..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


المحمول الجمالي المتحول في شعر علي الجندي:

عصام شرتح

فواعل المتحول الجمالي:

1-الإيحاء

2- التكثيف

3- التبئير

4- الحيوية

المحمول الجمالي ( المتحول ):

لا شك في أن لكل منتج فني إبداعي مؤثر محولات جمالية ثابتة، وأخرى متحولة تستثير الفن، وتحقق طاقاته الإبداعية المميزة، وسبق أن تحدثنا عن المحمولات الجمالية الثابتة بوصفها قيماً جمالية جوهرية تكاد تكون قيماً راسخة، أو ثابتة تتوافر في كل منجز إبداعي فني مؤثر دون تحديد؛ وأما المحمولات الجمالية المتغيرة فهي خاصة بالمنتج الفني الإبداعي ذاته، ولا علاقة لها بما سواه، فقد تتوافر في بعض المنتجات الفنية، وتغيب في بعضها الآخر، تبعاً لفاعلية كل منتج فني على حدة، وسميت هذه المحمولات بالمتغيرة ، لأنها قيم جمالية تتغير من منتج فني إلى آخر، ومن فن إلى آخر، تبعاً لطاقة كل فن من الفنون، وطريقته الفنية، وأسلوب إنتاجه، وعنصر استثارته وتأثيره في المتلقي.

ولما كان من مؤثرات الفن مجموعة قيم فردية وجماعية( بيئية) و( زمكانية) فإن متغيرات الفن بالضرورة هي متغيرات نابعة من طاقة الفنان ذاته، وإمكاناته ومؤثراته، إذ إن الفنان هو مجموعة قيم، ومشاعر وأحاسيس، وسلسلة تفاعلات تظهر في المنتج الفني، ويظهر أثرها من قريب أو بعيد، ولهذا، تبدو المتغيرات الجمالية في المنتجات الفنية متغيرات تنبع من ضرورة الفن ذاته من جهة، ومن ضرورة التجربة وخصوصيتها الإبداعية من جهة ثانية، ومن البديهي- حيال ذلك- أن تظهر هذه المتغيرات في القيم الجمالية، وتختلف من منتج فني إلى آخر، ومن فن إلى آخر، وهي ليست متغيرة فحسب، وإنما تملك زوغانها الخاص ضمن المنتج الفني ذاته.

وبما أن الفنان- بالأساس- يملك استعداداً خاصاً لتلقي المؤثرات البيئية، ويعكسها في منتجه الفني، فإن أبرز ما يرفع وتيرة منتجه الفني توظيف الفنان لهذه المؤثرات بما يخدم بنية المنتج الفني، وهي قيمته الجمالية وطاقاته الإبداعية، يقول جان برتليمي:" علم الجمال: إجمالاً ليس إلا إحدى الممالك في كون من القيم أكثر اتساعاً"(1). وهذا يعني أن القيم الجمالية تتوالد باستمرار، وتتسع مؤثراتها ومتغيراتها في هذا العالم الإبداعي الوجودي المتغير؛- وبقدر ما ترصد الفنون هذه المتغيرات وتواكب إحداثياتها التقنية المتطورة ،بقدر ما ترتقي الفنون، وتزدهر، وتنمو قيمها الجمالية.

والفن- من منظورنا- ينبغي أن يواكب التطورات الحاصلة في حياتنا، ويخلد لحظاتها الوجودية، ويبني قيمه الفنية، تأسيساً على هذه المتغيرات ، ليكتسب الفن مصداقيته بملامسة دواخلنا ومشاعرنا، وما يتناهب حياتنا من مؤثرات، ليكون الفن صورة عن الحياة، بل الحياة بمجملها في قالب فني يأسرنا ويجذبنا إلى طيفه الإبداعي مشدوهين بلذة لم نعهدها( لذة الفن الحقيقي الخالد).

وبهذا التصور، يكتسب الفن جماله، ويحقق هدفه الفني ووظيفته التأثيرية في الحياة والمجتمع، والفن إن لم يواكب الحياة، ويكون صورة حية نابعة عنها لن يرقى بقيمه الجمالية، ولن يستمر طويلاً كفن إبداعي حيوي خالد، أو مهيئ للخلود، والرقي والتطور الدائم.

 

وبتدقيقنا - في شعرية علي الجندي- نلحظ غنى قصائده بالمثيرات التشكيلية الغزلية التي تشي بالإثارة والمتعة، والتكثيف والإيحاء، وهذا ما تشي به قصائده التشكيلية التي تأتي مراوغة، مكثفة للقطات التتابعية، كما في قوله:

" الله ياحبيبتي ، يا زهرةَ الشتاءِ / ياقصيدةَ الزبدْ ، / يا نجمةَ العقيقِ ؛ يا عصفورةَ الحنينِ ؛ يا شرارةَ الجنونِ ؛ يا ألوهةَ الجسدْ ! / تحرقُني أوهامي البحريـةُ السوداءُ ، تحتمي بمعطفي حمائمُ الأبدْ ، أرى وراءَ كلِّ غيمةٍ ليليةٍ ؛ عقاربَ الهربْ"(2).

هنا، نلحظ المباغتة الإسنادية في التشكيل ، إذ يأتي محمولها التشكيلي مراوغ وملتهب بإثارة الأشكال المراوغة، وهذا يعني أن كثافة الرؤى التي تثيرها الأنساق التشكيلية غاية في المتعة والمكاشفة،كما في الأنساق التشكيلية:[يازهرة الشتاء/ ياقصيدة الزبدْ/حمائم الأبدْ/ عقارب الهرب]، إن قارئ هذه التشكيلات يدرك أن حاملها ومحمولها الجمالي يأتي مراوغاً، مكثفاً للمشاهد المتحركة بكل حراكها ورؤاها المكثفة على شاكلة قوله:[ أوهامي البحريـةُ السوداءُ/ عصفورةَ الحنينِ]،وهكذا، تشتغل قصائد علي الجندي على تكثيف الرؤى عبر الأنساق الموصوفة/ والمضافة، لتحقيق شعريتها ورؤيتها المكثفة، كما في الأنساق الوصفية التالية:( عقاربَ الهربْ/ حمائم الأبد)، وهذا يعني أن شعرية الأنساق اللغوية تتأسس على مغريات الأنساق الجدلية بمحركاتها ورؤاها المكثفة، فلو تأمل القارئ في الأنساق التالية:[ عقارب الهرب] و[حمائم الأبد] لأدرك الانزياح اللغوي، فليس من المألوف أن يكون للهرب عقارباً، وليس من المألوف كذلك أن يكون للأبد حمائمَ، وهذا دليل على الانزياح الإسنادي لإثارة الصدمة والمفاجأة النصية في التشكيل، وهذا دليل أن شعرية الشاعر تعتمد على بلاغة الجملة وانزياحها اللغوي الخلاق بين حاملها ومحمولها الجمالي، ولذلك يمكن التأكيد على أن"بناء الجملة هو الذي يكشف عبقرية الشاعر، ويظهر تفرده وامتيازه. إن الشاعر الفرد عليه أن يشق طريقه المتميز من خلال كم المفردات الهائل الذي استخدمه قبله مئات الشعراء، ومن خلال الأنظمة النحوية المحدودة، وعليه أن يختار بينها ما يجعله فريداً متميزاً، ويعطيه تأشيرة الرحلة عبر العصور والأجيال."(3).

