدم تكامل بالنص ومقطعية إنها أعمق من ذلك بكثير. إن تشكيل نماذج إنسانية يوهم بأننا مختلفون. لكن تميزنا عن بعضنا البعض شبيه بمقارنة البحر مع الزبد والرجراج الخفيف والأمواج على سطح المحيط. أما ما يوحدنا فهو هذا العمق الإنساني السحيق. فيجب علي أن امسح هذه الطبقة السطحية واخرج هذا العمق. واني أكوِّن نماذجاً إنسانية مختلفة من أزمان مختلفة لكي أقول إن اختلافهم وغرابتهم ما هو إلا وهم. فقد حاولت في "شعر فينوس" أن أقول أن هذه الأصوات البشرية المختلفة كلها تجتمع في نهاية المطاف وتتوحد في نموذجين- نسوي ورجالي: دافنيس وخلويا، تريستانوايزولدا، هو وهي، الرجل والمرأة. والحب هو كل ما يوحدنا. هذا ما يهمني. لا عدم التكامل والمقطعية، بل على العكس الوحدة المتجانسة لكل شيء مع كل شيء.

 

          تعني بذلك عن طريق المقاطع التي توحّد. وتحدثت عن الأعماق المشتركة لنا جميعا. ولكن رغم ذلك في "اسر إسماعيل" نلاحظ عمق الحياة هذا بصيغته الروسية. وتبدو هذه الحياة الروسية سواء على السطح أو في العمق بالغالب قساوة وحشية ومعاناة إنسانية؟ أنا شخصيا أتذكر صفحات عن الحياة الخالية من الأمل والذليلة لأحد العاملين في مجال الثقافة في احد الأرياف المنسية. وعندما قرأت هذه الصفحات السود بدا لي أن الحياة الروسية بعد الثورة ليست حياة بل معاناة غيبية.

          أرى أن رواية "اسر إسماعيل" لا تتحدث عن المعاناة بل عن قهر المعاناة. واسر إسماعيل بالمعنى المجازي هو اسر الحياة. يقول الأب للبطل: "يا ميشا، يجب أن يتم الاستيلاء على هذه الحياة وكأنها قلعة". فقد وجدت نفسي في العالم، وكان هذا العالم هو روسيا. وكانت هذه البلاد عالمنا. وبعد أن تصطدم بواقعها وماضيها تفهم انك تحب هذا الوطن البشع، ويجب أن تقبل هذه الحياة الروسية كما هي. لكن كيف تقبلها وكيف تستولي على هذه القلعة، هذا ما تتحدث عنه الرواية. إن التغلب على صعوبات الحياة يتم عن طريقين هما: ولادة الطفل وتجميع المجموعات. والبطل يقوم بتجميع الكلمات أي انه يحول تلك الحياة إلى كلمات إلى فن ويعطيها معنى سامياً.

          أوجه لنفسي أسئلة عادة ما تتكرر مع كل كتاب جديد لي! ماذا افعل؟ ما هو النثر؟ ماهي الغاية من الفن؟ الفن (ولا يهم أن يكون كلمات أو ألوان أو أصوات) هو كل ما يأخذ هذا الواقع البشع الذي يسمر فيه الإنسان بالمسامير إلى الصليب، وما يأخذ هذا الدم والألم والفظائع التي هي في الواقع كريهة ولا معنى لها ويحولها إلى شيء رائع. الفن هو ما فعله الكاتب شالاموف في "قصص المهر" عندما حول بمساعدة الكلمات تجربة المهر المرعبة إلى معاناة سامية والى ارتباط بالله. فالفن والجمال والروعة بالنسبة لي هي الصيغة المفهومة لنا لوجود الله.

