..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الانتظام أو الاتساق الجمالي في قصائد فايز خضور

عصام شرتح

لاشك في أن الانتظام الجمالي من مؤثرات الشعرية المعاصرة التي اعتمدت تكثيف اللقطات،  لتحقيق متغيرها الجمالي الخلاق،فالشاعر المبدع يحقق لقصائده الانتظام والاتساق الجمالي؛ وهذا - بالتأكيد- ينعكس على شعريتها، وبتقديرنا:إن الانتظام الجمالي هو  من فواعل الشعرية المعاصرة التي لجأت إلى تحريك القصيدة بالشكل الجمالي الأسمى، وما الانتظام والاتساق الجمالي بين الجمل والمفردات والمقاطع إلا من مؤثراتها الجمالية الخلاقة التي تسهم في إنتاج شعريتها.

ووفق هذا التصور، يمكن القول : إن أي عمل فني إبداعي مؤثر، أو منتج للقيمة الجمالية هو- دون أدنى شك- فن إبداعي منظم منبني على الاتساق، والتوازن، والانتظام في حركته الداخلية؛ وشكله الجمالي النهائي، وماهيته الجمالية الكلية التي ينطوي عليها، وهذا- يتبع بالضرورة- حركة العقل، ومسألة الوعي في تخطيط المنتج الإبداعي؛ يقول عالم الجمال ( بوسريه):" إن الجمال لا ينحصر إلا في النظام، أي في الترتيب والنسب.. وهكذا، فهو ، ينتمي إلى العقل، أي إلى القدرة على الفهم والحكم على الجمال"(1) .

واللذة التي يخلقها المنتج الجمالي هي التي تنقلنا من حيز الروتين والمادية المستهلكة إلى حيز روحي، ورعشة روحية ينقلنا إليها المنتج الإبداعي، وهذا ما أشار إليه( ( غوته) في حديثه عن الأثر الجمالي الذي يخلقه الشعر، إذ يقول:" إن الشعر خلاص، لأننا نخف فجأة ، ونتخلص بمعجزة من احتياجاتنا وخيبة آمالنا ورغباتنا... ونتخطى فجأة متاعبنا، وكل ما يشغل بالنا من تفاهة الوجود؛ وننسى آلامنا وملذاتنا، إذ إن ملذاتنا عديمة القيمة ، وتنفجر كما تنفجر فقاعات الصابون إزاء السعادة التي تسيطر علينا الآن"(2)..

والاتساق والانتظام هو جوهر العمل الفني الإبداعي المنتج، فمن لا نظام وانتظام له لا إبداع حقيقي في نهجه وشكله الخارجي، ولهذا، فإن اللغة؛ لا تثيرنا وهي في حالة فوضى وعبثية، وإنما من خلال تنظيمها ؛ وهذا ما أشارت إليه خلود ترمانيني بقولها:" إن لغة الشعر تنشأ بين الشاعر وبقية المدركات التي تكون عالمه الشعري، ذلك أن اللغة الموجودة خارج الشعر تكون في حالة فوضى لا يعثر فيها الإنسان على نفسه، ولكنها حين تدخل في إطار الشعر يضفيها الشاعر ، وينظمها مخلصاً إياها من الفوضى، ليحقق وجوده من خلال التغيير الفعال لآلية وجودها في العملية الإبداعية؛ وتبعاً لهذا؛ تنبثق اللغة الشعرية بعد مراحل من احتفاظ الشاعر بها في أعماقه، ومن ثم تتوالد الألفاظ والتراكيب والصور، فتبرز اللغة حية نابضة بالإيقاع ، وعلى هذا الأساس؛ يندغم الإيقاع في الخطاب الشعري ليظهر في إلهام الشاعر؛ وإيقاع التعابير وجرس الكلمات، ورنين القافية، لتنفذ بعد ذلك إلى قلب المتلقي ، وتوحي بما لا يستطيع القول العادي البوح به".(3).

وهذا دليل أن قيمة الخطاب الشعري تكمن- بالدرجة الأولى- في جمالية لغته ، ومصدر إشعاعه الفني، " فالشعر يرتبط باللغة، وهدفه- على حد تعبير كلوديل- تحقيق اللذة الجمالية التي يحصل عليها؛ والتي تعتبر اللغة أداتها"(4).

ولن تحقق اللغة الشعرية مظهرها الجمالي إلا باتساقها، وانتظامها في نسق لغوي منظم ومتماسك؛ يقول جان برتليمي:" إنه حين تكون مادة الموسيقى هي النغمات، تكون مادة الشعر هي الألفاظ. وبتعبير أدق: يعمل الموسيقي بنغمات تقدم إليه في حالة طليقة يستطيع تركيبها فيما بينها دون تحديد، في حين أن الشاعر يعمل بنغمات موضوعة في إطار الألفاظ، ومحدودة بهذه الألفاظ"(5).

فاللذة الجمالية التي نحصل عليها تعتمد على مرجعية لفظية تستند على أساس" لفظي- صوتي" بتنظيم نسقي ،واتزان لغوي في ترصيف الكلمات، وإحكام نسجها وتسلسلها الإبداعي؛ يقول جان برتليمي:" إن أبيات الشعر الجميلة تحمل نوعاً من رحيق يكاد يكون مغناطيسياً، وإنها تمارس إزاءنا جاذبية تشبه جاذبية المغناطيس"(6)- لدرجة أن " يريمون" أطلق تعبير" التيار الشاعري" على نمط" التيار الكهربائي" بوصفه قوة أو طاقة مغناطيسية تبعث الحياة والنبض والغناء في الكلمات"(7).

