..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


صرخة بحر

إزدهار بوشاقور

 

في مسيرة نحوى المصير وفي إستخبار عن مخاطر الطبيعة و وأسرار وعجائب الأرض ، وفي صورة بعيدة عن الخيال وإن تخيلت فأرسم صورا لما لا يتصوره العقل ، وعش فيما هو حياة وموت في قلب النهار وفي قلب الموت وفي قلب الأمل وعلى بساط البساطة دق الجَرَسُ يقظ الحياة على عيش لأناس براري أصاب   منهم المجد ذروته وعلى سفح سلسلة الجبال وعلى ثقل حبات  التراب إتسع ذرع المكان بظاهر لحراك مئات الأسر بسطتوجودها بشقِّ أرض بمشقة بجانب البحر فبلغت جدران مبانيها  الذروة في الجمال والمتانة وجففت أزقتها أشعة الشمس التي تحمل وشوشة الصخور رفعت الأرض مرافق وساحات عمومية  ومرافق في ثقة للبصر ونعمة الناس .

أناس بسطاء يعيشون في جدية حياتهم عرب وبربر وسكان لم تعرف أصولهم إلا من معجم لغاتهم وربما هي قبائل حطت بالمكان في رحلة بحثها عن موطن لها .

جاء النهار وجازت الأشعة كل حاجز وقمم بقبعات الثلوج فوزعت النور بكل مكان وتبسم الصمت وغطى النور الكون الحال موفور البرودة .

جلس الشيخ والشاب إلى صخرة على حافة البحر وأخرج كل منهما محفظته شبكة أو صنارة تقليدية بها طعم ودسها في دفق البحر .

 شيئا فشيئا إمحت صورة الصبح ومد طيف النهار طيفه وتواصلت الإمدادات بعيدة الأمد ، وتسمعت أنت الريح اَخذة كل ما خف تحت جذع الشجر وغبار وشوش الرؤية .

على طول الطريق المدينة ممددة ، ذات شوارع واسعة وبنايات عالية وأخرى على مساحات واسعة مدارس وثانويات وسكك حديدية ومستشفيات وإدارات ، هناك متنزه إستراحة بها العائلات في هندسة جميلة على سفح البحر وعلى حافة البحر حيث السيل والمسلك الجميل .، هناك إستراحة غابية غرسها الأجداد بها أنواع الشجر الكبير والمتين وبها السر العميق الذي أطال الكلام فيها.

بنات السلوى وأباريق الزهر بالمدينة الجميلة ، مدينة جزائرية ساحلية كثرعنها وفي غرامياتها ، أراض بخضرة تكلم النظر وتهد الخاطر ، سهول محاطة بجبال في إنشاء وزع سورة الشهوة فسوف تمام الجمال .

أشجار نبتت بفيض الماء ، المدينة الوردية تتحدث عن الأعجوبة الخالدة إستجمعت الدنيا والمتعة ، تدخلت الضجة لتذيب جليد المت فبدت بالرسم لقصة بكتاب ، هناك صورة صخرة إنفصلت وتهيأت للإرتطام لكن شيئا شد قوتها ، فأخذ "مالك" سطحا مكانا لبناء بيتا من الخشب يعيش فيه ، هناك ظهرت سيدة بفستان أبيض وشعرها الأشقر ، بجسد درع الجمال مكتمل الأوصاف سكبت عيونها الجمال ، خدود منفوخة وتسودت شامات تحت جفنها الأيمن بيضاء البشرة ، تجاوز سنها الخمسين ، تتقصد مكان زوجها صاحب أكبر فندق بالمدينة ومحلات وعقارات إسمه مشيمة في عالم المال لعب بخفة حتى غطى ماله الأسواق ومنح الفقير ووهب مدينته ما تريد خلب ستار التخلف له أصول وفروع ومكانة ألبسته إسم الملك سواعده مال " مالك" و"مليكة"وإبنهما "ناسيك" إبن وحيد إنتشلهمامن الفردية صاحب الشج بالجبين الأيمن وضع ساقيه بمياه البحر حتى ظهرتا كالسمك العائم ، أعوام وهم بالمدينة ودنيا مال طويلة وشاطئ طويل تزاحم به الناس ، وإنزال سفن يسحبه المد حمل راحة العيون وأصدافا تنقبت من المياه ، حفظ بقلبه الصور وسار إلى وسط المدينة لأنه على موعد مع رفقائه بالمدينة .

إمبرطورية البناء الجاهز حرص فيها على العمل السريع مباني بهندسة فريدة خرقت المعهود .

بالمدينة إمرأة تدعى "الحاجة خيرة " تسكن المدينة منذ نشأتها إمرأة إرتقى إسمها سطح الماء ، وإنتشر صيتها حتى أصبح خبرا يصلح ليكون نادرة تفرد بها الزمان لكنها الحقيقة بشهود منظر منزلها الذي سيقت إليه أنواع الزهور وتلبس الخضرة التي طردت الخيبة ومن شق اليابسة فتح باب بيتها الخشبي صمت وفراغ زحف إليه الماء من كل جوانبه ، بجانب جدرانها الداخلي صهريج ماء قيل به الشفاء ، وهو للبيع لمن يحب رقية بيته من الروح الشيطانية ومن البغضاء والحقد ، هدوء تصفو به الأفكار القاسية ، بالبيت صمت مجهول يحفوا الغرف أسرار العجوز وهي تطرد الأرواح .

كل يوم يحضرها الناس ، أنفار لا نهاية لها ، وجوه لبسها السحر ولن تسألها كيف وصلت إلى هنا لأن الطفل الصغير بالمدينة يقودها لبيت العجوز سمعتها ألانت الوحشة ، عقارها شح الماء بالبرك ، فردية وحيازة وإمبراطورية طردت السحر .

الحياة جرفت كل ما وجدته أمامها وتركت ما لم تقدر عليه قدرتها عاش الناس الصدفة والحقيقة فلا يخفى حزن ولا يخيب فرح و وأزهت الأرض حتى برز نمط الحياة الجديد .

هذه نبال لها والدان من طيب العروق ، حنان ومودة ، يظهران مع تحرير نور الفجر لخيوطه بساحة بيتهما ، نبال إمرأة ناضجة ذات عزيمة تفتح شدقيها بالبسمة فإستهدفها النور والجمال ملامحها عميقة وعيونها بارزة ، جادة تحب العمل والنشاط ، تميزت بالعقلانية وإنتزع تواضعها الأنظار ، تجلس مقابلة البحر تتحسستقعص شعرها وتتأمل هدوء الموج ، صبغت حمورة خدودها فجعلتها كالوردة المتبسمة .

هذا ناسيك شاب ساحر العضلات عرف كيف يعامل معجبيه جسد حمله للنجومية ، توقف على عتبة الباب ، تفجرت عيونه بقوة متمتع بأيامه مشرق لا يحب الخطوات الدمثة والمعقدة بل قادر على بلائه ، يجيد النهوض باكرا مثل والديه يعمل بكوامن الأرض كرئيس لفريق الجيولوجيا هنا سمع صوت العجوز التائهة بالشارع تصرخ بعلو الصوت : هبوا يا اهل البلدة ، قوموا يا نيام الزائر على الأبواب ، حلم الليالي الضائع ، الضعف سيسكن القلوب ..هبوا يا ناس الزائر على الأبواب .

لكن ناسيك إسترسل في التأمل ، كلام المجنونة غير معقول .

دار قرص الشمس مع الفرض ، ومالت السحب مع الريح ، دخل "ناسيك" إلى مكتبه بالمدينة وأخذ رحى الحديث مع أصحابة حول عمق البحر والأرض ، المدينة تعيش في خوف مد البحر المتكرر وإن لم يرو حتى اليوم بأسه .

بناءات المدين من خشب الصنوبر وشجر الغابة بناء بهندسة إنجليزية ، منزل والديه  وفنادق بأسقف مثلثة وتخطيط هندسي خافي مقابلة للبحر ، الفصل شتاء ساروا ثلاثتهم ونزلوا المنحدر وتجاوزا الصخور و تتالوا في ركوب الزورق الذي قاده شيخ واخذ يشق الموج ، أفق إستراحت به النوارس التي راحت تدور و

تلهو هناك ، توغلت السفينة حتى غطاها المد في سعي لمكان المعاينة ، إشارات وإيماءات حول موقعه ، لكن خيانة الموج راحت ترسم المشهد ، أمواج صرخت ولطمت الباخرة ودفعتها بقوة ، فراحت الهواتف تطلب النجدة وتستعجل فريق الإنقاذ للفريق القلوب ببراءة الطفولة ، وخيبة مرة وإستزاد الموج عنفا وطابقته مشاعر الخوف ، لبس الفريق لباس النجاة وبسرعة البرق قفزت الأجساد لعمق البحر أظهر أربعتهم المهارة شباب بخبرة الشيوخ وحنكة الفتيان راحوا يغوصون ويتملصون يبتعدون عن المد الجارف وأظل أحدهم الاَخر وأضحو في شبه عزلة وتوقف المشهد على صورة الأجساد مرمية على الرمال تظللتهم السيئة ، توقفت الرياح وفرغ المكان ، لفظ البحر قارب التجارب على الرمال سارع من بالشاطئ إلى القارب وفتشت العيون قاعه لكنه كان خال

وتفحصوه بكل دقة ، كل دفة وموضع ، ظهر التأثر في شذر ومذر وحر وبرد وتشدقت الأعناق إلى الأفاق حتى شوهدوا هناك أجساد مرمية متتابعة فرفعت الهتافات لنجاتهم ، خاب هلاكهم وتمرر خنجر هلاكم بأعجوبة تمدد أربعتهم على الرمال في راحة ونوام أجساد غسلتها مياه الشاطئ ، كلهم لعنوا فعل الموج والأمطار وأثنوا على شجاعتهم ومواقفهم ، النفوس تحب المغامرة فألهبت شغاف القلب بأخبار الشطار وكيف بعد الفقد تعود الحياة.