واللافت أن الشاعر علي الجندي يرتقي يكثف من فاعلية الأنساق الغزلية التي تشف عن معانٍ مثيرة ورؤى مباغتة، كما في قوله:

"" آهٍ يا حبِّي المجدولَ بدمعِ أصابعِ كفي ،

يا جدولَ موسيقا يجري ما بينَ ضلوعي مثلَ نسيمٍ بحريْ

يا زهرةَ وجدٍ ليسَ لها بينَ الأزهارِ مثالْ

يا بحـرةَ لونٍ شفقيٍّ لا يوصفُ ، يا نهرَ سؤالْ "(4).

إن قارئ هذه الأسطر الشعرية يدرك فاعلية الصورة المكثفة، التي تشيس بدلالاتها الغزلية المشعة بالرؤى وابدلالات المكثفة، فالشاعر يدرك فنية الصورة وإثارتها من خلال الدلالات التي يبثها بين الجمل، لتأتي على أعلى مستوى من الفاعلية والتكثيف والمباغتة الإسنادية، وهذا دليل" أن القيمة ليست في المفردات ذاتها ومن حيث هي كذلك،ولا في النظام النحوي في ذاته،ومن حيث هو كذلك،ولكنها في الاختيار الدقيق بين المفردات والنظام النحوي"(5).واللافت في الأنساق الشعرية السابقة غنى التشكيلات المراوغة، كما في الأنساق التالية:[ حبي المجدول بدمع أصابع كفي/ جدول موسيقا/ نسيم بحري/ نهر سؤال]، فكل نسق شعري من هذه الأنساق يفاعل محموله بحامله الجمالي ، عير الصفة وموصوفها حيناً(حبي المجدول)و(نسيم بحري)،وعبر المضاف والمضاف إليه،حيناً آخر، كما في قوله:[ جدول موسيقا]و[ نهر سؤال]، وهذا دليل أن الشعر:" يعتمد على نظام إشاري يختلف عن النظام الذي يستخدمه المتكلم العادي، أو حتى الشاعر نفسه في حياته اليومية، ويقوم هذا النظام على مصاحبات وتقابلات غير متوقعة تجمعها وحدة متجانسة تختلف عن الوحدة التي تجمع لغة الكتابة النثرية"(6).

 

وما يميز تجليات الشعرية بين الحامل والمحمول الجمالي في الأنساق التركيبية عند علي الجندي، أنها تعتمد عنصر المباغتة والدهشة النصية بين المسند والمسند إليه، لترقى أعلى درجات الفاعلية والتكيف الإيحائي، كما في قوله:

"" على عينيَّ حزنُكِ يا موردةَ الحنانِ وشاحُ آهات

وفي صدري ينزُّ الأمسُ والآتي .

وأفرحُ يا نسيمَ الغوطةِ المحموم في أيامِ آذارِ

أحسُّ الجنةَ العطريةَ الأذيالِ في داري .

إذا غنيتُ فوقَ إهابِكِ الضوئيِّ أشعاريْ "(7).

لابد من الإشارة بداية إلى أن الحامل الجمالي يتعلق بإنرلاق محموله الجمالي، فالمحمول النسقي الشعري الفاعل هو الذي يقتضي النسق البعيد عن التوقع والمنزلق بالدلالة،وكلما ازدادت الهوة (مسافة التباعد) بين الحامل ومحموله الدلالي في النسق الشعرية ازدادت القيمة الشعرية، للنسق الشعري وارتقت جمالياً بالسياق الشعري المتموضعة فيه.

وهنا، نلحظ ازدياد مسافة (الانزلاق) والتحول بين(الحامل/ والمحمول ) الجمالي في النسق الشعري التالي( موردة الحنان) و(شاح آهات)( الجنة العطرية الأذيال) ،فهذه الأنساق الشعرية قمة في التوهج والخصوبة والاتقاد الشعري، ولانبالغ بأنه لاقيمة للنص الشعري السابق إن تغيرت هذه الاستعارات، أو تبدكت العلاقة اللغوية المنزلقة بين حاملها ومحمولها الجمالي، لدرجة أن قمة الإثارة واللذة ماثلة في هذه الانزياحات الاستعارية التي تدل على أن مؤلفها شاعر مبدع بكل ما تحمله هذه الكلمة من دلالات ورؤى وإيحاءات. فالشعرية لاتتمثل في أعلى تجليات إثارتها بعيداً عن القيمة الجمالية التي تشكلها هذه الأنساق الشعرية المنزلقة بين حاملها ومحمولها في السياق النصي.

وتأسيساً على ما سبق، يمكن أن نحدد فواعل المحمول الجمالي المتحول فيس قصائد علي الجندي وفق مايلي:

 

الإيحاء:

إن أي منتج إبداعي فني مثير أو مؤثر يتضمن قيماً إيحائية متغيرة، تختلف من منتج فني لآخر، تبعاً لخصوبة المنتج الفني وفاعليته الإيحائية، وقيمه الإبداعية؛ ومما لا شك فيه أن قوة المثير الفني تزداد خصوبة وتنامياً جمالياً كلما ارتفعت درجة الإيحاء في هذا المثير، وتتقلص قوة المثير الفني كلما انخفضت درجة الإيحاء وتقلصت؛ وهذا ما يجعل هذه القيمة متغيرة من منتج فني لآخر، تبعاً لطاقته الإبداعية، وخصوبته الجمالية.

