..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الرؤيا الجمالية في قصائد(كلك عندي إلا أنت) لجوزف حرب

عصام شرتح

لاشك في أن الرؤيا الجمالية في الشعر هي الرؤيا الإبداعية التي من خلالها يختلف كل شاعر عما سواه؛ والرؤيا الإبداعية هي الرؤيا الاختلافية- من المنظور الأدونيسي- وهذا ما وضحه بقوله:" الشاعر العربي الحديث قد يبدع ما يتنافى، شكلاً ومضموناً، مع ما أبدعه أسلافه،ويظل إبداعه،مع ذلك عربياً، بل أكثر: لايكون الشاعر العربي نفسه حقاً إلا إذا اختلف عن أسلافه. فكل إبداع اختلاف؛ ومن هذه الزاوية يمكن القول: ليس الشاعر الذي يتجاوز أشكال الموروث هو الذي يكون غريباً عن التراث؛ بل أن الشاعر لايتأصل في لغته الموروثة إلا إذا كان، بمعنى ما، غريباً فيها"(1) .

والرؤيا الجمالية،وفق  المنظور الأدونيسي- هي المغايرة والاختلاف، أن تكون حداثياً يعني أن تكون مختلفاً أو اختلافياً في رؤاك ومنظوراتك الإبداعية عما سواك؛والشعر- وفق هذا المنظور- سلسلة انبثاقات، أو مفاجآت، وليس خيطاً واحداً يستمر باللون ذاته، والنسيج ذاته. وتبعاً لذلك، يصح القول: إن المشكلة التي تواجه المبدعين العرب هي أن ينتجوا ما يختلف، وهذا هو مدار الإشكالية الإبداعية التي لم يفهمها عصر النهضة.(2).

ووفق  هذا التصور؛ فإن الرؤيا الجمالية هي بالتأكيد الرؤيا الإبداعية التي تميز شاعر من آخر، وتجربة من تجربة أخرى؛ ومدى  حساسية الرؤيا التي يملكها كل شاعر بالمقارنة مع شاعر آخر.ولا نبالغ إذا قلنا:

إن الرؤيا الجمالية هي الحبل السري الذي يصل المبدع بمنتجه الجمالي أولاً ، ومتلقيه المبدع الحساس ثانياً؛ والنص الإبداعي لا قيمة له بمعزل عن متلقيه الجمالي الحساس الذي يمتلك الخبرة الجمالية في تقييم هذا المنتج الإبداعي وفق أسس جمالية وحدس جمالي مركز، يقول الناقد أحمد الشايب:" العالم حركة وخلال كل تغيراته هناك إيقاع مستمر، وعندما يوافق إيقاع نفوسنا إيقاع الأشياء في الكون تكتسب الأشياء حقيقتها ومظهر جمالها"(3).

وهذا يعني: أن ثمة اندماجاً روحياً بين رؤيا المبدع الجمالية ورؤيا المتلقي الإبداعية التي تترجم هذا الإحساس الجمالي إيقاعاً داخلياً يتمثل في التفاعل والتلاقي الروحي بينهما، أي خلق نوع من "التناسق الهرموني في نفس القارئ "(3).

وهذا التلقي الروحي هو ما يجعل العمل المنتج يستحوذ على خاصيته الجمالية، أو الإبداعية، نظراً إلى ما حققه من لذة، ومتعة، وسلاسة شعورية لحظة تلقيه، فالشاعر مثلاً يستجر اللغة؛ ليخلق منها نفثة جمالية من نفثاته الشعورية المحتدمة، ولهذا سُمي الشاعر" جلاداً رقيقاً يعذب اللغة"(4). لأنه يختار الكلمات بعناية،ذ للبحث عن رنين الألفاظ، أو غرابتها، أو ندرتها؛ لدرجة ترغمه أحياناً أخرى، على وضعها في المكان المناسب لها في أتون الأرض، بحيث يجذب بعضها بعضاً، أو يرد بعضها على بعض، لتعطي لنفسها ولجاراتها قيمة خاصة، أو يدفعه -أحياناً -إلى مجرد وضع معناها بصيغة غير طبيعية، أو إلى إحياء معناها القديم عن طريق إروائها من المنابع الأولى للغة"(5)

وهذا يعني أن الرؤيا الجمالية- في لغة الشعر- لتستحوذ على شعريتها لا بد من أن تخلق درجتها الفنية التأثيرية بحنكة تصويرية؛ تحقق عنصر المتعة؛ والمفاجأة؛ والإثارة النصية، يقول السيد برادين:"إن الفنية الشعرية هي فنية السهو"(6). والسهو لحظة جمالية يغيب فيها الوعي لحظة الانشداه إلى ما هو ممتع ومثير جمالياً؛ وهذا يؤكد حقيقة قلما لمسها النقاد، وأشار إليها برتليمي وهي:" كلما كان بيت الشعر جميلاً رناناً مشعاً بالإيقاع، ابتعد عن منفعته الجمالية، أو الشاعرية الإبداعية الحقيقية، وباختصار، كلما شغل بيت الشعر نشاطاتنا السطحية قلت نسبة احتمال دخوله في المنطقة الشاعرية للروح. فالإعجاب شيء، والسحر شيء آخر، لأن العظمة تسطع، وتبهر ؛ليكون لها تأثيرها الكامل، من حيث لفت النظر فحسب، ولا بد من وقت أطول ومكان أوسع لكي تنتشر الموجات الغامضة الهادئة، الساكنة للترنيم الشاعري .. إذ ليست المعجزة -إطلاقاً -هي بيت الشعر نفسه، بل هي شبكة من أبيات تسمح للتيار الشاعري أن يسري"(6).

ومن هذا المنطلق، فإن الإبداع الشعري جمالياً لا يخلد كمؤشر على التناسق والانسجام فحسب، وإنما كمؤشر على الرؤيا الشعرية المنظمة للكلمات، والعبارات، والجمل بشكل لائق ،أو رائق فنياً، وتبعاً لهذا؛ فإن:" التناسق الجمالي بين أجزاء البناء اللغوي للنص الشعري، وتآلف تلك الأجزاء، وتناسبها هو لب الإيقاع ، فلكل حرف أو كلمة موضع في المجموع، وأساس من أسس الحركة الإيقاعية، والكل يؤدي عمله الخاص به، والمرتبط بما يسبقه، أو يليه من كلمات؛ ومن هنا، تعمل أجزاء النص الشعري لصالح المجموع، وعلى هذا الأساس، فإن جمالية الإيقاع لا ترتبط بمقاييس ثابتة يقوم على الخطأ والصواب، كما في الوزن الخليلي الذي يقوم على الصحة والاعتلال، لأن الإيقاع لا يقوم على قوانين محددة يمكن -من خلالها -أن يقيس الناقد جماليات القصيدة .. وعلى هذا، فإن المعنى الشعري، والموقف الوجداني، والقوة الإبداعية، يشتركون معاً في تحقيق الإيقاع، وتقييم عناصره، وتفضيل دلالاته(7).

