..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


صفحات من سيرتي الذاتية وتجربتي الأدبية (1)

جميل حسين الساعدي

المؤثرات الثقافية والفكرية في تجربتي الشعرية والأدبية

    عشقت الشعر صغيرا فغرفت من مناهل الأدب العربي القديم, و أنا لم أتجاوز سنّ العاشرة, والفضل في ذلك يعود الى مكتبة المسجد المجاور لسكننا, والتي كنت أتردد عليها. حيث كنت أمضي الساعات الطوال, أتصفح دواوين الشعر والكتب الأدبية, وأدون ما يعجبني من الأشعار والأقوال المأثورة في دفتر, كنت أحمله معي أينما أتوجّه, وأينما أحلّ. وشاءت الصدف أن ألتقي في أحد الأيام شاعرا يكبرني سنّا, كان يتردد هو الآخر على المكتبة, يدعى عبد الحميد الجيداوي.

كان الأخير شاعرا يكتب القصائد العمودية الطوال , على غرار ما يكتبه الشعراء الأوائل من فحول الشعراء, فتوطدت علاقة بيننا, قوامها حبّ الشعر والأدب. في تلك الفترة شرعت بنظم مقاطع شعرية, تتكون من بعض الأبيات, التي لا يتجاوز عددها في أحسن الأحوال السبعة ابيات, وأعرضها على الشاعر عبد الحميد الجيداوي, الذي كان يعجب لمقدرتي على نظم شعر موزون مقفى وأنا في سن صغيرة. فسألني في احدى المرات: أين تعلمت أوزان الشعر ؟, فكان جوابي: لم أتعلمها قط, لكنني أحفظ الكثير من الشعر, وحين أشعر بالحاجة أن أكتب شيئا, أختار بعض الابيات, واحاول أن أكتب على غرارها, فتأتي الأبيات هكذا موزونة, فأنا أعتمد على السمع. فما كان من الجيداوي إلا ان ربتَ على كتفي قائلا:هكذا كان الشعراء العرب في العصر الجاهلي, ينظمون قصائدهم معتمدين على الأذن الموسيقية. لكنني أرى من الضروري أن تتعلم أوزان الشعر العربي,

سأعطيك فيها دروسا كل عصر يوم جمعة هنا في المكتبة. تهلل وجهي بشرا, إلّا إني لمْ أنسَ أن أطلبْ منه أن يكمل إحسانه, فيعطيني دروسا ً في النحو

والصرف, فوافق الأخير واختار لي كتاب( قطر الندى وبلّ الصدى) لابن هشام الأنصاري, واختار لعلم أوزان الشعر وقوافيه( علم العروض) كتاب ( ميزان الذهب في صناعة شعر العرب) للمرحوم السيد أحمد الهاشمي

انصرفت بجدية واهتمام فائق الى تلقي دروسي في علم العروض والنحو, حتى استوفيت كل ما يحتاجه الشاعر من معرفة وإلمام في هذين المجالين.

لكن الإلمام بعلوم اللغة وعلم العروض لا يخلق من الإنسان شاعرا, إنْ لم تكنْ هناك موهبة, تمكنهُ من التعبير عن مشــاعره وأحاسيسه وافكاره بالشكل الذي يؤثر في المتلقي. الموهبة تولد مع الشاعر ولا تكتسب, لكنها تصقل بالإطلاع على

تجارب الآخرين من الشعراء, وبالقراءة المستمرة, والتواصل مع كلّ ما يستجد في ميادين الشعر والثقافة والفكر.

أدركت في وقتٍ مبكر أنّ الشعر موهبة وصنعة.. ففيما يتعلق بالصنعة فقد

درست أساسيات اللغة من نحو وصرف, واستوفيت معرفتي بإتقان علم العروض , الذي أتى به الخليل بن أحمد الفراهيدي في أواخر القرن الثاني الهجري, والذي بيّن فيه ( النوتة) الموسيقية للقصيدة العربية, على اختلاف إيقاعاتها المتداولة , منذ العصر الجاهلي وحتى العصر الذي عاش فيه. الموهبة كعنصر أساسي في تكوين شخصية الشاعر, كانت حاضرة, لكنها تحتاج إلى إضاءات, وإلى من يكتشفها ويدعمها, حتى تظهر وتُعطي أكُلها .لذا حرصت على ان يكون لي حضوري في عدد من المناسبات, كالاعراس والمآتم , التي كان يقوم بها  أقاربي ومعارفي للإحتفال بمناسبة زواج , أو تأبين ميت, فكنت ألقي شعري في مثل هذه المناسبات وفي غيرها من المناسبات الوطنية والدينية , التي يحتفل بها في مدينتي, التي تضمّ اكثر من مليون نسمة, والتي كان كان يطلق عليها آنذاك اسم مدينة( الثورة) حاليا ( مدينة الصدر), وفيه إشارة الى يوم 14 تموز عام 1958, حيث قام عدد من الضباط بإسقاط  الحكم الملكي. والمدينة قامت بعد هذا التاريخ ولم تكم قائمة من قبل.. كانت أرضا مهجورة , ويتواجد فيها عدد كبير من المفكرين والأدباء والشعراء والفنانين, وكانت مصدر قلق للحكومات المتعاقبة على حكم البلاد بسبب الوعي السياسي والثقافي الذي امتازت به شريحة كبيرة من أبناء هذه المدينة , فأقدمت على تغيير اسمها عدة مرات.  أمضيت سنوات فتوتي وشبابي  في هذه المدينة متنقلا بين مقاهيها ونواديها , مختلطا بشعرائها وأدبائها من مختلف المشارب الفكرية والسياسية وكان لذلك تأثير على تجربتي الشعرية وهي في بدايتها , فحفزني هذ الإختلاط على أن أوسع آفاق معرفتي  عن طريق قراءة الكتب المترجمة في الشعر والادب والسياسة  , دون أن أتخلى عن قراءاتي التراثية, فهدفي  هو تعميق مداركي وزيادة معلوماتي في اتجاهات معينة خدمة للشعر , الذي اصبح همي الشاغل , وبقي التراث يحتفظ بقدسيته في نفسي وأحس في قرارة نفسي بميل الى التجديد ولكن بالطريقة التي أراها مناسبة ومقنعة, فانكب بنهم على قراءة كل ما يقع في متناول يدي من كتب , كنت أشعر بضرورة إثراء رصيدي المعرفي والثقافي, فأخذت أتردد على سوق( السراي) في العاصمة بغداد, وهو سوق تباع به الكتب القديمة والحديثة بأسعار رخيصة, يتمّ شراؤها من أناس, دفعتهم الحاجة والعوز الى بيعها, أو أنهم قرأوها فلم يعودوا بحاجة إليها. ومع الوقت أصبحت لديّ مكتبتي الخاصة بي في البيت, والتي تضم أنواع الكتب, ولا تقتصر على كتب التراث فقط. فقد حوت رفوفها روايات عربية وأخرى عالمية مترجمة ومختارات شعرية مترجمة لشعراء انكليز وفرنسيين وإسبان وآخرين من بلدان أخرى وكتبا في الفكر السياسي والفلبسفي والمنطق, وكان الى جانب المكتبة صندوق  امتلأ بأعداد مجلتي ( تراث الإنسانية) و, ( الفكر المعاصر). وهاتان المجلتان, اللتان تصدران في مصر وتوزعان في العديد من البلدان العربية , زودتاني بألوان جديدة من المعرفة , وفتحتا أمامي  آفاقا فكرية واسعة, وفيما بعد  اصبحت أتابع صدور مجلة تحمل  عنوان ( الآداب الأجنبية) , وهي مجلة تهتم بترجمة الأدب الأجنبي من مصادره المختلفة , تصدرها وزارة الثقافة في القطر السوري , استفدت منها الشاعر كثيرا , وكنت أنتظر بلهفة صدور عددها الجديد .

