..... 
.
......
.....
مواضيع تحتاج وقفة
 
 
......
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
   .......
  

   
.............

.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الاســــلام ... ليـــــس حـــلاًّ

راسم المرواني

بالرغم من أن مفردة (الاسلام) واحدة ، ولكن ، كان للمسلمين الأوائل والمتأخرين شرف إزاحتها عن معناها (الدقيق) الذي ورد في القرآن الكريم ، وأصبحت استخداماتها تدل على موارد (ثلاثة) ، وهي حسب تسلسلها الزمني :-

أولاً / الاسلام (القرآني) / بمعناه (العالمي) الذي ورد في كتاب الله ، والذي يشمل الرسالات والشرائع السماوية التي ابتدأت بنوح (عليه السلام) ، وانتهت بخاتم النبيين والرسل محمد (صلى الله عليه وآله) .

ثانياً / الاسلام (الاصطلاحي) / بمعناه المحدود ، الذي إكتمل وارتضاه الله لأتباع الشريعة المحمدية في حجة الوداع ، وهو الذي احتكره أتباع الشريعة المحمدية لأنفسهم دون مبرر ، وجعلوه حصراً على  (الذين آمنوا) برسالة محمد (صلى الله عليه وآله) .

ثالثاً / الاسلام (السياسي) / بمعناه (المعاصر) ، الذي أنتجه لنا الفكر البشري في مراحل ما بعد السقيفة ، والذي صاغ مفرداته أتباع الشريعة المحمدية بناءً على تطورات (السياسة) ، ومتطلبات السلطة ، والرغبات الشخصية ، بآليات الوضع والدس والتحريف .

  

والموضوع هنا ليس معنياً بالاسلام (الأول والثاني) ، لأن هذين المفهومين قد اندثرا في الفكر (الاسلامي المحمدي) منذ البدايات الأولى للاسلام والمسلمين ، ومنذ أول تصدٍ واضح لرغبات الأشخاص بإزاء رغبة ورأي الرسول (صلى الله عليه وآله) ، ومع أول خرق لوصاياه ، بل تطور الوضع إلى انبثاق (معارضة إسلامية) بإزاء من يعتمد الاسلامين بمعناهما (الأول والثاني) ، ولذا ، فالذي يعنينا هو (الاسلام) بمعناه (الثالث) المطروح على الساحة ، والذي يحرك التوجهات والأمزجة في العالم الاسلامي (المعاصر) .

  

لقد أثبت العرب والمسلمون الأوائل (ذكائهم) السياسي ، حين حصروا (الاسلام) بالشريعة المحمدية ، متخذين من آيتين في سورة (آل عمران) من كتاب الله منطلقاً لهذا الفهم ، وهما آية (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ) وآية (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، معتبرين أن الله سبحانه وتعالى قد جعل (الاسلام) هدية (خالصة) لأتباع الشريعة المحمدية ، في مساوقة مع مفهوم (شعب الله المختار) ، واعتبروا قول الله سبحانه وتعالى في سورة المائدة :- (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا) ، أحقية حصرية لهم في (خلافة الله في الأرض) ، وامتلاكهم (الحق الإلهي) في (الغزو) ، و (الفتوحات) ، و (السبي) و (الأسرى) ، وأخذ (الجزية) والاعتداء على حرمات وممتلكات الآمنين في البلدان البعيدة ، ومعاملة بقية (المسلمين من أتباع الشرائع الأخرى) على إنهم مواطنون من (الدرجة الثالثة) ، واعتبارهم (كافرين) ومشركين ، وإن مجرد إبقائهم (أحياء) فهو (مِنـّـة) تستحق الشكر والعرفان .

