هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


مزدوجة المحسوسات العينية والمعنوية في قصيدة (سأعير عينيك انتظاري)

د. عبير يحيي

للشاعر العراقي أ.د. صباح عباس العنوز

 

أولاً- المقدمة :

عندما تنفلت الروح لتلقي ما بجعبتها دفقاً, نجدنا نبتعد من أمامها, خوفاً من أن يجرفنا تيارها القوي بعيداً, حيث لا نقوى على الوقوف... هكذا ابتعدت بنفسي أمام شلال هذه القصيدة الهادر, أمام كمّ الهطل الذي يسقي كل السواقي, ولا يطفئ نيران الحشا ...

وحقي أن أقف بعيداً, أرنو إلى القصيدة  بنظرة صامتة, أحاول فيها أن أجمع شتات الرموز التي تسابقت متقافزة لا تسعها السطور, ولو انتشرت لن تسعها مساحات الورق...

قصيدة نثرية مشبّعة بالتكثيف حد الارتواء, بمعان تتجه عمقاً, بإيحاء ومعان مرجأة منزاحة نحو الخيال والرمز, تجعلنا نقول عنها بصدق أنها نص رمزي  فلسفي وجداني عميق تغلب عليه الحكمة والوعظ, تحرّكة ملعقة الخيال بدوائر حلقية, تجعلنا نضع النص تحت نظرية الفن للمجتمع ..

  

تعريف بالشاعر :

(السيـــــــرة العلميــــــة )

أ.د. صباح عباس  عنوز / أستاذ في كلية الفقه والتربية للبنات / جامعة الكوفة ، شاعر  وناقد

تولد: 1959.

الحالة الاجتماعية : متزوج

عدد الأبناء : 5

الشهادات الحاصل عليها :

• إعدادية النجف  76ـ1977

• دبلوم تربية وعلم النفس 1979

• بكالوريوس لغة عربية

  

المؤلفات:الكتب المطبوعة

الدراسات القرآنية والحديثية:

1- الأداء البياني في لغة القرآن الكريم بين النظرية والتطبيق.

2- . الأداء البياني بين التأويل وتفسير النص القرآني .

3- إعجازية التكوين الأسلوبي في النص القراني ومهمتا البيان التفسيرية والتأويلية.

4- الأداء البياني في لغة الحديث الشريف.

5- الأسلوب البلاغي في الحديث الشريف .(تحت الطبع)

الدراسات النقدية المطبوعة

6- دلالة الصورة الحسية في الشعر الحسيني.

7- نهج البلاغة صوت الحقيقة دراسة إثباته في ضوء النص النقلي وماهية المنجز الفني

8- الأداء البياني في شعر الشيخ علي الشرقي

9- أثر البواعث في تكوين الدلالة البيانية, شعر جميل بثينة نموذجاً

10- الصورة الفنية بين حسيتها وإيحاء المعنى .

11- إيماءة الهمس, دراسة نقدية تطبيقية.

12- النص الأدبي بين التكوين الشعري والتلوين الشعوري.

13- رصد وتأمل في كتابات استشراقية.

المجاميع الشعرية المطبوعة

14- سأعير عينيك انتظاري، مجموعة شعرية.

15- ثلاثة أوقات للمطر الأرضي، مجموعة شعرية.

16- ما دونته نور على خد العذراء.

17-عندما تتمتم عيون المغفرة.

18-من يحتسي الشوق .

االكتب المخطوطة

19-خلية الطور وعسل المعنى, (نقد)

20-عودة الظل,( رواية).

21-ما قاله يوسف ،( مجموعة قصصية)

الكتب الصادرة بالاشتراك

1- الذكوات ـ الجزء الأول 1418 هـ 1997 م ـ مطبعة الأدباء ـ النجف

2- الشقاق ـ 1418 هـ 1998 م ـ مطبعة الأدباء ـ النجف

3- الذكوات 4,3_ 1420 هـ 1999 م ـ مطبعة الأدباء ـ النجف

4- المشهد الثقافي الجديد , مكتب الضياء للطباعة والنشر 2000 م

5- الغري , مكتب الضياء للطباعة والنشر2001 م

6- كتاب المؤتمر االأول للغة العربية وآدابها / كلية التربية 2000 م

7- كتاب المؤتمر  الثاني للغة العربية وآدابها / كلية التربية 2001 م

8- كتاب المؤتمر الاستذكاري للشاعر مصطفى جمال الدين 2004 م

٩_ قدم كتابات نقدية لمجموعات شعرية وكتب أدبية كثيرة

 

ثانياً -  البؤرة الثابتة في النص : Static Core:

إن النص الرصين هو النص الذي يحتوي على ديناميكية التنصيص textualization motio وهي ثابتة في الأيديولوجيات الإنسانية وحتى في الشكل البصري, وهي محطة مركزية تتجمع فيها أيديولوجية الكاتب الأدبية والفكرية, ونظرته نحو مجتمعه, مع وضوح رسالته الإنسانية التي تميّزه عن غيره من الأدباء, وهي عند شاعرنا وجدانية بامتياز, يعالج فيها رد فعل المجتمع اتجاه علاقة حب عاطفية تجمع بين شاب وفتاة, فما زالت المجتمعات الشرقية بشكل عام يحكمها العرف والعيب, أكثر مما يحكمها العقل والشرع...

من خلال صراعات داخلية ساحاتها وجدان الشاعر, وجوارحه ومحيطه الخارجي, ومن خلال الوقوف على الأعمدة الرمزية التي قام عليها بناء النص نستطيع أن نقف على هوية النص الذي ندرجه قصيدة نثرية وجدانية  رمزية بمسحة فلسفية تتبع نظرية الفن للمجتمع ...

و سأقرأ شاعرنا أكثر من خلال :

  

ثالثاً- ديناميكية النص: Dynamic Possibilities

أنطلق للغوص في مكنونات النص, من خلال ملاحقة حلقات الأفكار المتصلة فيما بينها بالتحليل, وملاحقة الدلالات والرموز والأفكار المتعاقبة والمكملة لبعضها, وما أشبه الناقد هنا بصياد اللؤلؤ, كلما غاص عميقاً كان صيده وفيراً, على ألا يقع الناقد في شرك التناقض في الأفكار في نص واحد داخلي, وهو ما يحدث عند التفكيك, بل يلاحق الناقد النص بين مسلكين متوازيين, وبحبكتين , كما يحدث في النصوص المدروسة رمزياً, حيث الحبكة الأولى إخبار صريح, والأخرى دلالية مخبوءة, وكسر التوازي بين الحبكتين حتى لا يقود التقاءهما نحو التصادم الفكري, حيث أن الاستمرار بتحليل جزئيات النص يقود نحو الخروج من النص نحو صحراء العدم, وهذا شيء مناقض للواقع العلمي, فلا شيء يخلق من العدم , لكن من الممكن أن تتغير مادية الأشياء, وتتحول من حالة إلى أخرى, وهنا بيت القصيد, التحولات الديناميكية في هذا النص تراوحت بين مجالات أربع هي الداخل والخارج وبينهما الجوارح وملعقة القدر الزمانية كبعد رابع  التي تتحرك ضمنها هذه المجالات :