 

 

صورة تذكارية للشاعر مع اخوانه الطلبة التقطت في ثانوية قتيبة في الرابع من تموزعام 1969

هذه الألوان من المعرفة والفكر,التي حصلت عليها من خلال قراءاتي المستمرة ومن مناقشاتي الكثيرة  في القضايا الأدبية والفكرية مع ذوي الإختصاص ,  أثرت في تجربتي الشعرية وبلورت شخصيتي الأدبية, التي ترعرعت في حضن التراث ودفعتني الى أن أتخذ طريقا وسطا بين القديم والحديث في مسيرتي الشعرية.

في تلك الفترة من حياتي, التي شهدت صدور ديواني الأول( اللواهب ) في بغداد

 عن( مطبعة الحوادث) عام 1975 وهو يمثل باكورة أعمالي الأدبية , حرصت أن أظلّ محافظا على سمات القصيدة العمودية, ومنفتحا في نفس الوقت على آفاق أرحب , فيما يتعلق بالمضمون والمعنى . فأنا أرى أنّ الإفراط في التركيز على اللفظ والمفردة, يجعل من القصيدة هيكلا لفظيا أجوف من الداخل, فارغا يفتقر الى ما يبعث الحياة والحركة. والعكس هو الصحيح.. فالإفراط في التركيز على الصور والأحاسيس, والتهاون في التعامل مع اللغة كمفردات وضوابط, وإقصاء الشكل كعنصر جمالي في القصيدة والإكتفاء بإيصال الأحاسيس فقط, سيكون له مردود سلبي على القصيدة ويفقدها ملامحها الشعرية, وقد أشرت الى ذلك في التمهيد الذي قدمت به ديواني( اللواهب) فذكرت: ـــــ الشعر فن من فنون التعبير الأدبي, عرف منذ القدم , وكما تطورت الفنون الأخرى تطور هو أيضا واتسعت دائرته فشملت كل مناحي الحياة, وكل ما يتصل بالإنسان, وفوق هذا فإنّه توغل أكثر فاكثر في سبر أغوار النفس البشرية, واستكناه مكنوناتها. وفي الشعر جانبان هما المبنى والمعنى حسب الإصطلاح القديم, والصورة والجوهر, أو الرؤيا واللفظة حسب الإصطلاح الحديث. وأيّا كان فإنّ المعنى هو واحد في كلا الإصطلاحين سواء في ذلك القديم والحديث. أي ان الشعر لا يصح ان تطلق عليه كلمة الشعر, حتى يستوفي هذين الجانبين. فالمفروض بالمعنى أن ينسجم مع المبنى, وأن تكون هناك وحدة عضوية كاملة بين الرؤيا واللفظة, وهذا أمر متفق عليه وبديهي كما أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان روحا وجسدا, ولا وجود له إلا بهما, وكما أن حياته متوقفة على اتحادهما. إذ انّ الإنفصال معناه الموت. كذلك في الشعر فالإنفصال ــ أعني ــ انفصال الرؤيا والتعبير عن اللغة الموافقة, معناه النهاية لمفهوم الشعر, وبهذه الحقيقة نكون قد وضعنا أيدينا على موضع الداء. فلا تطرف لللغة ولا تطرف للرؤيا أو الحسّ الشعري, لأن كلا التطرفين يفضي الى فساد وموت, فنحن لا نؤيّد القديم كلّه بتشديده على اللفظة(الجسد) , وإقلاله من الإهتمام بالمعنى أو الرؤيا ( الروح). ولا نتفق مع أصحاب الحركة الحديثة في الأدب, الذين يتطرفون للحس الشعري( الروح), فيعطونه الأولوية, ويجعلونه كلّ شئ في القصيدة, لأنّ من مساوئ القديم التحجر في قوالب جامدة رتيبة, ومن مساوئ الحديث ميوعته وضبابيته المتفككة, التي لا تخلق شيئا.