.................                   .......             .........

تجلس "نِبَال" هادئة النفس في عملها تكمل ما بين يديها حبيسة صمت لطيف ، فيتممر إسمه مثقل الخطى على مسمعيها هناك موتى من باخرة الإكتشاف هذا الصباح فما أحست إلا وهي تنتفض عن الكرسي بسرعة وهي تسرع إلى الخارج وشوشت في أذن زميلتها :سأصل إلى الشاطئ وأعود .

لم يكن المكان بعيدًا عن الميناء ، الناس متجمعة وكلهم عيون عاصفة سربت منها النار بحثا عن الأجساد حتى هتن جبينها عرقاوفي عرق من سكت دهرًا ونطق جهرًا :

هل هجر الحياة ؟

رفع الغطاء عن وجهه فتنهج الدم في عروقها ، وتراجع العناء فسقطت بحضن الرمال الدافئة فجثت ، وخفق قلبها يدر عليها الصبر وتنهدت وتنفضت في وحشة ووحشة وسألت :

أين هم أصحاب الباخرة ؟

فقال أحدهم وقد سقى نظره الهم وبات يخفي دهشته بين الضلوع : لقد غادروا منذ حين .

لقد حر عليها كلامه راحة ومضت الظلمة عن عيونها وفر الإرتياب وتخلف الإحساس الكامن لم ينظر غبنها ، وسارت إلى البحر تحمي صدرها بضمة سواعدها ، قلبها في هيام بدون قيود تتأمل مطلع الفجر ، الحب أنشودة الحياة ، هاهي تسير وتشق حبات الرمل على الشاطئ ، تتحرك الأعاصير وتأخذ أبعادًا في الهجر ولبست مهجتها البراءة ، مرهقة زاحمتها الحيرة طائرة بالأشواق ، "نبال" لها حبيب لقلبها ، نهجت نهج الميناء بطول بال وبحزن قلبها محطم وحيدة في واحة الحب بها عشق فطري وخليل صبا ، لقد فاتحها بحبه لها منذ قدومها إلى المدينة وكم نعتهم الحساد بأبغض الكلام وراودوها ، وإعتلت الدرج تشد تنورتها بيمناها حتى نهاية الدرج فتقابلت وقرص الشمس ، فإذا بعيونها تقابل عيونه يجلس في علو صخرة يرقب وصولها فتبسم ووسع البسمة كلما إقتربت منه إنه مكانهما المفضل ، فإمتنع مشاهدتها حتى كانت إلى جانبه : ألا يحسن بك تهنأتي على نجاتي ؟

وكم سمعت صراخ قلبها وقرعه فقالت :لن أبقى معك طويلا وأنت تعي ما أريد ، أريد معنى لحبنا .

فأحس كمن كان على أرض مسطحة وهوى إلى صخور ، كما التوائم بصخرة عالية أمام حركة البحر الرحبة ، تجلس إليه في علو يظهر صورة المدينة وعيونه تقول : هل يوجد إعتراض على تحدث الرجل إلى المرأة وهل تشدد أسلوب القيادة ، إن الطيور في السماء لا يردعها رادع عن الحركة ، فمالنا نحن البشر ؟ لا نتبسم حتى بيننا أما من وضع ربطة عنق وإحترف رمي الرصاص ، والضعيف لا يتكلم والمتعاطف يلقى نفس المصير .

نظرت في عيونه وتوقفت بقربه ، تمسحت رموشها من غبار سحا إليها : أراك جامد ماذا معك ؟ .

ألح عليها بالجلوس لكنها أبت حتى سقطت روحه جريحة تسحبت يداه إلى يديها فتهربت منه وأعاد لكرة حتى إحتضنت يمناه يسراها وإعتصرها بين أصابعه وقال :لا أجرؤ على قول أشياء لن تكون إلا إندفاعا وخيالا وأعتقد أني ظهرت في أكثر من دور وظهر ما احمله نحوك ، لا أريد الإلتحاق بركب جميع العشاق فأقول لك أني أحبك بل أتمنى أن تلمسي ذاك الحب ، حب يمنح أشياء ويظهر الجديد أريدك أنتفهمي ما إندس وجثم بقلبي وأن تلفيه بحسن الإختيار باب لا يفتح إلا إذا فتح دائما أريد قلبك لتستريح فيه روحي ، أريد جذبك وسماكة إرادتك أريدك دائما إلى جانبي .

قامت "نبال" ولم تتلفت إليه وسارت وحيدة ن لم تغفلها عيونه ، وراحت تغيب حتى إندست بين الشجر وفرغ نظره من وجودها .

سارت طريق السيارات ن تصاحبت وضجيج العجلات ، لا يمكنها العودة ، وقفت وسرحت نظرها بالأعلى فحجبت نظرها خصلات أشعة الشمس فصدتها بإسدال رموشها وإستنجدت بيمناها تختزن جبينها ، حتى إنتهى إليها الظل .

هناك الكوخ معلق بالقمة والطريق إليه لا تكون إلا سيرا مدقق صخور وحجارة ، فراحت تحتم السير ، هنا فتحة سهلة العبور قمة من بلغه فقد أيده الله ، فمن بلغه أزهقت روحه وسال لعابه وأخرج الكصير من الحصى من حذائه ن وبالطريق أشهرت عياءها وأخذت أنفاسها تصدر الصوت حتى إنحنت ، فجاءها

الصوت : لا يا صغيرتي من هنا .. صوت هادئ فخفت ممشاها وتدبرت إبتسامة تصلح عياءا عبث بها ن ووصلت وتصاحبتا إلى الداخل مستحية تحفظ ما أمامها ، كوخ يحتاج إلى ترتيب ، به غرفتان ومكان غير واسع للإنتظار أمام الغرفتين ، وباب مفتوح على حديقة وقفت بها أنواع الأشجار .

أخذت العجوز مكانها وأشارت على الزائرة أن إجلسي وطلبتمنها كفها فناولته لها ، العجوز تريد طالعك ومرسم كفك يظهر ثم أخرجت العرافة بطاقات اليانصيب ولاعبتها بكفها: قلبك كله حياة لكن إلى أين ؟

تحسست الفتاة خصلات شعرها التي أظهرتها أشعت الشمس المنبعثة من ثغرات الكوخ البالي ، ووقف الهم على وفرة من المرأتين فنظرت عيونها إلى وردة الياسمين أمامها .

لا تخشي ما ليس به بد ، وشطرت البطاقات إلى شطرين وهجرت المكان إلى وكرها تبحث عن ضالتها ، وقلبت البطاقات وقالت ك لن ينتهي ما بينكما ولن ينهي هواه بك ، حبكما حي ليس من السهل عليه تنحيتك من قلبه .

تلمست الفتاة ما يختلج الصدوروتشبعت خدودها حمورة وردية حتى طارت عاليا .

سارت في الطريق ذائبة مشدودة إليه حتى ذرفت الدمع بقداسة وتمنعت رضابا حبس أنفاسها .

.................                 .........           ........

تجاذب الأصحاب الأحاديث حول عمق البحر وماكان معهم من تقلبات وكشف لحقائق حتى أشار الفاكس إلى وثيقة  فراح ينتظرها حتى سحبها سأل" رغد " ناسيك فرد رسالة غرام فشجعت كلماته روح التهكم ، لكن ناسيك راح يتبع التقرير الذي وصله من مخبر قياس الزلازل : لقد كانت تخميناتها صحيحة وكما توقعت ، هناك زلزال ضرب عمق البحر منذ أطوار بعيدة ولكن الأرض تمايلت فقط فلم يحدث شقوق أو كسور في عمق البحر، هناك زلزال هز البحر وإمتد المد

إلى شطاَن محاذية وكان عمق بحرنا مركزا لها ، وراح يتأمل البيانات وهي توضح هزتها ، كانت فاجعة حقيقية ، وبدا قوله مكشوفا وغير بعيد عن التخيلات فحملت إصراراته ثقل ثقته ، وفتحت أحاديث بين تفتح لصفحة الماضي وخشية من تكرر الكارثة وقف الجميع في جفا على ما خفا ، فقال كل واحد ما يعلمه ، وما كانت تشير إليه الوثيقة ، الهزة قد تكون عميقة وقوية فتغير المكان بعدما تمسح ما على الأرض ، إذ لا يمكن لنا أن نكون من الهالكين ونتفرج فلا ظنون هنا بل اليقين حتمي ، والهزة وقعت بالقلب وظهر أثرها مريبا قال رفيق :الزمن غريب لا يقف على شيء ، توجه جميعهم إلى الحائط أين أظهر الكومبيوتر صورة المد وهو يجرف مياه البحر بقوة إلى الشاطئ فظهرت صغار التونة على الشاطئ ميتة .

رفيق : لاحظ سرعة الحيتان مع سرعة التيار وبعد لحظات عاد المحيط صحراء إستوائية زرقاء حيث كانت رحلة الأسماك ، إذن الهزة كانت قوية وعنيفة وجارفة بحيث إقتحمت الأسماك مياه المحيط في زمن قصير .

هناك ثلاثة سنوات عن الهزة الأخيرة بعمق البحر ولا زالت الدلفينة تبحث عن الحياة في رقصتها المنتظمة ، الصيف يلائمها ففيه تطرح صغارها ، وإذا ما أحست بخوف إبتعدت نحو جزر البرتغال حتى ولو كلفها ترك صغارها خلفها . ومن علامات الزلزال ظهور طيور جن الماء حينما تركب الموج وتأت من

المحيط فرقا فرقا .