  

  

·       المدخل اللساني ::Linguistic Trend

 

تتحد جميع اللغات في العالم بوحدة الصوت، من حيث الأصوات المتحركة التي تقر طول وقصر دوران الصوت في الكلمة الواحدة، وبالأخرى، الأصوات الساكنة، والتي تمتاز بالثبات والسكون في داخل الكلمة، ولكن تلك الأصوات تسكن في جميع اللغات وتشكلها بشكل نسبي ومتفاوت من حيث الحركة والسكون، ولو أخذنا الأمر لسانياً، يعتبر الفونيم (phoneme) وحدة الصوت الدنيا في كل لغة   بشكل عام، وأصغر وحدة صوتية تشكل عناصر الكلمة, ويختلف الفونيم بشكل دقيق جداً، حتى في الصوت الواحد و مع نفسه أحياناً، وحين تجمع الفونيمات في تكوين صوتي واحد ينتج منها تشكيل جديد، يسمى بالمورفيم وهو عبارة عن وحدة صوتية متكاملة (morpheme)   فإذا أعطى معنى يسمى حينها بالكلمة (word),   وعند دمج تلك المورفيمات معا بنظام سيمانتيكي سياقي محدد بنظام تركيبي (Structural System) تتكون وحدة  لغوية تسمى بالسياق (syntax)  وتنتج من السياق وحدة السياق السيمانتيكية، الجملة(Sentence)  وهنا تتوالد اللغة وتتكون بوادر اللغة، فاذا اخذ هذا السياق نظاماً وأعطي معنى يدخل ضمن النظام التركيبي (Structure or grammar) ، وهذا عبارة عن تكوين سحري يتعامل مع العقل البشري بجرعات من المنطق من رفض وقبول حتى يصل درجة الحبك اللغوي، إذا تضافرت المورفيمات فيه كسياق، وأعطت معنى منطقياً، قبله العقل وفسره تفسيراً ذرائعياً (براغماتياً)، دخل حينها في حيز اللغة الذرائعية (Discourse Language، حينها يتفرد الأديب بصناعة المفردات والجمل بشكل مختلف عن الإنسان العادي, وهذا التفرّد رافق الشاعر من العنوان ( سأعير عينيك انتظاري) حيث بنى قصيدته على أعمدتها الأساسية التي أخذ ألفاظها من المجالات الثلاث ( الخارج والجوارح والداخل = سأعير عينيك انتظاري)

ومن هذه المجالات انتقى ألفاظه, وصنع تراكيبه, بما يلائم بيئاتها, من أول القصيدة حتى نهايتها, كل لبنة في موضعها, بلا خلل ولا عوار, بعد العنوان الجامع أنتقل إلى كل مجال على حدى :

  

أولاَ: الداخل أو ما نسميه دواخل الشاعر ذاك العالم الغامض الذي تتعاقب فيه كل الاجتياحات, دون أن يهتز غلافها, وأول الاجتياحات هو ( المطر) كيف دخل الخارج إلى الداخل ؟ أم أن للداخل مطراً خاصاً به, والمطر براغماتياً بمعانيه المؤجلة, دلالة رمزية لدفق يروي عطشاً, أو يكسح جارفاً كالطوفان كل ما يقف بطريقه, لكن الشاعر وبذكاء لافت ميز بين المطر الساقي والمطر الجارف, أسماه غيثاً عندما أراده ساقياً ( صمتي غيثها ), ومطراً جارفاً عندما أراده كناية عن دموعه ( مطر أنا), تصوير تناوب الحالة والحركة لنفس العنصر الطبيعي بنقلات سريعة أدهشني فعلاً ! بين صخب وصمت, ثم هيجان وجلبة ذات صدى, الصدى يتردد في شاسع الأماكن والفضاءات عندما يصطدم الصوت بجدران صلبة, والصدى هنا مجاله أوردة الشاعر, لننظرها في القصيدة :

مطر أنا صمتي غيثها

مطر أنا ونحيب أوردتي الصدى

لينقلنا الشاعر فجأة إلى المجال الثاني :

ثانياً: الجوارح المجال المرئي ( دموع, جلد, عشب, شقائق), الذي يترجم لغة الداخل لمتلقي الخارج, لنجد ( مطر الداخل ) يُتَرجم ( دموعاً) تتلوّى كالغجرية عندما ترقص مستبيحة كل مساحات الجلد, تتغلغل في الأخاديد تنفضها أسى وحزن, ولوعة, خضخضة ( وهذه معان براغماتية لدلالة الدموع):

غجرية هذه الدموع تعيث بين شقائقي عبثا

وتزحف بين أوردتي أسى... سكراً وخضخضة

فترقص فوق عشبي لوعة

خدرٌ لها

جلد يجرّ اللحظة الثكلى ذنوباً فوق منتجعي مضى

ثم يعود إلى الداخل, إلى موطن الأحلام, وإلى موضع الروح  التي تسكنها  الغيبيات, وهي في اللا معلوم, تدلنا عليه تداعيات الوعي واللاشعور على حد سواء, وكلمة ( الروح ) هي دلالة استدعائية للكثير من المتصورات المحسوسة والخيالية, يأتينا بها الشاعر لترافق الدلالة من بيئتها, ومن بينها الضمير والنفس اللوامة :

وجنان حلمي : براحة موطن الحلم وساحاته الشاسعة

 ( رعشة الروح ): خروج الروح من الجسد ترافقه رعشة

مسكونة أسفاً كما ذعر الخطايا: النفس اللوامة

  

ليأتي دور ملعقة القدر الزمانية, ومعها تتوالى كل المستخدمات الزمانية ( الزمن , الليل , الثواني, المدى, الوقت) ليربطها ب (المشيئة الإلهية ).

ثم يظهر أمامنا ولأول مرة :

ثالثاً: المجال الخالرجي العالم المتلٌقي ( رشا, رباب, إنسان ) وكل محسوس فيه (جليد ونار دخان , قمر, بيت, برد....إلخ)

  

البناء الجمالي والبلاغي:

استعمل الشاعر المحسنات البديعية كالطباق والترادف :

الطباق : الكلمة وضدها

انطفاء # توهج

هدوء # غضب

جليد # نار

سكينة # قلق

  

ترادف : اتفاق بالمعنى اختلاف في اللفظ

مطر = غيث

أسى = لوعة

مجامر =لظى

ذهول = غرابة

ذنوب = خطايا

  

استخدم الشاعر الصور البلاغية البيانية من تشبيه واستعارة وكناية.