وما ينبغي ملاحظته أن الفن الممتع هو المتغير دوماً في قيمه الجمالية والمتنوع في طاقته الإيحائية، وبقدر تنوع طاقاته الإيحائية بقدر ما يثير المتلقي من جهة، ويرفع سويته الفنية من جهة ثانية؛ وتبعاً لهذا، ترتفع درجة سموق الفن بتنوع الدلالات، وتعدد الإيحاءات، والفن الذي لا يثيرنا عقيم في إيحاءاته، وجاذبيته الجمالية، يقول جان برتليمي:" إن الفن لذة تتوالد من التقارب من التلامس والخلط"(8). وهذا التلامس والتقارب هو ما يثير الإيحاء، ويولد الشرارة الإبداعية التي تشحن المنتج طاقة إيحائية مضاعفة ؛لا يتحثثها إلا من خبر الفن وعرف طرائقه، ومنعرجاته الفنية.

وبمنظورنا: إن الفن الإبداعي الحقيقي هو الذي يستثيرنا جمالياً؛ وبتقديرنا: إن الفنون الجميلة لا تثيرنا ألا لأنها حركت شيئاً ما في داخلنا ، محركاً فينا نشوة ما أو إحساساً غامضاً لا نعيه، وبتقديرنا :إن الفنون الجميلة لا ترقى إلا من خلال مؤثراتها الفنية، وما تتركه من ظلال إيحائية في نفس المتلقي؛ وبهذا التصور نقول: إن الفن حساسية رؤيا، وطاقة إيحاء وتعبير، والفن الخالد هو الذي لا تنفد طاقاته الإيحائية مطلقاً؛ إذ يختزن طاقات إيحائية مضاعفة صالحة لكل العصور، لأن الفن الإبداعي الحقيقي لا يحايث عصراً أو واقعاً مطلقاً؛ وإنما ينفسح لكل العصور، ويحاكي واقعها لا واقعنا المباشر الذي سرعان ما يندثر تحت عجلات الزمن العاتية؛ ويقيده بالماضوية لا الانفتاح والتطور الزمني. ولهذا نؤكد: أن أولى خصائص الفن الديمومة، وهذه الديمومة لا يمكن أن تتحقق إلا بالتنوع الإيحائي أو الإشعاع الإيحائي الذي يَهَبُ المنتج الفني استمراريته وجاذبيته الفنية وطاقاته التأثيرية العميقة في المتلقي.

وباعتقادي :إن المنتج الفني الأصيل يملك سطوته الجمالية عبر الإيحاء التوالدي أو المتنامي دوماً، وهذه السلطة تتنامى تدريجياً بتنامي المنتج الفني إيحائياً؛ ولهذا؛ تتفاوت هذه القيمة من منتج فني لآخر، بحسب درجته الفنية وطاقته الإيحائية؛ ولا نبالغ إذا قلنا: إنَّ طاقة إيحاءِ المنتج الفني تزداد وترتقي بالمتلقي الماهر/ أو المتلقي المبدع الذي يعيد الخصوبة للمنتج الفني؛ و يبث الحياة فيه من جديد؛إذ إنه كلما عاود قراءته والتأمل فيه مجدداً، ازداد إشراقه ، وتنامت حركته الإيحائية النشطة، لأن النص الإبداعي حسب الناقد خليل موسى:" لا يعيش ولا يكتسب خلوده إلا بالقراءة، وكلما تعدد القراء عليه كان أكثر قابلية للتجدد والحياة؛ فالنص الجيد كالسجادة الفارسية كلما استخدمت صارت أمتن وأعلى قيمة وثمناً؛ وهكذا حال النص الثري يموت إذا أهمل ، ويكون خالداً بالقراءة"(9).

وبهذا التصور؛ تمتلك المنتجات الفنية الخالدة جاذبيتها الفنية وإشعاعاتها الجمالية بتنامي عنصر الإيحاء وسلطته في تلقيها الجمالي الفعال، وبتقديرنا: لابد لأي منتج فني إبداعي مؤثر من أن يقع تحت سلطة هذا المثير الذي يهبها الحياة والرشاقة الجمالية.

وإن من يتأمل قصائد الشاعر علي الجندي يدرك أن اللعبة الجمالية فيها تعتمد على الإيحاء المكثف الذي تثيره الأنساق الشعرية، محققة قيمة جمالية في تشكيلها لاسيما من خلال الانزلاق الدلالي الذي تثيرها بين حاملها ومحمولها الجمالي، فيفيض النسق الشعري بالإيحاءات الدالة، التي تتنوع ، لتصل إلى قمة في الاستثارة والفاعلية والتأثير، كما في قوله

" ... من أجلِ عينيكِ اللتينِ لا تغيبُ عنهما غمائمُ الحنانْ

وثغركِ الذي أضمُّ وهجَهُ بمقلتِي كلَّما شعرتُ أنَّني رهينةُ الزمانْ ...

من أجلِ صدركِ المشعِّ بالجنونِ ... والأمانْ !

من أجلِ " كلِّك " الحبيبِ يا يمامتي ، يا قمري المسكيَّ ،

يا مرفئي الحافلَ باللؤلؤِ والمرجانْ ... أذيبُ أيامي بخمرتي أغانْ"(10).

بادئ ذي بدء ، نشير إلى أن بلاغة القصيدة عند الجندي تتحدد بفاعلية الرؤيا التي تثيرها الأنساق الشعرية بين حاملها ومحمولها الجمالي،وهذا يعني أن القيمة الجمالية تتحدد بالفواعل الإيحائية بين الحامل والمحمول الجمالي، بقدر درجة الانزياح بين المسند والمسند إليه على مستوى الحامل والمحمول الجمالي تزداد درجة الإيحاء والتكثيف الشعري، لدرجة أن النسق الشعري الخلاق الذي تصنعه الأنساق التالية:[غمائم الحنان= خمرتي أغان]، يشي ببراعة تشكيلية ،وحساسية جمالية عالية التركيز والإثارة الجمالية، وهذا دليل" أن لغة الشعر تتطلب نمطاً معيناً من القول، وإن كانت لاتتطلب مفردات خاصة، ولذلك ، فإنها تصل إلى أرقى الدرجات من خلال استخدام الشاعر جميع وسائل التركيب الممكنة، وهاهنا تعتمد جمالية الأسلوب على طريقة تشكيل المفردات في جمل تدخل في سياق يفصله الشاعر نفسه في عملية الإبداع الشعري."(11).