 

        هنالك، طبعا، قضية المستويات المختلفة أيضاً. لكنك تقول أن روسيا هي "البلد الذي جعله الناس جحيماً، هي البلد الذي كان فيه الجميع طوال الوقت يسيرون وفق قانون واحد هو: الأقوى هو المحق". ويقتبس الناقد اندريهنيمزير قول إحدى بطلاتك: "لا يمكن العيش في هذا البلد" ويضيف: "هذا الاعتراف الشديد هو لمهاجري التسعينيات".فما هو ردك على ذلك؟

الحقيقة أن هذا لا يصف الرواية بقدر ما يصف إلى أين وصلت روسيا في التسعينيات. وعندما ظهرت روايتي الأولى كان أفضل نقد لها هو لأندريه نيمزير في مقالته الكبيرة التي تحمل عنوان "لم يحل المساء بعد" المنشورة في "الصحيفة المستقلة". وقد عنى بها أن الأدب الروسي لم يمت وسيكون للأدب الروسي مستقبل عظيم لو ظهر مثل هؤلاء الكتاب. ثم يحدث ما هو خطير: فبدلاً عن الانفتاح على العالم والاتحاد معه، تسير روسيا في السنوات الأخيرة عكس التيار. إنها روسيا المتصفة بالشوفينية وجنون العظمة من جديد، والتي تعاني من عقدة النقص المفترضة. وكما هو الحال دائما تحسب من جديد أن الجميع حولها أعداء. والغرب وأمريكا هم الأعداء الرئيسيون  وصار النظر إلى العالم من خلال زاوية المراقبة الروسية. وان من ليس معنا فهو ضدنا. والعالم ينقسم إلى جماعتنا والأغراب. إن الإنسان عندما يغادر بلاده للعيش في بلد آخر، يعد ذلك شيئاً اعتيادياً في العالم كله بينما في روسيا يحسب ذلك خطيئة لا تغتفر من جديد. وهذا الأمر بدأ بعد نهاية رواية" أسر إسماعيل". فقد وصموني آنذاك في مجلة "العالم الجديد" في مقالة تحمل عنوان صارخ "نزولاً في السلم المؤدي إلى الأسفل" وصموني باني داعية التأثير الغربي في الأدب الروسي. بحيث لا يمكنني الآن التخلص من هذه التهمة! وحدث لنيمزير شيء محزن فقد صار يسير، وهو الذكي بلا شك، عكس التيار سوية مع بلده. وشائع في روسيا الآن كونه وطنيا ويعادي كل من يسمح لنفسه بالحديث عن روسيا "بصورة غير وطنية"، من وجهة نظره، وعلاوة على ذلك يعيش في الغرب. أي انه لا يعدني وطنياً بينما يعد نفسه هو الوطني فقط.

        يؤلمني ويحزنني أن أرى ما يجري في روسيا. إن كتاباتي هي تعبير عن الحب لبلدي وللغتي. اشعر بالمرارة لما يجري في روسيا عندما يبرز احدهم وثيقة مختومة وموقعة بأنه "وطني أدبي" ويصرح لي باني لا املك الحق بالتعبير عن الحب أو الكره لبلدي. هذا لا يليق بروسيا.

أرجو المعذرة لأني بدأت أتعصب. فهذا الأمر يهيج أعصابي بصورة شديدة. الواقع أن مستوى الإدراك هذا ضحل جدا. ومعروف لك أن روسيا لا يوجد فيها مطلقا مفهوم اللياقة السياسية...

 

          أعرف.

إذا ما أراد الناقد في سويسرا أو ألمانيا أن ينقد كتاباً فإنه سيفعل ذلك بالحق: سيكتب عن نواقص الكتاب لكن دون إهانة. أما في روسيا فلا يذكر النقاد شيئًا عن الكتاب بل يشهرون بالمؤلف ويسمونه "الحكيم السويسري" كما يقول نيمزير.

         لو كتب مثل هذه المقالة هنا (في الغرب) فسوف لن ينشرها له احد وإذا نشرت فسيخاصمه الجميع لأنه تصرف بصورة غير لائقة. أما في روسيا فإن عدم اللياقة والجلافة - هي قاعدة... إضافة لذلك لا تمت للكتابة والأدب بأي علاقة.

 

       لنستمر بالحديث عن هذا الموضوع: تمتزج في روايتك الأخيرة "شعر فينوس" أزمان مختلفة - الزمن القديم وبداية القرن العشرين والزمن الحالي. وفيها قسوة الحياة الروسية كلها: الثورة والحرب الأهلية ومعسكرات الاعتقال والجيش ودور رعاية الأطفال والانتقام والتطهير في الشيشان، وطبعاً، فظائع الحياة كلها.