وتأسيساً على ما سبق، يمكن أن نعد الرؤيا الجمالية ريشة المبدع في ارتياد فضاء الكون؛ محطماً تصاميمه، وتشكيله بتصاميم جديدة؛ تسمو فيها الروح والمخيلة فوق مادية الأشياء ومنطقية علائقها ، يقول (جيور جيودي شريغو) :" سيتحرر الفن من خلال الفلاسفة والشعراء المحدثين"(8).لأنهم الأقدر على تشكيل العالم لانتزاع الجوهر أو الكشف عن ماهية الأشياء، وجوهرها الأصيل ؛ فالفن ما هو إلا رؤية الجوهر، أو الكشف عن روحانية الوجود، وعصارة الأشياء ، ولا يمكن للفن أن يرتاد السطح دون العمق، إذ ثمة إشعاعات جمالية يوجهها الفن إلى متلقيه؛ وهذه الإشعاعات لا تعطينا كليتها ، وإنما تمنحنا جزءاً من الرؤيا، لنتابع فاعلية الكشف، والبحث الجمالي عن كنه ما يخفيه العمل الإبداعي الأصيل؛ لهذا، فإن الكثير من علماء الجمال لا يقفون على الشكل الجمالي؛ بوصفه منجزاً فنياً نهائياً؛ وإنما يبقى في طور التوالد، والنمو، والتكاثر المستمر؛ وهذا ما أشار إليه (بول كلي) في قوله:" لا يجوز أن ننظر إلى الشكل بوصفه إنجازاً نهائياً؛ باعتباره نتيجة نهائية، بل يجب أن ننظر إلى الشكل بوصفه سفرَ تكوين، ونشوء ، بل هو تكون صيرورة ، كينونة....حَسَنٌ اعتبار الشكل حركة فعلاً .. حسنٌ هو الشكل اليومي المتغير.  حسن  هو اعتبار الشكل هدوءاً ونهاية. حسن هو التشكيل. سيء هو الشكل...الشكل : نهاية، موت، والتشكيل حركة في فعل. التشكيل فعل حياة"(9).

فالذي يمنح الشكل الفني جماله واتزانه الرؤيا الجمالية التي هي مثار الإدهاش في إنجاز أي عمل إبداعي مثير؛ أو مؤثر فنياً، وهنا نتساءل:

هل الرؤيا الجمالية خاصية إبداعية تتعلق بالمبدع، أم بالمتلقي، أم بكليهما معاً؟ ما هي مقومات الرؤيا الجمالية الفاعلة، أو المحرضة للإحساس الجمالي، و الخبرة الجمالية؟ ومتى  ترقى الرؤيا الجمالية، وتستمد خاصيتها المؤثرة؟! وما هي السبل المؤدية إلى تغذيتها في المبدع أولا؛ً والمتلقي ثانياً؟!

نقول:

إن الرؤيا الجمالية وليدة إحساس جمالي أولاً، وخبرة جمالية ثانياً، ونفس مشبعة نبضاً وإحساساً، دافقاً بالأشياء الكونية المحيطة بالذات؛ ومن هنا، فالمبدع لا يستمد رؤيته الجمالية من فراغ، وإنما من حصيلة خبرات، وتجارب، ومعارف وجودية، وكونية سابقة وعميقة في الآن ذاته؛ تذهب مباشرة عبر منتجه الجمالي، لتتغلغل إلى مشاعر وأحاسيس المتلقي، ليس لاستساغتها فحسب، وإنما ليتفاعل معها؛ وبقدر ما تحقق الرؤيا الجمالية خاصيتها الإبداعية بوصفها محرضاً إبداعياً للخلق والتأثير  تزداد درجة إثارتها عمقاً وأثراً في المتلقي، وترقى الرؤيا الجمالية في كليهما معاً.

والمبدع- من منظورنا الجمالي- هو القادر برؤيته الجمالية على بلورة الحدث الفني الفاعل، أو المؤثر الذي يستثير الرؤيا الجمالية، بل ويحفز منتوجها في العمل الإبداعي المنتج، خاصة عندما يختار الحدث الفني المؤثر رؤيوياً، يقول كيتس" إن الفن قد يكون الطريقة الوحيدة التي تتوفر لدينا لتجميد اللحظة، ووقف تدفق الزمن"(10). وهذا؛ لن يتحقق إلا عبر الرؤيا الجمالية التي تمثل قناة الاتصال الحقيقية بين المبدع والمتلقي، فالرؤيا الجمالية هي التي ترسم الأشياء، وتبلور حيزها الجمالي المؤثر؛ لاستثارة الرائي أو المشاهد إلى ماهية العمل الفني، ومنتوجه الإبداعي المؤثر؛ وهذا يدل أنه: "حين تجابهنا أحداث غنية بالمعنى في الحياة، فإننا نفقد الإرواء إذا أوقفنا الحدث؛ ومع ذلك فحالما نقوم بالعمل، فلا بد للحظة المرتوية أن تمر. إن الفن يقوم -حقاً- بوقف الحدث، ويجعل اللحظة أزلية نسبياً"(11).

وهذا يعني أن لحظة الإرواء الدسمة جمالياً هي لحظة تفاعلنا مع العمل الفني الإبداعي، واكتناه لغزه الإبداعي، ورؤيته الجمالية؛ ولحظة الإرواء أو الإشباع هذه هي لحظة التلقي الجمالي للعمل الإبداعي المؤثر؛ إنها لحظة الاستثارة أو التأثير التي يبثها المبدع في منتوجه الجمالي؛ ولهذا، قال أحد الرسامين واعياً بهذه القيمة:" أود لو أنني في أحد الأيام أمسك بلحظة من الحياة في جمالها الكامل؛ ذلك سيكون اللوحة المطلقة"(12).