وهكذا، يمكن أن نعد الإيحاء الذي تشي به الأنساق اللغوية الشعرية المنزاحة في فصائد علي الجندي من مغرياتها الفنية الخلاقة ذات الحساسية الجمالية في الاستثارة والتأثير، وهذا ما يرفع سويتها وطاقتها الإيحائية.

ويعد الإيحاء عنصراً مؤثراً في تكثيف الشعرية لاسيما عند ترتبط بالرؤيا الخلاقة التي تشي بها الأنساق اللغوية المنزاحة ضمن نسقها الشعري، فالشاعر على الجندي يختار الأنساق الجدلية التي تترك درجة من القلقلة النسقية ضمن النص، مما يجعلها بليغة في إصابتها المعنى البليغ والموقف الشاعري الحساس، كما في قوله:

" ولحتِ كأنكِ الطيفُ الربيعيُّ

على وهجِ الصباحِ تلوحينَ ببسمةٍ حزنى ،

توسعُ لي طريقَ الشوقِ ، تفتحُ دربيَ النشوانَ فوقَ مدارجِ الأفقِ

رأيتكِ آخرَ النظراتِ مثلَ غمامةِ العبقِ ..."(12).

بادئ ذي بدء، نشير إلى القول: إن الحامل الجمالي الذي تثيره الأنساق الشعرية المنزاحة في شعر علي الجندي هو ما يخلق اللذة الجمالية في الكثير من قصائده، بمعنى أن شعرية الجندي تتمثل في استيلاد دلالات جديدة، ومعانٍ بليغة في السياق الذي تدخله، وهذا ما نلحظه في النسق الشعري السابق من خلال الأنساق الجمالية المثيرة التي تحركها الاختيارات الشاعرية التالية:[الطيف الربيعيُّ-وهج الصباح- ببسمة حزنى- طريق الشوق- دربي النشوان- مدارج الأفق-غمامة العبق]، إن كل تشكيل لغوي يتضمن إيقاعه الفاعل بين حامله ومحموله الجمالي، فيبدو الحامل الاستعاري الخلاق( غمامة العبق) بين المسند والمسند إليه بليغاً، إذ لايوجد أي وجه للتلاقي بين الغمامة والعبق إلا في هذا الارتباط الشاعري الذي ولده الشاعر في النسق الشعري السابق.وهذا القول ينطبق تماماً على باقي الأنساق الشعرية،وهذا يؤكد أن عبقرية الشعراء" تكمن في استيلاد الكلمات معاني جديدة لم تكن لها قبل أن توضع في هذه التراكيب التي يختارونها"(13).

وصفوة القول: إن الحامل والمحمول الجمالي يحقق الشاعر فيهما أعلى درجات الإثارة من خلال انزياح الحامل الجمالي عن محموله درجة من المباغتة والانزياح الدلالي، بحيث يأتي الحامل الجمالي حسياً والمحمول الجمالي معنوياً، وهذا ما يرفع درجة شعرية الكثير من قصائد علي الجندي، مما يجعلها شعرية في مسعاها ورؤاها الخلاقة.

التكثيف:

ما من شك في أن " التكثيف" قيمة جمالية خصبة في الفنون الإبداعية جميعها، بوصفها سمة جوهرية في أصالتها الفنية، وطاقتها الإبداعية، وجوهرها الفني النبيل، وإن أي منتج إبداعي فني مؤثر لا تكتمل أصالته الفنية، وخصوبته الجمالية، بمعزل عن طاقته التكثيفية الإيحائية العالية، التي يختزنها على نحو تزيد فنية المنتج إيحاءً، وتضمن له استمراريته، واستثارته للقارئ؛ وبمنظورنا: إن الفنون الإبداعية الراقية هي تلك الفنون التي تستحوذ على قيم جمالية عليا، أبرزها التكثيف، والتنوع، والتحول عن الإيقاع، وهذه القيم تهب المنتجات الفنية حراكها الجمالي، وطيفها الإيحائي الممتد؛ ولهذا، فإن التكثيف خاصية الفنون جميعها، خاصة فن الشعر الذي يعتمد على إيحاء الكلمات ضمن نسقها، وتبعاً لتشكيلها الفني الجمالي المثير تكتسب إيحاءات جديدة، وطاقات تكثيفية عالية في التحريض والاستثارة الجمالية، ولهذا فإن الكلمات في نسقها الفني تكتسب طاقة إيحائية وتكثيفية عالية، يقول جان برتليمي:" لا شك في أن للكلمات قيمة موسيقية خاصة بها، ومستقلة عن معناها إلا أن الكلمات المعزولة وحدها، أو التي لا ترتبط بعضها ببعض كما لو كانت مستخرجة من حقيبة لا يمكن أن تصنع قصيدة، وإذا أدمجت في بيت الشعر، أو في الجملة ،أو في القصيدة، فإنها لا تبرر هذه القيمة إلا بفضل العلاقات بينها داخل الجملة، وبفضل معناها الذي يكون قد ظهر، ولو مبدئياً، ذلك المعنى الذي لا يمكن إلا أن يكون ضوضاءً مختلطة"(14).

 

وبتعبيرنا : إن أحقية الفن الإبداعي المثير بالتكثيف هي أحقية مستحقة في الفنون جميعها قاطبة دون تحديد، لأن الفن لا قيمة له بمعزل عما يثيره من دلالات مكثفة، وإيحاءات عميقة. وسبق أن قلنا: إن الفن العظيم متعة، ولذة مفاجئة( غير منتظرة) ، وجاذبية ونشوة لا يعيها إلا من ذاق الجمال، وعايشه نبضاً وإحساساً، وكم من اليائسين قد انفتحت قلوبهم وارتعدت نشوة ولذة أمام قدسية الجمال، أو اتقدت نشوة وبريقاً حينما عايشوه وتلمسوه وتحثثوه بمتعة ، وإحساس جمالي، فالجمال تفاعل خلاق بين الفعل الجمالي والتلقي الجمالي، وإذا لم تتحقق هذه المعادلة سيبقى الجمال حبيس ذاته، مخنوقاً في قارورة الحزن والتأمل والانتظار.