توسعت شروحات رفيق ، الواقع عمق البحر معرض لهزات أرضية ذلك ما يكنزه الجبل العظيم وتعرضه مياه الكوكب الأزرق فالمياه تتوحش كل مرة وتنزف على حياة البشر .

توجه رفيق إلى ناسيك : ألا زلت عند رأيك ، أم أنك لا زلت لاتهتم ، قال رفيق كل ما لديه وتسلل إلى فكر ناسيك فشق رأسه نصفين وأحس بقيمة الكلمة فقال :

من ينزل القبر لن يعود ؟

ليست من عادت ناسيك طرح كل مابداخله ، وبين مكنونات وخوف جاث ، ينظر شجرة الأرغن لغز التاريخ ، هل ستفنى هذه الجذور ؟

هذه البنايات والشلالات وكل هذا الجمال ، ماذا عن مسجد الباشا وماذا عن الإمبراطورية العثمانية فهل ستمسح حقيقتا الأرض وتعم المياه المكان ؟ فهل سننهض يوما على ما حدث ذات يوم منذ مئة وعشرون عام .

رفيق : هل تكلم نفسك ؟ ماذا هناك ؟ تلفت ناسيك لا بل ما أخمنفيه وما أخشاه ، وخرج متوجها إلى بيته عبر التعرجات وبين الصخور به عزيمة تشق الصعاب حتى غاب .

..........                ............                ..........

تحركت الأيام متأنية وراحت النفوس تهيج بما بالأعماق ترفق الليل ونال الهدوء من وطره وغفت العيون وحبكت النسامات وطرها ، جلس "ناسيك" وحيدا في شرفة غرفته يرقب البحر وقلبه جاف ولكن في لحظة إفترق السهم عن القاب ، وصرخ الوجود وتحرك الجماد ثارت الأرض وراحت الأرض تترنح فتفجرت القلوب بالصراخ الصادر من عامة الناس وعلت موجة قوية وسط البحر تزحف بقوة نحو الشاطئ ولكنها تراجعت ، خرج الناس وتجمهروا بالساحة كغيوم شتوية وإتسعت المحنة ، وراح الجميع يعترف بما بنفسه في تجاذب للألسن .

وقف ناسيك يقدر الحاصل ثم تراجع وهرول إلى حقيبته فحملها وتحت صرخات وإلحاح والدته بالتريث خرج ، وتوجه نحو منزل صديقه "رفيق" وسط المدينة وعيونه وقلبه يحملان الفاجعة .

لرفيق مختبر يقيس فيه درجات الزلزال ويسجل مختلف الظواهر الحاصلة ويقوم فيه بتجاربه .

رفيق : شكوكنا لم تكن مزحة فالحال نطق بسرعة لقد جاءنا الزمان بما لا تقوى عليه أيدينا ( وهو يتتبع سلم الإضطرابات )موجات كالدبابيس لاتغيب :كان زلزالا مكانه عمق البحر فيرد ناسيك أنها غير متوقعة .

غاب الليل وجاء الصبح كان ناسيك قد عاد إلى بيته وتفتح الورد وظهرت إستقلالية الناس ينصرفون إلى أشغالهم ومصانع تفتح وأنهار خالية من الطين ومياه معدنية من بطون الجبال .

ملك ومليكة والدا ناسيك يسيران بالغابة يزيحان جذوع الشجر والعشب القاسي ، البيوت هنا مبنية من الفلين ومن خشب الشجر فلا داعي للخوف ، تنظر مليكة لمياه البحر الهادئة فسلمت لها راحتها ، بها هاجس حياة يتحكم فيها الزلزال والخوف من فقد الحياة .

سار "ناسيك" نحو عمله ووقف على مرتفع يحتضن المدينة يترفق ويتحذر وهنا ظهرت العجوز بجسد نحيل بثياب بيضاء ووشاح ، تأخذ عصا بيمناها وراحت تقول :أتاكم الليل وغرقتم بالوحل ستدخلون من باب واحد ، وجعلت تكرر ماتقول ، فنزل إليها "ناسيك" وما إن وصل إليها حتى وضع يمناه بجيبه وناولها نقودًا :هذا مصروف يومك ؟

فردت : ومن يعش بدون مال ؟ العمر محدود والزمن سائر وكلنا إلى الفناء سائرين ونحن مسترحين وراضين بما كتب لنا ، ساعات تبرؤ الأكمه ، ستحل اللعنة على كل شحيح وسيتنزل بطن الأرض اَت يوم تعتصر فيه الأيام وحتى من يمتلك خزائن الأرض سيخطفه القدر .

ولا يزال الشاب مستمعا لها حتى أفسح لها المرور وهي تتريث في المشي .

ركب ثلاثتهم القارب وتجهزوا بالعدة وراح المحرك يزمجر ويشق المياه الجميع يرقب الماء .

رفيق : أريد أن نتعمق أكثر لنا أفضل يرد ناسيك أن البحر يلائمهم وتمرر القارب بجهة بها صخور فترفق بما هو منحوب بقاع البحر فأوقف ناسيك القارب عندها وتلمسها فشج منها جزء بفأسه :إنها صخرة من أرض ثارت منذ زمان وغطت المياه ماكان حولها من يابسة سنحاول معرفة سنوات غرقها ولو بالتقريب .

كما أخذوا صخورا لجبال فحمية كانت لبراكين قديمة .

..............                     ........              .........

تقلب "نبال" كلام العرافة ، ونبال فتاة وحيدة كثيرا ما ترى لوحدها وبعد إلتحاقها بعملها تصادقت وزميلتها " جولا" فتشاركها ما يشغلها ، لكن ذهابها للعرافة جلب عليها الضحك .

جولا: ماذا عن من يشغل قلبك ؟ فنهظت إلى ضوء النافذة وقالت:شأن قلبي شأن هذا الضوء الذي خرق الستار فهل كان ليقوى على صرفه .

 تأملتها "جولا" وفي محاولة منها لترميم ما تصدع : إذا كان "ناسيك" يعمل واحدا من بين من يحاولون تنبيه الأرض من الخطر أو منع الضرر أو حماية البشر فطوبا لقلبك بحبه( بخبث) ماله لا يقدر ؟

تنبهت نبال لها وقالت : كفاك كلام لنعد إلى العمل .

كم من مكان يشهد لقاءنا وكم سرقت من زمن عملها لتتفرغ للقائه وراحت ذاكرتها تساير مخيلتها وتعبث في قصة حبها بنت تحب إبن الجارة في نفس سنها يعيشان قصة حب كما نورس البحر وعلاقته بمياه البحر هل سينتهي حبهما بالزواج ؟ هذا الكلام نفذ صداه إلى قلبها ولم يمنحها جوابا .

........                ...........               ..........

بأرض مبللة بشاطئ البحر سار ناسيك بخطى ثابتة تتعمق بالرمال حتى صاروا في تربة غضارة مع فريق عمله يتوقفوا بمبنى بقرب الشاطئ تراه مبتسما وقلبه جاف ، تحسست يده جبينه ماء بارد

جعل الشاب من نفسه فداء لغيره ، لا يمكن إطلاع غيره عن تكهناته مثل توقع مهلكة البحر في أية لحظة فقد يصل إلى مسامع البرلمانيين وقد تحدث مشكلة معهم .

لقد عثر على بقايا قلعة بعمق البحر ومباني وجسور من عهد العثمانيين ومسجد ، لقد كان إكتشافهم تأديب للنفس ، هنا سمع صوت نسوي خلفه فتلفت وهو يفتح عيونه :

هل أنت أم طيفك ؟

لقد أرسلت في طلبي ؟

فسارا معا وتدرجا في الحديث ، لا تقل أن قلبك منشغل بي ، لكنني أعتبر حبك لي مواساة لقلبي . فرد أحبك كأفضل شيء لي إنك مع كل غفوة ومعي بكل مكان .

قالت : أحبك وأريد أن أصرخ بذلك وضمها إلى صدره فإعترف لها بهجره لها لبعض الوقت وقد تفقد الوقت لولا أنها حرت على العودة إلى بيتها فإبتعدت عنه وهي تتأنى حتى خرجت من الباب سارت نبال وهي تنظر ساعة يدها إنها الثانية بعد الظهر ولكن

لماذا هذا الجو المغربي وفجأة بدأت حبات المطر بالنزول تسرع كي لا تتبلل أمام المقهى والمتاجر والحديقة العامة ، تنظر السفن وهي تتسحب بعنف إلى الشاطئ وقوارب الصيد تسحب خارجا ثار البحر وعمه الغموض وخشية هلاكه تغزوا المشهد ، الموج يتخبط كل شيء بالشاطئ ، العيون تراقب تطاول المطر ، نظر والد نبال من نافذته المياه بكل مياه والريح كسر أغصان الشجر إنها مهلكة القدر ، حاول الخروج لكن زوجته منعته فألقى عصاالترحال أرضا وتبع زوجته إلى غرفة النوم على ضوء شمعة .

وبعد ساعتين هدأت العاصفة ونزل الناس إلى الشوارع بعيونتحب التطلع ، تطوع الجميع على إزاحة الوحل لتفكيك عقد السيلان ، العمل في تسلسل غير تراجعي لقد هدأ الريح إلى أدنى العقد لكن أسلاك الجسر غرق بعضها في الوادي ، لقد منعت الفوضى السير ، لذا نفذوا إلى طريق فتح لهم ، وكانت شركة البناء ذات الأسهم الضخمة تسهل الطريق وتفتحها أمام الجميع والدة ناسيك السيدة مليكة تحب النبات بالأمس غرست شجيرات الطماطم ، وهاهي تغرس عود خيزوران ولكن التربة غرقى ولحسن الحظ أنها تنبهت لغرق القضيب الذي كانت تفتح به الأرض هاهو فريق العمل يبحث في جذور النبات عن المسلمات الفطرية وقف ناسيك يحمل نباتا بجذوره وتبعه رفيق فحمل نبات اَخر بجذوره وقال : الجذور لا تتشبث بالأرض بحيث يسهل إقتلاعها ناسيك : بل هزات الأرض هي التي جعلتها هينة ثم حمل نباتا اَخر وقال : أما هذا النبات فهو من عمق البحر لقد جرفته المياه .