  

إن أول بوادر الخطأ والخطيئة بدأت حين أضاف (المسلمون) ركناً ثالثاً لإسلامهم المحتكر ، فقد جعلوا (الايمان بالرسول) ركناً من أركان الاسلام ، وهو خلاف ما جاء في كتاب الله سبحانه ، والذي يعتبره المسلمون (دستورهم) الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه (ظاهراً) ، والذي جاء فيه بأكثر من آية ، إن أركان الاسلام هي ثلاثة ، (الأيمان بالله) و (الايمان باليوم الآخر) و (العمل الصالح) ، بدلالة الآية الكريمة من سورة البقرة :- (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) .

  

ومن خلال الآيتين السابقتين في سورة آل عمران (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ) ، (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) نصب أتباع الشريعة المحمدية أنفسهم قضاة وشهوداً وسلطة تشريعية وتنفيذية (قسرية) على العالمين ، وحكاماً على معتقدات الناس ، متناسين إن الحكم في معتقدات الناس هو الله سبحانه ، وهذا ما نص عليه القرآن ، في سورة الحج :- (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ  إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) ، فضلاً عن قول الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة :- (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) ، وهي تكفي لدحض مزاعم الدين السياسي والمتطرف جملة وتفصيلاً .

*****  *****  *****  *****

لقد أبتلي الاسلام المحمدي بوجود مؤامرات وأجندات (إسرائيلية) يتزعمها شرذمة من (المندسين) أمثال (كعب الأحبار) وكثير أمثاله ، وكذلك الأجندات والمؤامرات (البيزنطية) التي اضطلع بها الحاقدون من الطلقاء أمثال (معاوية وأبيـه) الذين لم يتسن لهم نسيان (ثاراتهم) من محمد (صلى الله عليه وآله) ، لأنّـه سفّه وضاعة أحلامهم ، وكسر طغيان شوكتهم ، وأذل تجبر عزيزهم ، وأهرق دمائهم ، واستأصل شأفة الكفر والطغيان والرذيلة بينهم ، وقتل الجبابرة والضالين المضلين من آبائهم وإخوانهم وأخوالهم وأعمامهم ، وقوّض إمبراطورية (الدعارة) والخسة و (وأد البنات) في عرصاتهم ، وكذلك ابتلي الاسلام يشرذمة من المنافقين الذين قصمت عدالة وانسانية الاسلام ظهور مصالحهم ، وأنهت ديكتاتورياتهم ، أمثال (عبد الله بن أبي بن سلول) .

  

إن آلهة هؤلاء (الشرذمة) من المندسين والحاقدين والمنافقين لم تكن لترضى بالهزيمة أمام (إله محمد) ، ولكنها آثرت الكمون والاستتار والمراقبة والسكون ، بانتظار الفرصة السانحة للانقضاض على الفضيلة ، وتقويض دعائم الدين على حين غفلة من حراس الشريعة ، أو انشغالهم ، أو (استضعافهم) ، أو تغييـــبهم ، لتنفس فيها عن الحقد والضغينة بين الفينة والفينة ، بانتظار وصول (أدواتها البشرية) إلى السلطة ، فكانت تحرك هذه الأدوات من أجل تحريف وتزييف الدين ، عبر وضع الأحاديث والمرويات بآليات حرّيفة وبتقنيات عالية ، مستغلة بذلك فترة (حظر ومنع) كتابة الرواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأسباب لا يعلمها إلاّ الله ، ومَن مَنَعْ ، وشيئاً فشيئاً تمكنت من النجاح ، حتى أصبح (أعداء الاسلام) وأتباعهم ، هم (قادته ، وأمراءه ، وملوكه ، وأئمته) ، وهم كتبة تأريخه وموروثه وتراثه .