وبمعنى أكثر شاعرية نقول:

إن الجمال لذة نتحثثها ولا نعيها، تأخذنا إلى لحظة شاعرية... إلى أفق جمالي قد ينوء عمر بأكمله عن اللحاق بركبها، وكم نلهث في حياتنا الدامعة إلى لحظة جمالية نختزنها في قفص الذاكرة، لتكون لنا زاداً للمضي قدماً في ركب الحياة الصاخب، ولا أبالغ إذا قلت : إن امرأة جميلة تحيي البشرية جمعاء بينابيعها الدافقة وغنجها ودلالها الآسر، حينما تمنحهم نظرة، أو قبلة، أو همسة، أو ضحكة ترتعد أفئدة الكون وتنهار أمام جاذبية وفتنة هذه الضحكة التي تحيي القلوب من الصميم. والفن هو لحظة مختزنة لهذا الجمال، ولا يخلد الفن إلا إذا حايث هذا الجمال المدفون في قرارة الروح... وأعود وأقول: كم من النفوس الدنسة قد شوهوا معالم الجمال في هذه الخليقة، ودمروا النفوس البريئة التي تشربت برحيق الجمال حتى الثمالى، فغدا جمالها ذاوياً دامعاً على مخدة الأمل والانتظار، والحزن الشفيف الصامت(حزن العيون)، ولمعتها الدامعة، وكم من القلوب الحانية التي تتدفق خصوبة ورقة، قد شاخت وشاخ بريقها في لحظات القسوة والحرمان... ولم يعد من بريقها سوى خيوط الأمل المعشوشبة بالزوال.

ولهذا، فإن ما نريد قوله بعد هذا الاستطراد الشعوري:

إن الفن الإبداعي الحقيقي هو- أولاً وأخيراً- تكثيف لهذه اللحظات الشعورية الجمالية، واختزال لها، فإن حقق الفن هذه المعادلة سما وارتقت قيمه الجمالية، وإن لم يحقق هذه المعادلة ترامى الفن وانهارت قيمه كباقي الفنون الكثيرة التي تتقد فجأة، وتخبو دون أن تخلَّف أثراً يذكر.

وإن من يطالع قصائد علي الجندي يدرك أن التكثيف خاصية مهمة من خاصيات إثارة قصائده، بمعنى أن حاملها الجمالي ومحمولها الجمالي بليغ في إصابة الدلالات العميقة والرؤى المباغتة،فالشاعر علي الجندي ليس كعادة شعراء جيله (جيل الستينيات)من القرن الماضي يختار المشابهة أو المماثلة التامة بين الحامل والمحمول الجمالي، لدرجة الألفة والاعتياد، وإنما يراوغ القارئ بأنساق تشكيلية جديدة تؤكد شعرية الشاعر وحساسية الجمالية في التشكيل ،فيأتي التكثيف والإيحاء شاعرياً في توسيع الدلالات وتبئير مدلولها العميق، كما في قول الشاعر:

" .... يهتفُ بي من آخرِ الحدودِ صوتُك الطروبْ ،

أحسُّ من بعيدٍ وجهكِ اللعوبْ

يثيرني الحنينُ ؛ يرتعي إهابيَ المولَّهَ التعيبْ ،

أراكِ ، لا أحسُّ غير وجهكِ الحبيبْ "(15).

لابد من الإشارة بداية إلى أن خاصية التكثيف من أبرز مغريات الحامل والمحمول الجمالي في تحريك الرؤيا الشعرية، وتحميل الأنساق الشعرية رؤية جديدة، لاسيما إذا أدركنا أن" التراكيب الشعرية لاتعبر في الموقع الواحد إلا عن معنى واحد، مما يؤكد أن الشعر يبحث عن جميع إمكانات إيقاعه. فيلجأ إلى الأساليب اللغوية جميعها، ليقدم تنويعات مختلفة تنسجم مع السياق الشعري والموقف الوجداني الذي يعيشه الشاعر"(16).وهنا نلحظ فاعلية التكثيف الجمالي من خلال الأنساق المتحركة التي تثيرها الأنساق التشكيلية المراوغة ،كما في قوله:[صوتك الطروب- وجهك اللعوب- إهابي الموله التعيب- وجهك الحبيب]، إن القارئ الحساس يدرك المعاني الجمالية الكثيرة التي تشي بها هذه الأنساق؛ فالشاعر في قوله:[ وجهك اللعوب]، يدل على الرقة والحساسية الجمالية التي تباغت القارئ بحراكها الجمالي وخصوصيتها البليغة.

واللافت أن الشاعر علي الجندي ينوع الدلالات،والرؤى، تبعاً لمحركها الجمالي، بين الحامل والمحمول الجمالي، إذ يقول فيها:

".. أيُّها الحبرُ الذي يأتلقُ،

قلمي يحترقُ،

كلُّ ما ألمسُه يحترقُ!!

شمسُ تشرين على قارعتي،

وعليها قمرٌ ينبثقُ..

وضماداتٌ،ووجهٌ قلقُ،

وداوةٌ مستباحة،ْ

وبيوتي الورقُ..

وخطى عائدة تنسرقُ"(17).

بادئ ذي بدء، نشير إلى أن خاصية التكثيف الدلالي من فواعل الحامل والمحمول الجمالي، لاسيما عندما تكون مسافة الانزياح بين الحامل والمحمول الجمالي واسعة أو ديالكيكية غير متوقعة، وهاهنا نلحظ أن الشاعر استخدم الانزياح بين الحامل والمحمول الجمالي، بالارتكاز على القافية المطلقة المضمومة ليشي بحالة الاحتراق الداخلي،(يحترقُ- ينبثقُ-يأتلقُ - تنسرق) وهنا اعتمد الشاعر صيغة المضارعة ليترك المسافة بين الحامل والمحمول الجمالي مفتوحة تشي بحالة الاحتراق والتمزق الداخلي،وهكذا، يؤدي التفاعل الحاصل بين الحامل/ والمحمول الجمالي دوره الخلاق في إثارة شعرية الكثير من الأنساق المتحركة في القصيدة.،يقول علي الجندي في لحظة الخلق الشعري مايلي:" لحظة الخلق الشعري لحظة تختلط فيها أشياء العالم، ويشعر الشاعر أنه ينزلق من بين اللاشيء، ولا يدري كيف يهيئها، فلحظة يراها هامدة، وفي اللحظة التي تليها يتولاها النشور، وهكذا حتى تصل اللحظة الشعرية الى الانكفاء على ذاتها. حالات الجنون ليست غريبة على العابث مع الشعر، هدوئي الظاهري يتحول في تلك اللحظة الى فوضى يجمعها ويشتتها شاعر لا يدري كيف.."(18)

 

وهكذا، يحقق الشاعر علي الجندي شعرية قصيدته بالارتكاز على التفاعل الخلاق المفاجئ بين المسند والمسند إليه، وهذا ما يحقق لها التناغم والإثارة، فالشاعر علي الجندي ينوع في علائقه اللغوية بين المسندات اللغوية لتحقيق إثارتها، إذ ينتقي المفردات الملائمة للتعبير عن الحالة بكل عمق وشفافية متناهية.