لقد كنت في "اسر إسماعيل" داخل العالم الروسي رغم أني كتبتها في سويسرا. لكن العالم الروسي ليس إلا جزءا صغيرا من كون الله الواسع. والكثير من الناس في روسيا لا يفهمون ذلك ويتصورون أن روسيا هي دنيا الله كلها. فالحياة في بلد آخر تساعدك على أن تفهم انه عدا روسيا يوجد ما هو كثير جدا في العالم. والآن في "شعر فينوس" لا يستطيع أن يسامحني أمثال نيمزير على أني اكتب ليس عن روسيا فقط. وأصبح ذنبي الآن أن روسيا كما هي لا تهمني بل يهمني العالم كله. وكأني خائن. إن ما يثير اهتمامي في روايتي هو ليس روسيا ولا سويسرا ولا إيطاليا بل أشياء أكثر عمقاً. المهم بالنسبة لي ولادة الإنسان وحبه والأطفال والموت والبعث. إنها رواية عن الآخر وبمستوى آخر. لأن الملك هيرودس الذي يلتهم أطفاله ليس جغرافيا وليس روسيا. جرى في (إسماعيل) التغلب على الحياة في روسيا بالذات، وعالم الرواية كان روسيا. أما في (شَعر فينوس) فالمفهوم أكثر سعة: الحياة لا تنحصر في روسيا فقط. أما الملك هيرودس الذي يلتهم الأطفال فيمثل الزمان. يجب مقارعة الزمن لا الوقوف بوجه روسيا. يجب عمل شيء ضد الموت. والناس لا يموتون في روسيا فقط.

 

       تبدأ رواية "شَعر فينوس" بصورة مبسطة جدا: شخص ما يعمل مترجماً في زيوريخ ولعدة أشهر يسمع حكايات مرعبة جداً للاجئين روس. فما هو قدر أهمية الأساس الوثائقي للرواية؟

      ماذا تعني الأهمية؟ إنها الشيء الرئيس. النص هو عبارة عن استعارة، ولكن الاستعارة يجب أن تبنى على الواقع. يعني يجب أن توجد نقطة انطلاق. ثم يأتي بعد ذلك التصور والإبداع. إنها عتلة أرخميدس التي عزم بمساعدتها على رفع العالم. إني ابدأ ببناء عالمي وواقعي بعد ما انطلق من الواقع وأشكله واستعير صوره. إذا لم يكن هناك واقع حقيقي لا يمكن بناء شكل آخر مقابله.

 

يتطور في الرواية بصورة رائعة ومميزة مخطط (سؤال- جواب)، والقارئ لا يمكن أن يكون واثقاً مَن هو المحقق ومَن هو الذي يوجه السؤال ومن لديه السلطة الحقيقية.

        إن الأسئلة والأجوبة- هي تجربتي في الحياة وهي واقعي ورأس مالي. أقوم بترجمة استجوابات حقيقية وابدأ بتوجيه أسئلة لنفسي حول ماهية الفن وأماكن تجاوز الحدود. اجلس واستمع إلى حكايات ولا اعرف ابداً هل هي قصص مفبركة أم لا.

        تبدأ "شَعر فينوس" بقصص مرعبة يحكيها اثنان من الشباب. ثم يظهر أن هذه الحكايات- ليست حكاياتهم، فهي إما مفبركة، وهذا محال، وإما سمعوها في مكان ما. وهكذا يبرز تساؤل: إذا ما حُكيت قصة مرعبة لم تحدث لك بل حدثت لشخص آخر فهل هذا واقع أم ليس واقعا؟ ومن هذه النقطة تبدأ الرواية.

 

       قلت انك تؤلف رواياتك بصعوبة. فكيف تؤلف كتب المقالات؟ يبدو انك كتبت في الوقت نفسه "اسر إسماعيل" و"سويسرا الروسية"؟