التشبيه :

وتزحف مثلما الخجل المراهق يدهن الذنب الصبي

تصول كما التعطش

مسكونة أسفا كما ذعر الخطايا ... يا

إن تذوب كما الجليد يقبل النار, الدخان المنحني

  

الكناية :

مطر أنا

مقعرة الزمان هي المرايا

مراهقة التطلع هي الأماني

  

استعارة :

ونحيب أوردتي الصدى

غجرية هذه الدموع تعيث بين شقائقي عبثاً

وتزحف بين أوردتي أسى... سكراً وخضخضة

فترقص فوق عشبي لوعة

وتزحف مثلما الخجل المراهق يدهن الذنب الصبي

من أخبر الزمن الكسيح بعودتي

إني أدور وأغزل الليل

من أخبر الوقت المريض أفول الشعاع

بوقاً يصيح مشاكساً صلفي

هي أعين الحلم الذي نسي الرجوع وباع بيت صباهُ يوماً للمزاد

يتسلق الرؤيا

هي أضلع الريح التي هربت إلى جمر العواطف والأسى

رفعت خمار البوح عن قسماتها

ثم استدار غبار هدوئها غضبا

فكان ذهولها يغزو الغرابة في عيوني

هي التي سكبت إناء الذكريات

فأخالها تدنو وترشقني بصوت سكينة

تطلي الشموس دما وتبتلع الضحى

تمردت النوافذ ليلة الأمس المقامر في الحشا

تقشر عمره الدنيا / وتقهر موج رغبته المرايا ... يا

والاحتضار يلوك صمت مسامعي

ثم الكرى يدنو

يخاطب مبحراً

سأعير عينيك انتظاري

  

  

  

  

·       المدخل البصريExternal trend :

 

مرأى النص يدعوك ويستفزك, الشكل العربي  أو البصري لمكونات النص, وهو المشهد السحري الذي يحمله النص بجنسه الأدبي الظاهر، وشكله الأنيق المتزن، فالجنس الأدبي في النص العربي مختلف تماماً عن الجنس في اللغات الأخرى ، شكلاً وصورة, وله صور مختلفة عن جميع نصوص اللغات الأخرىSpecial graph ، فلو أخذنا بصرياً شكل كل جنس لرأيناه   يلبس أردية مختلفة عن الجنس الآخر يتميز به، فالمقامة مسجوعة، والقريض معمّد بعمود أو عمودين، شطر وعجز، يشكّل بمستطيل منتظم في الأبعاد أو مستطيلين، أما الحر، هو عمود يضيق ويتسع، وتخلله جمل  بانتظام توافقي لا كسر فيه، تحكمه انسيابية موسيقية ممكن مشاهدتها بصرياً من خلال توافق المفردات، التي اختيرت بشكل دقيق محترف، وهذا ما أراه في هذا النص الجميل، المضامين والأعمدة المخبوءة أُشيرَ لها بنقاط.

 فالرصد العيني أو البصري, هو عامل مهم  للناقد والأديب والمتلقي البسيط على حد سواء، فإذا أُهمل شكل النص البصري، خلع أردية الأناقة البصرية, وصار شكلاً عادياً لا ينتمي لجنس، أي فقد هويته الأدبية وصار هجيناً، وفقد انسيابيته ودخل حيز الإهمال في القراءة، حين يختلط عند القاريء، التسلسل في البناء الفني للمعنى والأفكار، وتضيع لديه، لنرى أهمية الشكل في الأمثلة التالية :

وتزحف بين أوردتي أسى ... سكراً وخضخضة

أيا عتب الأزقة ... والمدائن

والسواقي ... والمكاتب ... والسنين العاريات

  

هذه النقاط الثلاث التي لو جاءت في نهاية الجملة لا يختلف معناها عن النقطة الواحدة التي ينتهي بها الكلام, لكن إن جاءت بَينيّة فهي دالّة بصرية محذوفة تفكيكياً, ومفهومها الإيحائي عميق جداً, وكأني أسمع من خلالها تنهدات الشاعر وزفرات ضجره, لا يريد أن يتابع مفردات مسبحة الحزن, اكتفى بالأسى, ثم استأنف متخطياً ليصل إلى مشربية المسبحة ( سكراً وخضخضة ), وكذلك فعل مع كل المترادفات التي تنتمي إلى نفس مصدر المعنى .

وفي مشهد آخر نراه يتّبع نفس الأسلوب:

فهو نزق عندما يذكر ما يعكر النفس, وكأنه لا يريد أن يسترسل بذلك حتى لا يثير شفقة, مترفعاً, ربما, وإنما يحاول التلميح فقط متخطياً إلى ما يليه, لقد جعل النقاط ترداداً لصدى الكلمة الأخيرة, وكأننا نسمعه يصيح في فيافي, تتلقى الجبال صياحه وتردده صدىً, هنا يدخلنا في عالم الأصوات, حقاً كأننا في مسرحية شعرية  :

مسكونة أسفاً كما ذعر الخطايا ... يا

مقعرة الزمان هي المرايا                    

تقشر عمره الدنيا / وتقهر موج رغبته المرايا ... يا

أما في مواقع أخرى فقد جعل النقاط فسحة يأخذ بها نفساً وتنهيدة, بعد فعل متعب ومحزن, وكأني به يستجمع قواه ليستأنف الفعل التالي :

أكبو... يكوّر همتي            

  

ثم ودّعني ... تلاشى عند بابي

  

حزين فرّ يبحث عن رباب في الضجيج

هي التي سكبت إناء الذكريات فحطم آل ....

وهذه نقاط أربعة حلّت مكان كنية لم يرد أن يذكرها مع أنه ذكر اسم رباب, ولم يذكر الآل, هذا الإعراض عن ذكرالكنية, بحد ذاته دلالة مخبوءة, من الممكن أن تكون صفات ذم لا حصر لها.

أكتفي بذلك, لأن النقاط لا تكفيها دراسة, فالمعاني المخبوءة بين جنبانها كثيرة جداً, ومن الممكن أن ترهقنا كما أرهقت الشاعر وأكثر ...

  

·       البناء الفني في النصThe elements of the Text::

 

إن كان لي أن أتكلم عن تجربتي الشخصية في نقد النصوص, فأقول : " لا أرى النص إلا روحاً تتحدث, وخصوصاً القصيدة, ولي في ذلك قول قد يوافقني عليه أو يختلف معي الكثيرون, إن الكاتب قد يضع في نصه القصصي بعضَه, أما الشاعر فيضع في قصيدته كلَّه, لذلك, فالقصيدة عندي هي الشاعر يحدثني عن دواخله, بكل حيرته, وكأنه يعترف, أسمع زفراته, وغضبه وحسرته, كما أسمع تنهدات عشقه و ولهه, وألمح دموعه, وبريق أمله, نظرات توهانه, و شقاوة عشقه, ولقد عزّزت النظرية البراغماتية عندي هذا المفهوم, بنظرتها الميتافيزيقية التي تستنطق الأشياء, إن الشاعر الرائع صباح عنوز قد اعتمد الحبك في تنضيد قصيدته, حبك شعري متقن, وكأنه نسّاج حباه الله المهارة والذوق الأنيق, فكانت القصيدة قطعة فنية محبوكة بحرفنة وذوق و وحدة شعرية, قصيدة فيها سرد لقصة مكتملة العناصر, من موضوع وزمكانية وحبكة وعقدة وانفراج ونهاية, متضمنة أيضا عناصر البناء الجمالي من أسلوب وسرد وحوار( خارجي ومنولوج) وشخصيات...قصيدة ممسرحة, كل شيء فيها ناطق بموسيقية حزينة لاءمت أجواء القصيدة, حتى النقاط ناطقة فكيف الحروف ؟ صدى النداء يأتينا من بعيد, وكذلك حيرة السؤال, ونقطتي القول, وفوارز الأفعال المتتابعة:

  

من أخبر الوقت المريض أفول الشعاع, الموجة الخضراء عن أفقي؟

كان ينحب, يستجير, وعند ... ركن الصحو خاطبني :

أيا عتب الأزقة ... والمدائن

والسواقي ... والمكاتب ... والسنين العاريات

لسوف تأتيك الطيوف على جناح

قد يصفق للصدى ...

