هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


فانتازيا الازدواج الغرائبي والتاريخي والفلسفي والوجداني في رواية (زلاتيا) للكاتب المصري الكبير الدكتور شريف عابدين- 1

د. عبير يحيي

فانتازيا الازدواج الغرائبي والتاريخي والفلسفي والوجداني في رواية (زلاتيا) للكاتب المصري الكبير الدكتور شريف عابدين

دراسة براغماتية ذرائعية للتشابك السردي في هذا العمل للناقدة الذرائعية السورية الدكتورة عبير خالد يحيي

أولاً- المقدمة :

الأدب الفانتازي أو الأدب العجائبي أو ما يسمى بالفانتاستيك حسب تيودورف: هو التردد الذي يصيب المتلقي الذي لا يعرف غير القوانين الطبيعية ويجد نفسه أمام وضع فوق طبيعي حسب الظاهر, لقد عرفنا الأدب العجائبي الذي يعتمد السحر من خلال قصص ( ألف ليلة وليلة ), أما عبارة ( العجائبي الواقعي) فقد استخدمت لأول مرة من قبل إدمون بيكارد (1887م) وهو الذي طبقها على رواية الكاتب البلجيكي فرانز هلنس التي تحمل عنوان ( الخارج عن الرياح) عام 1910.

بعدما كان فرانز هلنس يتساءل إذا ما وجب اعتبار الفانتاستيك جنساً أدبياً أم فقط أحد ميزات الأدب بشكل عام, عاد ونفى ذلك, ليعتبر الأدب العجائبي فقط نظرة, إحساساً, تخيلاً, أما تودوروف فقد يوافقه الرأي إلى حد ما, كون عبارة ( الأدب العجائبي) بالنسبة له تعود إلى نوع من الأدب, أو بالأحرى إلى جنس أدبي, ووضع الأدب العجائبي بين جنسي الأدب الخارق والأدب الغريب في كتابه ( مدخل إلى الأدب العجائبي)....ويكبيديا الموسوعة الحرة .

أما النظرية الذرائعية فتعتبر الفانتازيا نوعاً من أنواع الرواية التي هي جنس أدبي , حيث أن الروايات على أنواع, تحددها الموضوعات الأساسية التي تشكل مضمون هذه الروايات ...

والرواية التي بين أيدينا الآن هي من هذا النوع ( العجائبي الواقعي) وتحديداً من الفانتازيا الداخلي, الشخصية الرئيسية هو الكاتب نفسه, أو شخصية بديلة بأفكاره وأيدولوجياته, شخصيته تتعدد, تتضاعف, تتحول, يريد بأي حال من الأحوال أن يوصل فكرته, حتى أن الشخصيات المبتكرة من قبله هي ابتكارات وجدانية خالصة, هذه الشخصيات هي الكاتب نفسه في مظاهر متعددة , فهو لم ينقل الواقع مع كل عناصره المرئية والطبيعية إلى مستوى فوق طبيعي, لكنه يجعل هذا الواقع يتحول, يندمج مع الفوق طبيعي ...تبدأ القصة بشخصية رئيسية واقعية, ومن معها من الشخصيات المعارضة والمساندة , تتداخل معها شخصية رئيسية تنتمي لزمن ماضٍ, تتشابه قصة الشخصيتين وأحداث حياتهما...

الفانتازيا أن الكاتب جعلهما تلتقيان, ولم يغفل الكاتب موضوع الأحلام ليضفي على الرواية تلك الأجواء الغرائبية ...

الكاتب في سطور :

شريف عابدين قاص مصري حاصل على :

ماجستير في الطب من (MS)

ماجستير في الكتابة الإبداعية (MFA)

كتب الشعر ثم القصة القصيرة وكذلك الرواية

أشرف على عدد من المنتديات الأدبية مثل : واتا , وملتقى الأدباء والمبدعين

منسق عام الرابطة العربية للقصة القصيرة جداً

تم تكريمه في مؤتمر القصة القصيرة جداً في مكتبة الاسكندرية ديسمبر 2013

وفي مؤتمر القصة القصيرة في الناظور بالمغرب مارس 2014

مساميره على حائط الأدب :

ثلاث مجموعات في القصة القصيرة جداً , أتحفظ على مصطلح القصة القصيرة جداً وأقول القصة المكثفة :

1-   تلك الحياة ( حياة الموت ) 2011

2-   الربيع المنتظر ( سياج العطر ) 2012

3-   تلك الأشياء 2013

الأعمال الكاملة في القصة القصيرة جداً تضم خمس مجموعات :

( تلك الأشياء, حياة الموت , سياج العطر , رجل وامرأة, رؤى )

ثلاث مجموعات في القصة القصيرة :

1-   أحمر شفاه 2015

2-   ظلال الهمس 2016

3-   جدوى العشق 2016

روايات :

1-   زالاتيا

2-   زينابرطة

3-   أسرار شهريار

  

ثانياً- البؤرة الثابتة  Static Core:

رؤية صادمة لحال المرأة الشرقية عبر زمنين الماضي والحاضر, وهي تبحث عن الشريك المختلف عن معتقدها ومحيطها, ظناً منها أنه الأعدل والأكثر انفتاحاً على قيعان ذاتها, والأكثر احتراماً لتكوينها الجسدي والروحي والعقلي, لتفاجأ بشدة قسوته, وكبير صلفه وغروره, وعميق هواجسه, لتكتشف بالنتيجة أن الرجلَ الترجسي يتكررعلى مرّ العصور واختلاف البيئات والمعتقدات, وأن الغربيّ لا يقل جبروتاً وجهالة وتسلطاً عن الشرقي عندما يبتغي إذلال المرأة, يسحقها من جانب ضعفها, أمومتها, بحرمانها من أبناء رحمها, بجماد القوانين الوضعية التي لا ترى من العدالة إلا العمى, إمّا أن تخضع وتعيش عبوديتها, وإمّا أن تتمرّد وتعيش في التيه, تيه نفسي يذهب بعقلها, وتيه جسدي يذهب بحياتها ...

  

ثالثاً- الاحتمالات الديناميكية المتحركة Dynamic Possibilities

وتدرس من خلال :

-1الشكل البصري  External Trend:

المؤَّلف رواية مكونة من 320 صفحة من الحجم المعتاد للرواية, موجودة ضمن دفتين, الأولى الغلاف وهو عبارة عن صورة لكف يد سوداء مفتوحة نحو الأعلى, على إبهامها تقف فتاة ترتدي ثوباً أبيضاً تفتح ذراعيها وكأنها تتهيّأ للسقوط في مهب ريح عاتية,أعلى الغلاف عنوان المؤلف ( زالاتيا) مكتوباً بالأبيض, وفي أسفل الغلاف تمييز لجنس المؤلف موضوع ضمن دائرة ( رواية ) ثم اسم مؤلف العمل د. شريف عابدين ...