        بدأت "إسماعيل" في روسيا وتوقفت بعد أن وصلت إلى سويسرا. لأنك تبدأ في البلد الآخر بالتغير بصورة سريعة جدا. فعندما تحل في وسط آخر يتطلب منك ذلك الوسط تغيراً وتكيفاً معه. وتبدأ تظهر لك الأشياء التي كانت دائماً عندك ولكنك لم تطلبها سابقا. وعليه فان التغير مهم جدا للكاتب كما هو مهم بدوره لكل إنسان. والتغيير مهم للكاتب خاصة لأنك إذا لم تتغير فستظل طول العمر تكتب الرواية نفسها. يجب أن تتغير لكي تكتب رواية أخرى. والانتقال إلى بلد آخر يساعدك على مثل هذا التغير. ولكن يجب أن تبتعد عن الكتابة إذا شعرت بأنك لم تعد الشخص السابق ولكنك لا تزال لم تكتسب الشخصية الجديدة. هنا يتوقف النص. ولكي ابدأ التغير بصورة أسرع كان يجب أن أؤلف كتاباً آخرا تماما، فكان "سويسرا الروسية". كان علي أن افهم من أنا الآن وأين أوجد ومع من ارتبط؟ لماذا توقف كارامزين فجأة عن كتابة النثر واخذ يؤلف التاريخ الروسي؟ لأنه كان لا يستطيع العيش مادام لا يقف على أرضية. لم تكن لديه قصة فكان يجب عليه أن يكتب تاريخ بلده لكي يشعر بصلابة الأرض التي يقف عليها، ولكي يفهم ما كان قبله وأين هو ومن هو. وجرى معي الشيء نفسه، عندما وجدت نفسي في فراغ، في صحراء الثقافة الروسية السويسرية فقررت كتابة التاريخ الروسي الشخصي... ونتج لدي تاريخ روسيا لكن عن طريق الروس المتواجدين في سويسرا. وعندما أنهيت هذا الكتاب سرعان ما تحرك عندي "إسماعيل". فظهر الكتابان في وقت واحد. إن "سويسرا الروسية" هو بالأساس كتاب مقتبسات. فصار كتابي عن روسيا الذي ألفه كل مَن كتبَ عن سويسرا.

 

         يضم كتابك - المقالات الثاني "على خطى بايرون وتولستوي" كذلك الكثير عن روسيا.

         هذا الكتاب ليس عن روسيا على الإطلاق. بينما كان كتاب "سويسرا الروسية" بالكامل عن روسيا، ولكن عن طريق الوصف الروسي لبحيرات الألب وأبقارها. لهذا فهو يبقى حياً بصبغته الروسية أما ترجماته فتبدو غريبة. فهو باللغة الألمانية والفرنسية يبدو عبارة عن تنضيد لمعلومات ثقافية - تاريخية بينما باللغة الروسية هو كائن حي ذو طاقة خارقة، طالما أن فيه حتى وصف الطبيعة يصبح أدباً اجتماعياً وهاجا حيوياً إلى الآن وسيبقى دائماً ملحاً في متاريس الفكر الروسي. الترجمة تحافظ على المعلومات لكنها تفقد القارئ الروسي المتواجد على هذا الجانب أو ذاك من المتاريس. وتبقى فقط الكلمات المنضودة "مَن، أين، متى نام، ماذا قال عن شلال ريني، ماذا أكل"...الخ.

        إن الذي يهمني الآن في كتاب "على خطى بايرون وتولستوي" ليس روسيا لأني أصبحت خارج إطار العالم الروسي، وبدا لي أن تفسير وفهم هذا العالم باللغة الروسية غير ممكن... نعم اللغة تعطي معنى. وقررت أن أتحول إلى اللغة الألمانية. وعليه يعتبر هذا الكتاب مؤلفاً لقارئي الآخر. الذي لدي معه تجربة مشتركة في الحياة خارج روسيا. إن لغتنا غير متكيفة لاستيعاب هذا الواقع. وهذا الكتاب، طبعا، ليس عن روسيا ولا عن سويسرا. أي انه عن روسيا وعن سويسرا معاً، ولكن المهم فيه إني أتحدث عن شيء أكثر أهمية من محاولة فهم كيف بنيت سويسرا. أتحدث عن علاقة الإنسان المبدع بالموت. ما الذي وحدهم؟ كان عمر بايرون ثماني وعشرين سنة وعمر تولستوي ثماني وعشرون سنة. وكل منهم واجه تلك المسألة: ما تفعل بالحياة إذا كنت ستموت على كل حال؟ يعني انك طوال عمرك تستعد للموت، وتحاول طوال عمرك الانتصار على الموت بالقلم والتعوذ منه بالكلمات. الكتاب حول هذا الموضوع. والكتاب في الواقع يحمل عنوان (مونتريه - ميسولونغي- استابوفو). النقطة الأخيرة التي تدور دائما في رأسي ورؤوس الأبطال هي: "إلى أين سيؤدي بنا هذا السفر؟". مونتريه - هي المكان الذي توجهت منه إلى بيرن بجبال الألب بصحبة حاسبتي الشخصية اقتص آثارهم. ميسولونغي - هي مدينة في اليونان توفي فيها بايرون. واستابوفو مفهومة. حسنا أن لا يعرف الفرد شيئا عن نفسه.

