..... 
مواضيع تستحق وقفة 
.
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.....
 ÙˆØ§Ø«Ù‚ الجابري
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
  
.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


مقهى الركن - قصة من الأدب الروسي المعاصر

د. تحسين رزاق عزيز

كيريل كوبرين

ترجمة: د. تحسين رزاق عزيز

اعتاد أن يأتي الى هنا كل يوم ثلاثاء في الساعة الثامنة مساءً. أَحَبَّ الجلوس هنا وشرب الشاي الرديءأو الجعة التي لا طعم لها وتصفح الجريدة المحلية او مجلة العام قبل الماضي المختصة بالمشروبات الكحولية والتبوغ. وبطبيعة الحال، التطلع في النافذة. يقع المقهى في الطابق الأرضي من عمارة واقعة عند ملتقى شارعين، وكانت طاولته بالضبط في زاوية حادة مكونة من واجهتين زجاجيتين كبيرتين، بحيث يمكن النظر باتجاه اليمين- الى الشارع المؤدي الى الساحة التي أقيم في وسطها متنزه صغير, والنظر باتجاه اليسار الى الساحة نفسها والى سياج المتنزه المشبك المصنوع من الحديد الزهر المعلقة عليه في جميع الاتجاهات ملصقات. وبجانب السياج كانتالسيارات تومض بأنوارها. وفي الشتاء عندما يكون الظلام في هذا الوقت دامساً, فإن أنوار مصابيح السيارات ووهج النيون على جوانب السيارات اللامعة وعابري السبيل الذين تغمرهم بنورها المنطقة المضاءة حول المقهى التي يجلس فيها تُذكِّره على الفور بجميع أفلام شبابه التي أحبها- أفلامغودار وفيليني وتروفووانطونيني، التي من خلالها شعر بطعم حلاوة الحلم بالدول الأجنبية وبالخلوة والحب والحرية. واكتشف فيما بعد مكاناً مشابهاً في باريس او ربما في حديقة لوكسمبورغ او في مقبرة مونوبورناس، والأغلب على كل حال عند حديقة لوكسمبورغ. وحدّثه صديق ذات مرّة،ان في مقهى الركن هناك،او بصورة أدق على الطريقة الباريسية الأنيقة- في حانة البيرة جلس طوال عدة شهور متتالية الممثل الايطاليماستروياني المريض بالسرطان منتظراً الموت. حقاً أين مات ماستروياني في نهاية المطاف؟ فكر وهو جالس في زاويته الزجاجية وظهره الى العمود, ناظراً من فوق الصحيفة وهو شارد البال الى السماء الليلية المغطاة بطبقة خفيفة من الضباب الرمادي الضارب الى الزرقة. الحمد لله، انه الصيف، تموز، لهذا ففي بداية الساعة الثامنة ما زالت الدنيا مضيئة وليس رومانسية جداً. وليس هناك أي غودار. اماماستروياني فقد مات.

نشأت عادة المجيء الى هنا في ليالي الثلاثاء لحالها, رغم،أنناإذا تمعنّا بالأمر فإن الصلات النتائجية- السببية التي حتمت عليه الجلوس هنا إزاء الطاولة كانت من القوة بحيث بدت هذه النتيجة هي وحدها الممكنة. والحقيقة أن في يوم الثلاثاء بالذات دوره في البث المباشر، الذي بعده لا يسعه التفكير بمشاغل أخرى سوى كوب الشاي في المقهى. وتوجب عليه ان يقتل ما تبقى من الليل بلا تداعيات وبلا رحمة، وها هو قد وجد أفضل طريقة للتنفيذ. انصرم ثقيلاً الليل بالدقائق، وهو جالس صامت ولا مبالي يزيح بكل رشفة من الشاي أو جرعة من البيرة وبكل نظرة من النافذة وبكل إعلان في الصحيفة، عن نفسه قمامة السياسة التي جمعها بعناية  في النصف الأول من يوم عمله ووضعها في جزئيات برنامجه، وفي النصف الثاني سحبها بالتتابع أمام الميكروفون وأطلقها مع الموجات المتوسطة والقصيرة والقصيرة جداً الى زوايا الأرض المختلفة, وهو ينتظر بهدوء اللحظة التي سينطفئ فيها أخيراً المصباح الأحمر على طاولة الأستوديو. "ودمتم بخير" - بعد هذه الكلمات انطفأ المصباح, فجمع أوراقهوأقلامه واخذ قنينة الماء التي لم يشربها كلها واندفع سائراً في الممر الضيق المظلم بين الاستوديوهات ودخل غرفة مكتبه ورتب أغراضه بحركات تلقائية في أدراج مكتبه وأوقف تشغيل الحاسوب وارتدى (أو لم يرتدِ) سترته وعلق الحقيبة ولم يستيقظ! إلا هنا عندما قال للنادل واحدة من عبارتين اعتاد عليهما.