ونظرتني فوجدتني شحبا

تقشر عمره الدنيا / وتقهر موج رغبته المرايا ... يا

  

نلاحظ كيف أن الشاعر , ورغم أنه في قمة الانفعال , لم يغفل عن نقلنا عبر المشاهد بعبارات إخبارية, ينقل لنا فيها سير الأحداث لنكون في الصورة ( فأدرت وجهي عن شبيهي , لم يكن بجوار صحوي ..., ثم الكرى يدنو )

فأدرت وجهي عن شبيهي

إغرز ... النصل ... المرارة في امتثالي

لم يكن بجوار صحوي ... غير دمعة قحطها

والاحتضار يلوك صمت مسامعي

ثم الكرى يدنو

يخاطب مبحراً:

سأعير عينيك انتظاري

والمدى

  

إن نظرنا إلى التراكيب لوجدناها تألفت من ألفاظ سهلة, ولكن الشاعر أعطاها عمقاً عجيباً, قدّم الصفة على الموصوف بمحاولة ناجحة لجذب انتباه المتلقي, ليبقى مشدوداً متسائلاً عن الموصوف : (مطر أنا, غجرية هذه الدموع, مقعرة الزمان هي المرايا ....)

  

بهذه الأدوات, وبألفاظ سهلة, لكن بتراكيب جذرية ضاربة في العمق بنى الشاعر قصيدته هذه, لتكون أنموذجاً ثلاثي الأبعاد يعيش في البعد الرابع .

  

·       الموسيقى والصور الشعريةPoetic Music ::

  

إن الصور الشعرية في هذه القصيدة توزعت ضمن العوالم الثلاث التي حبك فيها الشاعر أحداث القصيدة, داخله وجوارحه والخارج المتلقي , كما أن البعد الرابع الحاضن لم يخلُ من تلك الصور:

مطر أنا صمتي غيثها

مطر أنا ونحيب أوردتي الصدى

غجرية هذه الدموع تعيث بين شقائقي عبثاً

وتزحف بين أوردتي أسى... سكراً وخضخضة

فترقص فوق عشبي لوعة

خدرٌ لها

جلد يجر اللحظة الثكلى ذنوبا فوق منتجعي مضى

إني أغادر موضعي وأجرها عربات قحط غدت

مسكونة أسفا كما ذعر الخطايا ... يا

مقعرة الزمان هي المرايا

تعكس الموتى تبث رؤى الحياة بهم منى

وتبيت من لبس القناعة في الثنى

من أخبر الزمن الكسيح بعودتي ؟

إني أدور وأغزل الليل

الثواني

والمدى

لفتتني صورة رائعة, تظهر وحشية قتل الفتاة من قبل أهلها, قلّ أن نجد مثيلها, وصف مطاردتها ليلاً بهجوم جحافل تترية تثير قعقعة خيلها غباراً مسموماً (بزعاف عانس)! ما أقواها من صورة , العانس بالمتعارف تكون ألفاظها مسمومة بالغيرة والعقدة النفسية, يصولون حولها كما العطاش الذين لا يرويهم إلا دمها, فقتلوها والشمس ضحى :

فرّت تطاردها بليلها التتري تعوي

والغبار الممتلئ بسموم عانس

شرر الغياهب يبعث الحمى

تصول كما التعطّش

تطلي الشموس دماً وتبتلع الضحى

 

كما لفتتني صورة وصف الحلم هذه, الحلم هنا يرتعش رعشة الموت عند ذبح طاهر في زمن أنجاس, وصورة أخرى أكثر إبهارا, الحلم ينسل كخجل مراهق يسترذنباً صغيراً ارتكبه, ينافق ذلك الذنب, ويبتلعه مخفياً إياه, فهو بكل الأحوال حلم يحتضر :

وجنان حلمي

رعشة الروح التي نزفت مغالطة الزمان قذى

وتزحف مثلما الخجل المراهق يدهن الذنب الصبي

ويحتسي عرقه

  

 عزف مزمار حزين, وجمل شعرية تتراوح بين القصيرة والمتوسطة, مكثفة بعناية ملفتة ومبهرة .

الموسيقى الداخلية

هذةه قصيدة نثرية, لذا لن أبحث فيها عن الأوزان الخليلية, ولا التفعيلة, بل فقط الموسيقى الداخلية .

وتتأتى الموسيقى الداخلية من ذلك النغم الخفي الذي تحسّه النفس عند قراءة النص النثري, وهو ما ترتكس له النفس بإحساسات متباينة, فهناك نغم يبعث على الحماس, وآخر يبعث على الكآبة والحزن وثالث قد يثير فينا الحنين, ولو بحثنا عن مصدر هذا النغم لوجدناه في حسن اختيار الأديب لكلماته, وحسن تنضيده لها, انسيابية حروفها بدون تنافر, بحيث يسهل النطق بها, وتنتظم بجريان نهر ثابت السرعة بدون عوائق أو كسور, ولا يتمكن من ذلك إلا شاعر ذو ثقافة واسعة, وذوق فني راقي, لديه معجم لغوي ثري جداً.

إن القصيدة هي من الشعر النثري الغنائي الوجداني, الذي كثرت في حروف المد, كون حقل الحزن هو الغالبأنا, نحيب, مريض, دموع, كسيح, أفول ..)

وقد عمد الشاعر إلى تكرار بعض الألفاظ  بغرض نظم الموسيقى, عدا عن أن ذلك التكرار يساعد الأديب على التوسع في المعنى, كذلك التكرار يساهم بقوة في إحداث نغم الموسيقى الداخلية للنص ...( مطر أنا, ذنوبا, من أخبر الزمن, من أخبر الوقت, الفراغ, يا, حزين, جمر, لظى .....)

  

  

·       البيئة الشعريةPoetic Environment : :

  

قلت يوماً : "أكاد أجزم أن أمهات العراق يرضعنَ ولدانَهن شعراً "  وكلما تناولت قصيدة لشاعر عراقي تتعزّز عندي هذه المقولة, بيئة الرافدين والأهوار وأور, وبلاد ألف ليلة وليلة, هارون الرشيد وعشتاروكلكامش وأنكيدو, فكيف لا يكون الخلف شعراء ؟ وكيف لا يأتيهم وحي الشعر مطواعاً مرناً ؟

إن نسبة الانزياح الرمزي في القصيدة عالية جداً, ما جعلها أنموذجاً نلاحق بها المعاني المتجمهرة أكثر من ملاحقتنا للموسيقى .

 

درجة العمق والانزياح نحو الخيال :

إن النص هو قصيدة وجدانية بامتياز, فلا غرابة أن يكون فيها الخيال ضارباً في العمق, وهنا - وعلى مقياس العمق - بلغ النص درجات عليا ..