وهذا يدلنا أن اللحظة الجمالية التي يؤطرها العمل الإبداعي المثير هي لحظة روحية تنبع من عمق الذات، وهذه اللحظة هي لحظة الإحساس بمحايثتها الجمال، أو تحثثها الحقيقة أو التمتع بما يحايثها ولو وهماً؛ فاللحظة الجمالية هي لحظة شعورية فردية أو فردانية. ومهمة الفن بوصفه فناً جمالياً هي الارتقاء بهذه اللحظة جماليا،ً والكشف عنها؛ أو لذة الارتحال في الكشف عنها، يقول برغسون:" ليس للفن أي هدف آخر، سواء أكان رسماً، أم نحتاً، أم شعراً، أم موسيقى، سوى الكشف والإماطة عن الرموز المستفادة عملياً في التعاميم الاجتماعية التقليدية، وباختصار ، الكشف عن كل ما تستره الحقيقة عنا"(13). ومن هذا المنطلق ؛ فإن الرؤيا الجمالية هي لحظة محايثة، أو اكتشاف للحقيقة المسكونة في أعماقنا؛ والتي تلمع فجأة من ركام المؤتلفات والمتغايرات الوجودية ، وهذا يعني أن لحظة الإحساس الجمالي هي لحظة مقاربة أو محايثة لهذه الحقيقة المجهولة الغائرة في أعماقنا، وهي لحظة فردانية تشع من خبراتنا الفردانية، وإحساسنا الفردي؛ وهذا ما بينه " برغسون في قوله:"إن الفن دائماً يذهب نحو الفردانية، فهو يبدو بكلمات أخرى" إرسالاً للذات الفردية، أو القدرة على استحضار الذات الفردية في عرض مناسب وموافق"(14).

والمبدع الحقيقي هو الذي تتوافر- لديه- حقائق الرؤية الجمالية، أو موروثات الخبرة الجمالية. تلكم الخبرة التي تجعل المبدع الجمالي هو الأقدر على استحقاق هذه اللحظة، والتحليق بها من فردانيتها أو شخصانيتها إلى كليتها وعموميتها، ومن لحظتها الآنية العابرة ؛ إلى لحظتها السرمدية الخالدة . فالفن هو المخلص لهذه اللحظة؛ والباعث لحيويتها على الدوام ، يقول عالم الجمال ( جيمس) :" إن ما هو آتٍ أهم مما هو واصل فعلاَ"(15). والمبدع الجمالي بوصفه مبدعاً  يستثير الخيال؛ ويرسم بريشته الفنية دفقات مشاعره، رسماً دقيقاً يناوش حس المتلقي الجمالي؛ فهو الأقدر على ممارسة هذا الفعل الجمالي الذي يجعله بتواصل مستمر مع ما هو إبداعي ومؤثر جمالياً بالمتلقي. ولا تظهر معالم هذه الجمالية إلا من خلال المهارة والفاعلية الإبداعية في تحسين سلوكنا وسلوك الآخرين، وذوقنا وذوق الآخرين الفني ،لنتحثث ما هو جميل ومؤثر فنياً ، وهذا ما صرح به قائلاً:" ينبغي أن ينظر إلى الفرد كظاهرة نشاطية؛ ومع التأثير المشترك للنشاطات الأخرى يستطيع الفرد أن يحسن من خصوصيته"(17)

وتبعاً لهذا؛ فإن نشاط المبدع جمالياً يتحدد بمستوى نشاطه الإبداعي، ومنجزه الفني، ومدى حيازته لتميزه، وتفرده جمالياً ، وبقدر ما تزداد أسهم الرؤيا الجمالية ارتفاعاً وسموقاً تزداد خصوبة المنتج الجمالي؛ وتظهر دلائله، ومؤشراته الجمالية بتنوع، وكثافة داخل المنتج الجمالي.

أولاً- الرؤيا الجمالية في قصائد(كلك عندي إلا أنت)

ما من شك في أن الرؤيا الشعرية التي تنطوي عليها الكثير من قصائد جوزف حرب تتأسس على فواعل الرؤيا الشعرية ذات الحساسية الجمالية في صوغ الجمل والتراكيب،والصور ،والمشاهد، والبنى المتحركة ؛من تناص، وأسطرة، وأحداث بنائية محتدمة، وما يلفت النظر في شعرية جوزف حرب اعتماد المتوازيات والمتعادلات الصوتية ذات الإيقاع المتناغم الذي يثير الحساسية الجمالية وبلاغة المشاهد،كما في قوله:

" فتحتُ شباكي

وكان الليلُ بردْ،

وشمعةٌ غفي غرفتي، كحبةٍ من

بلحٍ أحمر، أو

كزرِّ وردْ

هبَّ الهواءُ، أصبحتْ

في لوحةٍ سوداءَ نهدْ"(18).

لابد من الإشارة إلى أن شعرية الرؤيا- في قصائد( كلك عندي إلا أنت) تتأسس على الوعي الجمالي في التشكيل؛ لاسيما في خلق المتوازيات الصوتية المتناغمة التي تشي بالتآلف والتوازن، والانسجام  بين المكونات اللفظية، ومحمولاتها الدلالية، وإيقاعاتها الصوتية، كما في المتوازيات الصوتية(برد=ورد= نهد)،وقد كان الشاعر جوزف حرب محقا في قوله:" النص الشعري تفاعل خلاق بين صوره وألفاظه، ومتوازياته النسقية، المنظمة لعلائقه الشعرية"(19). وهذه المنظمات النسقية، تحقق متوالياتها الخلاقة، التي تباغت القارئ، وتحقق مؤثرها الجمالي الخلاق؛ فالنص المبدع - حسب سعيد حسن بحيري- ينتج معناه بحركة جدلية، أو تفاعل مستمر بين أجزائه، ومن ثم ينظر إلى الانسجام الداخلي بين الدلالات الجزئية"(20).

وهذا التفاعل الخلاق بين الشكل/ والرؤيا هو الذي يثير الحركة الجمالية في قصائد ( كلك عندي إلا أنت) لجوزف حرب، إذ تتفاعل الرؤى والدلالات المفتوحة التي تشي بها على مستوى المنظمات اللغوية ،ومحركاتها النسقية البالغة ، كما في قوله:

" ليس قايينُ

وهابيلُ غير مفتاحينِ

لبابين         

ساكنٌ خلفهما

خيرٌ وشرُّ

يستميلان الذي

قربهما يوماً يمرُّ

ليس قايينُ

وهابيلُ

غيرَ

مفتاحينْ

لبابينْ منهما

حتى الأبد

دخلَ الكلُّ

ولم يخرج أحدْ.

وأنا بعضي هنا، بعضي هناك.

ليس كلي هو شيطاناً

ولا كلي ملاكْ"(21).