والفن الشعري- بوصفه فناً جمالياً- يعتمد سحر الكلمة وإيقاعها العاطفي الجذاب، لهذا؛ فإن الشاعر بإدراكه الحدسي الشعوري الجمالي يبدو قادراً على التلاعب بالكلمات وفق إيقاع عاطفي مموسق، يستثير المتعة والجاذبية الفنية لدى القارئ؛ وهذا دليل أن:" الشاعر يستخدم الكلمات ، لا ليعبر عن معناها فحسب، بل عما وراء معناها ، أي على ما يقابلها ترنيماً ونغماً في العالم الذي تنبع منه، وهي بذلك تمكنه من السيطرة على هذا العالم"(8). وبهذا المقترب الرؤيوي يقول جون بيرس:" لا الشيء المكتوب هو الذي يجذبنا، بل الشيء نفسه؛ وقد أخذ لحظة حيوية وفي مجموعة كاملاً"(9). وهذا القول دفع الناقد الجمالي ( جون) إلى القول عن أهمية" القدرة الروحانية للكلمة في خلق الشيء"(10). فالشاعر يتحثث الكلمات، ويبث فيها طاقة إيجابية جديدة، لكي يكتشف فيها شرارته الروحية التي اتقدت في داخله إيقاعاً يخرج من بين الكلمات برنين خارج ينساب من قرارة روحه، لا من رنين الكلمات وأنغامها فحسب؛ " فبدلاً من أن تكون الكلمات تعبيراً عادياً يشير إلى الأشياء تجده يعدها بمثابة فخ يمسك بالحقيقة الهاربة، وباختصار: تصبح كلها عنده مرآة العالم... إنها المعادل للعالم"(11).

يقول كلوديل مثلاً:" إن موسيقى اللغة شيء دقيق حتماً، وهي معقدة لدرجة كبيرة لا يمكن معها الاكتفاء بالطريقة البدائية البربرية التي تنحصر في عد الكلمات أو المقاطع لخلق التناسق الهرموني في نفس القارئ عبر انتظامه"(12).

فالمبدع الحقيقي هو الذي ينظم حواسنا وإدراكاتنا ومشاعرنا في قالب كلامي موزون أو محكم، يقول " بودلير":" إن القلب يحوي الاندفاع العاطفي ،والإخلاص، والجريمة. أما الخيال فهو وحده الذي يحوي الشعر. وحساسية القلب ليست على الإطلاق مواتية للعمل الشاعري، بل إن من الجائز أن يكون التطرف في حساسية القلب ضاراً في هذه الحالة. وحساسية الخيال ذات طبيعة أخرى، فهي تعرف كيف تنتقي، وتحكم ، وتقارن، وتترك هذا، وتعثر على ذاك الشيء بسرعة وتلقائية. وبهذه الحساسية التي تسمى عادة الذوق تستنبط قوة تجنب الشر، وإيجاد الخير في مجال الشعر"(13).

ومن هنا، فإن المبدع إن لم ينظم حواسنا، ويستثير مشاعرنا لن يرقى بنصه الإبداعي حيزه الجمالي الإشعاعي المؤثر؛ فالشعراء المبدعون- شأنهم شأن الرسامين- " يبحثون عن الشعور الذي يجعلهم قادرين على امتلاك الفهم الروحي في نقائه الأصلي، فهم يخبروننا عن أشياء لا تستطيع اللغة بذاتها أن تعبر عنها"(14).

وهنا، يتساءل " برغسون" قائلاً:" لماذا نحن لسنا جميعاً فنانين؟" ويجيب نفسه قائلاً:" كان بإمكاننا أن نكون فنانين، ولو أن الحقائق التقت بمعانينا وبوعينا بشكل مباشر. لكن الواقع غير ذلك، فبين الطبيعة وأنفسنا، أو بين أنفسنا ووعينا الذاتي، ينسدل الستار الذي هو كثيف وسميك أمام الناس العاديين، ولكنه رقيق وشفاف أمام الفنان والشاعر"(15).

فالمبدع أو الفنان هو القادر على استظهار ما هو باطني، أو ما هو خفي وعميق خلف الظاهر الشكلي، أو خلف الشكل الخارجي؛ يقول بول سيزان:" إنني أستنشق بتولة العالم تهاجمني حدة ظلال ألوانها. أشعر كما لو أنني متوهج بكل ظلال المطلق. أصبح أنا وصورتي شيئاً واحداً"(16).

وبهذا المنظور أو الإحساس الشعوري، فإن المبدع الجمالي هو الذي يخفف بإبداعه من ثقله الوجودي. ويحلق في لحظة إبداعية سامقة فوق حدود الممكن أو المتوقع ، ليخلق لذته أو نشوته الجمالية:" فالشاعر يعود بلمح البصر إلى رؤى الأزل، فيشعر بالثقل، فيتوهج به، ويصبح هو زمنه"(17).

ومن هذا المنطلق؛ ينماز المبدع عن غيره بمقدرته على تفعيل المنتج الإبداعي، من حيث التكثيف والإيحاء، يقول( بيت موندريان):" كل من العلم والفن يكتشفان ؛ويجعلاننا ندرك حقيقة أن الزمن هو عملية تكثيف لما هو ذاتي في اتجاه ما هو موضوعي، في اتجاه جوهر الأشياء وجوهر أنفسنا"(18).

وما ينبغي الإشارة إليه أن التنظيم والتوازن في بنية العمل الفني الإبداعي هو ما يمنحه جماله وتوازنه الفني، وهذا دليل أن النشاط الذي يولده الإبداع فينا مستمر ومتدفق دوماً، لأنه ناتج عن روح متوثبة، حساً شعورياً، ونشاطاً روحياً لا يمل ولا يكل، يقول كوليير:" يبدو أنه لا راحة هناك للشخصية المبدعة، فالنفس تقودنا باستمرار في نشاط دائم لا يتوقف"(19).

ومن هذا المنطلق، يبدو أن الاتساق والانتظام يتحقق جمالياً بمقدار حيازته على التناسق الشكلي في الخصائص والمؤثرات التي يمتاز بها الشكل الفني أو المنتوج الجمالي المثير.