التبئير:

لا شك في أن التبئير قيمة جمالية متغيرة في الفنون الجمالية جميعها؛ ذلك لأن لكل فن إبداعي عنصراً بؤرياً مهماً في الارتقاء بالقيم الجمالية المتضمنة فيه إلى مراتب سامقة؛ والتبئير ليس قيمة محورية فحسب، وإنما هو قيمة إيحائية جوهرية متغيرة في الفنون جميعها؛ كل على حدة؛ وما نقصده بخاصية[ التبئير في الفن] تبئير القيم الجوهرية التي يتأسس عليها المنتج الفني، مشكلة عنصر إثارته، ورشاقته الجمالية.

والتبئير قيمة مثلى في الفنون الإبداعية جميعها، وهي تتحدد فور انتهاء المنتج الفني، وهي قيمة جوهرية مثلى تشكل القيمة النهائية للمنتج من حيث المدلول والعمق الإيحائي، وما ينبغي ملاحظته أن الفن ليس بإشعاعه الجمالي فحسب، وإنما بالقيمة الفنية التي يختزنها والنشاط الجمالي الذي يثيره، والإثارة التي يخلقها، والتنوع في القيم وتعددها؛ لتمنحه تفرده وتميزه كفن إبداعي مؤثر، يقول(جوبيير):" فالفن هو المقدرة على إخفاء الفن"(19). وهذا القول يضعنا على فاعلية الفن ولعبته الفنية؛ فالفن ليس إحصاءً بقدر ما هو إخفاء وشعرية إيحاء، والفن الجوهري هو الذي يبئِّر الإيحاء، ويعزِّز قيمة النشاط الجمالي في المنتج، وبقدر خصوبة المنتج تزداد قيمة الجمالية المبئّرة للفن؛ فالفن الإبداعي هو سمو في القيمة الجمالية وسمو في الرؤيا الجمالية، وارتقاء في الحس الجمالي، والقيمة الجمالية العليا في المنتج الفني. يقول جان برتليمي:" فالفن الخالد هو فن لا يعبر أبداً عن شيء آخر خلافه هو، هذا مبدأي في علم الجمال، إنه لا يجد كماله في ذاته ولا خارجه"(20).

 

إن هذا القول ينطوي على حقيقة جوهرية في الفن، وهي أن خاصية الفن الأساسية تكمن في تحقيق النشوة الجمالية أو اللذة الجمالية ( القيمة الجمالية المثلى) في المنتج الفني؛ ولذا يسهم التبئير الجمالي في تحديد مكمن الفاعلية الجمالية/ أو المحتوى الجمالي في تخصيب الرؤية الجمالية في المنتج الفني، لتشكل محرقه الجمالي الذي تنعكس منه جميع القيم الجمالية الأخرى دون استثناء.

وتبعاً لهذا، تختلف درجة التبئير قيمة وفاعلية في المنتج الفني، تبعاً لدرجة القيم الجمالية المتوالدة فيه، وبقدر تنوع القيم وتفاعلها ضمن المنتج الفني تزداد خصوصية التبئير عمقاً، وفاعلية، وكثافة، وتمركزاً نشطاً في المنتج الفني، ولهذا، تبدو هذه القيمة الجمالية متغيرة، أو منزلقة في المحمول الجمالي للمنتج الفني؛ بحيث تزداد في بعض الفنون، وتتقلص في بعضها، تبعاً لفاعلية كل منتج على حدة، وقيمه الجمالية المتوالدة فيه.

ومن يطلع على قصائد علي الجندي- بدقة- يلحظ أن التبئير الجمالي يعد محرقها الجمالي في الاستثارة الجمالية، والفاعلية،والتأثير، فالشاعر علي الجندي يقوم بتبئير الدلالة عبر التكثيف الدلالي بين الحامل والمحمول الجمالي، فالدلالة تستدعي محمولها المفاجئ من خلال المسافة الشعرية التي جعلها بين الحامل ومحموله الجمالي ، كما في قول الشاعر علي الجندي:

". وأحملُ عنكِ يا محمومةَ الشفتينِ

سرَّ الموتِ والنارِ الإلهيةْ

وأبكي عندَ شطِّ الشعرِ

والعبراتُ صوفيهْ"(21).

بادئ ذي بدء، نقول: إن شعرية الأنساق جمالياً- في قصائد علي الجندي - تحديداُ تنبني على حراك الدلالات،من خلال الجمل وتفاعل دوالها ومدلولاتها عبر الانزياح المفاجئ بين حاملها ومحمولها الجمالي، وعلى ما يبدو هنا جاءت الانزلاقات التشكيلية بين الدال والمدلول قمة في الاستثارة والجمالية الخلاقة، كما في قوله:[محمومة الشفتين- سر الموت- شط الشعر]، فالشاعر عمد إلى تبئير الرؤيا، على دينامية النسق الشعري( محمومة الشفتين)، بوصفها نقطة الإثارة الجمالية في النسق،ومبعث شعريته.وهكذا تتمحرق البنى الدالة في القصيدة بالارتكاز على شعرية النسق التي تثيرها الأنساق المبئرة لحاملها ومحمولها الجمالي،وبمقدار خصوصية التجرية وفاعليتها تتحدد شعرية القصيدة عند الجندي،وتؤكد فرادتها وتناميها جمالياً.

وما ينبغي التأكيد عليه أن التبئير الفاعل يحرك الرؤى الدالة بين الحامل/ والمحمول الجمالي، لدرجة الفاعلية والتكثيف الإيحائي،كما في قول الشاعر:

"وأهتفُ من حجورِ التيهِ في أعماقي السوداء ...

موالاً سرابياً ،

لهاثي معتمٌ كالنيلِ، سردابي طويلُ الآهِ ؛

أطلقُهُ عذابيا ..."(22).