الشاعر الحق هو من يعرف كيف يؤلف بين الحسّ الشعري واللغة الشعرية, ذرة مقابل ذرة, وجزءا ً مقابل جزء بإحكام دقيق, وبذلك ينتج لنا كائنا شعريا ناريّ الروح قويّ الجسد, يجتذب النفوس اليه. هذه الحقيقة ادركها قديما كبار شعراء الإنسانية في مختلف البقاع. فهذا شكسبير الإنكليزي, ودانتي الايطالي, وغوتة الألماني, وطاغور الهندي. هؤلاء نظروا الى الشعر, على أنه كائن حيّ, يجب الإهتمام به من كلّ الجوانب, لأنّ أي إهمال في جانب معناه التأثير على الجوانب الأخرى, كالجسد إذا اشتكى منه عضوٌ, تداعت له سائر الاعضاء بالسهر والحمّى.

هكذا هي الحقيقة الشعرية. التفريط في اللغة, ينجرّ في النهاية على المعنىى والتفريط في المعنى, ينجرّ على اللغة وهكذا دواليك.

القصائد التي تضمنها  ديوان( اللواهب) ,  كانت متنوعة المواضيع , ففيها ما هو سياسي وما هو غزلي وفيها ما يتطرق الى مواضيع اجتماعية , وكان للفترة, التي

أمضيتها في جنوب العراق في مدينة العمارة ( ميسان)   أثرها وصداها في حياتي

. وهذا الأثر يلمسه القارئ في قصيدة ( صور من الريف)             

 