بادئ ذي بدء، نشير إلى أن جمالية الرؤيا في قصائد( كلك أنت) تتحقق بالمقابلة و المفاعلة بين المتضادات والجدليات؛ لإبراز ملمحها الجمالي؛ فالشاعر يعضد رؤياه بالمتناقض/والمتباعد، لتحفيز الرؤيا الشعرية، وإبراز مدلولها العميق، من خلال الجناس:(هناك= ملاك)و( الأبد= أحد) ،والطباق، والمتضادات(خير/ شر)،و(ملاك/ شيطان)؛ وهكذا تتأسس مثيرات الرؤيا الشعرية، بالارتكاز على حيوية الموقف وقيمته الشعورية المحتدمة.وهكذا يولد الجناس  الصوتي والمماثلات التقفوية المتواترة تأثيرات نغمية تضفي مسحة من الإيحائية والجمال على النسق الشعري المتضمنة فيه، ولذلك" يعد الجناس والطباق والموازنة الصوتية من أكثر ألوان البديع  قرباً من إيقاع اللغة لما يحمله من  خصائص إيقاعية تتمثل في التكرار والتوازن اللذين يحققان الانسجام عن طريق التساوق الحاصل بين الأصوات المتكررة ودلالاتها الموحية. وعلى هذا يتجاوز الجناس التكلف والتصنع؛ فهو ليس مجرد تكرار لأصوات بعينها فحسب؛ وإنما يحمل الجناس في داخله دلالات موجهة عبر السياق الذي يرد فيه،والموقف الوجداني الذي يمثله، ويعيش في كنفه؛ بل إن جمالية الجناس لاتتبدى في السياق الذي يقتصر على السطر الشعري الذي يرد فيه، وإنما تمتد عبر الصورة الكلية للنص الشعري.(22).

والجدير بالذكر أن الرؤيا الجمالية ليست مقصورة على القصائد القصيرة،وإنما قد تأتي في القصائد التوقيعة ،معتمدة الموقف المؤثر، والحساسية الجمالية، كما في قوله:

" من سماءٍ ما،

سماءٍ غامضهْ،

وامضهْ

وبعيدهْ،

قد أتى للأرضِ بوذا.

هكذا

تأتي القصيدهْ"(23).

 بادئ ذي بدء، نشير إلى أن الرؤيا الجمالية في قصائد( كلك عندي إلا أنت) تتمفصل على  الحدث المفاجئ، والاختزال والتركيز في اللغة، لتأتي اللغة الشعرية مؤثرة في مجراها، ونبضها الجمالي؛وهذا الأسلوب الذي اعتمده الشاعر حقق الموازنة الصوتية والانسجام بين الصور، كما في الموازنات الصوتية التالية:[غامضه=وامضهْ]و[ بعيدة= القصيدة]، وهذا حقق نوعاً من التناغم والتشاكل الصوتي، وهذا التشابه والانسجام الصوتي ولد تياراً نغمياً منسجماً من خلال إيقاع التشابه والاختلاف مع الحالة الشعورية والموقف الوجداني الخاص الذي يقصده الشاعر في تشكيله الشعري لنسق دون آخر ،محققاً قيمة جمالية بليغة في شكل اللغة وأسلوبها على بياض الصفحات الشعرية.

وعلى هذا الأساس، حققت قصائد( كلك عندي إلا أنت ) إثارتها من خلال إيقاعها المتوازن،  عبر بلاغة الرؤيا وإثارتها الجمالية.

ثانياً - فواعل الرؤيا الجمالية في قصائد( كلك عندي إلا انت) لجوزف حرب:

ما من شك في أن الرؤيا الجمالية هي المحك الرئيس في الحكم على شعرية الشاعر، فالشاعر المبدع هو الذي يشكل رؤيته تشكيلاً جديداً ينماز فيه عما سواه من الشعراء،سواء في البناء الأسلوبي، والتشكيل، والدلالة العميقة، والرؤيا الخلاقة المبدعة،ولعل أبرز مؤشرات الرؤيا الجمالية مايلي:

•1-    ظاهرة التوازي:

لاشك في أن لظاهرة التوازي قيمتها في خلق التوازن والانسجام في النسق الشعري الذي تدخل في تركيبه، ولهذا" اهتم الشاعر العربي الحديث بتشكيلات الجمل الشعرية في قصيدته التي بدت منظمة تنظيماً جمالياً إبداعياً؛ مما يعد إيقاعاً أولياً يراعي حسن تقسيم الجمل وتقديمها في أشكال متنوعة، بحيث لايتكرر التشكيل نفسه مرتين؛لأن لكل قصيدة نموذجها التشكيلي الخاص بها."0(24).وبهذا التصور، يمكن أن نعد التوازي " من أعمق أسس الفاعلية الفكرية في الشعر؛ فهو شكل من أشكال التنظيم النحوي،ويتمثل في تقسيم البنية اللغوية للجمل الشعرية إلى عناصر متشابهة في الطول والنغمة. فالنص بكليته يتوزع في عناصر وأجزاء ترتبط فيما بينها من خلال التناسب بين المقاطع الشعرية التي تتضمن جملاً متوازية. وهاهنا ، تحقق التماثلات النحوية أنساق التوازي في الشعر،ومن ثم توجه حركة الإيقاع في النص الشعري"(25).

وعلى هذا الأساس تحقق هذه الخاصية على مستوى الرؤيا الشعرية نقطة تمفصل الإثارة واللذة في النسق الشعري الذي تدخل في تركيبه،وقد اعتمد جوزف حرب التوازي نقطة تمفصل "إثارة الرؤيا الجمالية في الكثير من قصائد( كلك عندي إلا أنت)، كما في قصيدة( سريري) كما في قوله:

"آهِ يا أيتها الأرضُ  التي تنزفُ

ورداً،وعليها أسودُ الجوعِ،

وأسمالُ الأسيرِ

آه يا أيتها الأرض، تعري

في سريري جسداً يشبه أيقونةَ

قداس الفقيرِ"(26).

لابد من الإشارة بداية إلى أن التوازي من منعكسات الرؤيا الشعرية الخلاقة التي تتأسس على وعي جمالي في التشكيل ؛وهنا، حقق الشاعر التوازن بين الشكل الأسلوبي والمضمون الدلالي، معمقاً الفواعل الدالة في القصيدة؛ وكأن ثمة حراكاً دلالياًمؤسسا على بنية التوازي بين الصيغ، كما في التوازي التالي:

•·        آهِ يا أيتها الأرضُ  التي تنزفُ /ورداً،وعليها أسودُ الجوعِ،وأسمالُ الأسيرِ.

•·        ه يا أيتها الأرض، تعري في سريري جسداً يشبه أيقونةَ/ قداس الفقيرِ.