لا بدمن الإشارة إلى أن التبئير الجمالي من مغريات القصائد الحداثوية التي تعتمد الانزلاق في الدلالة، من المعنى السطحي المألوف إلى المعنى المبطن أو المعنى الماورائي الخبيء ،وهنا نلاحظ أن الشاعر اعتمد الدلالة البسيطة ليدخل عمق الدلالة من خلال الانزياح بين الحامل والمحمول الجمالي،وترك المسافة مفتوحة لتلقي المشهد الحساس والرؤيا المفتوحة،وهنا عمد الشاعر إلى اختيار الأنساق المراوغة التي تشي بالدهشة الإسنادية ،كما في قوله:[حجور التيه=موالاً سرابيا=لهاثي معتمٌ كالنيل]:؛وهذا الأسلوب الجمالي في تبئير المعنى أو الدلالة عبر الأنساق الجدلية بين الحامل والمحمول يزيد شعريتها وتفاعل مؤثراتها الجمالية.

وهكذا يؤسس الشاعر علي الجندي مثيرات قصائد على تبئير الدلالة المركزة التي تشي بتفاعل الحامل الجمالي مع محموله،من خلال الأنساق الشعرية المراوغة التي تشي بمهارة لغوية رفيعة وشاعرية عميقة.

وصفوة القول: إن التبئير الجمالي قيمة جمالية مهمة من القيم الجمالية التي تشي قصائد علي الجندي من خلال تفاعل حاملها ومحمولها الجمالي الذي يرتقي بالحدث والموقف الشعري،ويثير النسق الجدلي الفياض بالحساسية والجمال.

الحيوية:

ما من شك في أن أي قيمة جمالية تثير الحيوية في المنتج الفني هي قيمة جوهرية- جد مهمة - في تفعيل المنتج الفني، وخلق مظاهر إثارته، لأن الفن- أولاً وأخيراً- ما هو إلا حصيلة خبرات عميقة، وإحساس جمالي، ورؤيا جمالية، وتشكيل إبداعي فني حيوي خالص، وبما أن الفن -عموماً- طاقة حيوية من التجلي والإشراق الجمالي، فإن أبرز ما يثير الفن تنامي الإيحاء الجمالي، والطلعة الحيوية باستمرار، تبعاً للمنظورات الجديدة المكتسبة، أو الطاقات الجمالية المختزنة التي يفجرها المنتج الفني المثير كل حين.

يقول كلوديل:" إن للكلام المكتوب هدفين، فأما أننا نريد أن نوجد في عقل القارئ حالة من المعرفة، وإما نخلق لديها حالة من السرور"(23)

 

وهذا يعني أن الفن أو الكلام المكتوب عموماً يكون وجهاً لغايتين إحداهما: توجيه المعرفة وإكسابها، والثانية خلق اللذة والمتعة والسرور في تلقي المنتج الفني، ومن أجل هذا،فإن متعة الفن تتحقق بالطاقة الحيوية التي يبثها المنتج هذا من جهة ، ومن جهة ثانية بالإيحاءات الدلالية الخصبة التي يولدها على نحو يتهيأ للمنتج الفني التنامي الجمالي والخصوبة الإبداعية.

وما ينبغي التأكيد عليه: أن الكثير من علماء الجمال قد أدركوا قيمة الحركة أو الطاقة الحيوية التي يبتعثها الشعر في الكلمات ، ليكتسب خصوصيتها الفنية، ومؤثراتها الجمالية؛ وتبعاً لهذا، يقاس سحر الشعر بمقدار ما يبتعث الحيوية والنشاط الإيحائي في الكلمات؛ وبهذا المقترب أو الملحظ الفني يقول" كوديل" في كتابه" فن الشعر" :" إن الكلمة تعيد أداء الحركة التي هي دافع كل كائن"(24). والحركة التي يقصدها كوديل تلك الطاقة السحرية التي يبعثها الشعر في كلماته لتخلق تمتمة حركية نشظة إزاء اللذة في تلقي المنتج وتحويلها إلى تمتمة لفظية نبضاً وإحساساً بوقع الكلمة وأثرها الإيحائي في فن الشعر: ولهذا فإن الشاعر الفنان هو الذي يستثير اطاقة الحيوية في كلماته وكأنها بكر في لغته الشعرية، أو كأنها اكتسبت حلية جمالية في نسقها لم يعتدها القارئ على هذه الشاكلة من التميز والإبداع؛ وهذا ما وعاه الناقد الجمالي(ح.ب. جوف) حين تحدث عن" القدرة الروحية للكلمة في خلق الشيء"(25). ومن هذا المنظور؛ فإن لذة الفن تكمن في تنشيطه الجمالي واستثارته للطاقة الحيوية الكامنة في بنية المنتج الفني ذاته، مستثيراً لذة تحويل الشيء، والإيحاء به، للكشف عن الرؤى والدلالات المباغتة التي لم يعهدها المتلقي من سابق؛ ومن أجل هذا، يعد الفن الجمالي هو الفن الحيوي الدافق حساسية وخصوبة فنية ودفعاً شعورياً على الدوام، كلما طالعته أحسست فيه شيئاً جديداً ولذة متجددة تتولد إثرَ كل مطالعة أو رؤية جديدة للمنتج.

ومن يتتبع قصائد علي الجندي يدرك أن الحيوية الجمالية التي تشي بها أنساقه الشعرية هي التي تجعل قصائده في حيوية ودينامية دائبة، لاسيما في توالي الأنساق وتفاعلها بين الحامل والمحمول الجمالي،كما في قوله:

""كلما اذنتِ الشمس على شباك بيتي بالمغيبِ

رنّ ناقوس احتضار في فؤادي

وتعرّت طفلة النوم من الثوب القشيبِ

تلك أيام حدادي"(26).