الغلاف في في الخلفية, عليه آراء لثلاث نقاد, أوسطهما يعرِّف بكاتب العمل, الأول والثالث آراء مقتضبة بالعمل الأدبي .

يبدأ العمل بإهداء لافت : الإهداء إلى ضحايا وشم الروح

لهذا الإهداء مدلولات كثيرة.. جذبني بعد العنوان, وصرت أبحث عن ضحايا وشم الروح, ومعنى وشم الروح, لأجد أن هؤلاء الضحايا هم أبطال حكايته, حكاية واحد لعدة نساء ...

وشم روح زبيدة: وشمت بحب  الجاه و السلطة والحكم

وشم روح زاهية: وشمت بحب المال والطمع والبخل  

وشم روح جالاتيا  كان الحرية وشمها فيها نرسيس , وحطمها على هذا الوشم بجماليون الذي اتهمها بخيانته مع نرسيس, يطلب من فينوس إعادتها إلى طور الجماد, تعيدها فينوس وهي تشكك بإنسانيته, وتحسبه شيطاناً, يقول : "لا يليق بهن سوى حالة الجماد التي تقيد من حركتهن"

وشم الروح هو وشم  النرجسي في روح غريمه بمباركة من الشيطان , وهو وشم غير مرئي لأنه يتغلغل في عمق النفس البشرية حيث تكمن الروح , لذا لا يمكن إزالته , وانتزاعه يعني إزهاقها أو على الأقل تمزيقها.

والكاتب يهدي الكتاب إلى ضحايا هذا الوشم .

  

العمل مقسم إلى أربعة أجزاء معنونة حسب الأحداث الواردة في كل جزء, الأول بعنوان : دوَّامة الليل , الثاني: مرافئ الحلم , الثالث:عَود على بَدء, الرابع :ضباب كثيف  

راعى الكاتب في روايته الصورة العامة للصفحة من ترتيب في العناوين والسطور والجمل والحواشي للصفحة, والفقرات, وأدوات التنقيط , النقطة والفارزة وعلامة التعجب والاستفهام , والهوامش ...

1-  البناء الفني  : وهو المدلول الأول للنص, فدلالة النص بناؤه الفني الذي يتمفصل باتجاه مدلولات ذرائعية عديدة تتعاون فيما بينها لتكوين هيكلية هذا البناء بمفاهيم مختلفة تتحد فيما بينها لتعطينا بناءً متماسكاً كما سيوضح في المدلولات المفصلية الذرائعية التالية :

  

أ‌-      العنوان : وهو البوابة التي نلج منها إلى داخل العمل, يلخص مفهوم أوموضوع الرواية, ويعتبر مكوَّناً نصّياً لا يقل أهمية عن المكونات النصية الأخرى, فهو سلطة النص وواجهته الإعلامية, وهذه السلطة تمارس على المتلقي إكراهاً أدبياً, كما أنه الجزء الدال من النص, الذي يؤهله للكشف عن طبيعة النص أو الرواية والمساهمة في فك غموضه, فهو مرآة النسيج النصي, وهو الدافع للقراءة, والشَّرَك الذي يُنصَب لاقتناص المتلقي, وتأتي أهميته من حيث أنه المفتاح في التعامل مع النص في بعديه الدلالي والرمزي, فهو الثريا التي تضيء فضاء النص, وتساعد على اكتشاف أغواره, بذلك يكون العنوان ضرورة بصرية تساعد على اقتحام عوالم النص, لأن المتلقي يدخل من بوابة العنوان متأوّلاً له, وموظفاً خلفيته المعرفية في استنطاق دواله ومفاهيمه تركيباً وسياقاً, وهو جزء لا يتجزأ من عملية إبداع الكاتب ...

لا أخفيكم أنني منعت نفسي بالقوة عن تقليب صفحات الرواية لأصل إلى ما يمكن أن يفسر لي عنوان الرواية ( زالاتيا)..!

لأجدني أمرّ على كل ما أراد الكاتب أن يمرّره لنا من أحداث , مستغلاً حالة التشويق التي وضعنا بها منذ البداية لنصل إلى تفسير العنوان, ولا نصل إليه إلا بعد تقليب 244 صفحة  وبالتحديد في الصفحة 245 وهي تعتبر نهاية الجزء الثالث ,حين أطلق بيير دي ليون على بطلة القصة (زالابيا) اسم (زلاتيا ) مؤكداً لها أن الاسم حرفياً لا يعني شيئاً, لكنه يتسق في النطق مع كلمة أخرى...! ما هي هذه الكلمة ؟ إن قبول زلابيا بتغيير اسمها إلى زلاتيا في هذه المرحلة بالذات هو قرار بالارتباط ب (بيير)  والسفر إليه, إلى بلده فرنسا وإلى عالمه, مغادرة بلدها مصر وأهلها بحثاً عن حياة جديدة تظنها الأفضل, وهنا يكون زلاتيا= السفر إلى الغرب هذا بالمعنى الدلالي ...

أما بالمعنى الرمزي فإن الكاتب يتبع  نفس التكتيك الذكي , ويدعنا في حالة تشوق واستثارة لمعرفة هذه الكلمة الأخرى, والتي لن يكشف عنها إلا في الصفحة 276التي تكشف فيها البطلة عن جوهر الاتساق , زلابيا + جلاتيا = زلاتيا

وجلاتيا هذه هي التمثال الذي نحته بجماليون الذي كان يكره النساء على هيئة امرأة شديدة الجمال, ثم افتتن بالتمثال افتتاناً عجيباً, أحبها, طلب من فينوس أن تبث فيها الحياة, وبعدها تزوجها وأنجب منها ميثارمي وبافوس, جلاتيا هذه لما سرت بها الحياة أرادت أن تغادر البيت, وأغرمت بالطبيعة, بجماليون بهواجسه المريضة ونرجسيته ظن أنها خانته, وأنها تمرّدت عليه, فكرهها وأراد الانتقام منها, طلب من فينوس إعادتها سيرتها الأولى, تمثالاً من جماد, وعندما فعلت قام بتحطيم التمثال...

سنرى لاحقاً إلى أي درجة عالية نجح الكاتب في عنونة روايته عن طريق هذا المعنى الرمزي...

قد أسارع إلى القول أن زلاتيا دائماً تتفقّد رأسها, خوفاً من أن يكون قد تحطّم , أو اغتُصِب .. تقول زلاتيا: " أتفقد رأسي فقط لأتأكد من وجودها ! كثيراً ما أشعر أنها اختفت أو لا تعمل . أتحسسها وأتشبث بها لأوقن أنها ما زالت تتصل بعنقي , رأسي الآن فارغ تماماً وقد توقف عن العمل من فترة . صار بلا فائدة , ربما كان هذا مرادفاً لفصل الرأس عن الجسد .  