النهرُ ساجٍ  وصفْوُ الليـــــلِ مُنتشــــرٌ

                                   ينســـابُ فــي كلِّ شئ ٍ غايةَ َ البُعُـــد ِ

     كأنما الليلُ إذْ يمتــــــدُّ راهبــــــــــــــة ٌ

                                   راحتْ مُفكّــــــرة ً فـي معبد ِ الأبــــد ِ

     كأنَّ دُنيــا ً مِـــنَ الإلهــــام ِ قدْ فـُتِحَتْ

                                   فراح َ دفّاقُهـــا ينصبُّ مِــنْ صُعُـــــد ِ

     فانزاح َ عنْ كُلِّ شــئ ٍ ما يُحجّبُــــــه ُ

                                   وحُرّرتْ مُهْجَــــــة ٌ مِنْ ربْقة ِ العُقَــد ِ

     كأنمــــا النفــــسُ إذْ حَلّــتْ سكينتُــــها  

                                   في عـــالم ٍ بمعانــي اللطْف ِ مُحـْتشد ِ

     تمازجــتْ في مداها كلُّ خاطـــــــــرة ٍ

                                   بخاطر ٍ أزلــيٍّ غيـــــر ِ ذي أمَـــــــد ِ

     لا الأمس تذكرُ منهُ مـــــا يُكدّرهـــــــا

                                     ولا ترى حكمــة ً في حمْل ِ هَمِّ غـد ِ

                                     ***

     ومشــهد ٍ للمراعي راح َ يوقظـــــهــا

                                   مِنْ غفْوة ِ الظهْر ِ لحْنُ الصادحِ الغَرِد ِ

     والشمسُ تبعــث ُ مِنْ انوارهــا لُججـا ً

                                   زحّـافة ً فــــــي امتــداد ٍ غيْر ِ ذي أَوَدِ

     والأرضُ مُخْضلّــة ٌ خضراءُ طافحـة ٌ

                                   بالطِيْـب ِ ترفـــل ُ في أبرادها الجُـــدِد ِ

     والنهــــرُ يبعـــثُ أنغـــاما ً مُحبّبــة

                               تسهــو بها النفسُ مِـــنْ هـمٍّ ومِن كَمَــــد ِ

     قـد أورد َ النفس َ دنيا ً غير َ عالمِها

                               فتّـــــانة َ السحْر ِ لـَــمْ تُولـَـــدْ ولـَــمْ تَلِـد ِ

    حتّـى إذا امتدَّ ظلٌّ واعتلى شفــــــقٌ

                               وغيّب َ الشمس َ مجرى ثـمَّ  لـَمْ تـَعُــــــد ِ

    ولاح َ في الأفْق ِ نجْــم ٌ جـِـدُّ مؤتلق ٍ

                               وأوشك َ الدرب ُ أنْ يظلــــــم َّ أوْ فـَقـَــد ِ

    وراح َ راعي غنيمـات ٍ يجدُّ  خُطـى

                               سعْيـــا ً إلــى حيث ُ يلقى راحــة َالجَـسَد ِ

     تغيّــرتْ صـورُ الأشياء ِ والتحفت ْ

                               بُرْدا ً جـــديدا ً بما في الكون مِــن بُـــرُد ِ

     وانســاب َ نورُ فوانيس ٍ مُعلّقـــــة ٍ

                               يُفاخرُ الشـُهْــب َ في الإشراق ِ عـَـنْ بُعُـد ِ

     ثـم َّ استطالتْ أحاديث ٌ مـُشـــوّقة ٌ

                               يبدو على الليل ِ منــها الضَــعْفُ إنْ تَـزِد ِ

     تكاد ُ تدرك ُ في قول ٍ يفوه ُ بِــــه ِ

                               طفل ٌ معاني َ مــا دارتْ علــى خـَـــلـَـــد ِ

     وللنفوس ِ طِبــاع ٌ حَسْب َ منشأها

                               يعيا لهـــا الفكْــرُ إذ ْ يأتــــي بمُعتَقــــــــد ِ

    وما الخلود ُ بمُسطاع ٍ فنبلغُـــهُ

                               لكنْ يظــلُّ حليــف َ الشــوق ِ والأبَــــــــد ِ

  قصيدة ( صور من الريف)  استحضار لذكريات فترة الطفولة, التي أمضيتها في الريف في جنوب العراق ( العمارة) حاليا( ميسان) في بيت عمي حمادي , حيث بدأت  دراستي  في المرحلة الإبتدائية في مدرسة ( الحمزة), التي تقع على ضفاف نهر(الجديد) المتفرع من نهر دجلة . مدرسة  قائمة وسط مرج من الزهور. في أيام العطل الدراسية ,كان عمي يصطحبني معه الى الهور لصيد الأسماك. كنا نستقلّ زورقا مصنوعا من الخشب,ومطليا بالقير, يسمونه أبناء الجنوب ( المشحوف), وقد كان أجدادهم السومريون يستخدمونه في تنقلهم وترحالهم في في تلك المسطحات المائية الشاسعة, المنتشرة فيها نباتات القصب والبردي بكثافة, وتقطنها الطيور من كل نوع, حيث تقطع بعض الطيور مسافات تتجاوز آلاف الأميال لتستجم هناك لفترة  ثم تعود الى أوطانها , التي أتت منها في الصين وروسيا و القطبين الشمالي والجنوبي من الأرض. مناطق الأهوار هي من أجمل المناطق في العالم , وقد أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة( اليونسكو) الأهوار في لائحة التراث العالمي وذلك في يوم 17 يوليو تموز 2016 . ويعتقد أنها موقع جنة عدن , كما ورد في الكتاب المقدس. وتشير البحوث الأثرية أن ملامح السومريين وحضاراتهم ظهرت في هذه المسطحات المائية, التي تمتاز بسحرها الخلاب, وهي تمتد على شكل مثلث بين مدن الناصرية وميسان والبصرة وتشغل مساحات واسعة تتراوح بين( 15000 ــ 20000) كم2, وتشكل نخو 17 بالمائة من مساحة العراق. في الأهوار يتجسد جمال الطبيعة في أروع أشكاله وصوره ,حيث الطيور الزاهية الألوان بمختلف أنواعها, تشدو ألحانها بين نباتات القصب والبردي, وقد وصفها المستشرق البريطاني مؤلف كتاب( العودة الى الأهوار) Return to the Marches ــ ــ  بالعالم السحري, وسكان الأهوار معروفون بطيبتهم وكرمهم, ونساء الأهوار من أجمل نساء العالم, ويبدو أن للتغذية أثرا في ذلك الجمال حيث التغذية الطبيعية الخالية من التوابل والمواد الحافظة, والتي تعتمد على الحليب ومشتقاتة و الأسماك ولحوم الطير, والهواء النقي الذي لم يلوثه دخان المصانع.

وقد وصفهن الرحالة هنري اوستن, بأنهن نموذج للجمال العربي, ووصفهن الرحالة جورج كيبل... بأنّ جمالهنّ لا يضاهيه جمال المجتمعات الراقية...

في مثل تلك البيئة أمضيت شطرا من فترة الطفولة , تلك الطفولة التي تركت آثارا بيّنة على شخصيتي فيما بعد عندما عدت الى  مسقط رأسي بغداد واستمر هذا التأثر حتى بعد أن غادرت العراق الى بلاد المهجر, ويظهر ذلك جليا في قصائدي الرومانسية التي نشرتها في المجموعتين الشعريتين, (أناشيد زورق) و( طقوس)  الصادرتين في القاهرة عن دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع, وفي القصائد الكثيرة التي نشرت في العديد من الصحف والمواقع الألكترونية,وحظيت باهتمام كانت حصيلته أن توجت بهالات ودروع التكريم من معظم تلك المواقع, التي وصفت شعري بالسهل الممتنع.

   غادرت العراق في أواخر السبعينات من القرن الماضي  الى أوربا واستقرّ بي

المقام في ألمانيا ..  وفي العام الأول من  إقامتي  هناك  صدرت لي مجموعة شعرية من الشعر الحر( شعر التفعيلة)  بعنوان( رسائل من وراء الحدود) عن  دار المعارف في بيروت  عام 1980. ومعظم القصائد

تتحدث عن معاناتي في ديار الغربة وعن حنيني الى الوطن , وفي المجموعة قصائد تطفح بالألم والمرارة لما كان يحدث في العراق من مآسٍ في تلك الفترة , وتعود  بي الذكريات الى الماضي فيعتصرني الألم , فأخاطب مدينتي بغداد بهذه القصيدة:

 

ليلــة مع الذكرى

هذهِ الليلـــة وحــــــــــدي

مبحـــرٌ عبـــــر جراحاتي القديمــة

مبحرٌ عبْــــــرَ جراحاتي الجديـــدة

أذكرُ الأحبـــــابَ والأهلَ وأصحابي القدامـــى

منْ تُرى يمســــحُ عــن عيني الغَمــــــــــامــا ؟

لأرى تلكَ التــي خلّفتِ القلبَ حُطــــــــــــامـا

مَن تُرى يُطفئُ فـــي النفسِ ضــــــــــرامــــا ؟

                                               هــذهِ الليلة يستفهــمُ مِنّي الكأسُ عنْ كلّ الندامى                         

آهِ يا قلبــــــي الذي في وسط الجمرةِ نامــــــــا

من لأحـــــــلامي اليتيمــــــــــة ؟

من يُعيـــــــدُ الصبْــــــرَ للروحِ الشـــــــريدة ؟

هذهِ الليلة تمتد  أحاسيســـــــــي الى كلّ المدائنْ

تبعثُ الميّــتَ فـــــي أقصى المدافـــــــنْ

هذهِ الليلة يــا بغـــــــدادُ أبكيكِ بنزفٍ لا دمـــــوعْ

من فؤادٍ كادَ أنْ يقفـــــــزَ مِـــنْ بين الضـــــــلوعْ

لهفة ً توشكُ أن تسلبـــهُ روحَ الحيـــــــــاةْ

آهِ يا بغـــــــدادُ انّ الذكـــــــــــــرياتْ

وَقْعُــــــــها مُــرٌّ وقلبي لمْ يَكُنْ يومــــــا ً حصــــــاةْ

أذكــــــرُ الليلة ذاك الشارعَ الملعونَ والضوءَ الضئيـــلْ

أذكرُ الوجْــــــــهَ القتيـــلْ

كانَ وجْـــــهُ اللهِ في وجــــــــه القتيــــــــلْ

كانت الأمّـــــــةُ فــــي وجـــــــهِ القتيـــــلْ      

 تعمقت تجربتي الأدبية في بلاد المهجر, والفضل في ذلك يعود الى دراستي

 الأدب الألماني وفقه اللغة الألمانية في الجامعة الحرة في برلين , حيث أنهيت دراستي العليا في تلك الجامعة  عام 1988وحصلت على شهادة الماجستير في الأدب الألماني وعلوم اللغة, وبعد عامين من حصولي على الماجستير , شرعت في كتابة روايتي ( تركة لاعب الكريات الزجاجية) , التي أكملت بها رواية ( لعبة الكريات الزجاجية) , الحاصلة على جائزة نوبل للآداب للأديب الألماني هيرمان هسة.