  

لقد كانت هذه الشرذمة تعي تماماً أنها لا تستطيع (التحرش) بكتاب الله ، أو تحريفه ، أو دس الزيادة فيه ، أو حذف شئ منه ، لأن الكتاب (مجموع ومرتب) بالشكل الذي نجده حالياً على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وليس في زمن (عثمان بن عفان) كما زعموا ، لأن الرسول الأعظم ما كان له أن يترك معجزته ودستور البشرية من بعده دون جمع وترتيب ، بدلالة قول الله سبحانه وتعالى في سورة القيامة :- (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ  *  إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ  *  ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ*) ، ولذلك فأقصى ما استطاعوه في تجريح كتاب الله ، هو :-

1/ زعمهم - أولاً - بأن القرآن قد (جمع) بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، لإثارة الشك في نفوس المسلمين ، وتهيئة الوعي الجمعي لقبول إمكانية ضياع بعض آيات القرآن ، أو نسيانها ، أو نقلها بالمعنى ، أو الانزياح نحو نظرية (المؤامرة) والتشكيك بالغايات التي أدت إلى جمع وتسلسل سور وآيات القرآن بهذا الشكل .

2/ بعد انتهاء مرحلة توطيد وتوكيد (خرافة) جمع القرآن على عهد عثمان بن عفان ، قاموا بوضع الروايات التي تشير إلى نقص القرأن ، وتحريفه ، واختلاف (السلف) في إدراج أو منع إدراج بعض الآيات ضمن الكتاب ، كآية (الشيخ والشيخة) و (الرضعات العشر) ، ومهزلة (أكل الداجن) لبعض الآيات .

3/ ثم قاموا بعدها بــ (تحريف) القرآن من خلال (تفسيره) ، ووضع روايات لأسباب (النزول) لتشتيت الوعي لدى المتلقي عن المراد الحقيقي من الآيات ، وإضفاء صفات (العلم المطلق) بالقرآن - قراءة وتفسيراً وتأويلاً ونزولاً - لدى بعض الصحابة ، كي يسهل إلصاق الروايات بهم ، واعتبارها من المسلمات ، أمثال (عبد الله بن عباس) الذي كانوا يسمونه (حبر الأمة الأعظم) .

  

ولم تنته المؤامرة عند هذا الحد ، بل كان المجال الأكبر لهذه الشرذمة هو (الدس) في الروايات الواردة عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ، عبر ما يلي :-

1/ وضع الروايات التي من شأنها الاساءة والتشكيك برسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وزعزعة إحترام المسلمين لنبيهم ، وإحراجهم أمام الروايات الكثيرة والمخزية ، والمناقضة لكتاب الله والفطرة السليمة ، والمخالفة لسيرة وأخلاق الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) التي اختصرها رب العالمين سبحانه بآية من سورة القلم حين قال سبحانه :- (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) ، ونجد أمثال هذه الروايات في اتهام الرسول (صلى الله عليه وآله) بالانتحار مراراً وتكراراً ، أو اتهامه بأنه (مسحور) أو غيرها من الروايات التي ما زالت (مقدسة) عند المسلمين .

2/ وفي الوقت الذي يصف فيه الله الغاية من أرسال رسوله (صلى الله عليه وآله) في سورة الأنبياء ، بقوله :- (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) ، يأتي تافه من توافه المسلمين برواية وضيعة ، يدّعي فيها أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد قال :- (لقد جئتكم بالذبح) ، أو :- (بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ بالسَّيْفِ) ، أو (جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلّ رُمْحِي) ، أو (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله) ، كل هذا لكي (ينفروا) الناس من رسول الله (صلى الله عليه وآله) من جهة ، ولكي يبرروا للسلطة (قتل الناس) ، وغزوهم في بيوتهم ، وسلب أموالهم ، وهتك حرماتهم في ما يسمى بالفتوحات ، تحت ذريعة نشر الاسلام .

3/ وضع الروايات عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، والتي من شأنها أن تخلق من (النكرات) والمجرمين والارهابيين (نماذج) إسلامية مقدسة ، ووضعهم بإزاء الأنموذج الاسلامي الحقيقي ، لتضييع الحقيقة على المتلقي ، ونفي (التميز) عن (القدوة والأسوة) الحسنة .