الانتظام الجمالي في شعر فايز خضور:

لاشك في أن الانتظام الجمالي في قصائد فايز خضور يتأسس على شعرية المقاطع،  ومؤثراتها الفنية، ليخلق إيقاعها الجمالي الخلاق، الذي يتأسس على مرجعية جمالية في توليف الكلمة الشعرية في موقعها الجمالي الخلاق في النسق الذي تدخله، ذلك" أن الشعر ينتشر  الكلمة من تشتتها في  النثر،ومن تبعثر طاقاتها  الصوتية، ليكسبها بالوزن نظاما من اللانظام،وإيقاعاً من الفوضى اللفظية"ومن ثم فإن أداءه الفني يتدفق من ذلك التناسق النغمي، والذي يستطيع في كثير من الأحيان، أن يعبر عن الجانب الروحي في القصيدة،ودليلنا أن اللغة في الشعر هي -كذلك - تجسيد للوجود الذي تنشأ فيه، وإن العلاقة المنبثقة في تضاعيف  الكلمات هي كذلك العلاقة بين الذات والآخرين والوجود"(20).

والشاعر الحاذق هو الذي يخلق التناغم، والتآلف، والانتظام الجمالي الخلاق الذي ينقل الكلمات من حالة من الفوضى اللفظية اللاهية إلى حالة من الانسجام، والتناغم، والائتلاف، يقول جان تريليمي:" الواقع أن مجال الشعر ومجال الموسيقا متميزان أحدهما عن الآخر، ولا يوجد بينهما إلا التجانس،ولا شك أن الشاعر يمتلك عدداً من (الرنين) الرقيق للغاية،والمتنوع للغاية،ولكن هناك فرقا بين هذا وبين النغمات الموسيقية بما فيها من ارتفاعات وانخفاضات وتوترات تستخدمها الموسيقى، ذلك أن الشعر يرتبط باللغة،وهدفه اللذة التي نحصل عليها ،والتي تعتبر اللغة أداتها،ومن هنا نلاحظ أنه في حين أن مادة الموسيقا هي النغمات تكون مادة الشعر هي الألفاظ، وبتعبير أدق: يعمل الموسيقي بنغمات تتقدم إليه في حالة طليقة، يستطيع تركيبها فيما بعد دون تحديد، في حين أن الشعر يعمل بنغمات موضوعية في إطار الألفاظ،ومحدودة بهذه الألفاظ"(21).

والشاعر المبدع ينقلنا باللفظة المتناغمة في نسقها إلى حالة من المتعة والمكاشفة الجمالية  التي تحقق منتهى اللذة، والتناغم، والروعة، والحياكة الجمالية المؤثرة، كما في قوله:

 

" قانا" شعبٌ.. جبلٌ. ولدتْ آلافَ الأزهارِ الصفراءْ..!!

نثرتها حول منابع نهديها، حبات تلالٍ صماءْ

فطمتها

قبيل يصيرُ الموتُ حذاءً للقدمينِ،

وزناراً للخصر،وقبعةً سوداءْ..!!"(22).

إن القارئ يلحظ اللذة الجمالية في هذه المصاحبات النسقية المتناغمة بإسناداتها، وذلك لإبراز ملمحها الجمالي الخلاق، فالقارئ الحصيف يدرك اللعبة الجمالية الخلاقة التي ترتكز إليها، محققة قيمة جمالية عليا من خلال دينامية الصور المرتبطة بها،كما في قوله:[ منابع نهديها- حبات تلال صماء- قانا- شعب جبل ولدت آلاف الأزهار الصماء]،وهنا،يوازن الشاعر بين الأنساق الشعرية لإبراز ملمحها الجمالي، من خلال  الانزياح اللغوي  الذي يولد رؤية متغيرة، كما في قوله:

" لا تحرجيني بالشكوكِ، فتجرحيني.

لا تسأليني عن يباسِ مشاعري، وسلي جليداً، في الصباحِ أحاقَ بي

فذوى شعوري..

وتقصَّدتْ جدرانُ أوردتي رذاذاً من ضميري..

أمُليمتي. هل  أنتِ بين يدي، إذ يبكي سريري.

ظمأٌ يمَلِّحُ وجنتيَّ، ويستبي ضوءَ البصيرةِ والعيونِ

يا ويلتا من ظلم( هيمنةِ) الكبيرِ على الصغيرِ.."(23).

لابد من الإشارة إلى أن التعبير  الجمالي المحرض للشعرية يبدو في الانزياح اللغوي الذي يستثير الشعرية، حتى في أوج تشظيها وتباعدها،" فالجمال- في لغة الشعر- يتحقق إذا وجد التناسب والتلاؤم الذي يتيح للذات المتأملة أن تصل إلى تفهم العلاقات بين الأشياء، لأن الإدراك الجمالي لا نستطيع أن نحيط به إلا بإدراكنا لما يحيط بنا من مصاحبات أخرى، وفيما يتصل بالأدب، أو الفن -عموماً- تظل القضية صحيحة، فنحن لا نحس بجمال الكلمة، أو البيت الشعري إلا لصلته أو تواؤمه، أو تناسبه مع الجمل الأخرى، أو الأبيات الأخرى."(24)؛وهنا في النص الشعري السابق- نلحظ القيمة الجمالية للتناسب والاتساق الصوتي  بين الكلمات، كما في قوله:[ تقصَّدت جدرانُ أوردتي- ظمأٌ يُمَلِّحُ وجنتيَّ]؛ فالقارئ يلحظ الانزياح الجمالي الفاعل في هذه الأنساق للتعبير عن التوق والحنين لكسر حاجز الغربة وجهامة الإحساس الشعوري المرير، من هيمنة القوي على الضعيف، والكبير على الصغير؛وهذا الأسلوب القائم على تحقيق الاتزان والانسجام الجمالي هو من محركات الشعرية ومحفزاتها الجمالية. وهذا دليل أن" الجمال - في جوهره- نظام تناسقي، فالفنان يتدخل في المادة المهوشة، وغير المنظمة، فيعطي أو يمنح لهذه المادة انسجاماً، فيختفي الاضطراب والتنوع والتوزيع... هذا فيما  يخص الفنون البصرية، فما بالك في فن الشعر، فإن فن الشعر يعمد إلى خلق تناسق بين اللغة المبعثرة، فيتواكب من بين أعدادها أو كمها المطلق ما يشكل تناسقاً أو انسجاماً بين عدد من مفرداتها وجملها لتصاغ في إبداع تناسقي، وكأننا أعدنا تنظيماً داخلياً للكلمات أو اللغة بوجه عام"(25).