 التأثيــــــــرات الإجتماعية

 الشاعر ابن بيئته الإجتماعية , وللمجتمع تأثيره على حياته الشخصية , وبالذات على كتاباته,  فما من شاعر لم يتأثر بالوسط الإجتماعي الذي نشأ فيه وترعرع, إلا أن  مقدارهذا التأثير يتفاوت من شاعر إلى آخر وهو مرهون بعوامل عدة , لعلّ أبرزها درجة تفاعل وتقبل الشاعر لما يعايشه ويتحسسه في حياته اليومية .

في شعري يظهر هذا التأثير في مرحلتين من حياتي .. مرحلة شبابي حتى سن السابعة والعشرين , التي قضيتهافي بغداد , التي ولدت فيها, ما عدا سنوات طفولتي , التي أمضيتها في جنوب العراق في رعاية عمي, والسنوات الثلاث, التي باشرت فيها دراستي الإبتدائية في مدرسة( الحمزة), ثم عودتي الى بغداد ومواصلة دراستي في مدرسة الطليعة الإبتدائية في حي ( البتاوين) أما المرحلة الثانية  فهي مرحلة المهجر.في المرحلة الأولى غلب على شعري الطابع الرومانسي , الذي كنت أستعيد فيه ذكريات طفولتي في جنوب العراق .. في مناطق الاهوار, ففي ديواني الأول عدد من القصائد  أتحدث بها عن الطبيعة, والتي لم تخلُ من مسحة حزن مثل قصيدة ( الغروب والذكرى)  والتي كتبتها , وكان سني لم يتجاوز الثالثة عشر عاما. في هذهالقصيدة تظهر طريقتي في النظم القائمة على التوازن بين اللغة والمعنى

                                      

هذا الغروبُ كغـــورِ الروحِ مُكْتئـــــبُ

  تظلّـــــــهُ مِــنْ مجاهيلِ الأسى سُحبُ

هـــــذا الغروبُ تراتيــــــلٌ مُعذّبـــــــة ٌ

  أفاضــــــها خافق ٌ أحـــلامُهُ الشُهُــبُ

قد امتزجــتُ بــهِ ظلا ً كمـا امتزجــتْ

جداول ٌ فــي مصـبٍّ راحَ يصطخــــبُ

الأرضُ في لــونها المخفـي ّ قد بَرزت

ظــلا ً للونِ ظـــلالِ الليــل يقتـــــــربُ

وفــي السمـــــاءِ إذا مــا زانــها شفقٌ

مجــــــامرٌ من هيـــــامِ الروحِ تلتهــبُ

كانّمــا هــيَ حبّات ُ القلــــــوبِ وقــدْ

تناثــرتْ مِنْ جوى في النفسِ يحتجــبُ

كأنّ نهــرا ً وراء الغيْـبِ أوصلنــــي

بالأرضِ أمـــواجهُ الأنســامُ واللهــــبُ

والماءُ إذْ يتهادى مِــنْ عل ٍ صببــــا ً(1)

يبثُّ شكـــــــوى غريــبٍ راحَ ينتحــبُ

هذي هي النفسُ أشتــاتٌ مُشتتـــــــة ٌ

راحــــتْ بكلّ مفيــض ِ السحْرِ تُنتَهـبُ

أحسُّ لحْنــا ً عجيبـا ً راحَ يُبْدعـــــهُ

                            المــاءُ والظـلّ والأضــواءُ والعُشُــــبُ

 

                                  

ما أجمــل َ اللحْنَ لمْ تسمــعْ بـهِ أذنٌ

لكنْ يحـــسّ بــهِ الوجـدانُ والعَصَــــبُ

يــا للمُــذابِ أسى يا للصريع ِ جوى

مِــنْ نسمــة ٍ مِنْ ديــــارِ الأهْلِ تقتربُ

تقاذفتــهُ الليالي عـن مرابعــــــــــهِ

فهْـوَ الشجيّ لذكْـرِ الصحْبِ يضطربُ

وهـْـوَ المشوقُ لدنيا السحْرِ يعصرهُ

وَجْــــد ٌ إليـــها ويُذكـي نارَهُ طَـــــرَب

عالم الطبيعة الساحر الذي  استقيت منه معاني شعري وصوره وابناء الريـــــف

ببساطتهم وكرم أخلاقهم وفطرتهم النقية , التي تأثرت بها . كل هذ ا أصبح

ذكرى من الماضي .. في بغداد في زحمة شوارعها وفي مدينتي المكتظة بالسكان

والملتصقة بيوتها ببعضها البعض, افتقدت ذلك العالم المترامي الأطراف , والأماكن المفتوحة, التي كنت أشعر فيها بحرية مطلقة وكأنني واحد من تلك الطيور المهاجرة المحلقة في سماواته ,تلك التي كانت تغرد بين نباتات القصب والبردي. أصبحت أواجه مجتمعا , غير المجتمع الذي عايشته في السابق في الجنوب.. ذلك المجتمع ,الذي كان يمثل لي النقاء والبراءة.. في مجتمع المدينة  وجدت الطبائع تداخلت وتمازجت والخصال الكريمة كدّرتها العادات البالية والتقاليد القديمة .. عالم غير متجانس فيه من السلبيات بقدر ما فيه من الإيجابيات .. كان علي أن أواجه التحدي وأرسم ملامح طريقي الخاص في الحياة, فأنا لا أريد أن أكون صورة مستنسخة لذلك الواقع.. لقد ذقت طعم الحرية وتزودت بثقافة فتحت لي آفاقا جديدة في الحياة, لا أريد أن أتنازل عنها أمام قوى الجهل والتخلف , فثرت في وجه العادات والتقاليد البالية