4/ منع ومطاردة وتغييب أيـّـة رواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) تشير المسلمين إلى أهل الحق ، وبذل الجهد في تأويلها وتفسيرها ، وإزاحتها عن معناها الأصلي ، ووضع الروايات المناقضة لها ، لتسهيل قيادة الأمة ، وتبرير تصدي البعض للسلطة ، كالطلقاء وأولاد الطلقاء مثلاً .

5/ الدين السياسي (السلطوي - الاسلاموي) كان على المحك مع بعض الناقمين على تصرفات السلطة المخالفة للدين والشريعة والفطرة السليمة ، ولذا ، كانت السلطة بحاجة إلى حديث أو مروية تكبح جماح (الثورة) ضد الفساد ، فجاءوا بحديث (يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لاَ يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ ، وَلاَ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي ، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ ، قَالَ : قُلْتُ : كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ ؟ قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ ، وَأُخِذَ مَالُكَ ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ) والذي أرسى قواعد الذل والخنوع والخضوع ، ودرجت عليه الأمة زمناً طويلاً ، وجاء أهل الدراية لنقض هذا الحديث بعد أن رسخ هذا الحديث في الوعي الجمعي الاسلامي ، وبعد أن اقتضت الحاجة إلى (الثورة) لدى عبيد الرواية أنفسهم .

*****  *****  *****  *****

لقد كان الحكام والملوك المسلمون بحاجة ماسة إلى (حديث) يوطد لهم ملكهم ، ويبرر لهم قتل (المسلمين) بذريعة دينية ، فحاء الحديث المزعوم :- (من بدّل دينه فاقتلوه) ، رغم أنف عشرات الآيات القرآنية التي تعطي للانسان (حرية المعتقد) ، فكان وعاظ السلاطين على أهبة الاستعداد لالصاق تهم (الزندقة) و (الردة) بمن يخالف عروش أولياء نعمتهم ، أو ينتقد تصرفاتهم ، أو يأمرهم بالمعروف أو ينهاهم عن المنكر .

  

ومن هذا الحديث الموضوع والمزعوم ، جاء نشاط الفقهاء للعمل على تنشأة ثقافة (التكفير) ، وذبح المرتد ، وقتل المبتدع ، وانتشرت الجرائم ضد الانسانية بذرائع دينية ، وأصبحت فتاوى الفقهاء (حجة) بنفس مقدار حجية القرآن والسنة النبوية ، بل أصبحت حجية فتوى الفقيه أقوى من حجية القرآن والسنة ، بسبب انتشار (الصنمية) ، والثقافة السمعية ، وقمع السلطة ، وسياسة التجهيل والاستحمار .

  

لقد وضع المسلمون كتب الصحاح والكتب المعتبرة والتفاسير المعتمدة وصحة السند يإزاء كتاب الله ، وجعلوا (العقل) في المرتبة الثالثة بين مصادر التشريع ، ضاربين عرض الجدار حقيقة أن (العقل) هو الحاكم على تفكيك وفهم النص ومطابقته للواقع ، سواءً كان قرآناً أو سنة نبوية ، ولذلك وقعوا في مطب (عدم التفريق) بين السنّة المحكية ، والسنة الواقعية ، وألصقوا (الحجية) بالسُنّتين ، ومنحوا السنة النبوية صفة (الثبوت) وعدم التغيير ، فألغوا وظيفة العقل ، ما جعل بعضهم ينحى في (الاجتهاد) منحى الاجترار لما قاله أو فعله أو فهمه الأولون .

  

كانت السلطة بحاجة إلى أحاديث ومرويات تطرد وتمنع من خلالها (الشعب) عن الوصول الى العروش ، أو لتبرر لنفسها القيام بالأعمال التي توطد الحكم أو تستلبه ، فجائت الروايات والتفسيرات على وفق ذلك ، حتى لو كانت مسيئة أو مخالفة لسيرة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ، أو مخالفة لكتاب الله ، ولذلك يقول (الصادق النيهوم) بهذا الصدد :- (إن الدين الذي ورثناه عن أسلافنا ، هو ليس الدين الذي بشر به القرآن) .