  

ب‌-المقدمة أو الاستهلال : هي عبارة عن مفهوم زمكاني  

خرج فيها الكاتب عن المألوف, إذ أن المقدمة بالعادة تعريف بسيط بمكان وزمان الرواية, بعض المعلومات التي تفيد المتلقي حول الرواية, وقد تحوي نبذة سريعة للتعريف بالكاتب وتجربته في الكتابة,

الكاتب هنا أدرك أهمية التشويق والإثارة, وأتقن تسويقهما ابتداءاً من العنوان , مستأنفاً بالاستهلال الذي شدّ به القارئ إلى متابعة الأحداث التالية, وأي أسلوب أبرع من أسلوب السؤال بتحدٍ ومجابهة ؟:

  

هل تذكرني ؟

أثق تماماً في أنك تعرفني ! أنا التي تعرفها . هي من تتصدّر صورتها وسائل الإعلام الآن, وتلوك سيرتها الألسنة في جلسات الثرثرة وبرامج الدردشة, من قرصنت صفحتها على الفيس وامتلأت بالصور والفيديوهات ومقاطع الصوت . لابد أنك طالعت صورتي على شاشة التلفاز, ولحظت تلك النظرة الزائغة والخطى المترنحة .....

  

وكيف لنا من بعد هذا الاستهلال ألّا نتشوّق لمعرفة هذه الشخصية التي تتحدث بهذا التحدّي الممزوج بالغصّة لنعرف ما هي قصتها؟ ومن هذا الذي توجّه له هذا الكلام الكبير؟ وما هي جريمته بحقها؟ وما هي القضية التي وقعت هذه البطلة في براثنها فحرفتها عن سويّتها... ؟!

لقد قدم الكاتب في هذا الاستهلال أضواءً حرص على أن تكون خافتة لكن كافية لإنارة الطريق إلى مخبوءات الرواية, والتي سيكتشفها القارئ كلّما تقدم في القراءة , وسيبقى متلذّذاً بهذا الاكتشاف حتى النهاية ...

المقدمة أو الاستهلال مبنية بطول مناسب, مكثّفة, التفاصيل فيها ليست كثيرة, يعني تحقق معظم مقاييس الدقة المطلوبة في المقدمة ...

  

ج- الزمكانية:

 نعني بها الزمان والمكان, أي زمن الرواية الذي يجمع بين الحقبة الزمنية العامة التي حدثت فيها الأحداث, والزمن الخاص للرواية مثل الشهر واليوم, زمن الرواية العام يمتد من حوالي 220 سنة سابقة من الآن, من زمن الحملة الفرنسية على مصر وخروج الحملة منها (1798- 1801), هذا في قصة زوبيدة الميزوني( زوبي) مع فرانسوا مينو الذي كان قائداً في جيش نابليون في حملته على مصر وتسلم قيادتها بعد مقتل الجنرال كليبر أعلن اسلامه عام(1801) ليتزوج زبيدة الميزوني ..

الزمن الثاني هو الزمن الخاص للرواية, هو الزمن  الحاضر في قصة زولي المحاكمة الشرعية التي تنتظرها بعد انفصالها عن  بيير الفرنسي الذي تزوجته بعد أن أعلن إسلامه ثم ارتد بعدها ...

المكان في كلا القصتين  فرنسا ومصر, الاسكندرية  ورشيد مسقط رأس البطلتين زولي وزوبي ...

  

د- التشابك السردي أو الدرامي (الصراع الدرامي):

هو أوسع المفاهيم لمدلولات البناء الفني.

تنظر النظرية البراغماتية للتشابك الدرامي بخريطة منتظمة الأبعاد والحدود, بثلاثة محاور أساسية تنطلق من قاعدة النص أو العمل السردي ( العنوان), فيتجه المحور الأوسط ( محور التوليد) عمودياً على القاعدتين ( المقدمة والنهاية ) ماراً بالعقدة, وهو المحور الذي يرسم مسار الأحداث من المقدمة فالزمكانية حتى العقدة, ومنها ينقلب الأداء فيه نحو الانحسار, ويسمى جزؤه العلوي ب (المحور الانحساري) حتى يدرك النهاية لمجريات الحل.

يساعد هذا المحور, المحور الثاني ( محور التكوين) المنطلق من الزاوية اليسرى لقاعدة النص, ويحمل فوق تياره جميع الشخصيات المساندة للبطل ( الشخصية الرئيسية), ومشاركة كل شخصية من تلك الشخصيات للبطل هو ظهور مشهد جديد أو حادثة جديدة أو قصة جديدة, حتى يتقاطع هذا المحور مع المحور التوليدي في العقدة, ليبدأ بانحسار تلك الأحداث متجهاً إلى أقصى الجهة اليمنى من النهاية .

وينطلق المحور الثالث ( محور المعارض) من الجهة اليمنى لقاعدة النص متجهاً نحو الأعلى ليتقاطع مع المحورين السابقين في العقدة, ويكمل بانحسار جميع الشخصيات المعارضة التي شاركت  في الصراع الدرامي في المثلث الأول.

وبذلك يُرسَل مثلثان ملتقيان بالرأس في نقطة الوسط (العقدة) ليشكل لدينا صراعاً درامياً منتظماً وحلاً راقياً.

  

وهكذا تنظر البراغماتية السردية بشكل علمي نحو التشابك الدرامي في الرواية...

 وسوف أقوم بتوضيح ذلك بشكل نقدي تحليلي ذرائعي مع تحليل للشخصيات السلبية المعارضة, والإيجابية المساندة .

لقد استخدم الكاتب في بناء الحدث عدة طرق مجتمعة, دون أن يقع في فخ الضياع والتشتّت والتيه, ودون أن تتفلّت منه خيوط  النسيج الأدبي, وهذا مستغرب حقيقة, ونقطة تفوق كبيرة يحوزها بكل جدارة, وقد تحسب له ابتكاراً في عالم الروي ...

استخدم الكاتب الطريقة الحديثة في بناء الحدث, فيها يعرض حدث قصته من لحظة التأزم أو العقدة, ثم يعود إلى الماضي flashback ليروي بداية قصته مستعيناً ببعض التقنيات والأساليب مثل مجرى اللاشعور stream of consciousness

والذكريات Memories وأضاف الكاتب إلى ذلك طريقة جديدة خلط فيها الواقع بالفانتازيا من خلال أساليب وقوالب جديدة سنأتي عليها لاحقاً...

أما فيما يختص بسردية الحدث :

فقداستخدم بالبداية طريقة الترجمة الذاتية حيث لجأ القاص إلى سرد الأحداث بلسان شخصية من شخصيات قصته, مستخدماً ضمير المتكلم,عرفنا لاحقاً أنها الشخصية الرئيسية, يقدم الشخصيات من خلال وجهة نظره الخاصة, ويحللها تحليلاً نفسياً, متقمصاً شخصية البطل, لكنه لم يقع في شرك عيوب هذه الطريقة, والتي تتمثّل في أن يتحكم في مسار نمو الشخصيات, ما يجعل القرّاء يعتقدون أن الأحداث المروية قد حدثت للقاص, وأنها تجارب من حياته, لأنه يقطعها بالطريقة الأخرى, وهي طريقة الوثائق والرسائل التي تتخلّل طريقة السرد المباشر التي استخدمها  الكاتب أيضاً عندما أراد للأحداث أن تتسارع .