كما في قصيدتي ( هدية ليلة الزفاف)  , التي انتقدت فيها عادة تزويج الفتيات صغيرات السن  من كبار السنّ.. فرفعت صوتي مستهجنا ومحذرا:

     يا صاحبــي إنّ التقــاليـدَ التـــــي

                               لا ترتضي للعــــدْل ِ أنْ يتطبّقــــــا

     هــيَ مِنْ بقـايا أعصـر ٍ منكــودةٍ

                               جوفـــاء قدْ تاهتْ بليل ٍ أطبقــــــــا

     تذكي لظاهـــا في الســـــلامِ تباهيا ً

                               وتنـــامُ إنْ غيمُ المخاطــرِ أبـــــرقا

      تدعـو الى الصفّ الرصيـنِ حروفُها

                                 وتضيــعُ عندَ الحادثــات ِ تفرّقـــا

      هذي التقــاليدُ التــي مــازال مِــــنْ

                                 أعبائهـــــا ظهــرُ المفكّــرِ مُرْهقا

     كمْ حطّمــوا قلبا ً وكمْ قد أقبـــروا

                                 رأيا ً وكمْ كسروا يراعــا ً مُحـرقا

     آراؤهُمْ تقضــي علــى القلبينِ فـي

                                 عُمْـقِ الصَفــا عمْـدأ ً بأنْ يتفــرقا

     ويتاجــرون َ بكــــــلّ بنتٍ بضّــة ٍ

                                 وينالُــها منْ كانَ فظّــا ً احْمَقــــــا

     الأفضليّـــةُ للـــــذي فـي كفّــــــــه ِ

                                 مالٌ يظلُّ بــهِ لهــمْ مُتصدّقـــــــــا

     سوقُ المــزاداتِ الذي لــمْ ينقرضْ

                                 يحظـــى بــهِ مَنْ زادَ فيمـــا أنفقــا     

     سنظلّ نفتحُ ألف َ باب ٍ زائـــــــف ٍ

                                 ويظلّ باب ٌ للحقيقــــــة ِ مُغلقـــــا

     ويزيدُ هذي النــارَ نارا جــاهـــل ٌ

                                 يختـــالُ فــي كلمـــــاتهِ مُتمنطقــا

     لمْ يدرِ وهـــوَ يتيهُ في ألفاظـــــهِ

                                 مَنْ قدْ تمنطقَ فــي الإلــه ِ تزندقـا

     ولمــن يحــاولُ غيرَ مــا في نفســه ِ

                                  مِنْ فطـــرة ٍ يبقى يحاولُ مُرْهقــا

     ولمن يرى إثبــات َ ربٍّ واحــد ٍ

                                   فيمــــا يجمّــعُ مِــنْ كلام ٍ فُرّقــا

     أو أن يفلسف َ ربّــهُ فــي واجب ٍ

                                   أوْمُمكـــن ٍ فيـــهِ لمحتَمـــلٍ رقى

     أو أن يجسّــدهُ بسيــــنٍ أُتْبِعــتْ

                                   صــادا ويدعــوهُ إلهــا ً مُطلقــــا

     فلقــدْ أضــاع َ النهجَ لمْ يعــرفْ اذا ً

                                   معنـــى الإلــهِ ولمْ يرِدْ ورد التقى

     إني لأعجــبُ من دعـاوى جاهــل ٍ

                                   كيف َ استجـــاب َ لوهمــه وتعلّقـا

     وهو الذي ما زال َ يجهــلُ نفســهُ

                                   ويـــرى بها ســـرّا خفيّا ً مُغلقــــا

     تلك التي جاشتْ بألفِ حقيقــــــــة ٍ

                                   صمّاء تقلقُـــهُ فتخرسُ  منْطقــــــا

                                     

والنفسُ مِنْ صُنْع الإلــهِ فكيفَ قـــدْ

                                   وصَـفَ الإلـه َ ولمْ يصِفْ مـا أقلقَا

 

     لا تعجبـــــــنَّ فعـــالــمٌ مُسْتَبعـــدٌ

                                 أبـــدا ً سيبقـــى يرتــدي ما لفّقــــــا

     فالنــاسُ نفسُ الناسِ لمْ يتغيّـــروا

                                   ولقدْ تفانـــوا فــي السخافة ِ مُسْبَقا

     واللهُ أكبــرُ مِنْ خيــالِ  مُفلســـفٍ

                                   مـــا زالَ يوقنُ انّــــــه قد أخفقــــا

 الى جانب نقدي  للعادات البالية  فقد وجّهت نقدي السياسي للواقع السياسي القائم في المجتمع العراقي وتوسّعت في نقدي ليشمل الأوضاع السياسية في العالم العربي , والتي تمخضت عن نكسة الخامس من حزيران عام 1967. ففي قصيدتي ( نداء إلى أمتي) والتي ألقيتها في مهرجان الشعر الذي  أقيم في ثانوية قتيبة عام 1968, والتي حصلت على الجائزة الأولى أقول:

ردي الردى إن يوم الثأرِ قد حانا *** لا تصبري لغـــتدٍ فالملتقى الآنا

لا ترهبــي جمـــرات الموتِ أنّ بها*** للنصرِ والمجدِ تلميحــا وإيذانا

فالمجدُ ليس على قولٍ نشيــــــــدهُ  *** بلْ فوقَ أشلائنا نُعليــــهِ بنيانا

صبرا َ على الموتِ في سوحِ الوغى أبدا *** فليس إلاهُ يمحو عارَ بلوانا

مضتْ سنــــــــــونٌ فهلْ عشنا قضيتنا *** حقّا ولو كانَ هذا العيش أحيانا

في كلّ حيـــــنٍ حزيرانٌ يُطالعُنــــأ     *** شهورنا كلّها صارت حزيرانا

كأننا قدْ رضينا الذلّ نجــــــــــرعهُ  *** جيلا ً فجيلا ً لكي ننهي قضايانـا

فعالنا كلّها للخزيِ جالبـــــــــــــــةٌ  *** حتى الفدائيّ لمْ نتركْهُ غضبــــانا