ولو دقق القارئ في مؤثرات التوازي لأدرك التعادل اللغوي في الصيغ والأنساق الشعرية، وكأن ثمة وعياً جمالياً في خلق الاستثارة والمباغتة الجمالية، عبر التماثلات النحوية التي تمنح الأنساق الشعرية نغماً متعاقباً منتظماً يشي  بروح الشاعر التواقة  إلى الاختلاف والتميز والتغيير،وهكذا ، رسمت القصيدة بإيقاعها اللغوي المتوازن إحساس الشاعر المتوتر الذي يسعى إلى الاختلاف بالتوازن بين ما يعانيه في واقعه من اغتراب،وما يجسده في أنساقه اللغوية المتوازنة، من توازن عسى نفسه تتوازن مع واقعها المتناقض.

وقد يعتمد جوزف حرب التوازي ، كحالة ارتدادية عن إحساس داخلي بألم الفقد والهجران ،فيأتي التوازي ليعيد التوازن الروحي عما يعانيه من قلق واضطراب ينعكس على جمالية الرؤيا وإحساسها المتوازن، كما في قوله:

"يا

منجلَ الوقتِ

بكفِّ الحاصد،

يا   

أيها الآتونّ بالأعيادِ

للأرضِ،

وبالسواعدِ،

غير

 إذا فتحتم لي قبري مرة،

قد تجدون فيه قلبي أخضر النبض، يدي

 طريةٌ، وجهي كما كان. وقد لاتجدون

صفٍ من عظامٍ أصبحت بالية

كمثل كل راقد،

لكنكم

لن تجدوا قصائدي"(27).

لا بد من  الإشارة بداية إلى أن التوازي- من فواعل الرؤيا الجمالية- في قصائد( كلك عندي إلا أنت)، لاسيما عندما تنبثق الدلالة من رحم الأنساق المتوازية التي تخلق نغماً متواشجاً  يرتد صداه على المستوى النصي، ولا نبالغ إذا قلنا إن التوازي هو رحم الرؤيا الجمالية في الاستثارة والتأثير عندما ينتقل التوازي من الشكل اللغوي إلى باطن الرؤى والدلالات ، فيسهم في إنتاجها وتكثيفها، وهذا ما ألمحت إليه الناقدة خلود ترمانيني في قولها:" تنبثق الدلالة من طبيعة التشكيل اللغوي بقدر ما ينبثق التشكيل اللغوي من طبيعة الدلالة التي يريد الشاعر إيصالها بإسقاط نبضه على لغته التعبيرية لتنطق بالصلة الوشيجة بين التشكيل اللغوي والدلالة الشعرية"(28).

وبالنظر في فاعلية الأنساق المتوازية في القصيدة نلحظ غنى هذه المؤثرات على مستوى الأنساق الشعرية المتوازنة، كما في  الأنساق التالية:

  

•·        "يا منجلَ الوقتِ/ بكفِّ الحاصد.

•·        يا   أيها الآتونّ بالأعيادِ للأرضِ،وبالسواعدِ.

هنا، يحقق الشاعر التوازن عن طريق المواءمة/ والمفاعلة بين الأنساق، لإبراز الوقع الجمالي، الذي تتأسس عليه الأنساق الشعرية لتحقيق توازنها وتناغمها الإيحائي، وهذا ما يكسب الأنساق حركتها الجمالية ،وإحساسها الجمالي الخلاق؛ ثم يراكم بعدما حقق التماثل بين ذاته المنكسرة وواقعه الوجودي عبر اللغة المنتظمة وصيغها المتوازنة، كما في  الصيغ التالية:

•·        إذا فتحتم لي قبري مرة،/قد تجدون فيه قلبي أخضر النبض، يدي

 طريةٌ، وجهي كما كان.

•·         وقد لاتجدون /صفٍ من عظامٍ أصبحت بالية /كمثل كل راقد،

لكنكم لن تجدوا قصائدي.

إن هذا التوازي انتقل من الدلالات إلى الرؤى الخلاقة المنتجة للشعرية، محققة إثارتها   من خلال التوازن بين مايشعر به الشاعر من اغتراب وقلق وتوتر، وتوازي الصيغ اللغوية وماتدل  عليه من انتظام وتناسق، عسى ينقل هذا التوازن إلى ذاته المضطربة لتشعر بالسكينة والطمأنينة والهدوء والاستقرار  بعد حالة الاضطراب والقلق والتوتر وعدم الاستقرار التي يعيشها في داخله، محققاً قيمة جمالية عظمى في الاستثارة والتأثير.

وقد يأتي التوازي في قصائد( كلك عندي  إلا أنت) نابعاً من حاجة داخلية وإحساس متوتر، يعانيه الشاعر في واقعه المأزوم، كما في قوله:

"مضت هذي السنينُ

وأنتِ فيها،

على بعدٍ،

ولم أعشقْ سواكِ

كأنكِ رغم رمحكِ في فؤادي

وسادي

أو ورودي أو ملاكي،

عشقتُ زوالَ حسنكِ، حين غيري

لبعض الوقت لم يعشقْ صباكِ.

لقد طفأوا صباحكِ، يوم روحي

إذابت صبحَ حبي في مساكِ.

رمتكِ يدي بوردٍ، ملتِ عنهُ

لمن بكئيب دمعكِ قد رماكِ.

يراكِ جميعُ من طردوكِ منهم،

ومن عيناه رافقتاهُ حتى

يرى بهما جمالك لايراكِ.

أنا وادٍ، وأنت مرورُ صوتٍ

فمالي في الهوى إلا صداكِ"(29).

بادئ ذي بدء، نشير إلى أن التوازي في قصائد( كلك عندي إلا أنت) يتأسس على التماثل النحوي، في الصيغ والتراكيب النحوية، محققاً توازناً بين الصيغة اللغوية والدلالة المنشودة، وهنا، يعتمد الشاعر توازن القوافي في وحدة تركيبية منظمة تؤكد تساوق الدلالة مع الوحدة التنظيمية للأبيات والأسطر الشعرية، كما في الأنساق التالية:

  

•·        "مضت هذي السنينُ /وأنتِ فيها،على بعدٍ، ولم أعشقْ سواكِ

•·        كأنكِ رغم رمحكِ في فؤادي /وسادي /أو ورودي أو ملاكي،

•·        عشقتُ زوالَ حسنكِ، حين غيري / لبعض الوقت لم يعشقْ صباكِ.

هنا، نلحظ بلاغة الرؤيا الشعرية بالارتكاز على الأنساق المتوازية التي تعكس قيمة جمالية في تحفيز النص، وإبراز قيمه الجمالية الخلاقة؛ وهاهنا، تتساوق الأنساق التشكيلة المتوازية مع بعضها البعض في إبراز حراك الدلالات، وتأثيرها  في تحريك الرؤيا وتكثيف الحدث." وهكذا يتجاوز الشاعر في إبداعه حاجات النفس وروحاتها، ومن خلال تركيب الجمل،وترتيبها  يرسم الشاعر تجربته الوجدانية التي تشرح دقائق نفسه وتفصيلاتها"(30).