  

فالدس ، والاحقاد ، والفهم القاصر الخاطئ والمخطئ ، وضرورات السياسة والسلطة وغيرها من المنطلقات ، هي التي حرفت الدين وغيرت مساره ، وأنتجت منظومة روائية (فكرية) وعقائدية وفقهية لا علاقة لكثير منها بأصل الدين وغاياته السامية التي تدعو لإذكاء روح المحبة والألفة والتسامح بين بني البشر ، فجائت (عقوبة) رجم (الزناة المحصنين) كعقوبة ثابتة ، رغم إنها جزء من الشريعة (اليهودية) ، وبالرغم من مخالفتها لصريح القرآن .

  

وبدأ (الطبري) بالتأسيس لمفهوم (البدعة) الذي اتخذه من جاء من بعده ذريعة لينكل بكل عمل مطابق لحركة الواقع ومسيرة التأريخ وضرورات التغيير والتجديد ـ ولكنه لا يشبه ما جاء به السلف الصالح ، أو لم يأتوا به من قبل .

*****  *****  *****  *****

إن تطبيق الشريعة في العبادات والمعاملات (الشخصية) ، وحل النزاعات يمكن أن يكون داخل أروقة المؤسسات الدينية ، بعيداً عن (يد السلطة) ، أو تحت رعايتها ، ولكن بشكل رضائي ، يتقبله الانسان ويطمئن إليه بحكم انتماءه وانزياحه العقدي ، وهذا لا يتطلب تدخل السلطة ، ولا صدور القرارات من برلماناتها أو مجالسها التشريعية .

  

ولكن ، في حدود التشريعات والقوانين التي تمس (المجتمع) ، والأنظمة التي تتعلق بالأمن العام ، وفي مجال تطوير (افتصاد الدولة) ، والعلاقات الخارجية ، وأساليب الحكم ، يصبح تطبيق (الشريعة) مستحيلاً ، وربما يكون مدعاة لخلق (توتر) بين طوائف ومذاهب أبناء الشعب الواحد ، بسبب تعدد القناعات والتوجهات والمناهج والمدارس الفقهية  ، واختلاف الرؤى الفكرية الناتجة عن اختلاف المدارس (الدينية) .

  

فــ (ولاية الفقيه) أو (دولة الخلافة) أو (حكومة الشورى) أو (الإمارة الإلهية) ، ستتعارض فيما بينها لرسم شكل الحكومة المنتجة ، وكذلك فالنظرة إلى الآخرين واعتبارهم (شركاء في الوطن والانسانية) أو اعتبارهم (كفاراً) يجب قتلهم أو أخذ الجزية منهم وهم (صاغرون) ، ستؤثر على رسم سياسة الدولة مع المواطن داخل الدولة ، وتؤثر في رسم العلاقات الخارجية للدولة .

  

فالفكر الداعشي (التكفيري) الرافض للآخر ، موجود في أغلب الفرق والمذاهب الاسلامية ، على الأقل من الناحية (الفكرية) دون الناحية (التطبيقية) ، مع اختلاف (التسميات) وأساليب التعامل مع الآخر ، وإن العودة إلى تطبيق (السلوك والفهوم) التي أنتجها فكر (السلف الصالح) موجود لدى أغلب الفرق والمذاهب والطوائف الاسلامية ، وإن الرغبة في (تطبيق) الحدود موجودة لدى الكثير من (المسلمين) على اختلاف طوائفهم ، واختلاف حجم وشكل الحدود في متبنياتهم الفقهية .