 

         نعم، لكنك ذهبت بعيدا، وصلت إلى روسيا، إلى الموت.

         أهم شيء بالنسبة لي شخصياً، هو جهة توجههم. إن جولتهم في الألب تصبح جولة استعارة نحو الخلود. وكلامهم يدور حول كيفية الوصول إلى الخلود بعد أن تأخذ معك هذا العالم كله. لقد عذّبت هذه المسالة تولستوي طوال حياته، ويهمني أن افهم ماذا جرى له وكيف.

 

         سيصبح تولستوي في النهاية البطل الرئيس، وربما، الشخص الأقرب لك؟

بلا شك. إضافة الى ذلك، كتّاب القرن التاسع عشر كلهم بلا استثناء قريبون مني وأحبهم جميعهم، الجيدين وغير الجيدين. ونابوكوف في هذا الأمر ارتكب خطأ عندما قسم الكتاب إلى "سود" و"بيض". وصار تشيرنيشيفسكي بعده، في سبيل المثال، من طبقة المنبوذين. ممنوع قراءة نتاجاته وممنوع مدحه. بينما أنا أحب الأدب الروسي كله، أدب القرن التاسع عشر، والقديم الذي وصل رحيقه إلى القرن العشرين، أحبه كله مجتمعا. دائماً ما أقارن ذلك بالحب للمرأة. فإذا أحببت المرأة أحببتها كاملة. لهذا فانا أحب تشيرنيشيفسكي كما أحب تولستوي. إضافة إلى حب المؤلفين، يقوم البعض بتقسيمهم إلى كتّابك وغير كتّابك. فهذا نابوكوف - مؤلفي، لهذا فنحن متفقين في الذوق الفني- هو كان يحب أن يقرأ لتولستوي ولم يحب دوستويفسكي. أما أنا فقد أحببت الجميع ولكن مع هذا استطيع قراءة تولستوي بقدر ما أريد، امادوستويفسكي فاجبر نفسي على قراءته. كان العمل على هذا الكتاب يمثل سعادة لي، فقد أعدت قراءة ما قرأته سابقا. وكما قال نابوكوف في محاضرة له عن"أناكارينينا": "عندما تقرا تورغينيف، تعرف انك تقرا رواية لتورغينيف. أما عندما تفتح كتاب تولستوي فستستمر بالقراءة أكثر لأنك لا تستطيع التوقف". يحدث معي الشيء نفسه. فعندما اقرأ لدوستويفسكي اعرف باني اقرأ رواية له وتثيرني بصورة مفزعة الكيفية التي يتعامل بها مع المفردات.

 

        تتشابه رواياتك ومقالاتك من حيث الأسلوب حيث تتميز باستعمالك الواسع للاقتباس بنوعيه الحرفي والأسلوبي. لماذا أنت مهتم بإدراج الاقتباسات في نصوصك الفنية؟

       الحقيقة أني جئت إلى هذا العالم ليس إلى الصحراء. وتكونت هنا قبلي طبقة ثقافية سميكة. والمفردات المستعملة كلها أخذت طابعها الإنساني. وكل كلمة وعبارة كم من المرات قيلت وكتبت قبلي. وكل ذلك ملئ بالحب والكره والخوف ولو لم يثر ذلك اهتمامي لحسبت نفسي ساذجاً وغبياً ومتغطرساً. يجب أن آخذ كل كلمة بحذر كبير لأنها سبق وان قالها شخص ما في زمن ما وربما لعبت في حياة احدهم أهم دور. عندما اكتب الكلمات اسحب وراء كل واحدة منهما شبكة صيد كبيرة مليئة بالحكايات الإنسانية والمشاعر والأقدار. وكل مفردة تجر خلفها في النص الثقافة كلها التي كانت قبل كتابة هذا النص. يهمني جدا الإحساس بالتقاليد والشعور بأني جزء من هذه التقاليد وحلقة صغيرة في السلسلة اللامتناهية لما كتبت قبلي ولما سيكتب بعدي. لهذا فكل إدراج لاقتباس يمثل لي أساسا متينا للهرم الذي أشيده. واعرف أني لا أضع إلا الحجر العلوي في قمة هذا الهرم العملاق للأدب كله الذي كان قبلي. اعتقد أن تطور الأدب هو، بلا شك، حركة تقدم إلى الأمام، وإذا أردت أن تقول شيئا جديدا، فستفعل ذلك فحسب في حالة استخدامك ودراستك لكل ما قيل قبلك. واني اعتبر ذلك ليس أسلوبا لي فقط بل مبدأ لأني أتعامل معه بوعي. وأحاول أن اجعل كل رواية جديدة لي رواية شاملة تضم في جنباتها مجمل الأدب والثقافة السائدين قبلها.