أشكال الانتظام والاتساق الجمالي في قصائد فايز خضور:

لاشك في  أن الانتظام والاتساق الجمالي من فواعل الشعرية وإنتاج الدلالة في مثل هذه القصائد، التي تحتفي بالأنساق المتوازنة في شكلها النسقي وتوازنها الفاعل على مستوى المفردات والأصوات، والجمل، والمقاطع الشعرية،والانتظام أو الاتساق الجمالي ،هو من أهم قيم الفن، ولهذا يجب أن نميز ما بين الفنان،والحرفي، ف"الفنان ليس هو الحرفي لكن هو المظهر للوجود , وهذا هو المعنى الحقيقي للإبداع , فالإبداع حسب هيدجر هو: "الخلق و أِعادة تركيب أنماط معرفية معروفة, بأشكال فريدة ورؤى مختلفة, أِنه تشييد ٌفي عملية نزع الحجاب .وبهذا ليس الشعرُ لهوا أو لعبا, وليس تخيلا خاليا ً من أي هدف , الشعر هو فن الكشف عن اللا تحجب ,وهو نمط من أنماط الإسقاط المضيء للحقيقة. (26).

ومن يدقق في أشكال الانتظام والاتساق الجمالي في قصائد  فايز خضور يلحظ غنى هذا المقوم الجمالي في إنتاج الدلالة، وتحقيق اللذة الجمالية في الأنساق الشعرية ، لاسيما تلكم الأنساق المنسقة في أصواتها وصيغها الصرفية، أوالجمل المتوازية، أو المقاطع  المنظمة ، باختصار، إن للانتظام والاتساق الجمالي قيمته الجمالية في قصائد فايز خضور، ابتداء من الأصوات وتناغمها، وانتهاءً بالمقاطع الشعرية وتوازنها،وهذا ما سنظهره في رقعتنا البحثية الضيقة.

الانتظام والاتساق الجمالي على مستوى الأصوات:

إن للأصوات المنظمة أو المتسقة قيمتها الجمالية في السياقات الشعرية لاسيما عندما ترتبط بإنتاج الدلالة، وتكثيف الرؤيا، فالأصوات ليست عبثية في القصيدة، وإنما منظمة بعلائق وروابط  تفرضها الرؤية الشعرية والمضمون الدلالي الجديد الذي تم اكتسابه من هذا السياق الذي تشكلت فيه هذه الأصوات، وهذا يعني :" أن الأصوات تتناغم، بحيث يأخذ بعضها برقاب بعض، ولعل تكوين الحروف، وتناغم الأصوات، أو تكرارها، أو تقابلها كلها  أشياءً تضفي على النص الشعري وقعاً نفسياً وموسيقياً يؤثر في السامع.(27).

وما ينبغي الإشارة إليه أن الاتساق الجمالي في الأنساق الصوتية لا يعني التماثل المطلق، في مخارج الأصوات،ذلك " أن الانسجام لا يتجلى  في التناغم دون التنافر، إذ إن الألفاظ الثقيلة على اللسان قد تشي بمواقف تنسجم مع ذلك الثقل، فيحصل الانسجام حتى وإن كانت الأصوات متنافرة،وذات وقع نفسي ثقيل. بل إن الانسجام قد يتولد من المتباينات، إذ ليس من الضروري أن يستخدم الشاعر الأصوات السلسة اللينة المخارج، ليحقق لقصيدته جمالية الإيقاع. ومن هنا، فإن الشاعر المبدع يرى الخيط الخفي الذي يربط بين المتباينات فيتحقق الانسجام"(28).

 وقد استطاع  الشاعر فايز خضور أن يشكل في أنساقه الشعرية تياراً نغمياً متوازناً يشي بجمالية خاصة ، لاسيما أن الاتساق الجمالي على مستوى الأصوات يهب الكثير من الأنساق الشعرية قيمة جمالية في النغم،وقيمة جمالية في المعنى، أو الدلالة، أو تصوير الموقف المحتدم الذي يعيشه الشاعر، كما في قوله:

"للتفاصيلِ نكهةُ توتِ البراري:

ألذُّ وأعذبُ

من شهقةِ الطهرِ في توبةِ الطفلةِ المخطئهْ...!!

للتفاصيلِ شجوٌ بديعٌ. يكحلُ أرصفةَ القلبِ،

نمنمةً من حنانٍ، وهمهمةً

توصلُ السرَّ حتى حدودِ اللهاةِ،"(29).

إن القارئ هنا، يلحظ التناسق والانسجام الصوتي في بث الحالة الشعورية بإيقاع مموسق ، تنسجم من خلاله الأصوات وعلامات الترقيم، والحركات الإعرابية،في هذه الترسيمات المموسقة التالية:[ للتفاصيلِ شجوٌ بديعٌ. يكحلُ أرصفةَ القلبِ/ نمنمةً من حنانٍ، وهمهمةً] ،وهذا التناسق الصوتي ازداد بوحه ووحيه الشعري، بتفاعل الصوت مع التنوين في إكساب الصوت قيمة مضاعفة في الإيحاء بالجو النفسي الشعوري العاصف الذي يعيشه الشاعر في واقعه الوجودي وأحاسيسه الوجدية المحمومة.فالتناغم  الصوتي الماثل في قوله:[ ألذُّ وأعذبُ] ينعكس أثره النغمي المموسق على النسق الشعري التالي:[ نمنمةً من حنان،وهمهمةً]، فالتناغم بين تنوين الرفع والنصب يكسب الصوت قيمة مضاعفة في البروز والتمثل والإيحاء بمكنونه المتوتر الصاخب، وعلى هذا الأساس يمكن القول: إن التناسق الصوتي ينعكس على  النسق الشعري والدلالة، خاصة عندما يأتي التناسق من ثمار الوعي الجمالي في التشكيل،وإبراز عمق الدلالات، وتكثيفها في وصف الموقف أو الحالة الشعورية باحتدامها وتوترها. وتبعاً لذلك " ليس الإيقاع مجموعة أصوات مفردة تنطق مستقلة بكيانات ذاتية، بل هو مجموعة هذه الأصوات المتناسقة والمنتظمة في تراكيب لغوية، يحمل كل تركيب منها خصائص تعكس الصورة الذهنية والدلالات المرتبطة بالسياق اللغوي وسياق الموقف الشعوري."(30).