                                       

 طريقهُ كلهُ شوكٌ واسلكــــــــةٌ  *** وكان أجدرَ أن يمشيـــــــــهِ ريحانا

عشنا على الوهمِ لمْ نعرفْ حقيقتنا *** فظلّ موكبنا فــي الدرْبِ حيرانا

كأنّ واحدنا منْ فرْطِ حيـــــــــــرتهِ *** صخْـــرٌ تمثّلَ إثْرَ  النحتِ إنسانا

أنغفرُ الذنْب للحكامِ إنْ ظلموا         *** وإنْ شكونـــا فليل السجنِ مثوانا

 القصيدة طويلة وقد أثارت ضجة كبيرة وقتها, تعرضت بسببها الى

مضايقات واستفزازات, واضطررتُ الى عدم نشرها في ديواني الأول ما عدا بعض الأبيات   .

أما التأثيرات الإجتماعية في المرحلة الثانية ــ مرحلة حياة المهجر ـ,و التي بدأت في أواخر السبعينات من القرن المنصرم, فهي تأثيرات من نوع آخر مختلف عن تأثيرات المرحلة الأولى.

المجتمع هنا يرفضني لأنني جسم غريب عليه , هنالك جدار عازل بيني وبين الآخرين أكثر علوا من جدار برلين .. هنالك عنصرية ظاهرة وأخرى خفيّة, وتزداد هذه العنصرية شدة  ضد المثقفين , القادمين من العالم  الثالث, وبا لذات ضد أولئك القادمين من العالم العربي, المتمسكين بثقافتهم وهويتهم. لم تكن حياتي سهلة في بلاد المهجر, شأني شأن الكثير من المثقفين والأدباء العرب, الذين اضطروا الى العيش في دنيا الغربة , فالمعاناة تكاد تكون يومية , وقد صورت تلك المعاناة , في عدد من القصائد منذ أن وطأت قدماي أرض الغربة

نشرتُ قسما منها في مجموعتي الشعرية ( رسائل من وراء الحدود) , الصادرة في بيروت . لقد تبدد حلمي , وصدمت بخيبة أمل , وأنا أرى العيون ترميني بنظرات الكراهية والرفض , فأرفع صوتي عاليا كما في قصيدتي ( الخنازير المتألهة) مخاطبا السماء بمرارة:

ربّــــاهُ إنّا ها هنا في الريحِ تنهشنا الكلاب

متشرّدون على شواطي الليل نحيا الإغتراب

                                       

ترعى ذئابُ الثلجِ من دمــــنا

وتسكننا الحرابْ

حيثُ المدى متفجرُ الجنباتِ حقدأ واحتقـــار

حيثُ الكبارْ

يتوهمون بأنهم في الأرضِ في قلب المدارْ

يرموننا كلِمـــا ً قبيــحَ الوجهِ

مهتوكَ الستـــارْ

يا أيّها القومُ الرعاعُ القادمونَ من القِفــــارْ

عودوا إلى أوطانكم

كيفَ الرجوع ُ؟

وعن مواطننا قد ارتحلَ النهـــارْ

والعيشُ أصبحَ في مدائنها انتحــارْ

وهكذا تستمر المعاناة , ولكن بشكل آخر . في الوطن يقتل الجسد , وهنا تقتل الروح , فأتذكر بيت شعر لجبران خليل جبران

وقاتلُ الجسـمِ مأخوذٌ بفعلتهِ*** وقاتلُ الروحِ لا يدري به البشـــرُ 

وأتساءل في قصيدة ( القدر الأعمــــى) عن جدوى رحلتي:

الليلُ والغربةُ في عينيكَ والجليــــــــدْ

 يا ابن الصحارى ما تُريد

في هذه الأصقاعِ هل تبحثُ عن عالمِكَ الجديدْ

صخرةُ( سيزيف) التي أوهنتِ الحـــديدْ

تحملها منْ زمنٍ بعيــدْ

حكمُ زمانٍ أحمـقٍ بليـــــــدْ

لكنني رفضت الإستسلام, وتحديت بإيماني وإصراري على الحياة قوى الإستلاب والقهر بكل أنواعها..  الروح ستقهر كل أشكال الموت هذا ما أكدته في

قصيدتي ( الموت في أبريل)    :

يولدُ المرءُ مع الأهلِ وفي المنفى يموتْ

يتلقى ضربات القدر الأعمى

شريدا ً يتحدى الجبروتْ

يولدُ المرءُ خليّـــــــا ً ناعم البالِ

ويحيا نازفَ الجرحِ

يغنّــي كلمات الملكوتْ

فاصرخي يا ريحُ في وجهي

فإنّي لن أموتْ

لغتـــي فجّرتُهـــا نارا على بوابة الليل الصموت

سوف تبقى تقلقُ الطاغين َ في كلّ مكـــانْ

ذاتَ وقْـدٍ ليسَ يعروها خفـوتْ

أنا حيٌّ في فمي أنشــــــودةُ الصبحِ اليتيمـــه

لستُ من موتــى يموتون بإبريلَ هزيمـــه (1 )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إشارة الى القسم الأول من قصيدة الأرض الخراب الشهيرة للشاعر الإنكليزي توماس ستبرنز إليوت , والتي يقول فيها:

April is the cruellest month; breeding Lilas out of the dead

Land, mixing Memory and desire, stirring

Dull roots with spring rain.