إن الخيال الذي أخذنا إليه الشاعر, وحلّق بنا إليه على جناح القصيدة, بلغ حدود انزياح قارب 95%...

تتجلى أهمية الخيال, حينما نرى كيف يبدع الشاعر في تصوير مشاهد مألوفة في حياتنا, لكن الشاعر يبث فيها الحياة والحركة, ويتخيلها على نحو فيه إثارة وطرافة ... لنرى كيف يستغرب أن يكشفه الزمن -الذي وصفه بالكسيح أي المعطّل والمصاب_ هذا الزمن الذي يفر منه الشاعر خوفاً من مفاجآته, والزمن بيد القدر, وكيف نفرّ من القدر؟  لنرى كيف وصف لنا كيف كان يتستر بالليل, يغزله, مع الثواني والمدى, مع الأزمنة الصغيرة والأزمنة غير المحدودة,  هذه المفردة (أغزل) إي أي درجة تم تكثيف المعاني فيها, حتى مال مؤشر الخيال إلى أقصى مداه ؟!

من أخبر الزمن الكسيح بعودتي

إني أدور وأغزل الليل

الثواني

والمدى

  

استعان الشاعر بالأخيلة والصور التي نقلتنا لفضاءات يسرح فيها الخيال, وتحيا بها الطبيعة, وتتجسد المجردات, يطوّعها الشاعر بين يديه, أداة تأثير علينا, ووسيلة إقناع لنا بأفكاره:

مطر أنا صمتي غيثها

مطر أنا ونحيب أوردتي الصدى

غجرية هذه الدموع تعيث بين شقائقي عبثا

وتزحف بين أوردتي أسى... سكرا وخضخضة

فترقص فوق عشبي لوعة

استعار المطر ليكون دموعه, واستعار نبض الأوردة ليجعلها نحيباً, واستعار العشب ليكون شعر بدنه الذي بللته الدموع .

  

ولم يغفل الكاتب عن زج عواطفه  وأحاسيسه وآرائه, ونظرته الخاصة إلى العالم, وإبراز ذاتيته.

نراه يخبرنا عن آرائه في الدنيا, فهى خدّاعة, تزيّف الحقائق :

مقعرة الزمان هي المرايا

تعكس الموتى تبث رؤى الحياة بهم منى

وتبيت من لبس القناعة في الثنى

وهكذا يرى الأماني, بتعريفات عديدة :

مراهقة التطلع هي الأماني

إن تذوب كما الجليد يقبل النار, الدخان المنحني

هي أعين الحلم الذي نسي الرجوع وباع بيت صباهُ يوماً للمزاد

هو نزف أوجاع البرودة خائفاً

يتسلق الرؤيا

وترتعش الطيوف ذبيحة بين المجامر إذ تكورها لظى

هي أضلع الريح التي هربت إلى جمر العواطف والأسى

 

·       الموضوع والتجربة الإبداعية والثيمة: :Theme and Creative Experience

  

تتمركز الثيمة أو الموضوع حول محور الإنسان, بكل كياناته, الداخلي والجوارح والخارجي, والفضاء الميتافيزيقي الذي يلفّه, كل بدلالاته, يبدأ من الكيان الأول, الذات الإنسانية الداخلية, وما يعتمل فيها من صراعات مثارة أساساً من العالم الخارجي تنقلها الجوارح, نحن هنا ضمن حلقة مغلقة ( الإنسان والمحيط ) تسبح في الفضاء الميتافيزيقي ( إرادة قدرية وزمان)  وكل ذلك مختزل بالعنوان ( سأعير عينيك انتظاري ), إن الترتيب الذي انتظمت به القصيدة, بانتقاء الألفاظ بمعانيها المؤجلة, بما يناسب كل كيان من الكيانات الثلاث التي ذكرتها, ثم القدرة العجيبة على دمجها بالبعد الرابع, هو بحق مقدرة إبداعية تحسب للشاعر, ويُنظر إليها بإعجاب, وهي دليل على شدة تمرّس الشاعر في الخوض العميق بكل الكيانات المكوّنة للإنسان, يحبك خيوطه في كل حقل, ويتصاعد بالحبكة لتتشابك كل الخيوط بالعقدة, ليعود ويحلّ تلك الخيوط بانفراج ينهيه بحاشية تماثل حاشية البداية, بتدوير رائع, ليستحق بكل جدارة لقب نسّاج ماهر, نشرح ذلك بالأمثلة, البداية من العنوان, ثم الكيان الأول والثاني والثالث في المقطع الأول من القصيدة, حيث بدأ بوضع خيوطه في مستقيم البداية في نوله بعد حاشية العنوان :

سأعير عينيك انتظاري

مطر أنا صمتي غيثها

مطر أنا ونحيب أوردتي الصدى

غجرية هذه الدموع تعيث بين شقائقي عبثا

وتزحف بين أوردتي أسى... سكرا وخضخضة

فترقص فوق عشبي لوعة

خدرٌ لها

جلد يجرّ اللحظة الثكلى ذنوباً فوق منتجعي مضى

ليعود إلى نسج الصف الثاني أيضاً يبدأ من الداخل بنفس الترتيب:

وجنان حلمي

رعشة الروح التي نزفت مغالطة الزمان قذى

وتزحف مثلما الخجل المراهق يدهن الذنب الصبي

ويحتسي عرقه

إني أغادر موضعي وأجرها عربات قحط غدت

مسكونة أسفا كما ذعر الخطايا ... يا

مقعرة الزمان هي المرايا

تعكس الموتى تبث رؤى الحياة بهم منى

وتبيت من لبس القناعة في الثنى

  

ثم يعمد إلى توشية الحبك بالبعد الرابع( القدرية), يجعله فاصلاً, هو زمن يعشق تعاسة الشاعر, يترصّده وهو الهارب منه والمتواري عنه, ولا بد من واشٍ دلّه عليه, وباستكانة وتسليم , يطلب من رشا وبالأحرى يطلب من نفسه أن توقن بأن مشيئة القدر هي التي حكمت على أمنياته...