  

إن إدعاء كل مذهب أو فرقة أو طائفة بقربها أو (التصاقها) بالحق دون غيرها ، بل وادعائها بأن من خالفها في ضلال مبين ، وسعيها إلى امتلاك زمام السلطة لتطبيق مناهجها الفكرية التي تراها (الأصلح) لقيادة الأمة ، ورغبتها في تطبيق الشريعة على وفق متبنياتها الفقهية ، سيخلث أجواءً من العداء والتوتر والشعور بالاستصغار والامتهان لدى السعي نحو تلأسيس (دولة الشريعة) ، ويجعل منها مشروعاً دائماً لانتقاد وتخرص إحدى الطوائف أو المذاهب عند عدم إعتماد رأيها في مادة (دستورية) تراها نخالفة للشريعة حسب متبنياتها ، ما يجعل من الضروري الذهاب إلى (دولة مدنية) ، تحكمها طبقة (التكنوقراط) ، وتطبق فيها القوانين الملائمة لمصلحة المجتمع ، دون تجاوز (المحرمات) التي (حددها) الشارع المقدس ، والتي نجدها في كل الكتب السماوية ، والتي تتفق معها (الفطرة السليمة) لدى الانسان السوي ، ابتداءَ من الأنبياء والمرسلين وانتهاءً بأي إنسان يعيش في غابات الأمازون ، والتي يطلق عليها تسمية (المحرمات) أو (الوصايا العشر) أو غيرها من التسميات.

*****  *****  *****  *****

إن تأسيس الدولة المدنية يجب أن يبتنى على أساس (القبول) بحدوده (العليا) لدى أفراد المجتمع أثناء صياغة (الدستور) ، ويجب أن تراعى فيه (حرية الرأي والمعتقد) ، وإلغاء (القدسية) عن الحاكمين ، ووضع السلطة (التشريعية) بيد الشعب ، واستخدام (آلية) الاستفتاء ـ واعطاء الشعب حق التصويت - بشكل (عيني) أو من خلال ممثليه في المجالس التشريعية - على (تقنين أو تحديد أو منع أو إطلاق) المسائل (المباحة) شرعاً والتي درج عليها المواطنون داخل المجتمع وفي حياتهم اليومية ، كتعدد الزوجية ، أو تحديد السن القانونية للزواج ، أو تحديد مقدار (الديات) ، والغاء قانون الاعدام .

  

ويحق للدولة المدنية استصدار القوانين والتشريعات (المؤقتة) والملائمة لروح العصر ، والمواكبة للتغيرات التي تفرضها حركة التطور ، بالاعتماد على المتخصصين من طبقة (التكنوقراط) ، في موارد الاستيراد والتصدير ، وقوانين المصارف والبنوك ، والهجرة ، وسن قوانين المرور ، دون الرجوع إلى الفقهاء والخوض في اختلافهم وأدلتهم ، بل ولا حتى الاستئناس برأيهم .

  

وللدولة المدنية حق (تحديد أومنع أو إطلاق) تطبيق وتنفيذ (العقوبات) الواردة في القرآن ، واختيار الأقرب لإمكانية التطبيق في المساحة الواسعة بين حدودها (الدنيا) والحدود (العليا) التي وضعها الشارع المقدس .

  

ولا يفهم من هذا الطرح بأن الاسلام عاجز عن قيادة الحياة ، أو أنه مقرون بالفشل من حيث النظرية والتطبيق ، أبداً ، ولكن الاسلام لم يعد قادراً على النهوض بتأسيس دولة ، لسببين مهمين :-

أولهما / إن الاسلام بنسخته القديمة (السلفية) عند كل المذاهب والطوائف لم يعد يواكب متطلبات العصر في موارد عديدة ، والدليل على ذلك ، إنزياح الدول الاسلامية نحو (التحايل) على الفقه في إصدار قوانين مخالفة لمتبنياتها (المفترضة) ، وإصرارها على عدم الاعتراف بفشل تطبيق متبنياتها الفقهية ، كاقرار المعاملات الربوية حتى في المصارف والبنوك الاسلامية .