وقد يتجلى التناسق الصوتي في الأنساق الشعرية عند فايز خضور من خلال ثنائية التناغم والتنافر بين الأصوات ، أو بالجمع بين الأصوات المتقابلة لتحقيق التناغم والانسجام، كما في قول فايز خضور التالي:

"  يا وطنَ الثورة عبئني: لغةَ رصاصٍ، وزهوراً حمراءْ..!!

كي أحرسَ واحاتِ الأطفالْ

يا وطني، سأراهنُ بالفعلِ وبالكلماتْ

فما دامت في  الكونِ جراحَ الثورهْ،

ومادامَ ملايينُ الفقراءْ

يبكون معي

ويغنون معي،

وغداً يبنون معي، وطنَ المسحوقينَ الشرفاء..!!""(31).

هنا، يلحظ القارئ غنى هذا الجانب الصوتي من التناغم والانسجام من خلال المد المستطيل في نهاية القوافي:[حمراء= الفقراء= الشرفاء]، والوقوف على النهايات المتناسقة بين الأصوات:[ الكلماتْ= المسحوقين= الشرفاء]،ولو دقق القارئ في القيمة المرجعية والدلالة الصوتية لكل صوت لاتضحت فاعلية الأصوات، في تنافرها وتناغمها في إبراز الصوت الشعوري الصاخب، والاستطالات الغاضبة التي تتطلب التنفيس عن حجم الشعور المتوتر في داخله، ولهذا  استطال بالمدود، ورسم منعرجات الشعور،ليعبر عن هذا الواقع المسحوق الخانع مؤذناً بالتقريع والتنديد ،لتأجيج الهمم وشحن النفوس للثورة والتغيير. ولعل الوقوف على صوت الهمزة الساكنة يدل على قمة الوجاعة والإحساس المتأزم الذي يعيشه الشاعر في صوته المخنوق الذي أراد إيصاله للآخرين، لتأجيج العزيمة وعدم الرضوح والاستسلام. ومن هنا، فإن لكل صوت موسيقا تحدث نغماً صوتياً له علاقة بالتيار الشعوري في مسار النص؛ وهذا لأن لكل صوت مخرجه وصفاته التي ترتبط بدلالة الكلمة، عن طريق علاقة فنية وشعورية؛ وهذه العلاقة لايتعمد الشاعر إبرازها،لأن موهبته الفطرية، وتملكه لأدواته اللغوية والفنية يمكنانه من ذلك فطرياً"(32).

وصفوة القول: إن التناسق والانتظام الجمالي- في قصائد فايز خضور- يتبدى في تفاعل الأصوات وانسجامها وتناغمها مع الموقف الشعوري الذي يعيشه الشاعر؛ وهذا ما حقق لها الاستثارة والتكثيف والفاعلية والإيحاء.وهذا ما انعكس على تفاعل الأصوات تناغماً تارة وتنافراً تارة أخرى ، ليتم التناغم وتنوع الرؤى والدلالات الجديدة التي اكتسبتها الأصوات في نسقها الشعري.

2-الانتظام والاتساق الجمالي على مستوى المفردات:

ما من شك في أن للكلمة في نسقها الشعري قيمة جمالية خاصة لا تظهر فاعليتها بوضوح إلا في إطار السياق، ومدى تفعيلها للنسق الشعري الذي تدخل في تركيبه، وهذا يعني أن" الكلمة في اللغة الشعرية خاصة، ليست مجرد إحلال للشيء المتعين، كما يحدث في الوسائل التي تسود فيها الوظيفة الإشارية، وليست تفجيراً لعاطفة ما، كما يحدث عندما تسود الوظيفة التأثيرية. فالكلمة في اللغة الشعرية ينظر إليها بصفتها كلمة في شكلها نفسه، وفي وضعها الصوتي، والنحوي- الصرفي- والمعجمي"(33).

والشاعر المبدع الخلاق هو الذي" يمتاح من إيحاءات الكلمة ما يغني تجربته الشعرية، وينتقي من اللغة المفردات التي تتناغم مع موقفه الوجداني وتموجاته النفسية ذلك أن لكل كلمة نغمها الخاص المتولد عن تتابع الأصوات، والمقاطع، وما يميز الشاعر المبدع عن غيره الاهتداء إلى الكلمة التي يقتضيها السياق، بحيث يقرع الأذن جرسها عند التلفظ بها، فتولد عند المستمع أثراً رناناً يتساوق مع الغرض الذي يقصده  الشاعر"(34).

ومن هذا المنطلق، يعد الانتظام والاتساق الجمالي على مستوى المفردات- من محفزات الشعرية وإثارتها في قصائد فايز خضور التي تتنوع مؤثراتها وفواعلها الجمالية بمقدار التوازن والانسجام الذي تحققه في نسقها، وهذا ما يجعل قصائده دائمة الانفتاح والفاعلية، والتكثيف، والإثارة التشكيلية في بعدها المشهدي، كما في قوله:

" عسلُ الوردِ رحيقي.

أحرقي موتَ الحقائبْ:

أنتِ ليلايَ، وحزني سائبٌ مابين أعشابِ الشرر..!!"(35).

لابد من الإشارة بداية إلى أن الانتظام أو الاتساق الجمالي - من محفزات اللغة الشعرية- في قصائد فايز خضور، إذ تعتمد الحركة الجمالية في تنسيق الكلمات ،وتوليفها بحياكة جمالية مؤثرة، وهذا ما تبدى في النسق التالي:[ عسل الورد رحيقي]، فقد أسند الشاعر العسل إلى الورد، وأسند للورد الرحيق في علاقة جدلية رؤيوية منظمة، لكنه فاجأ القارئ بإسناد جمالي، جعل النسق الشعري لاهباً، على شاكلة قوله:[ أحرقي موتَ الحقائبْ]؛ فليس من الطبيعي أن يسند الشاعر الاحتراق إلى الحقائب، ففي هذا الإسناد قلقلة للنسق الشعري، وهو يدل على بلاغة رؤيوية في تنسيق الكلمات لإبراز ملمحها الجمالي.