  

 عناصر التشابك السردي :

1-  الموضوع :الفكرة التي  تتحرك الحوادث والشخصيات لخدمتها, فإن لم يتحقق ذلك, صار الموضوع دخيلاً على الحدث, وكانت القصة أو الرواية مختلّة ومختلفة في البناء...

وموضوع الرواية يقوم على الصراع الأزلي بين سطوة الرجل وعقل المرأة, هذا العقل الذي لا يراه الكثير من الرجال, بل يرون السلعة التي يريدون التمتع بها, لفترة آنية وعندما تتمرّد على ذلك, يملّونها و يرمونها خارجاً كأي دمية قديمة, هي تمثال جميل من غير المقبول أن يفكر, يحاربونها بأكبر نعمة منّها الله على خلقه, أمومتها, يأخذون أبناء رحمها بلا رحمة ولا شفقة بحكم قوانين وضعية, لا فروقات بينها بين الشرق والغرب, فكلاهما يملك ذات السطوة, وكلاهما عنده نفس القسوة, لتنتهي هي بانتهاك عرضها وعقلها وحتى حياتها...

ساق الكاتب هذا الموضوع ضمن حلقات متداخلة لنساء من الماضي تشابهت قصصهن مع بطلة الرواية التي أخذت على عاتقها مهمة الدفاع عنهن في محاكمات فانتازية انتهت بتبرأتهن من التّهم التي وُجّهت إليهن ظلماً من مجتمهعن كحجج لمعاقبتهن تاريخياً وشرعياً ... أما البطلة فقد انتهى أمرها في مصحة عقلية عقاباً لها على تمرّد عقلها وعصيانها لصاحب السطوة عليها, في مرحلة انتقالية لمحاكمتها شرعيأً بتهمة الزواج من غير مسلم . هناك موضوع آخر مضمر, وهو موضوع زواج المسلمة من غير المسلم, يعلن إسلامه وقت الزواج ثم ينكص أو يرتد عن الإسلام, و تشتّت الأولاد ثمرة هذا الزواج عقائدياً ودينياً وأخلاقياً ...

  

2-  الحبكة:

يمتزج مدلول الحبكة مع مدلول الزمكانية والصراع والشخصيات التي تلعب دورها بشكل حر على مسرح المكانية التي صنعها الكاتب الفذ بزمنين مختلفين ومكانين متباعدين وتلك نقطة ازدواجية أُخِذَت من قبل الكاتب بشكل عبقري , خارطة لسير أحداث الرواية, تتسلسل فيها الأحداث بشكل طبيعي متصاعد .

لم يعتمد الكاتب في حبكه على الحبكة النمطية, من البداية الطبيعية للأحداث ثم التسلسل الطبيعي في حدوث الأزمة ثم تصاعدها ومحاولة حلها, بل اتّبع نمط الحبكة المركبة التي تبدأ الأحداث فيها من النهاية, ثم يتم استعراض الأحداث التي أدت إليها, أي بدأ الكاتب بالعقدة ثم عاد إلى الأحداث السابقة المؤدية إليها ...

حيث بدأها بمنولوج داخلي على لسان البطلة, تعريفي بمشهد النهاية, حشد فيه العديد من مفاصل البناء الجمالي, مضمناً إياها تساؤلات مونولوجية جاذبة ( التقطت مسامعي سؤالاً عن السبب في أني آثرت المتع الدنيوية على نعيم الحياة الآخرة , تنهدت : أخيراً هناك من يهتم بأن يعرف إجابتي, استعرت مقولة زاهية وانبريت في الدفاع بعفوية واستماتة, تساءلت : وهل المعاناة فضيلة ؟ ثم التفت بحركة لا إرادية اتجاه مصدر الصوت فإذا بها أصداء شتى ).

فإذاً النهاية البطلة في محاكمة, لكن محاكمة من نوع خاص, ضبابية في البداية يكشفها الحوار الذي أداره الكاتب أيضاً مونولوجياً, لنكتشف أنها محاكمة شرعية, تحاكم بها البطلة في عقيدتها:

 (- تتفادين رجمك ؟

-        ليتني أستطيع

-        أتعدين لانتفاضة ضد ظالمك

-        أنا متبلدة تماماً ! أخمدت حواسي وليس لي أي دافع

يصفق الرجل بيديه مستغرباً :

-        لا حول ولا قوة

-        لا بأس.. سأقدم لهم هذه الحجارة وأناشد من كان منهم بلا خطيئة أن يرجمني!

-        تستدعين مقولة السيد المسيح! إذن فقد تنصّرت يا امرأة !

-        بل أنا موحدة بالله .

-        لكنك أظهرت نيتك بالقول وفعلت ما سيصدقه من عمل , أليس الاعتراف سيد الأدلة ؟!.

الخارطة التي رسمها الكاتب لإكمال سير أحداث الرواية بعد هذه البداية اعتمد فيها الكاتب نوعين من الحبك: الأولى بتكثيف أحداث واقعية, والثانية حبكة اعتمد فيها على الشخصيات التي زج بها الكاتب والتي  صاعدت الأحداث, بأفعالها وتشابكها التوليدي وتحركاتها المنطقية والغرائبية,عن طريق هذه الشخصيات بانفعالاتها العاطفية المختلفة, جاء الحدث لا لذاته, بل مفسراً لحقيقة هذه الشخصيات التي تسيطر على الأحداث حسب رغبتها وطاقتها.

عمد الكاتب إلى إدخال حلقة أخرى افتراضية, هذه الحلقة هي بحد ذاتها رواية أخرى, تحوي عناصر الرواية كاملة من زمكانية وموضوع و حبكة وعقدة وانفراج ونهاية, شخصيات و حوار ... التداخل الذي تعمّده الكاتب كان في منتهى الذكاء, حيث عمل على التشابه الكبير بين معالم وتفاصيل قصة البطلتين زوبي (الافتراضية الآتية الماضي ) والبطلة الحقيقية زولي , شابك بينهما بمحاكمة جعل فيها زولي تدافع عن زوبي , بل وتساهم مساهمة كبيرة في تبرئتها تاريخياً, وذلك عن طريق مستندات ووثائق تاريخية,  ظهرت بعد موت البطلة فعلياً,  وكان للفانتازيا دورها المميز في ذلك , من رصد لأحلام وكوابيس تراها زولي, تؤخذ على محمل العلم...