من أخبر الزمن الكسيح بعودتي

إني أدور وأغزل الليل

الثواني

والمدى

من أخبر الوقت المريض أفول الشعاع, الموجة الخضراء عن أفقي

إذن فهي المشيئة يا رشا لا تنظري

بوقا يصيح مشاكسا صلفي

يزيح النقطة العمياء عن قمري

ليعود إلى الداخل, حيث الأماني جامحة, مندفعة, عمياء, لا ترى النار التي يذوب بلقياها حتى الجليد الذي تكوّن عبر الأزمان ... لنرى كم تعريفا ساقه لنا الشاعر عن الأماني, عدا أنها مراهقة التطلع, فهي أيضا الحلم الذي تاه عن طريق الرجوع بعد أن باع بيته, إذا هي المغترب الذي غادر وطنه وباع في الغربة شبابه مفتوناً بإغراءاتها, هي أوجاعنا النازفة التي طال عليها الزمن, وما زالت تنزّ تحتل مناماتنا, هي صور غوالٍ تكوّرت أمامنا محترقة, هي الريح الباردة التي التجأت إلى نار العواطف ترتجي عندها الحب ولم تجد عندها إلا الأسى, فما كان من تلك الأماني إلا أن تثور على هدوئها معلنة العصيان, وهنا عقدة الداخل :

  

مراهقة التطلع هي الأماني

إن تذوب كما الجليد يقبل النار, الدخان المنحني

هي أعين الحلم الذي نسي الرجوع وباع بيت صباهُ يوماً للمزاد

هو نزف أوجاع البرودة خائفاً

يتسلق الرؤيا

وترتعش الطيوف ذبيحة بين المجامر إذ تكورها لظى

هي أضلع الريح التي هربت إلى جمر العواطف والأسى

رفعت خمار البوح عن قسماتها

ثم استدار غبار هدوئها غضبا

فكان ذهولها يغزو الغرابة في عيوني

  

ثم تتصاعد حبكة الجوارح انعكاساً لصراع الداخل, لتتمثل ذهولا ًفي العيون, وجثوّاً على ركبتين لم تقدرا على حمل الجسد المنهك, وشحوباً بوجه خائف يخشي الأذية, هنا عقدة الجوارح :

  

فكان ذهولها يغزو الغرابة في عيوني

حينها أجثو

أصير شحوب طفل فرّ من فك الأذى

لتبدأ بعدها حبكة الخارج بالتصاعد لبلوغ العقدة, فها هي الحبيبة تتلقاه بصمت وخجل وهو من يتخيّلها تدنو منه وتسبغ عليه السكينة, تهدّأ طوفان حزنه, لنفهم بعدها القصة التي أثارت هذه الزلزلة في داخل الشاعر, رباب التي أحبها ذُبحت على يد أهلها, حال اكتشاف حبها, الحب ما زال جريمة تُعاقب عليها الفتيات,  تُضرب, تُلاحق, وقد تُقتل, جريمة لا يعاقب عليها المجرم, بل يُنصر ويُبارك على فعله, ويتستر القانون ويتنصل من الحكم بوصفها جريمة شرف....! وتبقى صورة رباب تتراءى للشاعر بين لحظات صحوه من غيبوباته المتتالية, ترمش عينها من غبش الدموع, تودع الحياة, ليأوي الشاعر إلى الفراغ, وهنا عقدة الخارج :

وهي التي تنساب مني بسمة خجلى

في صمتها أرمي بثقل أرادتي

فأخالها تدنو وترشقني بصوت سكينة

من نغمتي قلق

حزين فرّ يبحث عن رباب في الضجيج

هي التي سكبت إناء الذكريات فحطم آل ....

فرّت تطاردها بليلها التتري تعوي

والغبار الممتلئ بسموم عانس

شرر الغياهب يبعث الحمى

تصول كما التعطّش

تطلي الشموس دما وتبتلع الضحى

أين النزول غدا

وأنا الذي في موسمي ترسمين لي الصبا

بشعاع عينيك المحملتين بالغبش

الندى ... آه الندى

ضحكاته تأوي إلى حضن الفراغ

الفراغ

  

ويعود الشاعر ليصاعد صراع البعد الرابع بصفته الزمانية هذه المرة, يخاطب الحبيبة معلناً عجزه, متخفياً بطفولته التي يبرّر بها تخاذله وعجزه, كلنا عندما تواجهنا المحن, ولا نقدر على مواجهتها نترك مرحلتنا العمرية, ونهرب إلى الطفولة, تلك دلالة نفسية برع الشاعر في سوقها إلينا على هذه الشاكلة, وصف نفسه بالطفل الأمي إشارة إلى هروبه إلى مرحلة طفولة مبكرة, ليتجه بعدها إلى الله شاكياً إليه ألم فراقها, ولهيب ذكرياته معها, ومناجاة طويلة مع الله, يشكو له كل حاله, وكل ما يعتري كياناته, ليجد بالنهاية مشهد موتها يتكرر, تمرّد ضميره, فتح عليه نوافذ التأنيب واللوم , حاول أن يسكته, تمرّد أكثر, وضعه أمام ضعفه وتخاذله,عاتبه وأوغل في تأنيبه ليشحب وجهه, يشيح عنه, وأخيراً يطلب منه أن يقتله, يحاول الانتحار, ويغيب عن الوعي... فكانت عقدة البعد الرابع :

وطفل خيالك الأمي لا يبدي امتثالا

مذ رمى كرة الدماء ولطخ الحلم

المدى

رباه إني لم أزل أرنو إلى شعل الجفاء تطير مني

موسما

وبريق عينها غدا يرمي الربيع

يلف صيفي

غابتي

مدني

ويمرق صوت من أنين الطفولة وقفتي

أكبو... يكور همتي

ويرشها بالانطفاء فأستعير من الرماد توهجا

ثم أستدير إلى الجوانب نافضاً صدى القطيعة

أحرق الأزمات

وأنطفأت شموع الهمس في مضض

تمرّدت النوافذ ليلة الأمس المقامر في الحشا

أغلقتها

فترقرق الطيف النحيل يسيل من شفة السكون عتاب فجر

ثم ودعني ... تلاشى عند بابي

كان ينحب, يستجير, وعند ... ركن الصحو خاطبني :

أيا عتب الأزقة ... والمدائن

والسواقي ... والمكاتب ... والسنين العاريات

لسوف تأتيك الطيوف على جناح

قد يصفق للصدى ...

ونظرتني فوجدتني شحبا

تقشر عمره الدنيا / وتقهر موج رغبته المرايا ... يا

فأدرت وجهي عن شبيهي

إغرز ... النصل ... المرارة في امتثالي

  

ثم أخذ الشاعر خيوط كل تلك العقد, وجمعها على انفراج واحد,  صحا من غيبوباته الأربع, وحيداً مع دمعة جافة, واحتضار روحها الصامت, وأمنة نعاساً تصيب المؤمنين حين شدة وغلبة لا حيلة لهم فيها:

لم يكن بجوار صحوي ... غير دمعة قحطها

والاحتضار يلوك صمت مسامعي

ثم الكرى يدنو

يخاطب مبحراً

لينهي القصيدة بلفّها وتدويرها لتلاقي فيها حاشية القصيدة بدايتها, سينتظرها, ولا ندري بأي العوالم سينتظرها :

سأعير عينيك انتظاري

والمدى

  

·       حركة المعاني في المضمون :

تأخذ المعاني في المضمون النصي للعمل الأدبي, وفي دواخل النص اتجاهات مختلفة تحددها مقاييس محددة كما يلي :

  

-1مقياس الصحة والخطأ :

لم يورد الشاعر في قصيدته أي معلومة خاطئة, سواء أكانت تاريخية أم لغوية أم علمية,أم أسطورية.

  

-2مقياس الجدة والابتكار :

قد أختلف مع غيري من النقاد الذين قد يرون أن الشاعر في هذه القصيدة قد صاغ معان شعرية معروفة سبقه إليها الكثيرون, ولكني بالحقيقة أراه قد أتانا بمعان شعرية طريفة, الكثير من الشعراء قبله تناول قصص قتل الحبيبة أو جريمة الشرف, لكن ما من أحد أتانا بتلك المعاني التي استقاها من العوالم الأربعة, وساقها إلينا بقالب مبتكر شدّنا منذ بداية القصيدة إلى نهايتها.