وهذا الأسلوب المتنامي الفاعل في إسناد الجمل، وتكثيف الدلالات ير تقي بالمخيلة الشعرية، ويكشف مدى مهارة الشاعر في توليف الأنساق الشعرية المتوازنة ،وتحقيق متغيرها الفاعل، كما في قوله:

"خندقي ظلَّ صديقي.

لم أكُنْ أُغرى بإغواءِ السفر..!!

ساقياتُ الحبِّ نبعٌ للرؤى الخضراءِ، خصبٌ ليقيني,

والكشوفاتُ طريقي..

هلَّ، أو ما هلَّ مرسالُ القمر"(36).

بادئ ذي بدء، نشير إلى أن  التنسيق الجمالي في اختيار الكلمات في موضعها البلاغي المؤثر، هو ما يحقق  لقصائد فايز خضور الكثير من مظاهر إثارتها وقيمتها الفنية، فالمتلقي الحصيف للمقتطف الشعري السابق يدرك بلاغة الكلمة وقيمتها المثلى في نسقها ، كما في قوله:[ ساقياتُ الحبِّ نبعٌ للرؤى الخضراء، خصبٌ ليقيني، والكشوفات طريقي]؛ فهذه الإسنادات الجمالية التي تحمل الكثير من الرؤى والدلالات، ماكانت ثمرة نتاج المفردة بذاتها،وإنما بتجاورها الإسنادي الخلاق وارتباطها بسواها،[ساقيات الحب= نبعٌ للرؤى الخضراء= خصبٌ ليقيني= والكشوفات طريقي]؛ فهذه المتوالية من الكلمات المركبة ،تدل على مخيلة متقدة، وحساسية بليغة في إصابة المعنى العميق، والدلالة المضاعفة.وهكذا ، تتأسس شعرية القصيدة- عند فايز خضور- بالتناسق الجمالي في اختيار الكلمات، وتنسيقها ببلاغة فنية تتمظهر في الانزياح اللغوي البليغ  الذي ينتج الصورة المؤثرة والمعنى المراوغ.

وصفوة القول: إن التنسيق والاتساق الجمالي- في قصائد فايز خضور- على مستوى المفردات من محفزات الشعرية  التي أغنت القصيدة بمثيرات الرؤيا، ومكنونها الخلاق.

3- الانتظام الجمالي على مستوى الصور:

لاشك في أن الصورة الحداثية اليوم انفتحت في تقنياتها المؤثرة على ما يسمى ب(ثقافة الصورة)، من خلال احتفاء الشاعر الحديث بكل ما يغذي رؤاه البصرية، ويغني مخيلته الشعرية،ولا غرو إزاء كل هذه المتغيرات والتقنيات البصرية التي تشهدها حياتنا المعاصرة الصاخبة أن تتغير الرؤيا الشعرية وتتغير الصور، وتتنوع من السكون إلى الحركة، ومن المشهدية البليغة إلى الومضية السريعة، " فالشعر لم يعد لعباً لغوياً ووسائل زخرف، إنه فعل وانفعال مع الشعور والمعرفة والفكر، وما أطلقنا عليه تسمية الواقع ما هو إلا جزء من الحياة والوجود،وهو أوسع. وما أسموه ب( الحقيقة) غير متجلٍّ في عالم الظواهر، بل هو سر يختبئ في جوهر الأشياء، وفي الباطن، فالإنسان يهتدي إليه بطرق معرفية خاصة"(37).

وتأكيداً على هذا، أصبحت الشعرية  اليوم تغتني بالمؤثرات البصرية التي تحتفي بالظلال والألوان والمشاهد المتحركة، وهذا يؤكد" أن الصورة أصبحت بالمعرفة والفكر تركيباً معقداً من عناصر كثيرة، تجتمع كلها لتحقق الكثافة المتمثلة في قدرة الصورة على احتواء دلالات لا محدودة،وعواطف متسعة، تقبل على العطاء الغزير، ولا يصل القارئ إلى فك الشفرات إلا بكد عقلي شاق، عليه أن يتسلح بمعرفة. ويحتاج" النص المعرفة" إلى القارئ المعرفة الذي يستخدم كل الأدوات الممكنة، ليعيد بناء الدلالة، وفق النص والخارج النصي"(38)

ووفق هذا التصور، تنوعت الصورة في القصائد الحداثية، واحتفت بمؤثرات بليغة في الاستثارة والتأثير، ولهذا" تعد الصورة الفنية جزءاً حيوياً في عملية الخلق الشعري؛ فهي من أهم خصائص التعبير الشعري، وأرقى أركان البناء الشعري. فمن خلال الصورة، تتعمق دلالات النص الشعري وإيحاءاته، وتتجلى القوة الإبداعية التي يمتلكها الشاعر. فإذا كان الإيقاع يحتسب عناصر اللغة كلها فإن إيقاع الصورة يتجلى من خلال صلة الصورة بفاعلية اللغة، ونشاط التركيب، وقوة الشاعرية"(39).

ولهذا، تنوعت الصورة في القصائد الحداثية، تبعاً لمتغيرات الرؤيا، والموقف، والحساسية الجمالية التي تميز تجربة عن أخرى، تبعاً لمتغيرات الموقف، والحساسية الشعرية، وقد احتفت القصيدة الشعرية - عند فايز خضور بمختلف الصور المعبرة عن الحدث والموقف الشعري، فجاءت بعض الصور طولية،وبعضها انتشارية، وبعضها عنقودية، وبعضها توالدية،وبعضها مفردة،وبعضها مركبة تركيبياً مونتاجياً بانورامياً، وهذا التحليق المبدع في تشكيل الصورة ، هو ما يهبها شعريتها ضمن النسق الشعري الذي تدخله، وأبرز أشكال الصورة التي تحتفي بها قصائده،( الصورة المسطحة) أو العريضة، " وتدور حول موضوعات مكانية كالمدينة، أو القرية، أو الحي، وتكون جوانبها مستمدة من الإطار المادي للمدينة،ومستوحاة عبر النقل البصري أو الارتداد إلى الداخل ،للاعتماد على البصيرة، وبذا يعتمد الشاعر في إبراز تلك الجزئيات على مقدرته في تمثيل أوجه المدينة، وظواهرها المادية، مستغلاً تجربته التي يعيشها، ليربط بين مشاعره الحزينة،ووضع المدينة البائس،.. وإن الصورة المسطحة تمنح الشاعر حرية كبيرة لتمثل جوانب المدينة المختلفة، فتبدو الصورة تشكيلاً للمكان والذات في نسق واحد."(40).ومن الصور الانتشارية في قصائد فايز خضور ما ترتبط بالهجرة والرحيل، ارتداداً نفسياً للاغتراب والتأزم الداخلي، كما في قوله:

" تاهَ مني يقيني.