 

إن أسلوبك في رواياتك لا يوصف بسهولة، يمكن القول إنها مجموعة نصوص ومقتطفات كبيرة من نثر منوع تجتمع سوية وتشكل فسيفساءً أصيلاً تماماً.

        لكن هذا هو الهدف، هذه المسالة الفنية التي طرحتها هي أن تستوعب كل ما كان قبلي ولكن التركيبة النهائية، لوحة الفسيفساء التي أكونها من أحجار مفردة، هذه اللوحة النهائية تصبح لوحتي أنا. وتقع عليَّ مسؤولية ما يحصل معها وأي شكل وأي صورة ستظهر على لوحة الفسيفساء هذه، عندما أضع حجر الأساس عليها.

 

         وستظهر في هذه اللوحة ديناميكية جديدة تماما.

كل أسلوب هو طاقة، هو عصر، هو إنسان. عندما آخذ علاقات الطاقة هذه من عصور وأساليب مختلفة وأشكلها معاً يحصل التأثير الثالث: الطاقة مضروبة بطاقة أخرى. وهناتنتج قوة جديدة غير موجودة في هذه العبارات إذا ما أخذت منفصلة لحالها. وعندما تجمع هذه العبارات معاً سرعان ما تبدأ بتفاعل متسلسل.

 

        يوجد في رواية "شَعر فينوس" اقتباس كبير وحرفي تقريبا من كتاب مذكرات الكاتبة فيرا بانوفا (مقاطع من يوميات سيدة روسية بداية القرن العشرين). لكنك لا تذكر المصدر مما أدى إلى اتهامك بالسرقة الأدبية. فما هو ردك على ذلك؟

        أتأسف لأن الناس لا يفهمون ما افعل ولم يقرأوا كتاباتي. إضافة إلى فيرا بانوفا توجد هنالك أيضا اقتباسات من خمسمائة كاتب وكاتبة آخرين (إذا لم اقل آلاف)، وتتم بعض هذه الاقتباسات على صفحات كاملة. هذا اضطهاد لي. فقد نشرت في مجلة (العالم الجديد) و(الصحيفة الأدبية) دائماً مختلف المقالات التي تشهر بي وبكتاباتي. فما أن يرى احدهم اقتباساً من احد المؤلفين حتى يكتب إن هذه سرقة أدبية لكنه لم ينتبه إلى الاقتباسات الأخرى من خمسمائة كاتب آخر. وهذا الشيء مضحك. فقد أكد باختين في السابق بأننا جميعنا نعتاش على مفردات لا تعود لنا. وهكذا اترك هذا الموضوع بلا تعليق.

 

         يعني انك تتعامل مع هذا الموضوع بهدوء...

         الحقيقة أن الناس لم يقرأوا روايتي بل قرأوا هذه المقالة فيبدو لهم أن شيشكين سرق الرواية من فيرا بانوفا. بينما الكلام لا يدور عن النص الفني لفيرابانوفا، بل عن ذكرياتها في الطفولة، في روستوف وكيف درست في الثانوية. فقد درست في الثانوية نفسها التي درست فيها بطلتي بيلا: كان عندهما البواب نفسه، وكانتا تشتريان الأقلام من دكان واحد. أي أن الكلام يدور حول تفاصيل تلك الحياة التي يهمني أن استرجعها بشكلها الحقيقي دون أن ابتدع شيئا. كان علي أن أعيد لبيلا حياتها الحقيقية. لهذا يهمني أن تشتري الأقلام من دكان يوسف بوكورني، من صاحب الدكان نفسه الذي وصفته فيرا بانوفا. وان تستعمل الأشرطة نفسها لربط ألبوماتها البناتية. وهكذا بحثت في مئات الكتب كل تفاصيل الحياة الحقيقية هذه لمدينة روستوف في الماضي وتفاصيل حياة تلك التلميذة الحقيقية.