  

-3مقياس العمق والسطحية :

المعنى العميق هو المعنى المُساق بدلالات رمزية ومعنوية عالية التأثير, تجعل الخواطر والأفكار تتداعى في عقل الناقد , مُثارة بالأعمدة والرموز السيميائية التي يستشفها الناقد من موجودات ومخبوءات النص, يستمد الشاعر عمق معانيه من موهبته وتميزه, داعماً هذه الموهبة بالثقافة المكتسبة, والملكة الذهنية والفكرية التي اجتهد على تنميتها ومدّها بالعلم والمعرفة, والمطلع على أعمال الدكتور صباح عنوز لا شك يدرك أنه على درجة رفيعة من الثقافة والعمق تمكّنه من الخوض في عمق المواضيع مهما بلغت حساسيتها, بأسلوب مميز وتكنيك موغل بالعمق, وقطعاً بعيداً كل البعد عن السطحية .

تكون الأبيات عميقة المعنى إذا اعتمدت على الحكمة, التي تمثل اختزال قدر كبير من التجربة الإنسانية, وتقديمها في عبارات موجزة بليغة .

  

·       -درجة العاطفة في القصيدة :

إن من يقرأ هذه القصيدة,  سينفعل أمامها وجدانياً, فإما أن يميل إليها أو ينصرف عنها و تبعاً لما يحب أو يكره, وأظن أن قلة يمكن أن تعزف عنها, وخوفاً من أن تسود مزاجية الناقد في الحكم على العاطفة في أي قصيدة, كان لزاماً أن تكون هناك مقاييس نقد خاصة بالعاطفة يستخدمها الناقد ليبني حكماً عادلاً, وهذه المقاييس هي :

-1مقياس الصدق والكذب :

وهذا يتبع الدافع الذي دفع الشاعر إلى كتابة قصيدته, فإن كان حقيقياً فالعاطفة صادقة , والمحفز في هذه القصيدة حقيقي, فرضه حقيقة وضع المجتمع الذي يعيش فيه الشاعر, كما فرضته التجارب الشخصية والمواقف الحقيقية التي عاشها الشاعر أثناء إبداع القصيدة, في أيسر الأحوال أخمّن أن الشاعر يعرف بطل القصيدة, وخصوصاً أن محيطه المجتمعي ما زالت تحكمه هذه الأعراف.  

لذا فالعاطفة في هذه القصيدة صادقة .

-2مقياس القوة والضعف :

هذا المقياس يعتمد على مدى تأثير هذه القصيدة في نفس قارئها, إن هزت وجدانه , كانت عاطفتها قوي, وإن لا فهي ضعيفة, لذلك فإن قوة العاطفة, تتبع أمزجة وطبائع الناس وأمزجتهم, هناك من يتأثر بالرثاء و وهناك من يتاثر بالغزل, وهناك من يتأثر بالفخر والمدح وغير ذلك ...لا يشترط أن يكون المعنى بطولياً, ولا أن تكون الألفاظ قوية, حتى تكون العاطفة قوية, على العكس نجد أن بعض الموضوعات الحنين والحزن والألم  يعبر عنها بكلمات دافئة ورقيقة, وقد وجدت ذلك واضحاً في هذه القصيدة, هي قصيدة يستوطن فيها الحزن حد الاستغراق, يموت فيها الحب قتلاً, وهل هناك شيء يزلزل الإنسان أصعب من أن يرى محبوبه يُقتل على يد لحمه ودمه, والجريمة أنه أحبه ؟ وكم هي مهولة كمية الخذلان والهزيمة التي يشعر بها الشاعر وهو المتسبب بموت من أحب وقد عجز عن إنقاذها ؟

  

 

·       المدخل السلوكي: Behaviorism Theory

 

وتفتح الرؤية البراغماتية بوابة التحليل على مصراعيها عن طريق السلوك النفسي, لكون الأدب سلوك واستفزاز لمعرفة أحاسيس الناس وإرهاصاتهم ومشاكلهم, ويثير الناقد  والمتلقي هذا الإحساس حسب المفهوم السلوكي النفسي وتطبيق تلك النظرية في التحليل بعنصريها - المحفز والاستجابة - ، يعتمد على عناصرها الأساسية بالبحث عن جميع التساؤلات، التي يرفعها الأديب في عمله الأدبي, والتي تحتاج إلى إجابة أو رد فعل فلسفي أو سياسي  ...إلخ ... ومن المواضيع الأخرى أو إشكالية معينة تثير جدلية أو جدليات تغطى بنقاشات مهمة ومفيدة للمتلقي والمجتمع على حد سواء, من خلال عناصرها التالية, وقد أثار عندنا الشاعر عدة تساؤلات قدرية, يبحث عن الإجابةو معترفا بحيرته أمامها, لكنه يستكين إلى التسليم بأنها مشيئة الله, وإجاباتها في علم الغيب, ومثل هذه التساؤلات الحكمة تقتضي أن تكون تساؤلات فقط , وإجابتها: قدّر الله وما شاء فعل ...

من أخبر الزمن الكسيح بعودتي

من أخبر الوقت المريض أفول الشعاع, الموجة الخضراء عن أفقي ؟

إذن فهي المشيئة يا رشا لا تنظري

أين النزول غدا؟

  

·       المدخل الاستنباطي  أو التقمص الوجداني Inference and Empathy Trend :

أي الإنسان يلاحظ سلوكه المادي مباشرة، و يربطه رمزياً بحالته السيكولوجية الداخلية، أي بمشاعره وعواطفه، يصبح لسلوكه الإنساني معنى يصب بمفهوم الذات، فيتصل بالآخرين ويلاحظ سلوكهم المادي، وعلى أساس تفسيراته السابقة لسلوكه، يخرج باستنتاجات عن حالة الآخرين السيكولوجية، بمعنى آخر، إذا كان سلوكه يعكس تلك المشاعر أم لا، إذا قام شخص آخر بهذا السلوك فهو أيضاً يعكس نفس المشاعر التي شعر بها حينما قام بهذا الفعل، هذا الرأي في التقمص الوجداني ، يفترض أن الإنسان لديه معلومات من الدرجة الأولى عن نفسه، ومن الدرجة الثانية عن الناس الآخرين، ويقول أن الإنسان لديه المقدرة على فهم نفسه، عن طريق تحليل سلوكه الذاتي، ومن هذا التحليل يستطيع الإنسان أن يخرج باستنتاجات عن الآخرين تقوم على هذا الاساس، وتلك الحالة أعانتني في أن ألاحق العبر والإرهاصات الإنسانية، منطلقة من ثقافتي وتجربتي النقدية الأدبية الذاتية، ويكون أكثر دراية بمقارنة هذا التقمص في الحالتين، واستخراج ما لا يستطيع استخراجه الإنسان أو المتلقي العادي .... إن قراءة متأنية للنص بتمكننا من استخراج الكثير من الحكم والمواعظ , أشير إلى بعضها :

جلد يجر اللحظة الثكلى ذنوبا ---- الذنوب يجب أن نبكي منها كما تبكي الأم الثكلى 

مسكونة أسفا كما ذعر الخطايا ----الخطايا يجب أن يكون الإنسان مذعورا منها وآسفاً تائباً عند إتيانها .