لم يأت الى هنا في الأيام الأخرى وحتى ان هذه الساحة لا تقع على مساراته العادية وان كانت لا تبعد عن بيته سوى خمس عشرة دقيقة مشياً على الأقدام. في الأيام الأخرى لم ينهكه العمل بل حتى انه كان ينهيه قبل الموعد، وفي المساء كان يتمشى، ويذهب الى حفلة موسيقية ما،أو يبقى جالساً ببساطة في البيت، يقرأ أو يسمع الموسيقى ويحضر دروس يوم الأحد باللغة المحلية. نعم في الأيام الأخرى كانت حياته مختلفة تماماً تاركة له دائماً مساحة صغيرة للكتابة الحقيرة التي استولت عليه منذ خمسة عشر عاماً. قيل له أكثر من مرّة انه كاتب معروف جيداً ولديه جمهوره الصغير الذي بطبيعة الحال، اقل مما لدى س أو ص ولكن بالمقابل قارئه أكثر عمقاً وذكاءً. انه لم يثق تماماً بهذه الحكايات، ليس من باب التواضع (الذي لم يوليه تقييماً كبيراً) ولكن لأنه لم يصادف ذكراً لأسمه في المقالات النقدية او في قوائم المرشحين للجوائز الأدبية غير المحدودة. ومع ذلك قال له أصدقاءه انه لم يختر النقطة الجغرافية الأفضل له للنجاح في الأدب الوطني: غادر عاصمة بلاده وأدبه، بل غادر البلاد ذاتها، ولكن لم يصل الى عواصم المنفى الأدبي التي فيها كل اسم لشارع او حديقة مذكور عرضاً في صفحة من كتاب، والتي تضمن له الالتحاق بجماعة كبيرة من الكتّاب، بل استوطن في الوسط تماماً، لا في مكان تاريخي وثقافي مزين بسخاء بمناظر معمارية خدّاعة. والأنواع الأدبية التي تصور انه نجح فيها كانت غريبة على أدبه الوطني. وفي بلاده على العموم يولى التقدير لعدد الملازم وللصدق الماجن،أو على العكس، للمجون الصادق، في حين انأعماله تميزت بالإيجاز وشحة العواطف وبالميل نحو التلاعب.إذ لا تصلح لشيء أبداً، وحتى ان بعضها ساذج. وعلى العموم مهنة الكتابة لم تفلح معه تماماً، وقد ارتبط بشكل وثيق بالأنواع والقضايا الأدبية الصغيرة، إضافة الى انه لم يهتم بها، لأنه كان ينظر الى كتاباته بنوع من الريبة بل والاشمئزاز كذلك. وبطبيعة الحال، تراوده الرغبة بشكل شديد أحياناً بالشهرة وبطبع النسخ الكثيرة - والأهم-  بالمال، كم يحتاج من النقود لكي يترك العمل الإذاعي، ويجلس في المنزل من غير أن يعرف الأخبار أبداً، ودون أن يستعجل بتحويل FinnegansWak ("استيقاظفينغانز" رواية جيمس جويس- م) الى لغته الأم، وان يملأ سجل يومياته بأشياء فكرية وان يعيش عمراً طويلاً ويموت بسرعة. لكنه حتى يحقق هذا ينبغي عليه أن يؤلف أشياء مختلفة تماماً, والأفضل- الروايات، بينما هو لا يطيق الروايات الحديثة. لأنه لا يقدر أن يقرأها حتى ولو الى النصف. كلا، انه لا يتذمر من الحياة، فهي سارت لديه بشكل لا بأس به، ورأى في التكرار اليومي للعناصر التي تكونها مظهر من مظاهر الترتيب الكبير الذي ينقص أبناء جلدته دائماً، الميالين على الأًغلب نحو القذارة الظلامية للفوضى العزيزة عليهم. ولهذا كان يتعامل مع مسؤولياته الاعتيادية وكأنها طقوس، فهو على سبيل المثال حال دون التأثير المهلك للعمل على نفسيته. أما بالنسبة لواجباته الأخرى وعاداته فقد كانت ممتعة،وأكثرها متعة بالنسبة له- هو جلوسه في ليالي الثلاثاء في مقهى الركن.