 أثناء سير الأحداث, تختفي زولي لفترة مع ظهور الشخصيات المحيطة بها, فنرى أنفسنا أمام رواية بطلتها زاهية, التي تغيب عنها زولي تماماً بصفة الراوي العليم, حيث أن انطباع زولي عنها مناقض تماما لحقيقتها, فلم تكن زاهية مظلومة كما حاولت زولي أن تصوّرها أكثر من مرة, بل لم تكن العفة والطهارة موجودة عندها ولا بأي مرحلة من مراحل حياتها, وهي لفتة دهاء من الكاتب, ربما ليقنعنا بأن البطلة ليست دائماً على حق في حكمها, وأن للمتلقي أن يحكم بنفسه على مجريات الأحداث, وعلى خبايا الشخصيات واستنباط حقيقتها, إن زولي عندما نجحت بتبرئة زوبي أثناء المحاكمة الافتراضية التي اختلطت عليها مع محاكمتها هي, لم تنجح هي في إقناع غيرها أو لم تنجح بتبرئة نفسها أمام محكمة الواقع.

  

3-  العقدة :

يطلق عليها اسم ( الحبكة الأولى)وهي بدء الصراع الذي يخلق الحركة وتقدم أحداث الرواية, المشهد الذي يغير من حياة البطل ويرسله في رحلة كي يحل هذه العقدة.

وقد بدأت منذ بداية الرواية, وكانت عنصر التشويق والإثارة بالرواية, حيث انقلبت الأحداث انقلاباً سلبياً على البطلة, تمرّدها على واقعها الذي تفاجأت بأنها كانت غافلة عن حقيقته, متوهمة أنها سلكت مسلكاً قويماً, عندما غادرت الشرق واتجهت إلى الغرب, على أمل بحياة جديدة تنتشلها من ماض بئيس لم يكن لها يد فيه,  وتأخذها نحو مستقبل مشرق,اختارت رجلها أجنبياً, أوهمها أنه أعلن إسلامه والتزم بدينها, لتفاجأ بعد فترة حياتية تجاوزت الخمسة عشر عاماً  أنجبت منه  خلالها ولدين, أنها كانت عبدة لغريب لم يحترم معتقدها يوماً, كما لم يحترم عقلها, ولا ذاتيتها, بل كانت أنموذجاً لأبحاثه المادية التي تدعم إلحاده, فقط جعل منها آلة, يحترمها بقدر ما تقدّم من خدمات يفرضها الواجب والمطلوب,و يوافقها على أي شيء لا يناقض الصورة التي حرص على رسمها لها. وعندما تمرّدت عليه وقارنته ببجماليون لم ينكر حقيقته, بل أكدها وكاشفها بموقعها عنده, نعم هي عبدة يمنّ عليها أنه رفعها من القعر الذي كانت تعيش به في بلدها مصر إلى الفضاء الذي جعلها تحياه في فرنسا, ولا مكان للدين عنده:

(- أنا ارتقيت بك بمنطق الفرانسولية , لا تحاكميني بمنطق ديانتك!

-هي عبودية إذن وليست ترقية! تحولي ليس صنيعك بل صنيع ربنا وأمامه نحن متساويان . لست سيدي ولا أنا عبدتك! أنت طوّرت هيئتي وطريقة معيشتي ونمط حياتي, قبلت ذلك في إطار زواج شرعي لا يتعارض مع ديانتي, لكن أنتمي لآخر الديانات السماوية, ورسولي هو خاتم المرسلين, الذي بعث ليتمم مكارم الأخلاق)

 بيير اتبع نفس منهج بجماليون, أراد تحطيم زولي, ولم يجد نقطة ضعف عندها إلا أمومتها, فطعنها بتلك النقطة, أراد الاحتفاظ بها عبدة, عندما جادلته بجدوى بقائها معه بعد أن أعلن هويته وانتمائه, (- ما دمت قد أعلنت عن هويتك ! لم الحرص على أن أعود؟

- لابد أن يكون لك قبر ليزوره أبناؤك, تلك طقوس لدينا).

عندما رفضت حرمها من حضانة ابنها (آلان) , عندما رجعت إلى مصر كان بانتظارها محاكمة شرعية أقامها عليها أقرب الناس إليها أخوها رؤوف بدافع الطمع بالاستحواز على ممتلكاتها والفكر الطائفي الإرهابي ,حيث كان أحد رجالات الجماعات الدينية المتطرفة التي كانت لا تتوانى عن قطع الرؤوس, والذي لم يكن تطرفاً من تفكير بيير زوجها, حيث كانت فكرة المحاكمة بالتآمر بينهما بحال من الأحوال, إضافة إلى تكالب شخصيات أخرى( عماد) كانت تضمر لها الحسد والحقد,  حرمانها من حضانة آلان, وعلمها أنه له ميول جنسية مثلية, أصابتها بلوثة عقلية جعلتها تقف على باب المدرسة توزع الحلوى على الأطفال وتهذي بكلام المجانين, بموجب بلاغ مقدم من رؤوف للنيابة العامة يتم الحجر على زولي ويتم تعيينه مديراً مؤقتاً على أموال وأملاك زولي, تتدهور حالة زولي, يقوم رؤوف بإدخالها منشأة صحة نفسية, يستشهد بتقرير طبيب نفسي مزوّر-هذا الطبيب هو زوج صديقتها كريمة هذّده رؤوف بابنه- يوصي بحاجتها للعلاج بالجلسات الكهربائية لإصابتها بالمتلازمة التصلبية .

4-  الانفراج:

بعد أن التقت جميع خيوط الصراع وبلغت ذروة التعقيد في العقدة ( زولي في مصحة نفسية) و تتجه الأحداث إلى إيقاعها الطبيعي الذي بدأت به, حيث ننتهي إلى الحقيقة التي بمقتضاها يحل البطل الصراع, حيث يلقي البطل عن عاتقه مسؤولية علمه بهذه الحقيقة, لأنها صارت مرئية أمام جميع شخصيات الرواية.

انفراج يعلن فيه بيير أن زلاتيا عادت إلى زلابيا, إن كان قال ذلك احتقاراً لها من وجهة نظرة المتعجرفة, لكنها بالواقع إقرار بأنها أصبحت حرة, لم تعد عبدة, تحرّرت,أقرّ هو بذلك, وأقرّ بأنها ستفعل...! فماذا ستفعل ؟! نهاية مفتوحة ...

( بعد أن ينجح رؤوف في الحجر عليها وحجزها بمستشفى الأمراض العقلية. يزورها بعد إلحاح ابنتها . يحاول أن يكون لطيفاً معها. يطمئنها على ولديها . تبدو شاردة تماماً . يفتح السكايب , يطالعها آن وآلان بحالتها المزرية, ساكنة تماماً كالتمثال , شاردة مشتتة كالحطام. يفزعان . يناديان على بيير . يتساءلان : " هل هذه زلاتيا؟"

يتأملها متشفياً يهز كتفيه: - لا لم تعد زلاتيا

يهتفون في صوت واحد: -يا إلهي من تكون إذن؟

يرد في فتور:- عادت الآن إلى زلابيا.

ينخرطان في البكاء. يصرخان : زولي.

يهمس بيير مبتسماً: ستفعل .)