توزع أربعتم على الشاطئ لا تخاطب بينهم غير ما يهمهم فهذه تخوخة البحر وذاك تخابث عشب وهذه حشراب البحر .

لقد تنبهو إلى قوة المياه وفقر أرض الشاطئ ، لقد حملتهم شكوكهم إلى الخلاء وشدة البلاء ، هناك ذهنية سائدة تتوقع الرذوخ للقدر الألم يتسع ولكن الحلم أوسع ، وهاهو ينسج خدود التورد لا توقفلخطى عن السير ، الصغار والكبار يتكلمون إن جفا الريق من الحلق لن يتوقف الطير عن ما حلق ولن تحجب الأيدي النور ولن يطول حفر القبور زإنقلب حال ناسيك ونالت منه برودة ومن عضلاته ، وعاد مع طريق اَهل بالناس ، معتاد على السير بحرية ، وقرب البحر ومياهه تجري ، يحب الحياة قرب الشاطئ ، إن أمره هو حفظ كرامته ، لا روية لديه ، لكن صدق الوعد الحق ومادت الأرض تحت الأقدام ، الكل توجس خيفة ماذا لو حدث المكروه ؟

هل هناك حالة طوارئ ؟

ماذا لو حدث ما هو متوقع ، فالعلم معركة .

وسار إلى مختبره إنه يعي ما يقول والبحث هيبة فلا يمكن الظهور عن الحقيقة قلبه يحمل ثقة ثقيلة بحوثه تحمل فجرا جديدا وحقيقة قد تحدث اليوم أو الغد .

تذوق ناسيك مذاق تعافي مريض ومبتلى ينزاح عنه الجفا ، إنه إنسان يحمل رسالة للتاريخ إنه يتبنى المستحيل وموقف إنساني كبير ، الشارة بها حدث كبير سيحدث إنهم يعيشون على بقايا أثار مدينة قديمة قد يبلعهم البحر ذات يوم فيغيبون كما غابت سابقتهم .

 إنكب ناسيك على عمله يريد نتائج صحيحة ، لا يريد أفكار رواية قديمة كما إعتاد العامة وهو ليس تلميذا يخاب ويهاب المستقبل بل راح يغوص في كل مالديه ، رغم الواقع الذي يخضع للأساطير وراح يستعرض اللوح أمامه فوجدها هزات خفيفة إنتهت بسرعة وليس لها فاعلية .

جلس إلى أريكة وشغل مذياعه وراح يستمع لصوت وردةالجزائرية حتى غاب معها سأل نفسه ماذا عن حبها له ؟

نبال هي حب حياته ومشاغله تمنعه عنها ، البشر تماثيل وراح يتصفح طيفها لقياها كان لي راحة ، لها مفاتن الورد فلم يتنزل قلبي الحب إلا معك ، وراح يروي عيونه بصور عناقها ، صاحب القيادة والمسؤولية طفا الزبد من شدقيه وأدركته شمس تغلغلت في ثناياه وغاص بها حتى لم يقوى على فراقها .

............              ..............            ...........

وفي ليل إرتفعت سخونته وتثاقل جسده نام على سريره وسرح نظره بالسقف وراح يتصفح أفكاره ، إستغرب من كلام رئيس الدائرة ومن تفكيره الذي شرخ قلبه لم يهتم للمدينة ولا لغرقها وهو من يسكن هواها ، وراح يستلم الصور من داخله لكنه لن يتوقف وفجأة رن هاتفه فإلتوى في مكانه وأخذ السماعة :هذا الوقت ؟ وصمت يتصنت ما يقال له حتى تغيرت ملامحه ماذا هل هي اللعنة يجب عليه الإلتحاق بفريق العمل.

مع تلاحق صور الصباح وندى تصيد جمال الأوراق سلك طريق الكنيسة وبخطى ترمي النغم وفي صمت تكتب صخب ورق الشجر إلتقت عيونه عيونها وراح يفيض بها ، صباح الخير يسيرا في صورة لنترك لقانا هذا المساء فسأل : أين ؟

فردت بحديقة التسلية وأسرع إلى فريقه ، الجميع يحمل الأفاق الشكوك تعبث بالأعصاب والقدر بيد الله أما نحن فنحمي أنفسنا بعلمنا وببحوثنا .

بعد إنتهاء عمله أسرع إلى حديقة التسلية يبحث عنها أو لون فستانها الوردي حتى تقف إلى جانبه فيحتضن يديها ونزلا إلى الشجر والزهر فقالت :

العطش يكاد يفسد نزهتنا ؟ فأسرع إلى أقرب مقهى وعاد بقارورة ماء وعصير ، وأكملا سيرهما وإرتاحا بجذع شجرة بجانبها كشكول ورد وعاص فيما وراء معاني النفس المفعمة بحب مطلق ذاهبة بهما الأشواق وإحساس ناعم وإنزى في هيامهما ووضعت رأسها على الجذع تهيم بالحب وبصمت لا يكون إلا للأحلام وطابق جسده جسدها وراح يستلما للغرام حتى مد يده إليها يرفعها عن الأرض .

.................         ................         .............

الجميع بالمخبر يرقب اَخر البحوث أربعتهم أمام الكومبيوتر يأخذ ناسيك نفسا عميقة نصفه شك ونصفه يقين ماذا لو جرف البحر المدينة ؟ وهل هذا صحيح ؟ .

الرجة من فعل الأقدار وما يحدث بعيد عن الأنظار وهم يبحثون عن تنبيهات وتنباَت مسبقة تقلل الضرر يريد مفارقة بين الظلمة وظلام الجهل إنها عجائب الكون .

على حوافي النهر ودوائر المياه أبقار وحيوانات وحركة الأهالي النعيم على الأرض مهدد والزلازل أسطورة العصر وديكتاتورية حكتها الأزمان كم من أرضت غيرتها وأعمار سحقتها ، فإنزاح الناس إلى البيوت الخشبية من يعش هواجسه يستعد لها .

الفريق يسجل كل يومين أو ثلاثة هزات إرتدادية والثابت أن عمق البحر يعيش على أرض غير ثابة هناك تغير جيولوجي سيحدث في أية لحظة والأرض لا تحتمل .

البحر ملأ رأس ناسيك بالأحلام وأحب مهنته وسباقه مع فريقه مع القوة الطبيعية فنصب نفسه قيصر البحر ، الجميع كتلة ملتهبة من النشاط والرؤى وسيط بين الحقيقة وهواجس الإنفرادية ضعف هنا يسمع من يناديه : ناسيك هل أنت هنا ؟

فأسرع إليه : عد إلى بيتك فوالدتك مليكة تريدك ؟ هناك أمر بليغ قد تبلغها ويمكن لا تبلغها .

لم يستطع الشاب بلع ما أتاه فإندفع إلى مكلمه كان إبن الجار "لطفي" طفل لم يتعدى العشرة سنوات فقد السيطرة على نبضه فنزع ناسيك مئزره وأسرع : لقد تركتها هذا الصباح بالبستان كانت تريد التحدث إليا لكنني أجلت الحديث بعد عودتي ومضى مندفعا وراء ضالته نظر هاتفه : لماذا لم تتحدث لي بهاتفها ..ربما وراح يعيد تشكيل رؤاه على ظل طفح ما أغراه ، مكامنه تستنزف شهوة الدخيل وما إن حط قدميه على الباب وقف أمامه الطبيب

بصوته الفاقد للسمع :

البقاء لله  

لم يتكلم بل أحس بقلبه يتوقف إتكأ إلى أقرب سند وكل ما قاله :

كانت تريد التحدث إليا ؟

صورة فقدان أمه صعب إختزانها وهو أمر ذو جهد ، هناك تحولات إيقافها لكنها دورة الحياة تنازعته أفكار وراح يسترجع رحلته معها نشأ ناسيك مع أمه فغذته من أفكارها ورغبته في البحر والطبيعة فأصبح رجل حضارة ، وقد طلب إستشارتها ذات يوم فإقترحت عليه بناء مباني مضادة للزلزال كأن تكون

مباني متحركة يرتحل بالناس في حالة الزلزال هذا لأن المدينة تعيش على نعش ، ناسيك أخذ عن أمه كامل رجولته فهو رجل حضارة وسياسة وأدب والدته تؤم روحه لكنه لا يعترض على قدره به باطن مقيد وظاهر معقد ، والصدمة لا تزال في البداية جاءته فجأة فعبثت بتمسكه فغاب في بسمتها وكلامها كثيرا .

رغبته رؤيتها اَخر مرة ، لكن قلبه يقول رؤيتها غير ضرورية فهو لا يقدر على إعادتها للحياة وقد ظفر بها الموت أخذه تفكيره إلى كل منغلق لا من يوقف النعش أمامه .

طال غياب "ناسيك" عن عمله فقدان أمه أفقده لذة الحياة فبانت أيامه كأنها بدون سلطان وصار كالصخرة ، وأكثر رئيسه المراسيل إليه لكن تعود بدون تعليل ، طرق بابه صديقه رفيق لكن لم يهتم له لا وسيلة ترجعه عن فكره ، تحول الجميع إلى توأمة روحه نبال وإنطلقت إليها الأبصار كالسهم.