فكر بهذا بلا عناء وهو يجلس خلف طاولته في يوم الثلاثاء ذلك من شهر تموز. فقد راجع جميع حوادث مركز المحافظة التي يسكن فيها وقرأ المقالة المخصصة للحفلة الموسيقية التي أحياها احد العباقرة الجوالين المسنين وإبريق الشاي الذي يتدلى منه خيط يحمل علامة شاي "احمد" الأخضر قد فرغ تقريباً. قرر أن يطيل الجلوس قليلاً حتى تبرد الشوارع المتوهجة من حرارة الشمس. غيَّر النادل إبريق الشاي وجلب صحيفة محلية أخرى. نوقش فيها بيان مثير لعميل سابق لجهاز الأمن أكد فيه أن قبل عدة سنوات جاء الى هذه المدينة المملة سراً متعصبون ظلاميون شهيرون- بالتحديد قبل ثلاثة أسابيع من تدمير البرجين الشهيرين أمامأعين العالم كله. والحاصل لو أن ذلك تم فعلاً لكان مضحكاً. لو, لو, لو. لكنه آنذاك عاش هنا بالفعل. يمكن أن تتخيل إنهم كانوا واقفين الى جانبه في السوبر ماركت ويختارون نوعية الجبن الأبيض،أو يأكلون على طاولة مجاورة في احد مطاعم الأكلات السريعة التركية او الباكستانية. ما أن تنظر الى اليمين عبر الشارع حتى ترى محلاً باكستانياً للوجبات السريعة، وهو مكان مناسب لـ... وبوَحيٍ من الإمكانية البسيطة للالتحاق بالتاريخ بأثر رجعي، اخذ يتطلع الى هذا المطعم. لا شيء مثير للاهتمام. خمس طاولات، ومنضدة عليها آلة تسجيل النقود يجلس خلفها شخص، طبعاً، ليس باكستانياً بل عربي حقيقي, ومثبت على الجدار تلفاز، يبدو انه يشاهد "الجزيرة"، وفي كل مكان أشرطة خضر تحمل عبارات بلغة غير مفهومة، وفي الخارج على العارضة- صور ملونة لأطباق الكاري والبنةوالسنبوسة. ولو لم تكن من بين طقوسه التي لا تعد أن لا يأكل بعد السابعة مساءً لحل ضيفاً على الإسلاميين - ولناقش معهم القضايا الملحة للجهاد، رغم أن الشيطان وحده يعرف من هم- سنة؟ شيعة؟... خرج عربي من المطعم أغلق الستائر على واجهة العرض وعاد ليغلق الباب من الداخل. وكان في هذه الأثناء قد شرب إبريق الشاي الثاني، جلب النادل ورقة الحساب، تترك بقشيشاً (وتقول: هذا لك للشاي) تشرب الشاي، الباقي (خذه للشاي)، أناأريد شاي، حياتكم مرّة، لماذا مرّة؟ لأنك لا تحلي الشاي، يا صغيري، يا الهي، ما هذا الهذيان، هيا الى النوم، النوم، ها هو المدخل، باب الشقة، الحمام، السرير، غداً النهوض في الثامنة، كلا، في السابعة وخمس وأربعين دقيقة. 

وبعد أسبوع، وهو جالس خلف طاولته، تذكر انه في تلك الليلة حلم بهذا المطعم بالذات. كان في الحلم جالساً هناك، واكل طبقاً من الكاري البني الثخين واقترب منه شخص اسمر بهدوء ودعاه بصمت لأن يلقي نظرة في باب صغير مقابل مسجلة النقد (الصندوق). ورأى من وراء الكتف في مخزن صغير على سرير كل ما فيه باللون الأبيض ينام أسامة بن لادن وهو مشيَب اللحية ويتطلع في وجهه بلطف. إحدى يديه مكشوفة وتمتد منها أنابيب صغيرة تتصل بجهاز كبير مثبت على رأس السرير. وحتى في الحلم لم يدرك أن هذا جهاز غسل الكلى, إذانالإرهابي الكبير يعاني من عجز الكلى. أغلق الباب ببطء، وعاد هو ليتم أكل وجبته من الكاري، الذي ظل يشعر بطعمه حتى بعد أن استيقظ في الصباح. انه حلم مدهش. وحسب العادة أعاده في عقله بطرق مختلفة محاولاً أن يكيفه لكتاباته لكنه لم يفلح, كما يحدث، واقعاً مع أحلامه دائماً تقريباً. وتعمق في مقالة يحفظها عن ظهر الغيب عن صناعة خمر الماديرا الحقيقي غير المغشوش.     