وثانيهما / صعوبة تقديم الأنموذج الحقيقي بنسخته (المتجددة) ، لغياب (القائد الكامل) المعصوم الذي يمكنه العودة للدين الحقيقي ، وضمان عدم انزياحه نحو المزاجية والتأثر بالموروث والبيئة ، وقدرته على تجاوز مدارس الغلو والتكفير والتطبير والتكبير التي تمتلك القدرة والقابلية على أن تسقط أي مشروع للتغيير والتجديد المفترضين ، بواسطة استخدام الديماغوجية واستثارة عواطف الناس البسطاء ضد المصلحين والمجددين ، ووضعهم في خانة (الخارجين عن الدين) ، في شريعة أريد لها أن تكون خاتمة الشرائع .

  

فحين ترد في الدستور عبارة (الاسلام هو المصدر الرئيسي للتشريع) ، أو عبارة (الاسلام هو المصدر الوحيد للتشريع) ، فإنما يراد منها (الاسلام) بالمعنى الدارج ، والذي يعني الشريعة المحمدية ، وبالرغم من الأسلوب (الخادش) الذي تستبطنه هذه العبارة بالنسبة لأتباع بقية الشرائع ، وتعزيز إحساسهم بالغربة ، فإن العبارة - نفسها - تضع المتلقي أو المواطن (الواعي) تحت طائلة الحيرة ، وتثير لديه مجموعة من التساؤلات التي تفضي إلى (التوجس) ، ومنها :- (أي نموذج إسلامي سيعتمده الدستور في مصدرية التشريع ؟ هل هو النسخة السلفية ؟ أم النسخة الإخوانية ؟ أم النسخة الداعشية ؟ أم نسخة التشيع المتطرف ؟ أم التسنن والتشيع المنفتح على الآخر ؟) .

وهل سيعتمد الدستور في تشريعه على مصادر فقه (الغزوات والفتوحات) ؟ أم فقه (عدم الاعتداء على الآخرين) ؟ أم فقه (نشر الدين بالقوة) ؟ أم فقه (الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة) ؟ أم فقه (الذبح) ؟ أم فقه (التسامح) ؟ أم فقه (مهادنة السلطان الجائر) ؟ أم فقه (الثورة على الظلم) ؟ أم فقه (كفر ونجاسة أبناء الشرائع السماوية الأخرى) ؟ أم فقه (الأخوة في الانسانية) ؟ أم فقه (إقامة الحدود) ؟ أم فقه (شرعنة قتل غير المسلمين) ؟ أم فقه (السبي) ؟ أم فقه (تكريم بني آدم) ؟ أم فقه (الجزية) ؟ أم فقه (المواطنة) ؟ أم فقه (الرجم) ؟ أم فقه (قطع اليد) ؟ أم فقه (التهجير) ؟ أم فقه (أحكام الردة) ؟ أم فقه (حرية المعتقد) ؟ أم فقه (القمع) ؟ أم فقه (الحوار) ؟ أم فقه (الاتهام بالزندقة) ؟ أم فقه (احترام حرية التفكير والتعبير) ؟   

  

إن أحد المصادر التي تدفع بالانسان أن يوجس في نفسه خيفة من تسلط علماء ورجال الدين على السلطة ، هو شعوره بأن علماء ورجال الدين وفقهاءه هم أكثر المخلوقات وأشدهم قدرة وقابلية على الالتفاف على (فتاواهم وفتاوى غيرهم) بشكل انسيابي وناعم الملمس ، لتغييرها ونفيها ونقضها أو إثباتها وإيجاد الأدلة على ذلك ، ويمكنهم بسهولة أن يفتحوا الذرائع ، في نفس المكان والزمان والظروف التي يمكنهم فيها (سد الذرائع) ، باستخدام مصطلح (المصلحة) التي يرون أنهم الأولى والأحق في تقديرها وتقريرها ، ونعني بــالمصلحة ، (رصاصة الرحمة) في جبين التغيير والتجديد .