ولم يطل الزمن حتى تلبس الواقع الحقيقة : لقد كانت نبال هي الوسيط لفك العقدة ، زملائه يعبثون بالأحاديث ، الكل على سجيته شوهد ناسيك يجلس بالشاطئ على صخرة ، راَه رفيق فنزل عنسيارته وتفرد السير ، المدينة مكان سياحي يحمل الأحلام فلايمكن السماح للكارثة بتدميره جلس إلى جانب ناسيك وقال :

ألا يمكننا تسوية البحر أرضا فكندا سبقتنا إلى ذلك  لحد الساعة لمننجز مشاريع ولا مباني متحركة ولا شيء ، ووضع يده على كتف ناسيك وقال :

ترفق بنفسك هذه أقدار ولا يمكننا معرفة وقتها أقدار تتربص بنا وهو قدر غائب لا يمكننا صده .

لم يستطع أحد رد ناسيك على ما به ولا من يداوي جروحه ، وفشلت الأحاديث على رده ، لقد صمت وتفرد في حياته .

أما الفريق فواصل عمله حتى كان ذاك الصباح أين إتجه إلى عمله ولحظة شوهد بالباب إحتضنته العيون قبل الصدور فأخذ يحتضن هذا ويتحدث إلى هذا .

.............                 .........           ..........

وقفت العجوز ترقب زرقة السماء المنعكسة على سطح البحر

الجميع يخشى وقفتها فلا ضير في شيء يحصل إلا بقدر يرتاب الكثير لأقوالها وكلمات لا تفارق لسانها يمر عليها ناس فينعتونها بالبلهاء وسيارات ترمي عليها الغبار رمتها الألسن بالخزعبلات فتصعدت تصرفاتها بين اللين والخشونة واصلت سيرها وتمنعت طريق المارة سارت تخطر بعصاها ولم يفارقها بهتانها قيد أنملة لكل خطيئة وغفران خفضت صوتها وخفضت جفونها وتبسمت بسمة خفيفة تخفف من سيرها وحيدة كمن سعت للهرب الربيع يخلف الشتاء والقفر يخلف البشر ومن يهاجم من الخلف ليس كمن يهاجم من الأمام وهذه الايام ترفع الستار عن الأنام .

وكم صفعتها كلمات من رؤى غير مستوية ، عرجت على ناسيك كمن خيرته وراحت تقرأ غيابه كانت متعودة الحديث غلى والدته لكن رجاؤها معلق بخيط خيال دارت برجلها وخضع لها جسدها وسارت إلى بعيد .

عاد نسيك إلى عمله لكن ليس بأفضل حال ، رسم الإبتسامة التي كانت مطبوعة على وجهه ما بداخله جعله كسيحا وإن إستجمع أفكاره فقواه تحطمت ، فتح الكومبيوتر وراح يفتح الملفات المدير يريدك الاَن ؟ قالت السكرتيرة .

فزحف دون أن يقول شيء وضع يده بجيبه وأخرجها لطرق البابوالدخول وضغط على الزر الأحمر لا تتركوا أحدا يدخل ؟

فهم ببركة وعليهم تعلم السباحة .

المدير ما رأيك في السفر لقد رايت ظرفك مناسبا ثمة مغامرة تزيل عنك الخطب النفسي والبحر والسماء ومتعة تجعلك في ثراء تنبه الشاب إلى مكلمه كمن لم يفهم .

المدير : رحلة إلى المحيط لإكتشاف خبايا الإنكسارات أنت وفريق عمل متعدد الجنسيات فالمصلحة واحدة .

...........         .........              ..........

تنفس الصبح وهاهو بريق ضياه وظهرت أشعة الشمس تذيب الهجر وإنطلقت الحياة وفتحت الطرقات على البشر ، هاهو رفيق هناك مع ناسيك :

لقد ترك خالي بالأمس مكانه وخلف حصنه وربط أمتعته فر بعيدا لم يشأ الموت بين التربة والحجارة أو عن طريق مد البحر تعجب ناسيك من غريب صنعه فلا إنسان يعي ما قد يحصل .

رفع رفيق عيونه إلى أشعة الشمس التي أرسلت حرارتها وتنفخت خدوده زبدا يحوي أفكارا تضاعفت بفكره ، المدينة أمام كارثة والمحار على الشاطئ تحكي حكايتها سكان المدينة ليسوا في غفلة ولا في غيبة عن ما يعيشون عليه ، ينظر ذاك الطفل المتسول على الشاطئ إنه أمام لوحة بريشة منظم الكون قلبه يحمل خزانة الهموم ولا من يقوى على تغيير الحال عادية أيامنا وساعات أعمالنا حتى العصافير وقفت على الشجر تنظر همومنا وليتنا مثلها لا نحمل همبل يكفينا أننا نطير ، ولا شك أنها سمعت أقوالنا لذا تركت مكانها وفرت إلى بعيد .

سافر "ناسيك" وحيدا مع فريق عمل متعدد الجنسيات وعلى متن سفينة عربية ، شركة فرنسية الأصل ترأس البعثة ومعهم مديرفرع البحوث البحرية الأمريكية ، رحلة طويلة وسارت السفينة أياما وتنزل الغواصين عمق المحيط حتى حطت على شواطئ الصين دولة صمدت أمام الكوارث فجعلوا تجربتها رائدة في مقاومة الزلازل .

نزلوا إلى فندق الإقامة مبانيها تشبه رسوم الأساطير القديمة صخور وقلاع ، سأل ناسيك المرشد الفرنسي فقال أنه من صنع الصنييون القدامى والفندق كان قلعة وهذه حديقة تجارب ضخمة .

الصين مراَة الحضارات القديمة لها تاريخ لن تراه في يوم واحد قال المرشد ، وهذا مجلس النواب وهذه مكتبات ستجد بها تاريخا لن يتحمله جسدك الضعيف ، الصين صرخة على الأرض وإن كانت المدينة على جزيرة فالحياة بها تهجر الخوف وضخامة معمارها يحميها هذا قصر الحاكم ، وتلك دار الضباط ، والطريق كما ترى لا ينتهي ، لكن الجميع تحولوا إلى تلك الجسور الضخمة فقال ناسيك : كان علينا أخذ سيارة للتجول في الصين ؟

فرد المرشد : المشهد رائع ونحن نسير على الأرجل .

الفريق في جولة للصين ثم البرتغال ، سعى الفريق للغرف من تجربة الصين في محاربة الزلازل فتجربتها تفك طلاسم ذاك الوحش المفاجئ المباغت ، وللصين حركة نمطية في الحياة وهي السرعة والجدية وتطويق المصاعب ، أنشودة المعمار وعملاق لا يندثر .

...............               ............          ..........

تجمع الناس على الشاطئ وكثر الكلام حول غريب بالشاطئ لفظه البحر سارع فريق العمل ينقصهم ناسيك الغائب والذعر والفزع يخطوا أمتارا وشق الزحم وتوقفوا على طول وسمك كومة لحم على الشاطئ خفقت قليلا وهمدت جيفة الكل مستغرب كستها دماء زهرية حتى إختفى لونها .

وفجأة سمع زئير مرعب وسط البحر فتراجع الجمع ، فإذا بفوقمة تتبعها زعانف حوت ضخم جدا هجته الأبصار هو القرش في مشهد كبير وأخذ العجب بالعيون ، فإرتفع صوت رفيق أن تراجعوا حتى تسحبت الفوقمة إلى الشاطئ اَمنة .

وشوش "فتحي" في أذن رفيق :

القرش جائع حذاري وعندما يكون المد عالي فالقرش يهاب زبد البحر فيهيج على الكل .

هاهي نبال تقف متفرجة :

كم من البشر يجب لإلتهامها ؟

الرفيق : إثنان فقط .

تملصت نبال من إماء رفيق لا تحتاج إلى من يفك غرضها تحب النجاح وتريده ، كلام رفيق تلميح لناسيك فكان كمن ضغط على الزناد وراحت تتحسس حرارة أنفاسها وتشد حبال الضباب لم تكن راضية على سفره لأنه راض بعمله فهو جوهرة البحر وراحت تسير غلقت سترتها المفتوحة وتشد بحزم العاصفة القوية التي تهاجم صدرها وتفتك سكونها .

..............             ..........          ..........

أمام المهندسين مهمة صعبة ، عليهم تشييد جدران ضخمة تواري الموج العتي هي لؤلؤة الإنجازات .

وتنقلت الصخور كتلا ملتهبة إلى الشاطئ وتدافعت تيارات البشر تحط وترفع كما الجبال في العلو .

أختير للعملية خيرة المهندسين ، وإنطلق السباق نشاطا وعتادا عليهم بالجدية عليهم بإيقاف الدعامة ، الصخور تزيد عن الستة الأطنان ، وإلتحمت الأعمال ، الطبيعة تتجشأ كنوزها .

وغشتد السعي في العمل عليهم بالإسراع فالشتاء على الأبواب وعليهم بلوغ شدة الجدران .

بدأ الحاجز يعلو وظهر المشروع حقيقة على الشاطئ وأصبح رسم الخيال حقيقة وواقعا ووقف رئيس الدائرةالإنتخابية بعد أسبوعين أمام الحاجز ، هكذا يمكن للمدينة من الصمود .

تغيب الشمس هذا المساء على تحقيق للفكرة وتحررت النفوس من الضيق ومن الخوف وأقيم على الحاجز شاهد عيان ، وتحصلت المدينة على الحصانة وقبضت مصيرها قبضة اليد وتحسست مناعة الحصون . تلتقي الناس فتتحدث عن حصانة الحاجز والوقوف أمامه لوحة طبيعية ودرعا حام لهم ، صمدت الصخور أم صرخة الموج وعدلت عن هجومها أمام من إتخذ موقفا .

...............                 ...........             .............