باشري بالرحيلْ.

وانشري من مناديل عرسكِ، أشرعةً للعصافيرِ،

تؤنسُ وحشتها..

سائلي: هل تحسُّ الدوالي اليتامى، بهجرة كرَّامها.

أو تنوحُ القناديلُ محرورةً من نفاذ القتيل..؟!!"(41).

لابد من الإشارة إلى أن الصورة الانتشارية- في قصائد فايز خضور- تشي بمداليلها المفتوحة ومشاعرها المحمومة، فهي تبث الوحدة والقلق وإيقاع الحزن، وأحياناً تدل على الضياع والتيه والاغتراب، فحتى المناديل المعطرة بشذى الأفراح، والطهر، والمتعة تحولت إلى مناديل موحشة متشحة بالحزن والسواد،وأصبحت القناديل مظلمة لا تشي إلا بالسواد والقتامة والحزن، ورائحة الموت  المعطرة بأنفاس الوحشة والرحيل والأسى الخانق.

وهذا الأسلوب الانتشاري في توليد الصور، وتفريعها يستثير الرؤيا العميقة والمعنى الماورائي البعيد،لاسيما عندما يتحول الانتشار إلى تراكم وتتابع في الصور الجزئية ،دليل طغيان الشعور النفسي واستغراقه الكثير من الرؤى المتشعبة، كما في قوله:

" يا جحيمَ الغواياتِ. محبوبتي تخلعُ الآنَ معطفَ  أوهامها. وأنا عارياً.

أستحمُّ بترياقها، ظامئاً أتوسل هدنةَ سكرٍ رصين، يؤاتي احتمال النقائض

في ضوضائها:

مرةً ظبيةً، مرةً وردةً، مرةً غيمةً،نيزكاً. مرة ذئبةً. مرةً شوكَ صبارة.

مرة نجمةُ فتنةٍ. مرة صبوةً لاتضاهي سخاءً، وفي نخوةِ الجوعِ، حاكورةٌ ممحلهْ..!!"(42).

بادئ ذي بدء،نشير إلى أن الصورة الانتشارية- من مولدات الحركة الجمالية في قصائد فايز خضور التي تعتمد الوعي الجمالي في  بث الحالة الشعورية، بتشظيها وتباعدها النسقي، وهنا ،جاءت الصورة الانتشارية متشظية الدلالات والإيحاءات، منتقلاً من الحديث عن الذات إلى الصور الانتشارية المتراكمة التي تصف المحبوبة في تتنوع مغرياتها، فمرة تأتي ظبية، ومرة وردة، ومرة غيمة، ومرة ذئبة، ومرة.. حاكورة ممحلة،إذاً هذا الانتشار في تفريع الصور يدل على كثافة الرؤى الشعرية وحجم الشعور الاغترابي الضاغط على ذات الشاعر في قلقه واغترابه الوجودي.

ومن أشكال الصور التي تحتفي بها قصائد فايز خضور( الصورة الممتدة) أو الطويلة،" وهي الصورة التي تنبني بناءً طولياً، فتتحرك جزئياتها إلى الأمام بشكل ممتد من أول الصورة إلى نهايتها، معتمدة على الحركة كأساس فني يمنح الصورة حيويتها وامتلاءها.. وأبرز خاصية لهذا النوع من الصورة أن الحركة الزمنية محددة، بحيث يمكن أن نتلمس الأبعاد الزمانية الثلاثة: الماضي، الحاضر، المستقبل، إضافة إلى هذا النوع من الصور لابد أن تتمحور الصورة حولها، ولابد من حادثة معينة تكون نقطة البدء في انطلاق الشخصية"(43)وأبرز ما ندلل على هذا النوع من الصور الممتدة ، الصورة التي تتعلق بالشخصية الأسطورية،كشخصية ( آداد)، وفيها يقول الشاعر:

" آدادْ

تصحو جذوعُ السنديان مع اللهيبِ، حرونةً الأعصابِ،

يدميها يتيمُ السرو والدفلى،

إذا دهمتْهُ صاعقةٌ.

ويوجعُها القرنفلُ حين تهجرهُ الغيومْ..!!

لو تسألُ الحطابَ عن لغة الشجرْ.

 لأجابَ: سبحانَ الذي... ومقدس فعلُ التي... ومضى يغمغمُ لايبينُ

له أثرُ...!!!"(44).

إن الصورة ترتبط بالحركة الزمنية التي تظهرها الأنساق الشعرية،وهي ترتبط بشخصية ( آداد)، وهي الصورة التي تظهرها الأنساق الشعرية، واللافت تمحور الصور التالية:[يوجعها القرنفلُ حين تهجره الغيوم]و[تصحو جذوع السنديان مع اللهيب، حرونة َ الأعصاب] على البعد الجمالي والإيحائي المحرك للشعرية؛ والملاحظ حقاً أن قيمة الصورة تتمحرق على البعد الانتشاري للدلالات ، لإبراز الواقع المؤلم، فالاضطراب النفسي الذي تعانيه شخصية( آداد)، تمتد إلى كل جزئيات الصور، وهذا الأسلوب الانتشاري الطولي في تفريع الدلالات، لهو دليل على فاعلية الشخصية الملحمية والصور المرتبطة بها.