وفي اليوم التالي, في الأربعاء، تذكر حلمه ثانية. ماذا لو أن بن لادن يختبئ فعلاً هنا، في هذا البلد الحلمي المتواضع، الذي لا يدور في خلد احد أن يبحث فيه عن زعيم الجهاد العالمي؟ بدأ يربط تسلسل الحوادث التي يمكن أن تقود بن لادن الى الغرفة الصغيرة البائسة في هذا المطعم الباكستاني، واستيقظ بعد أن اكتملت السلسلة كلها تقريباً. وهكذا، بدأ كل شيء قبل سنة من 11 أيلولالمشئوم... اخرج دفتر ملاحظات واخذ يسجل ملاحظاته. وفي نهاية المفكرة الثانية أدرك انه كتب بالفعل فصلين من هذه الرواية. وبدأ للمرة الأولى في حياته السرد من بعيد، وهو يصف بنكهة الشخصيات الثانوية العديدة: أقارب ولي العهد السعودي، والعملاء المزدوجين، وفلاحي بيشاور الحفاة المعممين، والملا الأعمى زعيم طالبان والعشرات من أمثالهم.

ما كان لهذا الحشد من الناس أن يحشر في قصة قصيرة او مقالة قصصية، بقي أن تتظاهر بأنك تكتب، وحسب ما توجهك يدك في الكتابة، والحقيقة أن المفكرات امتلأت برواية حقيقية، مثيرة، ذات خطوط سردية متعددة، ومطاردات وخيانات، ووصف للطبيعة، ومعارك ومشاهد إثارة جنسية، وحتى تضمنت بعض الأفكار، كلا، بل تضمنت مجموعة متكاملة من الأفكار الأصولية تماماً، تطور تاريخانية تولستوي والفلسفة الوجودية لكيركيغاد مرّة واحدة.