 

        أكثر الكتّاب اليوم يكتبون على الكومبيوتر، وأنت كذلك تذكر الكومبيوتر. وصاحبك الوفي في كتاب "على خطى بايرون وتولستوي" هو الكومبيوتر بالذات. ربما كان الكتاب سيبدو بدونه بشكل آخر؟

        اعتقد انه بدون الكومبيوتر ما كان ليحصل هذا الكتاب ابداً. والأدب على العموم ليس شكلاً تقنياً من الفنون كما هو حال السينما، على سبيل الافتراض. مفهوم أن السينما تتطور بصورة أسرع لأنه كل خمس عشرة أو عشرين سنة تظهر تقنيات جديدة تماما سرعان ما تؤثر على التصوير وعلى فن السينما وتمنح المخرجين ومدراء التصوير إمكانيات جديدة. التقنية لا تصنع الأدب لكنها بقدر ما تؤثر عليه. والروايات المكتوبة بالقلم لا تشبه أبدا الروايات المطبوعة على الآلة الكاتبة وهذه بدورها لا تشبه تلك النصوص المكتوبة بالكومبيوتر. والكومبيوتر بهذا المعنى صار بلا شك، بطل كتابي من جهة ومن جهة أخرى هو خالق ومخلوق بالوقت نفسه.

 

          وربما، هو مستودع الاقتباسات كذلك؟

          لم يكن ليحصل الكتاب، بهذا المعنى، بدونه بكل تأكيد. وهو على كل حال شريك في الإبداع.

 

        هل تحتفظ بالمقتبسات في الكومبيوتر أم في ذاكرتك؟

كلا, لا يمكنني أن أحفظ كل شيء في ذاكرتي. والكومبيوتر يصبح بمعناه الإجمالي كأنه جزء مني وجزء من دماغي وعقل إضافي موازي لعقلي. وسرعان ما تجد أن في هذا الدماغ محفوظ كل ما كتبته الإنسانية، وان بإمكانك بأية لحظة إيجاد ما تحتاجه وبإمكانك استعماله.

 

          يتعجب البعض في روسيا من كونك تعمل بالخارج بغزارة. ويزعمون انك "فقدت اللغة الأم". ألا يبدو ذلك لا مشكلة بالنسبة لك؟

          إني أفكر بهذا الأمر دائما. والكل يوجه لي هذا السؤال. ويبدو لي أني اعرف الجواب الصحيح. أولاً، كون الكاتب الروسي لا يستطيع التأليف في الخارج، هذا ليس من ابتداع الكتّاب بل من ابتداع الحكام الروس الذين يفقدون السيطرة على الكاتب إذا ما أصبح في الخارج. وهذه الخرافة ابتدعها الطغاة.

           السؤال الثاني مهم فعلاً: ماذا تفعل لو (انقطعت) عن اللغة الحية، التي تتغير بسرعة كبيرة. يوجد طريقين هما: إما أن تلهث راكضا خلف جميع التغييرات في اللغة التي تتبدل بسرعة بحيث لا تستطيع اللحاق بها حتى لو كنت تعيش في روسيا. إن الرواية مبنية على استعمال المفردات بمعانيها في تلك اللحظة وعلى العامية وعلى مفردات الإعلانات، حسب ما يصنعه بيليفين على سبيل الافتراض، ولا أقول إن هذا جيد أو سيء، أريد أن أقول فقط إن كنت تمثل أهمية اليوم فانك غدا، ربما، تصبح غير مقروءا. وان الغد يزيل ويبعد اليوم. ويزول كذلك عالم العامية التي يتم التعامل بها اليوم والإعلانات والعالم الذي على أساسه بنيت الرواية. وهذه الطريقة ستكون مغلقة بالنسبة لي حتى في روسيا. ليس مهماً لي الركض خلف أهمية اليوم الحالي التي ستهدأ غداً. أنا بحاجة لقول الأشياء المهمة التي تبقى ملحة غداً وبعد غد ودائماً. لهذا يجب علي أن أسير في الجانب الآخر(المعاكس) وأبني لغتي التي ستكون خارج الزمن وليس مهماً أين ستمارس هذه اللغة (في روسيا أم في سويسرا). وسأمارس هذه اللغة حتى لو كنت في القارة القطبية الجنوبية.