وصفوة القول: إن التوازي في قصائد( كلك عندي إلا أنت) لجوزف حرب يهبها التنظيم والانسجام، والتفاعل النسقي الخلاق الذي يضفي مسحة جمالية على المركبات اللغوية، محققة بلاغة في رؤيتها وإحساسها الجمالي.

•2-    ظاهرة التكرار:

لاشك في أن للتكرار قيمته الجمالية في النص الشعري، لاسيما إذا كان التكرار يمثل قيمة من قيم الجمال العظمى في القصيدة من خلال تساوق التكرار مع الدلالات والقيم الموسيقية والإيقاعية داخل النص الشعري، " وتظهر عملية التكرار على مستوى الكلمة والجملة والمقطع الشعري،وكلها تؤدي وظائف جمالية، وهي تهدف إلى توكيد الفكرة التي يريد الشاعر تثبيتها في ذهن قارئه لتسجل وقوفاً في خط الزمن الأفقي الممتد. وكذلك تهدف إلى دعم الناحية الإيقاعية عن طريق تقوية الجرس الموسيقي؛ لأن التكرار يزيد في إظهار قوة الصوت المراد تثبيته، وهذا كله يشعر المتلقي بالنغم الأساسي في القصيدة."(31).

ويؤدي التكرار وظائف جمالية كثيرة منها تقوية المعنى، والتناغم ، والموسقة الصوتية، وأبرز أنواع التكرار وروداً في ديوان( كلك عندي إلا أنت) تكرار المفردات، وهذا التكرار من شأنه أن يولد نغماً جمالياً لاسيما في تكرار القوافي، على صيغة واحدة متواترة، كما في قول الشاعر:

" خوف أن نخسر من أيامنا

حتى الشفافه،

خوف أن نحيا معاً

مثل إضافهْ

آه ما أجمل أن يبقى لنا ما بيننا

بعضُ المسافهْ

آه لو نلغي لماذا؟

كيفَ؟

من أين؟

فلا يبقي لنا العنقود من

سيرته

إلا السلافهْ"(32).

لابد من الإشارة إلى  أن   تكرار المفردات يهب النص نغماً متساوقاً مع الحالة الشعورية المتقدة التي يعيشها الشاعر، لتبث مواجده وإحساسه الاغترابي، وهنا جاء تكرار كلمة( خوف) لتعبر عن حالة الاغتراب والقلق التي يعانيها الشاعر،كما لو أن الشاعر أراد عن يعبر عن قلقه واغترابه الوجودي بتكرار الكلمة الموحي الذي يهب النص التناغم والإيحاء،وهذا ينعكس على المدلولات النصية،وتناغم مؤشراتها الدلالية الفاعلة.

ومن تكرار المفردات الموحي ننتقل إلى تكرار الجمل الذي يأتي بغاية الاستثارة والتأثير، كما في قوله:

"وتناثرتْ ريمُ الصغيرةُ

كفها صارت حمامْ

طارتْ بعيداً مقلتاها. ذابتا مطراً صباحياً

سيهبطُ في شتاءٍ ما

فراشاً من غمامْ

ضم الملاكُ إليه رجليها

ونامْ

.................

ياريمُ

كم بكنيسةِ الشعراء في دير

الدواةِ حزينةٌ

دقاتُ أجراسِ الكلامْ"(33).

لابد من الإشارة إلى أن تكرار الجمل من المؤثرات الجمالية التي ترتكز عليها قصائد جوزف حرب( كلك عندي إلا أنت)، وهنا  جاء تكرار الفعل والجمل مناسباً تماماً لحالة بث المواجد، بإحساس صوفي عميق يشي بقيمة الرؤيا،وفاعلية المنظور الجمالي الذي تشي به الحركة الجمالية  في القصيدة لاسيما بالقفلة الموفقة جمالياً:[ ياريمُ كم بكنيسةِ الشعراء في ديرالدواةِ حزينةٌ دقاتُ أجراسِ الكلام]؛ وهكذا تتأسس الشعرية في هذه القصائد على تقنية التكرار التي تزيد من فاعلية الرؤيا الجمالية في القصيدة محققة تناغمها الجمالي الفاعل.

والجدير بالذكر أن التكرار في قصائد( كلك عندي إلا أنت) يتعدى إطار المفردة والجملة، إلى تكرار المقطع، ويوفر تكرار المقطع:" لبنية القصيدة فرصة كبيرة لتحقيق تأثير مباشر على اعتبار أن المقطع أطول أجزاء النص الشعري. وحين ينبع تكرار المقطع من صميم التجربة الشعرية فإن هذا يكفل للتكرار أهميته خاصة تسهم في إغناء التجربة دلالياً وإيقاعياً معاً. وعلى هذا الأساس يجب النظر إلى التكرار المقطعي من خلال النص بكليته، باعتباره متلاحم المقاطع، ومن هنا، يتجاوز التكرار الوظيفة البلاغية المحدودة إلى الوظيفة الجمالية المفتوحة التي تحتاج إلى نظرة تأملية يمكنها رصد دلالات التكرار،ومستويات تأثيره في النص الشعري بأكمله. وهكذا، يحقق تكرار المقطع في النص الشعري الواحد دلالات مختلفة تتمثل في مقدرته على جمع ما تفرق من المقاطع الشعرية، انطلاقاً من المعطيات الصوتية التي تكسب- بتكرارها- النص الشعري بناءه العام؛ وكذلك، فإن تكرار المقطع يشكل نقطة ارتكاز نغمي يوقف جريان الإيقاع، بهدف التركيز على نغمة معينة موظفة أساساً لتأدية الدلالة التي تفرضها التجربة الشعرية"(34).

ومن القصائد التي احتفت بهذا النوع من التكرار قصيدة ( فتش) في ديوانه( كلك عندي إلا أنت)، كما في قوله:

" فتش عميقاً في الجناحْ

تصل إلى العصفورْ

فتش عميقاً في البياضْ

تصل إلى الكحليّْ

فتش عميقاً في الحراب

تصل إلى الطحين

فتش عميقاً في الغمامْ

تصل إلى البحارْ

فتش عميقاً في دواة الشعر

حتى المرة الأولى قد عرف الإنسان

فيها الموت،

تصل إلى ناي

وصوت"(35).