  

  

تحليل الشخصيات ضمن الحبكة والتشابك السردي والزمكانية المزدوجة:

الشخصية القصصية هي أحد الأفراد الخياليين أو الواقعيين الذين تدور حولهم أحداث القص أو الروي, ولا يجوز الفصل بينها وبين الحدث, لأن الشخصية هي التي تقوم بالحدث, وقد طبق الكاتب الفذ الدكتور شريف عابدين هذه الحيثية تطبيقاً دقيقاً, حيث استعان بالشخصيات الخيالية والشخصيات الواقعية بمقاربة وإسقاطات بمنتهى الروعة...! كلا الشخصيات الخيالية والواقعية كانت تتحرك ضمن الأحداث بطريقة فاعلة ومنفعلة, لا يمكننا أبداً أن نفاضل بين حركة زوبي - كشخصية خيالية أو افتراضية في زمن الروي الحالي - وبين حركة زولي كشخصية واقعية, أقول ذلك فقط بمقاربة الشخصيتين المتشابهتين ...

ومهما حاول الكاتب أن يكون نائياً, فهو بالحقيقة ينتقي من الشخصيات شخصية يوظفها للتعبير عن أفكاره وآرائه, تكون هي الشخصية المحورية التي تتجه نحوها أنظار باقي الشخصيات , وهي التي تقود مجرى الرواية العام, وقد درج على إطلاق مصطلح البطل على هذه الشخصية, وهي التي تستحوذ على اهتمام القاص, وتمثل المكانة الرئيسية في القصة, وقد تكون إيجابية أو سلبية, أو متذبذبة بين موقف وآخر, قد تكون محبوبة أو منبوذة من قبل القارئ, المهم أنها تمثل المحور الرئيسي في القصة, والقطب الذي يجذب إليه كل العناصر الأخرى ويؤثر فيها.

اللافت أن الدكتور شريف عابدين - وبدهاء شديد- صرف نظرنا عن هذه الشخصية في جزء كبير من الرواية, في محاولة منه لرد هذه الشبهة عن نفسه, في البداية لفت نظرنا إليها بل وشدّنا إلى معرفة حقيقتها واستجلاء غموضها, ثم عرض لها عرضاً عادياً عبر سرد أحداث كانت فيها تتحرك ضمن أحداث تخدم الشخصية الخيالية ( زوبي), لنفاجأ بعدها بأنها تحتل ساحة الأحداث جميعها ابتداء من الجزء الثالث الذي عنونه ب ( عود على بدء)

الذي يبدؤه بعنوان ( البحث عن زولي ) هذا العنوان الذي يوهمنا فيه أن البحث عنها هو ضمن حدث واقعي, لكن الحقيقة هي أنه يعيدنا إلى البحث عنها بتفاصيلها الداخلية وملامحها الخارجية  وفعلها وتفاعلها مع الأحداث كشخصية رئيسية لا ينبغي إغفالها أكثر من ذلك...

أنواع الشخصيات الفنية التي أدخلها الكاتب في روايته :

1-  الشخصية الرئيسية :

زولي أو زلابيا أو زلاتيا, اختارها الكاتب ضمن مواصفات الجودة المعتمدة في اصطفاء الشخصية الرئيسية, مستقلة برأيها, قوية تتمتع بحرية الحركة داخل الرواية, تزداد فاعليتها كلما منحها الكاتب مساحة فائضة من الحرية, فتتحرك بما يتناسب مع إرادتها وقدراتها التي تزداد بازدياد حجم أفق الحرية الممنوحة من قبل الكاتب الذي يختفي ظاهرياً , بينما فعلياً هو متخفي بعيداً يراقب صراعها, بين انتصار وإخفاق في خضم المحيط الاجتماعي الذي ألقاها فيه...

استخدم الكاتب في عرض شخصية زولي  الطريقة التمثيلية غير المباشرة معطياً الحرية للشخصية للتعبير عن نفسها, و أفكارها وعواطفها وميولها, مستخدماً ضمير المتكلم, فها هي تقدم نفسها وقضيتها :( لا بد أنك تكرهني, لكن هل تدري أنك ربما تكون قد ظلمتني؟ هل تعلم أن مثولي أمام تلك المحكمة تعني إحالة أوراقي إلى المفتي ؟ أنا لا أريد سوى أن أقول كلمتي. لا أطلب منك شيئاً سوى أن تستمع لي, قد لا أستحق شفقتك .. أعرف . ولا تعاطفك .. أعترف . أخمن أنك ستقول: لن أهتم بالإنصات إلى امرأة تبدو آثمة , حتى لو أدلت باعترافات مثيرة ؟ أرجح أنه لا يعنيك دفاعي عن اندفاعي , ولا اعترافي باقتراف الإثم. سوف تتوقع أني سأسعى إلى تبرئة نفسي , وأني سألقي باللوم على الظروف التي اقتادتني, حسناً, أنا أيضاً لا يعنيني موقفك, فقد تعودت التجاهل, وأوقن : أن من دُهِسَت تماماً, لا تكترث بأن يستمع أحد إلى صوت استغاثتها. عموماً لا بأس . مثلما أحتاج إلى أن يُنصَت إلي , أحتاج إلى أن أُنصِت. فليكن صوتي رفيق وحدتي في الرحلة الطويلة. لم أكن ألتفت ورائي تفادياً لطعنة من يتربص بي , بقدر ما كنت أوثر ألا تسدد من الخلف . تمنيت فقط أن أسقط على ظهري , ليكون وجهي قبالة السماء , فتمد لي يدها وتأخذ بيدي كي أنهض).

بهذه الطريقة التمثيلية جعل الكاتب البطلة تعبّر عن نفسها , وتطلعنا على ملامحها النفسية, وصفاتها الشخصية, إنسانة مظلومة,مسحوقة, متهمة بقضية إن بت فيها المفتي ستودي بها إلى حبل المشنقة, ومع ذلك هي صلبة, حرّة, على قدر من الإيمان يجعلها صابرة حكيمة, لا تنتظر النصرة والنجدة من البشر, بل من رب البشر, واثقة من نفسها, أبيّة وشجاعة, مؤمنة بعدالة قضيتها ولو كان المصير أسوداً.وبذلك أمّن الكاتب الفذ للشخصية الرئيسية كلالشروط التي يجب أن تتصف بها الشخصية الفنية :

- مقنعة معبرة عن نفسها , بعيدة عن التناقض .

-        حيوية فعالة ومتفاعلة مع الأحداث, متطورة بتطورها.

-        يتوفر فيها عنصر الصراع, ويقصد به الاحتكاك بينها وبين نفسها وعواطفها الذاتية أو عقيدتها , أو عقلها , أو بينها وبين شخصيات أخرى, كما سيأتي ذكره في السرد.