                                   

(( إن أبريل أشدّ الشهور قسوةً ,

فيه تخرج زهور الليلك من الأرض الميتة,

وتختلط فيه الرغبة بالذاكرة,

وفيه تنتفض الجذور الخاملة بمطر الربيع ))

إن شهر إبريل, الذي تستيقظ  فيه الطبيعة من غفوة الشتاء هو اكثر الشهور قسوة بالنسبة لسكان الارض الخراب. ولكن ما السبب في ذلك, مع أنه شهر النمو والخضرة والإزدهار؟ إنّ في تفتح الطبيعة أثناء الربيع إثباتا واضحا لحقيقة الحياة ودورة الفصول, وهذه الحقيقة مصدرإيلام شديد لأهل هذه الأرض الجرداء, فهم يخشونها ويخافونها, ويؤثرون إخفاءها ونسيانها, ولهذا يعودون بذكرياتهم إلى الوراء, إلى أيام الطفولة البريئة.

يقصد الشاعر بالأرض الخراب, أوربا الحديثة وسكانها هم الذين يكونون المجتمع الأوربي بعد الحرب العالمية الأولى, وقد شهدت تلك السنوات اضمحلالا في الأخلاق( راجع :ـ نوابغ الفكر الغربي ـ إليوت ــ بقلم الدكتور فائق متي ـ دار المعارف).

إن ما يميز قصائد المجموعة الشعرية( رسائل من وراء الحدود), هو تشديدها على مفردات معينة, كالغربة والجليد والنفي, فهي بمثابة معادلات عكسية لما ألفته من قبل. فالدفء الذي تتميز به البلاد العربية , غير مألوف في أوربا. من هنا نجد كثرة تردد مفردة جليد في معظم القصائد, فالمجموعة توثيق لأحاسيسي

ومشاعري كإنسان مرهف الحس في وسط اجتماعي يختلف تماما قلبا وقالبا  عن الوسط  الإجتماعي الذي  نشأت فيه وترعرعت. كنت أدرك هذه الحقيقة وأشعر أنني إنسان شرقي أولا وآخرا مهما أحاول أن أتكيف مع الواقع الجديد, بإن جذوري تمتد هناك في بلاد ما بين النهرين, لكن هذه الحقيقة لم تنتقص من إيماني

بعالم متعدد الثقافات.       

                                    *****

(1) هذه المقالة كتبتها,نزولا عند رغبة أديبين عراقيين طلبا مني قبل أيام تزويدهما بنبذة عن سيرتي الذاتية

 

  

جميل حسين الساعدي


التعليقات

الاسم: جميل حسين الساعدي
التاريخ: 18/08/2017 07:47:40
أخي الشاعر المبدع يوسف لفتة الربيعي
لم أكن أعرف من قبل أنك من طلبة هذه المدرسة االمتميزة التي كان لها صيت في بغداد, لكثرة المبدعين فيها والمثقفين, يبدو أنك أتيت بعدي.. أنا أتذكر مدرس الأحياء أستاذ غانم وعبد المطلب صالح مدرس العربية وكذلك حسن الشرع, كنت في ثانوية قتيبة حين كان مديرها نعمة الدوري الذي جاء من بعده كاظم السوداني, وأتذكر الفنان الممثل راسم الجميلي, وأتذكر كذلك مدرس اللغة العربية بنيان
فرحت جدا لحضورك أخي الفاضل
دمت بخير
مودتي الخالصة مع عاطر التحايا

الاسم: جميل حسين الساعدي
التاريخ: 17/08/2017 12:49:05
الأخت الفاضلة إيمان حسين
شكرا على كرم حضورك
أنا حاولت في مقالتي هذه أن أبين للقارئ ما هو مهم وجوهري
في مسيرتي الأدبية, فاكتفيت بذكر المحطات التي مررت بها أوتوقفت عندها, تلك التي مثلت علامات بارزة في حياتي. فهي ليست سيرتي الذاتية بالكامل, لهذا اخترت لها عنوان صفحات....الخ
أكرر شكري مع احترامي وتقديري

الاسم: يوسف لفتة الربيعي
التاريخ: 17/08/2017 10:57:23
الأستاذ الفذ الشاعر جميل حسين الساعدي ...رعاكم الباري
تحية طيبة.....ماأبهى السِفر الذهبي للألمعي البهي ،ماأقرب مسيرتك مني ...(رُبَّ أخ ٍ لكَ لم تلده أمَّك )..،الأخ الحبيب لقد أكملتُ دراستي بمراحلها الثلاث في مدينة الثورة وغادرتها عندما كنتُ في السادس الإعدادي عام 1972 ،وتخرجتُ من ثانوية قتيبة (الغالية)...,أتذكر بفخر المدرسين (أستاذغانم /أحياء ..وأستاذ شجاع العاني وأستاذ قيس مجيد علي ،وبالمناسبة إلتقيتُ مع الأخيريّن كزملاء في أتحاد الأدباء /المقر العام ،...دمتم في القلب وأنا سعيدٌ جداً بكم أخاً صادقاً صدوقاً ....وحماكم الله والأهل من شرور الدنيا..مع أجمل المنى .
المخلص يوسف

الاسم: ايمان حسين
التاريخ: 17/08/2017 09:53:53
احيي فيك تواضعك وصدقك
اما شاعريتك فما قراته من شعر في مقالتك يبرهن على انك شاعر غير عادي متمكن من اللغة
وصورك الشعرية ساحرة شاعر رومانسي فريد

شكرا لكم على تنويرنا وتعريفنا بسيرتكم المباركة

الاسم: جميل حسين الساعدي
التاريخ: 17/08/2017 06:03:19
عتذر للقراء الكرام عن وقوع بعض الأخطاء الطباعية سهوا على سبيل المثال

استفدت منها الشاعر كثيرا
الصحيح: استفدت منها كثيرا(كلمة الشاعر زائدة)

ووقع خطأ طباعي في جملة:
بإن جذوري تمتد هناك في بلاد ما بين النهرين
الصحيح: فإنّ جذوري تمتد هناك في بلاد ما بين النهرين




5000