نعم انها رواية. ها هو ستة أيام في الأسبوع يكتب بالرواية، في أيام الدوام- بالليل وفي العطل- من الصباح، بعد جولته الصباحية، كان طوال الوقت يفكر بالرواية، وحتى انه أحياناً أثناء العمل يدير رأسه عن شاشة الكمبيوتر ويتطلع من النافذة الى الأبراج القوطية لهذه المدينة الرمادية من مدن أوربا الوسطى، والى المنظر الطبيعي الشهير في ذلك الجانب من النهر- الذي يمثل جبلاً عليه قلعة فوقها برج مدبب لكاتدرائية، تطلع بمتعة منسية من زمان بعيد، وفجأة وهو يحاول أن يتذكر سبب هذا السرور ويتوصل الى سبب هذه السعادة والابتهاج، تذكر، نعم، طبعاً، انه يؤلف رواية! ومما يثير الدهشة ان الرواية كُتِبَت بسهولة من دون أن تتطلب عملاً خاصاً بجمع التفاصيل التاريخية والتقنية والأثنوغرافية، ولأنه عمل عدة سنوات في إذاعة سياسية يتذكر عن ظهر قلب ركام كامل من حوادث الشرق الدموية للسنوات الثلاثين الماضية. وفي الجامعة درس بشكل جدي لهذا لم يتطلب الأمر منه إلا أن يبحث أحياناً في الإنترنيتاو في الموسوعات اوأن يتوجه الى قاعة المطالعة في المكتبة العامة لكي يدقق في أي سنة أطيح بداود (النبي). واليوم الوحيد الذي لم يطرق فيه باب الرواية هو يوم الثلاثاء بعينه. في يوم الثلاثاء كان يستريح من الرواية: في النهار كان يدير خدمة البث المباشر، ثم يجلس في مقهاه ويحدق في النوافذ ويقرأ الصحف ويستسلم للأحلام. كلا، فهو بالتأكيد، في الأسابيع الأولى، كان في أيام الثلاثاء يدرس حياة المطعم الباكستاني المقابل له، لأن هنا كان منبع روايته المتشعبة، بل والخطر الرئيس للسرد يكمن هنا، في هذه الغرفة الصغيرة خلف ذلك الباب الصغير بعينه المصنوع من البلاستك الأبيض. الآن هو يعرف بالضبط من أي شيء صُنِعَت هذه الباب، فما أن يغمض عينيه حتى يتذكر كل التفاصيل الأخرى- الجدران البيجية القذرة، والمنصة المطلية بالنيكل، والمروحة السقفية الكبيرة التي تطارد ببطء الهواء المشبع بالكركم والكزبرة. سارت الأمور في المطعم بشكل جيد،واستقدمت نادلة فتاة سوداء صغيرة، كانت تهز وركيها الممتلئين المكتنزين في بنطلون الجينز، وهي تروح وتجيء ببطء بين المطبخ والطاولات التي كلما اقترب الخريف كلما اجتمع عليهما في الليل الباكستانيون المحليون والعرب والأتراك وعدد قليل من السكان المحليين الذين يسعون وراء الطعام الحار العابق بالبهارات، والسياح البريطانيون الواثقون بالغريزة بالتابعين السابقين لملكتهم،أكثرممابالتابعين السابقين لإمبراطور آخر. النادلة أثارتإعجابهبشدة: بجسدها وحركاتها السلسة وبغطاء رأسها الأسود، وحقيبة الظهر الكبيرة التي تأتي بها الى العمل وتعود بها في وقت متأخر من الليل. اعتقدَأن الفتاة ربما تدرس في جامعة بالمدينة في كلية الطب او القانون وهنا تعمل من اجل لقمة العيش. ورقَّ لحالها لاسيما عندما تذكر أيام شبابه عندما كان طالباً, عندما كان المال قليلاً والحاجة إليه كبيرة جداً. الآن الوقت تغير، فكر بذهول، ودفع ثمن الشاي, وترك الباقي بقشيشاً (للشاي)، ونهض وارتدى سترته الجينز،والقي نظرة أخيرة على "القامة المعتمة" التي تحمل مفكرة بيديها: من فضلك مدراس دجاج، ورز باسمين وقنينة ماء من دون غاز. كان باب الخروج من المقهى باتجاه اليمين, نحو الساحة، ثم يجب الانعطاف حول هذه العمارة، وكان يقف في شرفة الطابق الثاني موظفو المركز الثقافي اليهودي المحلي ويدخنون، وتناهى الى سمعه مقاطع من حديثهم.

وفي كل مرّة يتذكر بنوع من الخجل انه لم يكمل قراءة كتاب شوليم (غيرشومشوليم 1897- 1982, فيلسوف ومؤرج ومتصوف يهودي- م)، الذي يزين منذ نصف سنة طاولته الليلية، ومن ثم التوغل في زقاق ضيق ثم ينبغي بالتأكيد التوقف لإلقاء نظرة على الكتب المعروضة في واجهة العرض والخاصة بدار نشر روحانية صغيرة مهتمة بطباعة سلسلة من المؤلفات الصوفية، مرتبةً المؤلفين حسب الحروف الأبجدية، في تموز المجموعة امتلأت بمؤلفات غورجييف (غيورغيايفانونيتشغورجييف 1866-1949, مفكر روسي باطني- م)، والآن في أيلول- يكتب سفيدينبورغ (ايمانوئيلسفيدينبورغ 1688-1772, عالم وثيوصوفي سويدي- م).

وبعد اجتياز الساحة الكبير عند الكنيسة ذات الطراز القوطي الحديث والمرور من اليمين بمحل بيع الأشياء الجنسية باتجاه اليمين ثم الى اليسار- وها هي العمارة التي يسكن فيها.

ومع كتابة الرواية تلاشى الاهتمام بحياة المطعم الباكستاني، ولم يعد ينظر إليه عبر طريقه مفضلاً الأحلام بنجاح مؤلفه المستقبلي. وقبل أيام تذكر كيف كان في العام الماضي في فرانكفورت ورأى هناك لافتات إعلانات كبيرة تمتد عبر الشوارع، وفي تلك اللافتات إعلان عن رواية جديدة لكاتب برازيلي سطحي غير جدير بالثقة، الذي استولى على قلوب سيدات المكاتب. وقرر انه حان الأوان لأن يكون اسمه على اللافتات - النصر مضمون- فالموضوع مثير والتنفيذ ممتاز، ولقد عرف أن روايته التي أكملها تقريباً مكتوبة ببراعة بل حتى بتألق. وفي يوم الأحد الأخير من شهر تشرين الثاني قد أتم عمله. وفي يوم الاثنين، بسبب الطيرة، لم يقارب مؤلَفه، سوى انه سحبه على الطابعة، وفي يوم الثلاثاء أخذه معه الى العمل. قرر أن يقرأ الرواية التي أكملها في يوم الثلاثاء كلها في مقهاه بالذات الذي يطل على مطعم الأكلات السريعة الباكستاني الذي بفضل خياله الجريء زار الشرير الملتحي ذي النظرة الحنونة.