كما نرى أن الكاتب رسم أبعاد الشخصية بدقة:

-        البعد الجسدي : رشاقة لافتة, قوام ممشوق, نهدان وردفان ممتلئان نسبياً, حسنة مميزة لوجهها تضفي إليه بعض الإثارة  

-        البعد الاجتماعي أو السلوكي :فتاة نشأت ببيئة فقيرة لأم قاسية نوعاً ما, وأب بائع حلوى, تشاركوا المنزل مع عائلة أخرى, خضعت لعملية ختان, كما تعرضت لمحاولة اغتصاب, عملت نادلة في مقهى, تعرفت فيه على ( بيير) الفرنسي الذي ارتبطت به بزواج بعد أن أوهمها أنه أعلن إسلامه, ثقفت نفسها ونجحت كأي امرأة فرنسية .

-        البعد النفسي: امرأة عانت من الشعور بالإحباط والكآبة , لها تاريخ مع الحبوب المهدئة, تنتابها أحلام غريبة, وهناك كابوس يتكرر, حيث ترى نفسها : عارية ملثمة, فوق قمة مرتفعة, ترتعد خوفاً من السقوط .

2-  الشخصية المساعدة:

مهمتها المشاركة في نمو الحدث القصصي , وبلورة معناه والإسهام في تصويره, نلاحظ أن وظيفتها أقل من قيمة الشخصية الرئيسية, رغم أنها تقوم بأدوار مصيرية أحياناً في حياة الشخصية الرئيسية ...

لقد استطعت أن أحدد عدد من هذه الشخصيات في الرواية, ولا أدري إن كنت محقة إن اعتبرت زبيدةالميزوني(زوبي) الشخصية الخيالية هي أهم هذه الشخصيات, كونها كانت النظير أو الشبيه الذي أسقطت عليه الشخصية الرئيسية حالتها, واستفادت إلى حد كبير من تجربتها, لدرجة أن البطلة أرادت أن تتجنب الأخطاء التي وقعت فيها تلك الشخصية كيلا تلقى نفس المصير القاتم, لقد أثرّت ( زوبي) على ( زولي) في حيثية هامة جداً, هي معرفة الذات, وتحديد إمكانياتها وقدراتها, بل ومدّها بالأسباب المقنعة التي استطاعت فيها إثبات عدالة قضيتها والانتصار لها, هذا الانتصار الذي حققته (زولي) برأيها عندما صدر الحكم ببراءة ( زوبي) من تهمة أنها صابئة ومرتدة عن الإسلام بزواجها من (مينو)القائد الثالث للحملة الفرنسية على مصر.

أبعاد هذه الشخصية ( زوبي)

  

-البعد الجسدي أو الجمالي :

طويلة القامة, مبسوطة الجسم, عادية الجمال, قمحية اللون بلون المصريين المألوف, شعرها طويل فاحم.

-        البعد السلوكي: لطيفة, هادئة, صبورة, فخورة بعائلتها المجاهدة, تملك روح الدعابة, جريئة, متواضعة, عندما اضطرت للعمل عملت عند خادمتها.   

-        البعد الاجتماعي : فتاة من عائلة من أعيان رشيد, أصول أجدادها من الموركسيين الذين أسلموا وحافظوا على إسلامهم حتى بعد سقوط غرناطة, أُرغموا على التنصّر لكن جدها تمسّك بإسلامه, ملتزمة بأحكام دينها, وبقيت ملتزمة بزيها المملوكي, عباءة وبرقع حتى بعد أن تزوجت (مينو) وذهبت معه إلى فرنسا, رفضت بشدة تنصير ابنها من قبل زوجها .

  

الشخصية الثانية المساندة التي تمكنت من رصدها هي :

كريمة:

يمكن اعتبار كريمة من الشخصيات البسيطة الثابتة التي تبقى على حالها من بداية القصة إلى نهايتها, لا تتطور, تولد مكتملة على الورق لا تغير طبائعها أو ملامحها الأحداث ولا تزيد ولا تنقص من مكوناتها الشخصية.

كانت كريمة إلى جانب زولي منذ البداية, صديقة صدوقة منذ الصغر, تقدم لها النصائح, وتقف إلى جانبها في كل الأزمات التي مرت بها,  واستمرت على هذا الحال, حتى أنها احتجت على زوجها الدكتور وصفي عندما قدّم بحق(زولي) شهادة طبية مزورة.

·       يمكن أن نضيف إلى قائمة الشخصيات المساندة أيضاً (جينولييه)الكاتب الأديب, والذي أراه هو الكاتب نفسه الدكتور شريف عابدين, يتدخّل عندما تعجز الشخصية الرئيسية عن إيصال مفهوم صعب تُحار فيه, فهي بحكم ثقافتها التي أخذتها من بيير بالقدر الذي أراده بيير, تكون قاصرة عن الإتيان بكل المفاهيم, فيتدخل الكاتب بشخص جينولييه ليسد هذا القصور, كما بدا واضحاً في حديثهما عن مفهوم الارتقاء والمعاناة والغرائز, حيث قام جينولييه بتفسيره علمياً وفلسفيأً, يردد جملة قالتها هي سابقاً لكن بغير إثبات, وبغير وعي: عندما يفقس بيض الطيور في القفص أفراخاً بلا أجنحة. تسأله زولي :

-        ألم نلتق من قبل ؟

-        لسوء حظي لم أتشرف بمعرفتك , حتى قادتني إليك مدموزيل دي ليون واللوموند.

-        أشعر أنا تلاقينا, ربما هو نوع من التخاطر ...

  

وأنا أقول بل دهاء من الكاتب.

  

·       هناك شخصيات يمكن ان نصنفها بأنها شخصية نامية مثل (آن ماري ) ابنة زولي, وهي التي تتطور من موقف إلى آخر, بحسب تطور الأحداث, لا يكتمل تكوينها حتى تكتمل القصة, بحيث تتكشف ملامحها شيئاً فشيئاً خلال الرواية, تتطور تدريجياً خلال تطور القصة وتأثير الأحداث فيها ... هكذا بدت آن ماري, طفلة في الرابعة عشر مارست الجنس بمباركة من والدها بيير, ووشمت وشماً على فخذها, عندما غضبت زولي من فعلها بادرت فوراً إلى إزالة الوشم, مع تطور الأحداث, تعاطفت مع أمها وآمنت بعدالة قضيتها وحاولت مساعدتها بإيصال قصتها للرأي الدولي و العام عن طريق الصحافة ...

  

3-  الشخصيات السلبية أو المعارضة:

وهي شخصيات تمثل القوى المعارضة في الرواية, وتقف في طريق الشخصية الرئيسية أو الشخصية المساعدة, تحاول بكل جهودها عرقلة مسيرها, والشخصية المعارضة أيضاً شخصية قوية,ذات فعالية في الرواية, وفي بنية حدثها الذي يعظم شأنه كلما اشتد الصراع فيه بين الشخصية الرئيسية والقوى المعارضة, وتظهر هنا قدرة الكاتب الفنية في الوصف وتصوير المشاهد التي تمثل هذا الصراع...