لابد من الإشارة بداية إلى أن التكرار المقطعي يسهم في تكثيف الرؤيا، وتعميق التجربة ، لاسيما عندما يرتبط بشكل مباشر بالدلالة ونواتجها الفاعلة، وهاهنا قام التكرار المقطعي المتغير في إبراز شعرية النسق، وكأنها مصفوفة متوالية من المقاطع الجزئية المتغيرة، وهذا يضمن وحدة إيقاعية مموسقة تشي بثبات الموقف الشعوري المحتدم وبواعثه الفاعلة.

وقد جاءت قصيدة ( الحائر) لتحمل في طياتها قلق الحالة الشعورية واغترابها،وهذا ينعكس على رؤيتها، كما في قوله:

أذكر أني

 عندما كنت ولدْ

كنتُ أرى ليلاً يدي أمي

وهي تعجنُ الطحينْ

ثم تمدُّ في الضحى عجينها أصابعاً

لها بياضُ الياسمينْ،

ونكهةَ

الأحدْ

أذكرُ أني

عندما كنتُ ولدْ

رأيتُ أمي قد غدتْ في البيتِ

بحراً،

والعجينْ

صار

زبدْ"(36).

لابد من الإشارة بداية إلى أن تكرار المقطع من أكثر أشكال التكرار فنية في قصائد( كلك عندي إلا أنت)؛ لاسيما عندما يأتي التكرار المقطعي متغيراً، وذلك لكسر رتابة السرد، أو تغيير نمط الصورة؛ وهاهنا، ينهض التكرار في القصيدة  على  فاعلية المقطع المكرر ومصدر جاذبيته،( أذكر عندما كنت ولدْ)  التي تتأتى من حساسيته ومنظوره  الجمالي في تعميق المشهد؛  فالتكرار وإن بدا جزئياً على مستوى الجمل، لكنه أدى دوره على مستوى المقاطع الجزئية وصولاً إلى النص، واللافت على المستوى الفني القيمة البنائية للكلمات والجمل التي تحقق متغيرها الجمالي الخلاق، وهذا ما يحسب لفاعلية التكرار في القصيدة على المستوى الجمالي.

وصفوة القول: إن التكرار- في قصائد (كلك عندي إلا أنت) يتأسس على وعي جمالي  في صياغة الفكرة، وتعميق الرؤيا، لإكساب ملمحها الجمالي المؤثر.

•3-    التضاد:

لاشك في أن للتضاد قيمة  جمالية مهمة تتأسس على الوعي الجمالي في التشكيل  لاسيما عندما" يشترك التضاد مع الطباق في الخصيصة المعنوية والتنغيمية؛ فكلاهما مكون من أمرين متناقضين يجسدان حالة الصراع والتناقض في نفس الشاعر؛ وهذا التناقض يفضي إلى الائتلاف المعنوي؛ لأن الطبيعة تشتمل على التناقض، فكل أمر ناتج عن نقيضه؛ وكل أمر يؤدي أيضاً إلى نقيضه. ومن هنا، فإن إثارة الدهشة في جمع النقيضين تحقق التأثير في المتلقي من خلال إحداث نغم داخلي مؤتلف في النص يحقق التأثير المنشود"(37).

وبهذا التصور تكون لغة التضاد من مقومات الشعرية ،وهي تمثل - حسب- كمال أبو ديب" أحد المنابع الرئيسة للفجوة- مسافة التوتر. وإننا إذا أحسنا اكتناه التضاد، وتحديد مختلف أنماطه، ومناحي تجليه في الشعر، استطعنا في نهاية المطاف أن نضع أنفسنا في مكان هو الأكثر امتيازاً وقدرة على معاينة الشعرية، وفهمها من الداخل، وكشف أسرارها"(38).

و الشاعر المبدع هو الذي يستقي جل إمكاناته في تأسيس الشعرية وخلق متغيرها الجمالي الخلاق؛ ذلك أن " التضاد يحمل خصائص معنوية وإيقاعية معاً؛ فهو مكون من أمرين متناقضين يجسدان حالة الصراع والتناقض في نفس الشاعر. وكشف الائتلاف ،في الاختلاف يضم النقيض إلى نقيضه؛ فتتحقق الوحدة التي تقوي الانفعالات، وتثير الدهشة، وعدم التوقع؛ وفي الوقت نفسه تجمع بين عناصر غير مترابطة في ذهن القارئ العادي. وهكذا، فإن جمالية الصورة القائمة على التضاد تظهر من خلال المقارنة بين طرفين متباعدين فحسب؛ وإنما في تقديم هذين الطرفين في وحدة تامة، ليظهرا في لقطة شعرية متميزة"(39).   

والجدير بالذكر أن التضاد من محفزات الرؤيا الشعرية الخلاقة التي تنبني عليها قصائد( كلك عندي إلا أنت) لجوزف حرب، فهو يبنيها على التضاد ، أو المعنى المتضاد، لتحقيق إثارتها الجمالية، كما في قوله:

""تحيرني الأشياءُ!! هل ذاكَ أخضرُ؟

وذلكَ كحليٌّ؟ وذلكَ أحمرُ؟

وتلكَ،وذاكَ الغمضُ،وادٍ؟ وقمةٌ؟

وذاك بأضلاعٍ؟ وذلك مدوَّرُ؟

وذا شجرٌ؟ أم تلكَ شمسٌ؟ وليلةٌ؟

أم أني أعمى الروحِ؟ أم لستُ أبصرُ؟

وقد لا أرى الإيمانَ أصبح كاملاً

بقلبي، إلا إذا أشكُّ وأكفرُ

وهل لمجيئي حاجةٌ؟ أم لعلني

أتيتُ ولي عنقٌ بها الدمُ يزهرُ؟

كموجة بحرٍ عندها الشط غايةٌ

ولكن على صخرٍ لهُ تتكسرُ.

أعيشُ،ولم أولدْ على الأرضِ مرةً

وها أنا ما لاعشته أتذكرُ

يحيرني أني أتيتُ، وفي غدٍ

إلى أينَ في هذا المدى سوفَ أبحرُ"(40).

هاهنا، يلحظ القارئ المقابلة والتضاد التي تحرك الشعرية، وهذا لرصد  الإحساس المتوتر المأزوم الذي يعيشه الشاعر:[ أعيشُ،ولم أولدْ على الأرضِ مرةً/ وها أنا ما لاعشته أتذكرُ]؛ فالقارئ يلحظ المقابلة بين الولادة/ والنهاية، لإبراز عمق المفارقة  بينهما. المفارقة تكمن في المعرفة أو البحث عن المعرفة دون أن يحصلها،لاوهكذا،" يرسم الشاعر نوعاً من المقابلة والمفارقة  أو التناقض بين الدلالات، ليظهر التناغم في تآلف المتناقضات من خلال تساوق التشابه والاختلاف مع دلالات الموقف الوجداني الخاص الذي يصوره الشاعر"(41).