وثمة شكل من أشكال الصور- في قصائد فايز خضور- يتضح فيها أسلوب المقابلة، وهذه الصورة:" ترتكز في بنائها على مظهرين متناقضين من مظاهر الحياة المختلفة، فيأخذ كل مظهر مجرىً شعورياً وصورياً معيناً؛ بحيث ينمو المظهران في خطين متوازيين داخل إطار الصورة الكبير؛ وتزدوج الصورة الشعرية في صورتين إحداهما نفيض للأخرى.. فتناقضات الحياة وازدواجيتها خلَّف في نفوس الشعراء صراعاً مستمراً، ثم تبلور هذا الصراع- فنياً- في الصورة المزدوجة؛ وهي ليست محض عرض لشيئين متناقضين في الحياة؛ إنما هي تعبير عن معنى واحد بوجهيه المتضادين: السلبي والإيجابي"(45).

واللافت أن الصور المزدوجة بالتضاد، أو المقابلة من محركات الشعرية وحركتها الجمالية في قصائد فايز خضور التي تمتاز بالتنسيق والتوازن والانسجام رغم الحركة الضدية التي ترتكز عليها الصور، كما في قوله:

" أيها الرجلُ الطيفُ، قتِّر بلهم ثيابكَ.

حتى تتمُّ مراسيمُ سحقكَ

وحدك أدرى بما يفعلون،ووحدك أدرى،

بأن ألذَّ الثمارِ قطوفُ الجنون"(46).

بادئ ذي بدء، نشير إلى أن التضاد من محفزات الصورة المتقابلة التي ترتكز  على الموقف المؤثر، وهاهنا، عبر الشاعر بحرقة عن إحساس الاغتراب بين الوعي / واللاوعي، وقد تجلى هذا الازدواج في الصورة من خلال التقابل في نسق الصورة بين ( مراسيم سحقك)؛ فالقارئ لا يخفى عليه الوعي الجمالي في تشكيل النسق الشعري، والقيمة العليا في إسناد النسق الضدي إلى مضاده، وهذا الأسلوب الذي اعتمده فايز خضور من أكثر مغريات الصورة في توازنها وحراكها الجمالي.

وصفوة القول:

إن الانتظام أو الاتساق الجمالي من المؤثرات الفاعلة في قصائد فايز خضور التي تتنوع دلالالتها ورؤاها بما يزيد من فاعليتها الشعرية، ويخطئ من يظن أن الاتساق الجمالي يأتي عفو الخاطر تبعاً للحالة الشعرية،وإنما يأتي وليد رؤيا خلاقة ، تتحثث الكلمات،وتبني من أنساقها التصويرية ما يجعل القصيدة شعلة في التوهج والعطاء.

 

 

 

 

 

 

 

الحواشي:

  (1) برتليمي،جان، 1970- بحث في علم الجمال، ص 382. 

 (2)  المرجع نفسه، ص 382. 

 (3) ترمانيني ، خلود ، 2004 الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث ، ص 34-35. 

 (4) برتليمي، جان، 1970- بحث في علم الجمال، ص 275. 

 (5)  المرجع نفسه، ص 276. 

 (6)  المرجع نفسه، ص 281. 

 (7)  المرجع نفسه، ص 281. 

 (8)  المرجع نفسه، ص 289. 

 (9)  المرجع نفسه، ص 289. 

 (10)  المرجع نفسه، ص 290. 

 (11)المرجع نفسه، ص 292. 

 (12)المرجع نفسه، ص 330. 

 (13)حيدر، صفوان، 1998- تاريخ الفن التجريدي ، ص 234. 

 (14)المرجع نفسه، ص 234. 

 (15) المرجع نفسه، ص 233-234. 

 (16)لحسين، قصي، 1998- تشظي السكون في العمل الفني ، ص 212. 

 (17)المرجع نفسه، ص 212. 

 (18)المرجع نفسه، ص 212. 

(19) المرجع نفسه،ص212.

(20) عيد،رجاء،1995- القول الشعري( منظورات معاصرة) منشأة المعارف بالإسكندرية، مصر، ص

28.

(21)برتليمي،جان،1970- بحث في علم الجمال، ص275.

(22) خضور، فايز،2000- ديوان فايز خضور، وزارة الثقافة، دمشق، ص630.

(23) المصدر نفسه، ص683.

(24)عيد، رجاء،1995- القول الشعري( منظورات معاصرة)،ص62.

(25) المرجع نفسه، ص62.

(26)مقال لمحمد مجاهد،مقالة:(من وجود الفن إلى فن الوجود) مارتن هيدجر، ص15.

(27) ترمانيني، خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث،ص59.

(28)المرجع نفسه،ص59.

(29) خضور، فايز،2000- ديوان فايز خضور،ص676.

(30) ترمانيني، خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث،ص60.

(31) خضور، فايز،2000- ديوان فايز خضور، ص272.

(32)ترمانيني، خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، ص60.

(33) إيفانكوس،خوسيه ماريا بوثويلو: (د.ت)- نظرية اللغة الأدبية، تر: حامد أبو أحمد، سلسلة الدراسات النقدية، دار غريب للطباعة، القاهرة، ص50-52.

(34) ترمانيني، خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث،ص72.

(35) خضور، فايز،2000- ديوان فايز خضور، ص 608.

(36) خضور، فايز،2000- ديوان فايز خضور،ص608.

(37) يحياوي، راوية،2008- شعر أدونيس( البنية والدلالة)، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ص132.

(38) المرجع نفسه، ص133.

(39) ترمانيني، خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، ص258.

(40) مشوح،وليد،2005- البناء الحيوي المعماري في بنية القصيدة المعاصرة،،ص15، محاضرة في المركز الثقافي في معرة النعمان.

(41)خضور، فايز،2000-ديوان فايز خضور،ص447.

(42) المصدر نفسه، ص488-489.

(43) مشوح،وليد،2005- البناء الحيوي في معمار القصيدة المعاصرة، ص15.

(44)خضور، فايز،2000- ديوان فايز خضور،ص630.

(45) مشوح، وليد،2005- البناء الحيوي في معمار القصيدة المعاصرة، ص16.

(46)خضور، فايز، 2000- ديوان فايز خضور، ص426.

 

 

عصام شرتح


التعليقات




5000