من أبرز هذه الشخصيات:

بيير دي ليون:

زوج زولي, باحث اجتماعي فرنسي عرفته زولي في مطار النزهة حيث كانت تعمل نادلة في( كافيتيريا) المطار, كان يتردد على المطار بشكل دائم, حيث كان يعدّ بحثاً في علم الاجتماع عن التنمية البشرية في الدول النامية.

لم يتصارع ( بيير ) مع الشخصية الرئيسية ( زولي) منذ البداية, بل على العكس, كان أقرب ما يكون إلى الشخصية المساندة في صراعها مع نفسها ومجتمعها عندما ظلمها أبناء جلدتها, ابتداءاً من محاولة اغتصابها من قبل عماد, ورد فعل أهلها ومن حولها من شخصيات صبّت عليها كل أنواع اللوم والتقريع, ضمن هذه الأجواء السلبية كان بيير الشخص الإيجابي الذي دعم زولي  بتعزيزنفسي ومعنوي أعاد فيه بناء ما تحطّم فيها...

سأحاول رصد أبعاد هذه الشخصية:

-        البعد السلوكي : شخصية هادئة جداً حد البرود,لامبالية بالشريك إلا بقدر ما يطلب, متناقضة بين المبادئ الاجتماعية التي تتبناها ظاهرياً وبين التطبيق الحياتي, تفتقد النخوة والغيرة التي من النادر أن تغادر الرجل ولو كان غربياً.

-        البعد الأخلاقي: شخصية مخادعة ومراوغة, ملحدة, تشجّع على الرذيلة ضمن مفهوم الحرية الجنسية,متكبّرة, قاسية جداً في انتقامها.

-        البعد النفسي والفلسفي: شخصية نرجسية, تتبنى مقولة براجماتية لبجماليون ( أنت حر طالما أنت عبدي), بجماليون الأسطورة كان المادة العلمية التي أقام عليها بحثه, وتبنى عقيدته.شخصية حقودة تنتقم بطريقة باردة مدروسة.

-        البعد الاجتماعي: شخصية مثقفة جداً, مرموقة, لها مقدرة على الإقناع والدعم, كريمة مادياً, تنفق ببذخ, حريصة على التعايش ضمن صورة ترسمها بنفسها لها ول(زلاتيا), روتينية جداً.

          رؤوف عبيد شحاتة:

          شقيق زولي الوحيد, والأصغر منها, كان المتآمر الأول الذي حاول بكل ما أوتى من مقدرة أن يقود الأحداث باتجاه تضييق الخناق على البطلة وإيصالها إلى مرحلة تنعدم فيها كل قدراتها العقلية والنفسية, بل وحتى الجسدية, ليستحوذ على أملاكها...

أبعاد هذه الشخصية :

-        البعد السلوكي : شخصية إرهابية دموية, ماكرة, عصبية انفعالية, متبلدة المشاعر, ترتكب الكثير من الموبقات تحت ستار الدين, انتهازية, لا تؤتمن لا على سر ولا على عرض, تسرق, تنتهك, تزوّر, تهدّد, تقتل, تذبح العلمانيين , تحت شعارات طائفية ودينية, لكن لم تتورع عن الاتفاق والتآمر مع بيير الملحد ضد أخته وعرضه ( زولي)

-        البعد الأخلاقي: شخصية قاسية منحلة أخلاقياً, منافقة, متفيهقة, معدومة النخوة, تتصرف بنذالة مع البطلة مع أنها شقيقته الوحيدة, ومع غيرها...

-        البعد النفسي والفلسفي: شخصية مريضة بالنرجسية ومركب النقص, تقتص من كل من يقف في طريقها, بل وتهاجم شخصيات بعينها مدفوعة بأفكار وهواجس نفسية مريضة,

-        البعد الاجتماعي: شخصية نشأت في بيئة فقيرة , فقيرة ثقافياً, المتاح كان أفكار دينية متطرفة, أعطت الشخصية مدى حرية إجرامية واسع, إن كان القتل هو ذروتها فكل ما تحت الذروة مباح بمباركة تلك الأفكار, وتلك البيئة...

عماد حنفي :

أول شخصية آذت الشخصية الرئيسية ( زولي), في سنوات مراهقتها, أول بوح, و أول إثم, وأول خيبة...

لم يكتف يتوقف صراعه مع  البطلة( زولي) طوال أحداث الرواية, غاب فقط في فترة وجود زوبي في فرنسا, تعود لمصر ويعود ليتابع الصراع معها بالتآمر مع رؤوف ...

أبعاد الشخصية :

-        البعد السلوكي: محام مرتزق, يعيش على حساب النساء, بخيل, انتهازي .

-        البعد الأخلاقي: شخصية انبطاحية, جبانة, وقحة تأخذها العزة بالإثم, منحرفة, فيها نذالة واضحة, تخون الأمانة, تزوّر, تحتال, تفتري الكذب, وتلفق التهم.

تقوم بأعمال غير مشروعة, غسيل أموال ( زاهية), يتعامل بكل ممنوع والمخدرات أقلها.

-        البعد الاجتماعي: شخصية نبتت في بيئة يختلط فيها الحلال بالحرام, محكومة بجهل الأم وسطوتها, و العلاقات الجنسية المشبوهة, بلا رادع من خلق أو محاسبة من ضمير, مستنقع من محرمات يتم تغطيتها بمشروعية خيرية .

زاهية:

 يمكن اعتبارها من الشخصيات البسيطة التي بقيت على حالها منذ بداية القصة إلى نهايتها لم تتطور, كما حاولت زولي أن تقنعنا بذلك , زولي كانت غافلة عن حقيقة طباعها التي ولدت مكتملة أساساً على الورق, الأحداث فقط ساهمت في إظهار ملامحها , لكن لم تزد ولم تنقص من مكوناتها الشخصية, إنسانة جاهلة, ساقطة أخلاقياً, مشبعة بالغرائز, جشعة تحب المال, ولا تتورع عن فعل أي شيء في سبيل الاستحواز عليه, بخيلة وأنانية حتى أنها بخلت على نفسها بالعلاج, فاكتفت بتناول المخدرات لتخفيف آلامها من المرض العضال الذي أصابها من إفراطها في تناول المسكرات, كما أنها بخلت على ابنتها هدى ولم تدخلها الكلية , بل اكتفت بإدخالها معهد طبي, نفقاته قليلة, بقيت تأخذ من زولي نقوداً منذ البداية, ولم تتوقف عن ذلك حتى بعد أن أصبحت من الأثرياء, تهربت من دفع الضرائب بعمليات غسيل أموال, بمعاونة عماد, و لم تحفظ لزولي معروفاً, بل انتهزت أول فرصة لنهشها والنيل منها بتدبير فيلم إباحي مفبرك لها, بمساعدة عماد الذي قام بتقديمه للمحكمة لتشويه سمعة زولي, تموت مقتولة ...

د. عبير يحيي


التعليقات




5000