وقد يتواشج في القصيدة التكرار مع التضاد، محققاً قيمة جمالية عظمى، كما في قوله:

"نم قليلاً أيها الحبرُ، ويا أيتها الأوراقُ

لا أدري بماذا يتغطى عندما يبرد

في الليلِ

الرخامُ؟

نم قليلاً،وتغطي، فأنامثلكما

فتتني البردُ، وحزني

لاينامُ

نمْ قليلاً، وتغطي. لاتلوماني

إذا جاءتني الرؤيا،

وما جاءَ الكلامُ"(42).

لابد من الإشارة بداية إلى أن التضاد يأتي في قصائدجوزف  حرب بالمعنى، أو بالسلب والإيجاب، لتحريك الرؤيا الشعرية، لاسيما عندما يمعن الشاعر في ترسيم الحدث والموقف الشعري،أو في ترسيم الصورة والمشهد وتعميقه،( الرؤيا/ الكلام) و( الحبر/ الرخام) و(الظلام/ الرؤيا)، وهكذا يؤسس الشاعر جوزف الحركة الجمالية في قصائده باعتماد المتضادات لإكسابها درجة من الفاعلية والإثارة.

  

نخلص أخيراً بعد هذه الدراسة الفاحصة إلى النتائج التالية:

•1-    إن جمالية الرؤيا- في هذه القصائد- ترتكز على مرجعية الدلالة التي تثيرها في ناتجها الدلالي الأخير؛ فالقيمة ليست للغة الشعرية الخلاقة التي تنبني عليها قصائد جوزف حرب،وإنما للمعاني والدلالات الجديدة التي تكتسبها في النص عبر رؤيا متوهجة إحساساً وإبداعاً.

•2-    تمتاز قصائد( كلك عندي إلا أنت ) بقوة البناء والإحكام النصي؛ فقصائده تتلون بالدلالات المبتكرة،والمعاني العميقة،وهذا يمنحها قوة جمالية إضافية ينعكس  أثرها على المستوى النصي.

•3-    إن الرؤيا الشعرية الخلاقة التي تمتاز به قصائد جوزف حرب تنعكس على مسارها النصي؛ من حيث تثبيت المعنى،وتعميق الرؤيا بفواعلها النشطة ضمن المسار النصي؛ وهذا ما يمنحها تميزها وإحساسها الجمالي.  

وبعد، فإن إثارة الرؤيا- في قصائد( كلك عندي إلا أنت)- تتعلق بالموقف الشعري، وحرارة الصورة، وقيمة التقنية  في نقل الرؤيا الجمالية بفنية عظمى، ومنظور مراوغ.

  

 

الحواشي:

  

•(1) أدونيس،علي أحمد سعيد إسبر،1978- الثابت والمتحول( بحث في الإتباع والإبداع عند العرب،ج3( صدمة الحداثة) ،دار العودة، بيروت، ص230.

•(2) المرجع نفسه،ص230.

•(3)  الشايب، أحمد، 1964- أصول النقد الأدبي، مكتبة النهضة المصرية، ط7، ص 319. نقلاً من ترمانيني، خلود، 2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، ص38. 

•(4)    برتليمي، جان، 1970- بحث في علم الجمال ، ص 292. 

•(5)      المرجع نفسه، ص 292. 

•(6)    المرجع نفسه، ص 292-293. 

•(7)    المرجع نفسه، ص 297. 

•(8)      المرجع نفسه، ص 296. 

•(9)    ترمانيني ، خلود ، 2004 الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث ، مخطوطة ( رسالة الدكتوراه ) ، إشراف أحمد زياد محبك ، جامعة حلب ، ص 38. 

•(10)                                      حيدر، صفوان، 1998- تاريخ الفن التجريدي ، ص 220. 

•(11)                                       المرجع نفسه، ص 220. 

•(12)                                      الحسين، قصي، 1998- تشظي السكون في العمل الفني، الفكر العربي ، ع92، بيروت، لبنان، ص 209. 

•(13)                                       المرجع نفسه، ص 209. 

•(14)                                        المرجع نفسه، ص 208. 

•(15)                                      حيدر، صفوان، 1998- تاريخ الفن التجريدي ، ص 234.

•(16)                                       المرجع نفسه، ص 234. 

•(17)                                         المرجع نفسه، ص 237.

•(18)                                      حرب،جوزف،2008-كلك عندي إلا أنت،دار الريس بيروت، ط1،ص291.

•(19)                                      شرتح، عصام 2012- حوار مع جوزف حرب، مخطوط، ص12.

•(20)                   بحيري،سعيد حسن،1997- علم لغة النص( المفاهيم والاتجاهات)، الشركة المصرية العالمية للنشر- لونجمان،ص75.

•(21)                                      حرب، جوزف،2008-كلك عندي إلا أنت، ص285-287.

•(22)                                      ترمانيني، خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث،ص291-292.

•(23)                                      حرب، جوزف،2008- كلك عندي إلا أنت، ص284.

•(24)                                      ترمانيني،خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث،ص97.

•(25)                                      المرجع نفسه،ص97.

•(26)                                      حرب، جوزف،2008-كلك عندي إلا أنت،ص14.

•(27)                                      المصدر نفسه، ص146- 147.

•(28)                                      ترمانيني ، خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، ص99.

•(29)                                      حرب، جوزف،2008- كلك عندي إلا أنت،ص60-61.

•(30)                                      ترمانيني، خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، ص101.

•(31)                                      المرجع نفسه، ص121.

•(32)                                      حرب، جوزف،2008-  كلك عندي إلا عندي، ص296- 297.

•(33)                                      المصدر نفسه،ص362-363.

•(34)                                      ترمانيني، خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث،ص121.

•(35)                                      حرب، جوزف،2008- كلك عندي إلا أنت،ص152-153.

•(36)                                      المصدر نفسه،ص100-101.

•(37)                                      ترمانيني ؛ خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، ص292-293.

•(38)                                      حرب، جوزف،2008- كلك عندي إلا أنت، ص13.

  

•(39)                                      أبو ديب، كمال،1987- في الشعرية، مؤسسة الأبحاث العربية، ص45.

•(40)                                      ترمانيني، خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، ص293.

•(41)                                      حرب،جوزف،2008- كلك عندي إلا أنت، ص156-157.

•(42)                                      ترمانيني، خلود، 2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، ص297.

  

  

عصام شرتح


التعليقات




5000