ما أنأنهى برنامجه حتى توجه مسرعاً نحو المقهى. واحتفاءً بالمناسبة طلب كأساً من النبيذ واخرج النسخة المطبوعة ووضعها على الطاولة. كانت رواية ممتازة، ربما لم يسبق له أن قرأ مثلها، حتى عندما كان يقرأ الروايات. وتوقف عند الصفحة الخامسة والسبعين- لكي يرتاح ويطلب كأساً ثانية من النبيذ. كان المقهى مزدحماً بالناس- فالمكتب الكائن في الطابق العلوي أقام حفلة هنا، والموظفون الذين كانوا في أيام الثلاثاء يدخنون في الشرفة، الآن يقرعون الكؤوس ويقهقهون وبعضهم بدأ يرقص. فحوّل نظره الى الجهة المقابلة الى مطعم الوجبات السريعة. اليوم، لسبب ما،أغلق المطعم في وقت سابق للمعتاد، واستطاع من بين الستائر النصف مسدلةأن يرى كيف أن النادلة المرتدية السترة السوداء حملت على ظهرها حقيبة الظهر. وشاهد كيف تحل أسلاك متشابكة، يبدو،انهاأسلاك جهاز التسجيل، وهي عصبية وتضرب قدمها بالأرض بانزعاج، قبل أن يخرج من تلك الباب الصغيرة رجل كبير السن منحني يلبس نظارات ويساعدها في حل تشابك الأسلاك. قام العجوز بهذا الفعل ببراعة فائقة منحتها إياه ممارسته الطويلة في لضم خرز المسابح. وتأسف لأنه لم يورد ذلك في الرواية، وعاد ثانية للاستغراق بالقراءة. وبعد بضع ثوانٍ رفع رأسه ثانية ورأى كيف تنساب بجانبه تلك الفتاة نفسها ذات الحقيبة التي على الظهر. كانت تسير ببطء، مندفعة بفخر، مرّت من جانب الزاوية الزجاجية التي استقر فيها، ولدهشته الكبيرة دخلت الى المقهى. ورن الجرس الذي لم يسمعه، مع ذلك، غيره لأن الحفلة كانت في أوجها. اقتربت النادلة التي لم يلحظها احد من حشد الراقصين، وهي ترفع يدها وراء ظهرها،وأخذت تبحث في الجيب الخارجي لحقيبة الظهر, إذ ربما يقبع هناك جهاز التسجيل، الذي امتدت منه، على الأغلب، الأسلاك. كان هناك شيء ليس كما ينبغي, طرح روايته جانباً، وصعد على الطاولة، وفجأة رأى، كيف استلت من هناك أداة صغيرة كأنها هاتف خلوي او جهاز تحكم عن بعد وضغطت على الزر. 

 

 

د. تحسين رزاق عزيز


التعليقات

الاسم: fawze hamed
التاريخ: 24/11/2017 21:41:40
في قصة مقهى الركن يكشف لنا الدكتور تحسين رزاق عزيز عن امكانياته المعرفيه ب اللغه الروسيه ......واذا عرف الوطن العربي الادب الروسي من خلال المترجمين العراقيين ...ف الدكتور تحسين رزاق عزيز خير امتداد لولاك المترجمين لان متمكن جدا من ادواته في الترجمه ومجد ومخلص...وترجماته الكثيره في اللسانيات والادب واللغه خير دليل ...شكرا لك ايها الدكتور تحسين رزاق عزيز الخلوق ودمت مبدعا .

الاسم: Batool um Husham
التاريخ: 29/10/2017 11:35:08
روعة الترجمة

الاسم: Batool um Husham
التاريخ: 29/10/2017 11:33:56
روعة الترجمة ومفردات اللغة جعلتنا نراها كفلم نشاهده




5000