 

       صرتَ الآن تكتب باللغة الألمانية كذلك. ولكن هذه، ربما، قضية أخرى. إنها تشبه الحب الآخر؟

       أنا لا أسعى مطلقاً وراء أكاليل الغار لنابوكوفوكونراد، اللذين تحولا من لغتهما إلى اللغة الإنكليزية. إني أدرك جيدا أن في ألمانيتي التي اعرفها بمستوى معين، توجد حدود ليس بمقدوري تجاوزها بإحساسي باللغة. سوف لن اكتب ابداً نثراً بلغة أخرى لأن النثر يجب أن يكتب بصورة خاطئة، وان يتم الإحساس بهذا الخطأ، واني ليس بمقدوري التلاعب بهذا الخطأ إلا من خلال لغتي العظيمة والجبارة. استطيع الكتابة باللغة الألمانية بصورة صحيحة فقط، وبصورة صحيحة تستطيع فحسب كتابة مؤلفات عن أشخاص حقيقيين وعن حوادث واقعية. أي عندما تريد أن تقدم معلومات، بينما في النثر اللغة نفسها تعدُّ معلومة.

 

ألا يهمك أن تقوم بترجمة الأدب الفني من اللغة الألمانية إلى اللغة الروسية؟

       كلا، كلا. لعدة أسباب. أولاً لأني لا استطيع قراءة المؤلفين المعاصرين الذين يكتبون باللغة الألمانية. أي لا يوجد مؤلف ارغب بقراءة أعماله باللغة الروسية. ثانياً، كانت عندي تجربة ترجمة الأعمال الفنية، عندما عزمت في شبابي المبكر على ترجمة قصة قصيرة لأحد الكتاب الألمان. وانتهت التجربة بأن صرت اعدِّل بالقصة واخذ المفردات الزائدة وأضيف المفردات الضرورية وفي الختام أعدت كتابة القصة كاملة. طبعا صارت القصة بعد ذلك أفضل لكن ما الفائدة منها؟ وقررت أن لا أقوم بعد ذلك مطلقاً بترجمة الأعمال الفنية.

 

         دائما ما يصادفنا في كتاباتك مفهوم «الانسجام العام» وحتى انك لاحظت، إن رواياتك في نهاية المطاف هي عن هذا الموضوع بالذات. فما تقصد بذلك؟

       اعتقد أن الكلام يدور هنا عن الله طبعاً. فعندما تنظر إلى الأيقونات والى فن العصور الوسطى تشاهد أن الناس كانوا يعيشون في عالم من الانسجام الشامل، حتى لو أن الأيقونات كانت تصور بعض الكوابيس. لكن طالما أن فيها الله فإن كل شيء ليس مرعبا، وكل شيء له معنى ونحن جميعا سنذهب إلى بلدنا التاريخي الذي يحبوننا فيه جميعاً وينتظرونا. هذا يمثل لي انسجاماً عاماً. والعكس عندما اقرأ نصوصاً ليس فيها الدفء النهائي(الرباني)، وعندما اشعر أن المؤلف لا يحب أبطاله، أحس بنفسي إنساناً مهجوراً ومنبوذاً بدون رب، لأن القارئ يجد نفسه في البطل. والمؤلف بالنسبة للبطل هو الرب، ولمّا أن الرب لا يحب البطل فإنه لا يحبني أنا كذلك، إذا ما كان موجوداً طبعاً. وعندما يوجد هذا الإحساس بالدفء النهائي الأخير في النص، في اللوحة وفي الموسيقى، فسيظهر ذلك الشعور بالانسجام العام نفسه مهما كانت الأحوال في هذا العالم مرعبة (معسكرات الاعتقال، الحروب، الإرهابيون). سيكون العيش جديراً لو أننا في نهاية المطاف سنذهب كلنا إلى ذلك الوطن التاريخي الذي سيكون فيه كل واحد منا محبوباً ومرتقباً وصوله.

د. تحسين رزاق عزيز


التعليقات




5000