بادئ ذي بدء، نشير إلى أن الحيوية أو الدينامية من المؤثرات الفاعلة بين الحامل والمحمول الجمالي في الأنساق الشعرية التي تخلقها الأنساق التشكيلية المراوغة، وهذا يعني أن القيمة الجمالية للأنساق الشعرية تتحدد بفواعلها الدالة التي تكشف عن عمق الإيحاء،من خلال الأنساق التالية:[ناقوس احتضار= طفلة النوم= أيام حدادي]،وهذا يدل على بلاغة الموقف الشعري،يقول راسم المدهون :"مجموعة علي الجندي الشعرية الأولى "الراية المنكّسة" أخذت أهميتها من انحيازها الكلي الى خطاب داخلي خافت النبرة، جاء غريباً - الى حدٍ بعيد - عن التيارات الشعرية "العاصفة" التي كانت تموج بها قصائد الشعراء الآخرين من مجايليه، خصوصاً أن تلك السنوات من الخمسينات قد شهدت انحيازاً شعرياً جماعياً لقصيدة "الالتزام"، لا بمعناها المتعلق باختيار الموضوعات، ولكن بحرص شعرائها على نبرة خطابية تتوجه نحو رنين الكلمات وايقاعها الخارجي الذي أوقع قصائد هؤلاء في التشابه وأبقى قصائدهم عند حدود برّانية لا تلامس جوهر الأشياء أو المشاعر، وهي مسألة يمكن ملاحظتها عند قراءة ما كتبه جيل الرواد. لحظة "الراية المنكسة" شعرياً هي لحظة انحياز الى جوهر الشعر حيث يذهب علي الجندي الى قصيدة لا ترغب في اشعال حرائق ما، قدر ما تسعى الى ملامسة حزن شفيف عند قارئ شديد الخصوصية"(27).

والملاحظ أن الشاعر علي الجندي يباغت القارئ بالرؤى المباغتة ذات الخصوصية التشكيلية التي تخلق إيقاعها المباغت كما في قوله:

""جرّحيني يا ابتسامات الطفولة

مزقي أرضي البخيلة

وأعيدي لمياهي العكرة

صوتها المبحوح، رجيّ وجهها الطافح صمتاً

لوّنيها وارحلي

عن حوافي وحلها المنتصرة"(28).

هنا يباغتنا الشاعر علي الجندي بالتشكيلات اللغوية التي ترفع وتيرة الإثارة التشكيلية، لإبراز ملمحها الجمالي، عبر الأنساق التالية(جرحيني ياابتسامات الطفولة- مزقي أرضي البخيلة)،وهذا يعني أن الرؤية التفاؤلية تغلف الكثير من قصائده، وهذا يحقق لها التكامل والتفاعل بين الأنساق، مما يرفع وتيرة الإثارة الجمالية، ومن هذا المنطلق يعد علي الجندي من أبرز الشعراء المؤثرين في حركة الحداثة، وهذا يجعلها ذات خصوصية بارزة في التشكيل النصي،وما ينبغي التأكيد عليه أخيراً،أن المحمول الجمالي للمنتجات الفنية في قيمه المتغيرة، يجعل الفن في تغاير مستمر، لهذا، يصعب تحديد القيم الجمالية المتغايرة في فن من الفنون، نظراً إلى انزلاق قيمه، وتطورها تبعاً لتطوره من عصر لآخر، ومن زمن لآخر، وما القيم الجمالية إلا سلسلة توالدات وانجرافات كاسحة صوب الابتكار، لتثبت أمام عجلة الزمن الجارفة وتغايراتها المستمرة؛ فما يصلح لزماننا قد لا يصلح لزمن آخر؛ وما الفن العظيم إلا تجاوز لهذا المعيار، وتجذر في زمن لا نهائي( مفتوح) على الدوام؛ والفن من منظورنا لا يخلد إلا بقيمه الجمالية المتوالدة التي تتطور، بحراك جمالي وانفتاح تأملي على الدوام.

ومن هذا المنطلق وجدنا أن المحمول الجمالي في قصائد علي الجندي يرتكز على المنطلقات التالية، وهي:

1-إن المحمول الجمالي في شعر علي الجندي قيمة جمالية تتحدد بفواعل الدلالة المرتبطة بانزياح الحامل الجمالي عن محموله الجمالي، وهذا الانزياح عن الحوامل والمحمولات الجمالية من مغريات القصيدة الحداثية، وهذا ما يرفع إيقاعها الجمالي الخلاق.

2- إن شعرية قصائد علي الجندي ترتبط بالحدث الجمالي والرؤيا الخلاقة، فكلما اتسعت دائرة الانزياح في الأنساق التشكيلية حققت قصائده غناها الجمالي وإثارتها الخلاقة.

3- إن الاستعارات المبتكرة سمة جمالية في تفعيل إيقاع قصائد علي الجندي، بتفاعل حواملها الجمالية ومحمولاتها الإيحائية، وهذا يعني أن شعرية الرؤيا ترتبط بالمشهد الشعري ومثيرات الموقف والحدث الشعري.

الحواشي:

برتليمي،جان،1970- بحث في علم الجمال، ص 379.

 

الجندي ، علي ، 1969 - الحمى الترابية ، المكتب التجاري للطباعة والنشر ، بيروت ، ط1، ص 162.

عبد اللطيف، محمد حماسة، 1983- النحو والدلالة، مدخل لدراسة المعنى النحوي والدلالي،كلية دار العلوم، القاهرة، ص171.

الجندي،علي،1969- الحمى الترابية،ص118.

عبد اللطيف، محمد حماسة، 1983- النحو والدلالة، ص171.

عثمان،اعتدال،1988-إضاءة النص، دار الحداثة، بيروت، ط1،ص8.

الجندي، علي، 1969- الحمى الترابية،ص108-109.

برتليمي،جان،1970- بحث في علم الجمال،ص315.

شرتح،عصام،2012- ملفات حوارية في الحداثة الشعرية،ص233.

الجندي، علي،1969- الحمى الترابية،ص167.

ترمانيني، خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، ص96.

الجندي، علي،1969- الحمى الترابية، ص135.

ترمانيني، خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، ص95.

برتليمي، جان، 1970- بحث في علم الجمال، ص309.

الجندي، علي،1969- الحمى الترابية، ص157.

ترمانيني،خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث،ص96.

الجندي، علي،د.ت- قصائد موقوتة،دار النديم،بيروت،ص76-78.

الجندي،علي- الجناس، أدب، نقد، موقع على الانترنيت

برتليمي،جان،1970- بحث في عالم الجمال، ص210

المرجع نفسه،ص251.

الجندي، علي،1969- الحمى الترابية،ص 158.

المصدر نفسه،ص158.

برتليمي،جان،1970- بحث في علم الجمال ،ص312.

المرجع نفسه،ص288.

المرجع نفسه، ص289.

الجندي، علي،1961- الراية المنكسة،ص22.

المدهون، راسم ،2001- الأعمال الشعرية الكاملة لعلي الجندي صدى لعيشه، جريدة آفاق / والحياة ع،13912،الآفاق، ص19.

المرجع نفسه،ص19.

 

 

عصام شرتح


التعليقات




5000