وقفت أمام النافذة ترقب أشعة الشمس ، وألقت بنظرها على الأرض وراحت تتابع من يتابع لفيف خيط لف على بكرة ، لم تصدق يوما لغة العرافين ولا لغة القلوب ، وتنزلت ما بها من بأس كئيبة المظهر وملمح من يتشرب المرارة ، صاحبها ملمح تسلطت عليه فكرة الوحدة قطعت أميلا في التفكير وحاصرتها الظنون من كل جانب حتى ألجمت في التفكير ، وتحت وطأة الفقد وفعل الهجر غمزت أمامها لوحة شاشة محمولها إنه رقم ناسيك ضغطت على الزر الأخضر وراحت تتصنت لحنا بصوته إنه كامل حياتها وما لديها ، غمست محمولها بدرها وأغمضت عيونها وأخذت نفسا عميقة : قال سيعود غدا غلقت الهاتف وتبسمت بسمة المغتنمة غمزت بعيونها  لوالدتها ومهمهت بكلمات وتغافلت عن من معها في الدرب ، وراحت تسقي الورد بالليل بفرح .

مع الصباح الباكر إستيقضت وكان ينتظرها بالميناء ، وسارت إليه حتى صارت إلى جانبه فسلمت عليه وإحتضنها بجنون وراحا يتعاكسا الحديث ، حبهما أكثر أحاديث العذالا ولقائهما أجهض ألسنة السوء ، وراح يحكي لها عن الصينيين وعن مشاعرهم وعن حبهم للعمل .

لا يزال ناسيك كما كان رغم غيابه لشهور قوي كالصخر ليس فلتة الزمان بل هو من نواتئ الأرض ، حبه لمدينته جعله يسافر ليبحث عن نجدة لما هو اَت تلفت لنبال وقال :

جسمك نحيل وكأنك كنت تفكري بي ليلا ونهارا . فتبسمت وقالت :

لا تغتر فأنتم الرجال لا يطيب لكم طيب إلا أن بك وعد صادق لا أدري لما هل هو وعد أقدار أم رفع لأثقال .

 ضحك منها حتى ظهرت نواجده وناجاها بحروف من إسمها :

كانت رحلة الصين والبرتغال مفيدة هناك تجدي معجزة الحياة الإنسان يعمل ليعيش .

نبال : هل ندمت على العودة ؟

نظر إليها ولكنها تركته وخرجت من الميناء فراح يناديها بصوت سكن السمع ناداها بقلبه وظل وحيدا ينادي لكنها سارت تركته .

قلبه مهجور بالأفكار مريض بحب مدينته لكنه يحبها لقد فاجأتهبفعلها  ولكنه حمل حقائبه وراح يعود إلى بيته .

...............              ..............            ...........

شتاء المدينة طويل وإنحصرت الغيوم فوق المدينة تعتصر وراح الرعد يصم الاَذان وغرق الإنسان في برد وأمطار وراحت الأيدي تفتح سواقي المياه تغيب الأمطار وراح الغيث يجري على فتحة البحر ، غرقت الأرض بالمياه وجرفت المياه كل هش ، الليالي مظلمة ، ونهضت المدية على وجه مندى وقف ناسيك بأعلى الصخرة يرى المدينة وهي تغرق بالماء ، وينظر الصخور وهي تتحفر سواقي ، وراحت الأنفار تفجر الأقوال .

على شاطةىئ البحر مدينة زرقماء وأرض الملائكة والجمال .

حاضره يحتكم للأقدار ولا حلول للتوقعات ، مسار ملغوم ووساوس بين العقل والشعور وراحت العقول ترتحل لا من يسد مسد الثقب ، فريق العمل له وجهة نظر ، صمتهم ملثم ونتائجهم تحمل الفرضيات والحقائق المخيفة لكن لا من يجيب ، لقد حفرت أيديهم في أعماق الارض وتكشفو الشروخ في أعماق البحر سببها الزلزال لقد زارهم الردى أكثر من مرة .

غرق العجب في دنيا وافدة لقد بلغ التقصي مراده ومع الوقت ظهر إنخاف للأرض المجاورة للبحر وكثيرا ما لفظ البحر حيوانات البحر في منحنى يسلم بما حدث وقد يحدث .

توقف ناسيك عند رفيق وقال :

أسمعت الموجات الصوتية المرسلة من عمق البحر لقد تعثرنا بالحفر الضيقة والتي أعاقت حتى طحالب البحر هذه الشقوق من نتائج الزلازل ، الأزمة على الأبواب ، ولا تزال أمامنا محاولات سنعرضها على الرئيس كماحولة لإستبعاد الموت الأحمر عن المدينة وإنسانها .

............                 ...........               .........

عرفت المدينة سباق في فن المعمار وعرضت ما تملكه من جمال لزوارها وتفتحت أراضيها على ستثمارات عربية وأجنبية وفي كل وقت تشق الصخور وأخترقت الجبال تشيد ممرات للقطار وتواصلت البناءات في مدينة الساحل حتى ظهر لها مظهر جديد بظهور الإستثمارات العديدة .

اليوم يزور الوالي المدينة لذا إندفعت الأجساد في عرض على الطريق ، الريح تداعب النفوس الوافدة التي تستعد للتحدث مع الوالي جيش وشرطة الكل هنا وهاهو يصل فراحت الأصوات تهتف بحياته وتحييه وتتشكره وتطاولت الأعناق تردد أغاني عن الوطن الأخضر ، جدول الزيارة النزول على مختبر الزلزال و

مركز بحوث البحر ، وراح الوالي يستمع لشرح ناسيك والذي تكلم عن الرحلات الإستكشافية في عرض المحيط ، ووقف أمام اللوح الإلكتروني يسرد ويفسر .

زيارة الوالي للمدينة أعطى الأمل لناسيك وفريقه في إعادة النظر في بناءاتها كي لا تتحكم ، لكن ما لفت إنتباه ناسيك هو الشاب الجالس إلى يمين الوالي رجل شرس كان يعمق النظر في ناسيك ويحاول تعجيز حديثه وفرضياته لكن ناسيك كان يبرهن على أقواله بأدلة ، وبينهما كان رفيق في موقف وسط فقد كان موقف

وزنا وذو حكمة فلا يفسر ما يكره سماعه .

يغوص الجميع في عالم حافل بالإيماءات ويطلع الجميع إلى المجهول ، سار الجميع على جناح هادئ ناسيك كبر بالمدينة وكبرت أحلامه فيها فأرضها مهده حمل منها الفرح وتمزق رجاؤه عندما سمع بالزلزال الذي يمزق أحشاءها يحيا كل صغره وذاكره تجمع ذكرياته لكنه لا يحب إنكساره .

على الإنسان أن يكتشف تأخره وعليه أن يصلحه وعليه أن يطيرعن القفص ، عاد إلى بيته مع ظلام الليل فوجد نبال تنتظر في الحديقة فراح يجالسها ويلومها على فعلها بالميناء ، لكن حبه لها أنساه سلبها وراح يداعبها ، وهي له مطاعة وراحت أيديهما تتشابك بحرارة وحرقة وعيونه تتوزع تستنهض في ببدنها حتى

جذبها إليه يختزنها بصدره ويمسح خدودها :

أنت شمعة تنير دربي ، فأنت ملاكي وبدري ومالت تنام علىصدره خاضعة له تلقي ما بها من شقاء وراح يمرر أصابعه بين خصلات شعرها الأسود الناعم حتى بنت حمورة على خدودها الغائرة وقال :

مؤمن بحبك وموكل أمر قلبي لقلبك ، أراكي بقلبي وبكل حواسي وغارا في الظلمة كجسد واحد غرقا في ضوء قنديل الطريق والنسيم المسترسل يداعب الخدود فلا يظهرا إلا ملتصقا لبعض .

................             ..........              ......... 

ظهرت العجوزغير بعيدة على الطريق السريع تتعكز على قضيب بيمناها ، نظرتها الأعين ترفع كل التكاليف وكثيرا ما يسمعها المارة وسائقي السيارات فيضحكون أو ينتهون سارت المرأة بطيئة الممشى تلبس وشاحا أسود وفستانا رمادي ، كثيرا ما تحذرت الحصى تشق النسيم والهوى لا تلوي على شيء

سارت في الوجود لغير الموجود .

تزوج ناسيك ونبال في حفل عائلي ينحصر على العائلتين ، وهاهو بمختبره يكتب رسالة وبعدما أتمها وأرفقها بالمعلومات غلقها تحمل تطورات البر والبحر على المدينة وكل ما يؤرق نوم أهل المدينة ، بيانات تحمل ما تعلمه من أسفاره ومن التاريخ بحوث طويلة عن أرض المدينة قيدها الرسالة ، المدينة تهاب الشتاء والأهالي تهاب الليالي المظلمة ، لم تحك الرسالة غبن الفقراء وحياة البسطاء .

هنا كانت نبال بالمنزل تصرخ من يريد الخروج إلى الدنيا من بطنها ، عيونها تتوسل وأجفانها ترتعد والريق من حلقها نشف ارسلت لوالدتها التي أسرعت إليها مع عجوز جارتها ، وأسعفتاها حتى وضعت صغيرها إلى جانبها على السرير ، بعد فترة نهضت نبال وأخذت صغيرها بين حضنيها وقمطته وأرضعته حتى نزلت الدموع من عيناها ، لقد إنتظرته كثيرا ورسمت ملامحه وهو في بطنها ، وكم جلست غلى والدتها تعي منها أسرار الأمومة .