*****  *****  *****  *****

وصحيح إن دور السلطة المدنية هو ضمان حرية (الفكر والمعتقد) الشخصية بالنسبة للأفراد ، ولكن دورها الأكثر أهمية يكمن في (تقنين) السلوك (المجتمعي) المترتب على هذا الفكر أو المعتقد ، من خلال :-

1/ حصر الممارسات والطقوس والشعائر والمظاهر الدينية (العامة والخاصة) بعيداً عن السلطة ، وخارج الدوائر الحكومية ، وخارج مؤسسات الدولة .

2/ تقنين حرية (الفكر والمعتقد) بالشكل الذي يمنع الأفراد من (الاستهتار) بالاخرين ، أو الاعتداء على معتقداتهم ، أو إزدرائها ، أو السخرية منها ، أو خدشها ، وكبح جماح الرغبة لدى البعض في قمع أو تغييب أو مصادرة الآخر .

3/ منع ممارسة وتأدية الطقوس والشعائر بالشكل الذي يسبب استفزازاً للآخرين ، وتقنين أو تحديد أو ترشيد أو توجيه أيّة شعيرة أو ممارسة طقسية يمكن أن تؤثر على حركة وانسيابية ومصالح المجتمع .

  

ولأن الدين (لا يمنح أخلاقاً) ، بل يعتمد على الاستعداد في الأرضية الأخلاقية لدى المتلقي ، فينميها ويشذبها ، ويوجهها باتجاه صحيح ، فهنا ، يصبح لزاماً على الدولة إيجاد القوانين التي تنظم حركة وسلوك الأفراد بعيداً عن مزاجيتهم وأفكارهم ومعتقداتهم التي يمكن أن تنفلت لتجر المجتمع إلى هاوية الفوضى ، لأن الوازع أو الرادع لدى الفرد عن الجريمة أو الأخطاء التي تسبب ضرراً لنفسه أو للآخرين إنما تكمن في ثلاثة ، وهي :-

1/ الرادع الأخلاقي والتربوي / الناشئ عن الضمير ، والذي يمنع الانسان أو يردعه عن ارتكاب ما يسئ لنفسه أو للمجتمع .

2/ الرادع العقائدي / الناشئ عن الايمان والخشية والمحبة بين الانسان والمولى .

3/ الرادع القانوني / الناشئ عن قوة السلطة في تنفيذ القانون .

  

إن الرادع القانوني هو الرادع (الأقوى) في المجتمعات ذات الأصول (البدوية) ـ أو المجتمعات متعددة الطوائف والمذاهب ، وخصوصاً المجتمعات التي يغلب عليها (فساد المتشرعة) ، وقد قيل من قبل :- (إن الله يزع في السلطان ما لا يزعه في القرآن) ، أي بمعنى :- (يفعل السلطان ، ما لا يفعله القرآن) ، لأن قوة السلطان والنظام والقانون ، قد تكون مانعة ورادعة بقوة للبعض عن إرتكاب الحماقات والمخالفات والجرائم أكثر مما قد يمكن أن يمنعه كتاب الله (القرآن)  ، فالخشية من السلطان - لدى البعض - أشد من الخشية من القرآن .

  

وختاماً ... فإن الدولة المدنية هي الطريق الأصوب والأقصر لتحقيق (ديكتاتورية الأغلبية) التي تسمى بــ (الديموقراطية) ، والتي تعني (حكم الشعب) ، والتي تعتبر من أفضل أنواع (الحكم) في غياب الحاكم (الكامل) أو المشرع القانوني (المعصوم) ، وهذا الأسلوب من الحكم هو الأصلح (الجبري) في زمننا ، والذي يمكن من خلاله للشعب أن يحكم نفسه بنفسه ، ويتحمل مسؤولية إختياراته وخياراته .

راسم المرواني


التعليقات




5000