جلب الخبر المسرة لوالده وهو بالمختبر حتى أنه ثار وتذبذب فترك كل ما بين يديه وخرج مسرعا إلى منزله لا يستطع التوقف لكنه وقف عند العجوز ليناولها مالا وهرول حتى وجد نفسه على حافة سريريه فناولته حماته طفله وتهجد لسانه بالتهليل والتكبير وطبع على يمينه قبلة ، تحدث في صمت إلى هدوء إبنه إنه

علاج روحه وقد نال ولدا من صلبه فقال :

نسميه رضوان ، وضع ناسيك إبنه على يمينه وأخذ يقرأ رسالة وصلته على محموله : إنكم على تراب هبطت طبقته كثيرا عن سطح الأرض لا إضطراب ولا عنف لكن هناك مفاجاَت ، وقف ناسيك في سهو قاتل وعواطف لا تتحرك وإنطلقت هواجسه منفردة ، قلق وتعنت عواطف ، خرج إلى مخبره وتوقف بجانب

رفيق أمام الكومبيوتر زم شفتيه فظهر نحيفا من لم يكن من قبل .

هجر ناسيك بيته وإنغمس بالبحوث حتى إفتقدته زوجته لكنهاراعت مشاغله فالظرف لا يحتمل ، وقفت بالنافذة ترقب حبات المطر وهي تتهاطل ، الشتاء شديد البرودة ومطره يخيف الناس لكن إيمانهم بالله كبير ، القلوب تائهة لكن الأمل في الحياة كبير .

القلوب المنكسرة كثيرة بالشارع مثل ذاك الطفل الذي يبيت بالشارع ودائم الحضور على تلك الصخرة بجانب البحر شقاء وضياع ، كربه في ثيابه الرثة ، زمنه كفيف عليل النفس يسير بالشارع وسط الناس ، صغير وضائع يرنهل من برك الهم والهموم لقد وضع السكين على رقبة المسكين .

.............                 ..............          .......

مع كل صباح يساير ناسيك زوجته بالبستان ، حازت نبال تشجيع زوجها في إهتمامها بمزروعات البيت العمل الذي كانت تقوم به والدته ، سارا بين الشجر والعشب الأخضر كم الأميران في قصرهما الحياة بثت سحرها على الأرض صمتت السيدة لأنها تعرف صمت وحذر زوجها وراحت تسأله بحساسية :

ماذا عن عمق البحر ؟ وما يختزنه ؟

ناسيك : القادم يفسر كل ما نريد معرفته .

نبال : ماذا عن توسيع اليابسة على حساب مياه البحر والبنايات المضادة للزلازل ؟

ناسيك : بعثنا أكثر من رسالة إلى مختبرات عالمية وكلها على خبر واحد سلامة البر والبحر إننا أفضل من ألاف الأراضي نبال : وهل هذا صحيح ؟

ناسيك : الظنون مسموحة والحزم يعود لهم .

كلامه به حسرة وكسور .

حرص ناسيك على الكفاية في عمله فهو أب ورب عائلة عليه بالكثير من الصبر ، جلس إلى والده وحدثه عن ما يحمله فما بخل الوالد بالنصيحة لإبنه .

هاهو إبنه يسير على أقدامه فأخذ يداعبه ويلاطفه ، إستقر حال العائلة فكانت نبال تهتم لحال زوحها فلا تظهر له إلا راحته وكثيرا ما تجنبت الأوهام .

راحت الألسن تحرر الكلام وإستغل هذا وذاك في ماَسي وأقاويل وتنلت أعماق البحر غواصات تقف على نقاط البحث تدرك مسالك الهلاك وتبحث خطوط البحث ، وبين جدة وقدم تتواصل البحوث وبين حقيقة وخيال يداري فريق البحث ما يلسعه من نتائج سيئة صعب إعطاء الأحكام مسح ناسيك بيمناه على عنقه لقد كبر و

كبرت معه همومه ولحد الساعة لا سلب ولا هزات حدثت لكن الهواجس لا تزال بقلبه لقد بنى أشواطا من البحوث ورغم الإستقرار الحالي إلا أن الخيال لا يزال يهتم للمختفي بقاع المحيط إنها ارض مقلدة والجميع يعيش بأرض واحدة ، والدنيا لا تزال بخير مادام هناك سعي للبقاء وكثيرا ما نظرت العيون نتائج تغلق الجرح لكنه خبر ذو قفر وتنغم لحن الحياة على الوتر حتى يحل الأجل على يد القدر ، كثرت بحوث وإهتمامات ناسيك صاحب إرادة جبارة جلد صبور رغم تخلي البعض عن أفكاره عين وعقل فلا يذكر قول إلا بحجته وله نتائج بلغ بها الأبطال .

بلغ مراده رأس أمانيه كل يوم يكبر وكل يوم يتعلم وصار أستاذا ذو علم وزادته الأيام رشدا .

عمل بدوائر البر والبحر وبمختبرات الشرق والغرب قسم زوايا عمله إلى ثلاث محيط وأرض وحدود يفتح فرص العمل ، كان والده مالك صاحب تجارة ورجل سوق فأخذ عنه الشطارة والهمة وإتمام العمل وتخلى عن الإفراط في الأشياء ، تحدى علته حتى ظهر عن جماعته ، يحل مشاكله بنفسه معتمدا على خبرته

وهاهو رضوان يسير إلى جانب جده مغمورا بالحياة وراح يتحدث إليه : غدا تصبح رجلا وتوكل لك كل هموم الدنيا عليك أن تحب ما تريد فتكون مسؤولا وقويا مثل والدك تناول الطفل الكلام من جده بكل إهتمام فأخذ الكرة وراح يجري ويلعب بها وجده يتبعه ويلهو معه ، حتى إحتضنه وعانقه وقال :

أريدك أن لا تهاب شيء كن حسن التعامل وتعالى عن الصغائر كن رجلا إبن رجل ، إمسك الشيء بقوة وكن ماهرا في الصيد والترصد هكذا أريدك .

........                    ..............          ...........

هذا الصباح عاد ناسيك من رحلته بأروبا كان في رحلة إستكشافية ونزل من سيارت وسار قدما على أرض المدينة ينظر المياه والشجر والخضرة وزرقة البحر ، تلك الأكواخ المبنية من الطين تلاطف ولان وتجاذب السلب والخير ، سارت أطياف أجساد البشر بجانبه لا يوجد كرب وربما زالت المخاوف وتجمعت القلوب على الأرض وربما رحلت الأوجاع عن القلوب ومسحت حبات المطر الغبار عن الوجوه .

البحر مورد مالي لا يخبوا أواره ، يحمل بطنه غذاء البشر وملاذهم ، ورزق وعمل للصيادين هو بركة من الطبيعة ، المدينة معروفة بإستخراج المرجان وباطن البحر يلفظ أثمن الأنواع البحر كريم مرجان زهري وأسود وذهبي نادر وثمنه رفع همة الجيوب ، فالبحر حول حياة البشر للراحة ، وتجارة لأثرياء المدينة من تملكوا الغواصات والعتاد الضخم ، تفتحت العيون على البحر لا تسهو ولا تغفو وسدت الثغور هناك إرادة وقدر توقف الخيال أمام الحقيقة فكان كما السلة التي ترمى فيها الكرة فتخترقها السكان يتمتعون بالحياة والحياة تخطو عادية وهادئة ، وهؤلاء الغواصين يتعمقون بالبحر وهاهو ناسيك معية فريق بحره علىظهر سفينة بعمق البحر وهاهو الغواص يسجل ما وجده بعمق البحر على لوح إلكتروني ويرسله إلى زملائه بالأعلى ، الضفادع المائية كما تلقب هائمة بالأعماق ، ولا يزال ناسيك ورفيق وفتحي بقاعة العمليات يرقبون الأجهزة وأما شاهين فيرسل ما يجده

بالعمق ، أثر المنحنيات تمثل سير العمل ولا جديد يذكر وشاهين على عمق عشرين متر ولا شيء بأغواره وفجأ إستقبل ناسيك

إشارة تدل على وجود حواجز فحط نظره بها صور تشققات وصخور هناك حفر وخنادق بها ظلمة وفجأة تنبه شاهين لغيمة فشد الحبل يريد الإنسحاب ، فهرول إليه الفريق يسحب الحبل بسرعة فائقة هنا مر التيار بسرعة غريبة وتعدى الحاجز راحت العيون عمياء تخمن الحاصل هو حوت ضخم وليست موجة كشفت الذبذبات على تحركاته القوية ونشاط غير معهود وبمجرد ما زال الخطر إرتاح الجميع وإندثرت المفاهيم المغلوطة كفف ناسيك عرق جبينه بمنديل ومع سعة الإطلاع وسرعة البحث قيد الباحثين ما وصلهم حتى تجردت العملية من اللبس .

الطبيعة تخبأ كنوزها وعلى الإنسان مكاشفتها ، لن يحصل الإنسان على كل ما يريد ، ولكن عليه بالإجتهاد ليطفأ شكوكه .

نال الفريق جائزة البحث المثالي التي تمنحها الدولة وراعتإنجازاتهم ، وألقى ناسيك خطابا وما إن إنتهى حتى راح الجمهور يصفق ويهتف بإسمه فقال ناسيك أنه يحب مدينه ولا يوجد أدنى شك في منحهم الحقيقة على الأرض التي يعيشون عليها .

...............            ...........        ............

هاهي العجوز تائهة النظر بالخلاء ، تشبع فضولها سابحة بالخيال لا تأبه لأشعة شمس إعترضتها مشاحنات كلامية فتجاهلتها حتى ترفقت وتهدنت ، مالت في سيرها وتعكزت ، تصادفت مالك و حفيده رضوان بالطريق فمسحت على شعره الطفل ذو ثلاثة سنوات ، سلكت العجوز طريق الخلاء بينما سلك مالك وحفيده طري بري نحو غابة أشجار الصنوبر ، كثيرا ما يطلع رضوان لحفيده فسأل جده :

هذه العجوز ترى اليد لماذا لا ترى أنت يدك ؟

تبسم الشيخ وعرف قصد حفيده : لها رؤية واسعة إنها متعبة .

تحول رضوان إلى الطبيعة مستمتعا بالطير والشجر وراحا يغوصان في الغابة حنى بلغا بيت العجوز التي جلست أمام بيتها على التربة وتحت ظل شجرة وقد رأتهما يمرحان وشاهدت العجوز يعلم الصبي حركات رياضية .

مضى من الوقت أطوله والشيخ وحفيه يمارسان الرياضة ويلهوان والعجوز ترقبهما بإهتمام .

مع الظهيرة دخلا البيت فوجد ناسيك ونبال مجتمعا فإنضما إليهما وراح ناسيك يثني على والده :

لقد رأيت رضوان يحب مصاحبتك أكثر مني ( مبتسما) وهو يحب السير إليك أكثر منا جميعا فرد الشيخ :

أريد رضوان مثلك قوي الشخصية معتمدا على نفسه محبا لغيره فرضوان عجينة نشكل منها ما نريده ، والحرث والبذر يتجزء ولكل وقته لكن الصغر معدن ورضوان جميل السلوك والطباع فلا تهتم لتصرفاته الصغيرة كثيرا .

مرت الأيام تارة باردة تارة دافئة وراحت بين حسرة ولطف وصفورة وحمورة وأحضر الحاضر صور غائبة وأظهرت الأرض مكامن الأرض وتسرب الربيع مختلطا بالشتاء وولدت الطبيعة ما ببطنها ومست الدعابة الزهر وراح السير على الطريق المعشوشب وأضحى الفلاحون بالمزارع وهاهم حراس المواشي والقطعان ينامون على حصير العشب الأخضر .

وفي صباح يوم بارد والناس مسيرون إلى أعمالهم يلتحفون نور الشمس ويجتهدون في نشاطهم ، ولكن من هناك القدر يحمل المحمل ، هناك أم نبال تعد علف الأبقار ووالدها جاسم يعلف الدجاج في الخم ، في الشار الحياة تسري الناس منهم الاَت ومنهم الغادي ، والأطفال في طريقهم إلى المدارس ، المدينة صغيرة ومساحتها على مرمى طرفة عين من الصخرة التي تعلوها الشمس تميل إلى الشحوب ، أخذت الحاجة سماح والدة نبال تحلب

البقرة وفجأة عمت غيمة السماء ، وراحت تمطر تربة حمراء مبللة وفجأة سمع دوي رعد وصوت صرخ وهزات أرضية ولم يمهل الحظ السماء بل شوهدت موجة عنيفة تزح في لمح البصر على المدينة أسرعت الموجة تحمل كل شيء أمامها كما الخيال الناس يهرولون إلى أعلى الصخرة ، لكن المياه الجارفة ما إن وصلت إلى قدما الشيخ جاسم والحاجة "سماح" حتى جرفتهما وتسحبتهما فاقدي تصلبهما حتى الحيوانات جرفتها السوائل ، وأخذ السحاب يعتصر نفسه ، بينما هناك من وصل قمة الصخرة واَخرون لا يزالون يسرعون ، ظاهرة لا تصدق المد عالي والسماء تبكي السفن تاهت بالبحر ، سحب المد البيوت الهشة والسيارات وكل خضرة وحيوان.هلك الناس في جبل مائي ، مالك في مكتبه يعارك صندوقا بين يديه يستنجد يصرخ وقد غاص في بحر طافح عم الماء جسده وغطى جبينه ، صرخ وصرخ لكن المد شبح لا يترفق حتى فقد أنفاسه وغاب في الماء .

عم الرعب والخوف وفقد الكثير من الأهالي حياتهم الموجة إجتازت كل معقول فلا مباني ولا مراكز ولا غني ولا فقير الكل بلغه المد والجميع يستنجدون ويغرقون ، هذا أثاث وهذه أوراق وهذا كتب الكل بالفيضانات غزا المد المدينة وأخذ ما وجد أمامه نفذ المد من ضيق ، ولكن هناك العجوز تصرخ :

ألم أقل لكم هذا هو يومكم الجميع سيهل ولن يبقى إلا ذاك الشاب اليوم هو عقاب الحكام والذين لم يهتموا للأقدار المد الموت لا تخافوا ولا تهتموا هذه مشيئة الرحمان .

نبال وإبنها بالمد لقد أطلقت يد إبنها وأخذت تصرخ بقوة :

رضوان ، ناسيك أنجد رضوان ، لكن المد كان قويا غيب الصبي الصغير الذي غاب بسرعة في المياه ولم يرى له ملمح ، راحت نبال تبكي بشدة والمد يجرفها خارج بيتها ويرميها بالشارع وهلكت العجوز وهي تقف متصلبة تنتظر السيل الجارف الذي لم يتأنى في حملها بعيدا .

بعد عشر ساعات بدأ المد في الهدوء وتوقفت الأمطار عن الهطول لكن الظلام كان قد حل على المدينة ، لم يكن ناسيك ولا فريق عمله بالمدينة لكنه سمع الأخبار على الشاشة فركب أول طائرة بعد يوم وصل الإعلام للمدينة المنكوبة ، لقد مر الدمار من هنا الناس لا يزالون ينتشلون جثث ضحاياهم من الوحل والمياه موتى رضع وصبيان وشبان وشيوخ وبيوت مهدمة ومواشي وحيوانات منها الموتى ومنها المفقودة ، وسلك ناسيك مسلك بيته بحذر وبأمل وكم كانت فاجعته عندما لم يجد أحدا بالبيت ، لكنه تشدد بالأمل وبحث عنهم خارجا وفي الأخير توجه إلى الضحايا وقرأ الأسماء فوجدهم جثث متتالية فصرخ بشدة ومرارة بكى والده وإبنه و زوجته لقد خذله المد وسرق منه أهله لقد أمسى أثرا بعد عين جثم على ركبتيه يبكي بينما كانت فرق الإنقاذ تحمل تقارير الموتى من حوله ، قلبت صفحة الحياة أمرا مثيرا قد حصل ، لقد مسح المد الحياة وأرخى جفونه أمام بكاء وصراخ الصغار ، لا من يسطر على البحر البارحة كان موعد المدينة مع الأقدار وزادت الأمطار للطبيعة التعنت ورمت المدينة بوابل الأمطار وإشترك الريح والإعصار في الصخب والخراب .

ضخامة المد وعلوه بلغ الخمسة أمتار سهلت الدمار ، وهناك إنهيارات متلاحقة تروي ماكان من ليلة البارحة ، المياه أخذت قطيعي ولم أجد نفسي إلا وأنا فوق الشجرة يقول ذاك الراعي العاصفة كانت هوجاء والغيوم غطت السماء وكأن الأرض تشارك البحر الجحيم منظر كارثي لم أشهد له مثيل .

ويقول اَخر المياه تدفقت من كل جهة حتى كلبي كان إلى جانبي ولا أجد له أثر ، حنى العصافير طالها وهناك من لم يسعفها طيرانها فجرفها المد للأرض ، وقال اَخر :

لقد وجدت نفسي في وضع منعدمة فيه الجاذبية ( متبسما) المياه لا تترفق حتى السباحة لا تنفع وهل تسبح عكس المد ؟

 وفتحت عيون وأنا أشد جدرانا وأمام علب وكتاب مفتوح حتى أضحكني منظري كنت منهكا وعنفني السيل حتى فقدت السيطرة على نفسي فجهد عضلاتي لم يقوى على الصد ، لقد شاهدت موت الكثير حولي .

جمعت المدينة أجناسا مختلفة وفرق إنقاذ كثيرة وعتاد وعدة وجرافات و اَلات ضخمة تشق الطريق أمام السيل الوحل والرمال صعبا على فرق الإنقاذ الإسعافات ، الغرابة والخوف من المكان يملأ القلوب وتفتحت شهية الأحاديث على كل الكلام .

سيارات مهجرة ومنقلبة بالشارع أبواب وأواني وحطام شجر وحيوانات ميتة بكل مكان المياه هامدة تملأ المدينة بعلو متر المتطوعين بكل مكان الصراخ والبكاء والكلام بكل مكان مراكب النجدة وجنود الإنقاذ بكل مكان ، هناك طفلة تبكي والديها وهناك رضيع يبكي فقدان صدر أمه الماء نفذ للمدينة من كل جهة وإلتهمها بسرعة ، البأس في كل مكان وفي لحظة واحدة غرقت المدينة في البؤس والحرمان .

سار فريق العمل ومعهم ناسيك وسط الوحل وبقايا الرمل والدمار لم يترك السيل لا زرع ولا إنسان المدينة تغرق في الدموع والبحر لم يبالي لهموم لم ينجو أحدا من أهل ناسيك الجميع مات في جرف السيل المحتوم .

تلفت ناسيك بكل جهة فما وجد غير الخراب ، المدينة تغرق في الرمل والوحل وبقايا تبن وعلف الحيوانات ، المنظر بائس يدعو للفضول ، وكاميرات الإعلاميين تلتقط الصور بإهتمام ، خرج ناسيك عن فريقه وترفق في السير حتى وقف إلى شجرة وقال : ما أشبه صورة المدينة بصورة رسمها لها القلب قبل عشرة سنوات لكن القدر كان مخادعا فلقد إختار زمنا لم نحسب له حساب ، زمن أمنا فيه وناولنا قرارة عيوننا للدهر ففتك بنا من حيث لم يكن لنا حسبان ، ومات كبيرنا وصغيرنا وفقدنا أرزاقنا ، لكن لسنا نحن الملامين ، وكم بَلَّغت عن توقعاتنا وكم قدَّمت الأدلة لكن لا من يهتم لباحث في التوقعات ولعلَّ الجدير بنا أن نهتم من اليوم  ببحوث قام بها الإنسان توقع فيها كارثة بناء على معطيات حيَّة وواقع حي ، لنحافظ على سلالة البشر على مَرِّ السنين .

 

إزدهار بوشاقور


التعليقات




5000