مقعرة الزمان هي المرايا ------- قد تخدعنا الدنيا فهي  لا تظهر الأشياء كما هي  

تعكس الموتى تبث رؤى الحياة بهم منى -- قد تظهر الدنيا الناس الفارغين عظماء

وتبيت من لبس القناعة في الثنى ------ وتخفي أهل القناعة في الطيات

كل ذلك تعبيراً عن قول : السنبلة الفارغة رأسها عاليا تكبراً, بينما السنبلة الممتلئة منحنية الرأس تواضعاً .

إذن فهي المشيئة يا رشا لا تنظري-----  تسليم بمشيئة وقدرة الله

بوقا يصيح مشاكسا صلفي ----- الابتعاد عن التكبر والمغرورين وأصحاب الجلبة الفارغة

وطفل خيالك الأمي لا يبدي امتثالا------ الهروب عند العجز والخذلان .

  

  

 

·       رابعاً- الخلفية الأخلاقية للنص  :   Moral Background

  

تشتهر النصوص و الأعمال الأدبية الرصينة برمتها على موضوع خاص يبنى عليه النص بشكل كامل, لكونه يثبت القوائم الأخلاقية في المجتمع وذلك هو واجب الأدب والأديب الرصين الاساسي ، والمتوجب الالتزام به وبقيم الأخلاق والمثل الإنسانية العليا، ولا يحق له التعرض لمنظومة الأخلاق العامة والأديان والأعراف والقوانين بشكل هدّام، يشترط أن ينضوي الأديب الرصين تحت خيمة المنطلق الأخلاقي ويخضع لمقومات مذهب التعويض الأدبي الأخلاقي (Doctrine of Compensation)  وهذا المبدأ يفرض على الأديب القواعد والقوانين الأخلاقية في ديباجة المنظومة الأخلاقية العالمية، ولا يسمح له، في نهاية عمله الأدبي، أن يعطي نفاذاً للمجرم من العقاب أو الانزلاق من طائلة القانون مهما كانت شدة ذكائه، أو يؤيد مصطلح الجريمة الكاملة، على الأديب أن يبحث عن ثغرة ليجعل الرجحان دائماً لكفة العدالة، ولا يجوز أن يتعرض نص من النصوص، لكاتب في أقصى الشرق لعرف يحكم, ولو مجموعة صغيرة من الناس تسكن في أقصى الغرب من المعمورة ، و النقد هو الحارس الأمين لتلك التجاوزات الأدبية الهدامة، التي تخترق بنية الأعراف والقوانين والأخلاق لعالمنا بكل طوائفه وأجناسه, ولا يعد أديباً من يخترق منظومة الأخلاق والأجناس والطائفية، وينشر العداء والفرقة  بين الناس... ولا أجد شاعرنا إلا ملتزماً, بل وداعياً ومجاهداً في هذاالسبيل, إذ يكفي ما حواه نصه من الرصانة والاتزان و الحكم والعبر ...

  

·       خامساً- التقييم الرقمي الساند : Supporting digital analysis

 

  ولتقوية   التحليل الذرائعي، واسناده على جدار نقدي علمي براغماتي ، على الناقد المتمكن أن يعطي برهاناً رياضياً، يختبر(test) تحليله بجمع معظم الدلالات الحسية ، والأعمدة الرمزية وتحليلها، ثم حسابها رقمياً، ليثبت رجاحتها في التعبير الأدبي ورصانتها البراغماتية, وموازنتها في العمق والرمزية مع بعضها البعض, وتحديد درجة الميل البراغماتي والنسب السردية لكل واحدة منها، بذلك يكون قد أسند آراءه النقدية رقمياً وحسابياً بأحكام  بحتة لا تقبل الشك والاحتمالات في التفسير، وتزرع اليقين لدى كل متلقٍ أو ناقد، ويتم هذا التحليل الرقمي بمنهجية،  وفق خطوات معروفة، ولغايات محددة، وتتوخى درجة الموضوعية و الحيادية فيه، وتجنب الأحكام الذاتية في هذا التحليل، و وحدات التحليل الأساسية هي :  الحرف ، والكلمة، و العبارة، والفقرة، والفكرة، والشخصية ، والزمان، والمكان ...

ومن ذلك يكتسب هذا المنهج البراغماتي التحليلي منهجيته العلمية، بأنه يمكِّن الباحث أو الناقد من التعمق والاندماج في صلب الموضوع، و يساعده أيضاً، على الوصول إلى إجابات مقنعة عن الأسئلة التي تثار حول النص، وذلك بفضل قدرة التحليل البراغماتي على التفسير الذي يزيل الغموض، ويظهر الغايات المقصودة من النص بوضوح، وكذلك يساعد على إظهار المعاني الدفينة والمخبوءة في النص،  ويظهر ذلك بوضوح كما  في التالي :

  

الدالات الفلسفية :

مطر أنا صمتي غيثها +4

مطر أنا ونحيب أوردتي الصدى +5

غجرية هذه الدموع تعيث بين شقائقي عبثا 5+

وتزحف بين أوردتي أسى... سكرا وخضخضة 5+

فترقص فوق عشبي لوعة  3+

خدرٌ لها  1+

جلد يجر اللحظة الثكلى ذنوبا فوق منتجعي مضى 7+

وجنان حلمي 2+

رعشة الروح التي نزفت مغالطة الزمان قذى 6+

وتزحف مثلما الخجل المراهق يدهن الذنب الصبي  6+

ويحتسي عرقه 2+

إني أغادر موضعي وأجرها عربات قحط غدت  5+

مسكونة أسفا كما ذعر الخطايا ... يا 4+

مقعرة الزمان هي المرايا 4+

تعكس الموتى تبث رؤى الحياة بهم منى 6+

وتبيت من لبس القناعة في الثنى 4+

من أخبر الزمن الكسيح بعودتي 5+

إني أدور وأغزل الليل

الثواني

والمدى 5+

من أخبر الوقت المريض أفول الشعاع , الموجة الخضراء عن أفقي 7+

إذن فهي المشيئة يا رشا لا تنظري 2+

بوقا يصيح مشاكسا صلفي 4+

يزيح النقطة العمياء عن قمري 4+

مراهقة التطلع هي الأماني 3+

إن تذوب كما الجليد يقبل النار, الدخان المنحني 6+

هي أعين الحلم الذي نسي الرجوع وباع بيت صباهُ يوماً للمزاد8+

هو نزف أوجاع البرودة خائفاً 4+

يتسلق الرؤيا 2+

وترتعش الطيوف ذبيحة بين المجامر إذ تكورها لظى  5+

هي أضلع الريح التي هربت إلى جمر العواطف والأسى 6+

رفعت خمار البوح عن قسماتها  4+

ثم استدار غبار هدوئها غضبا 4+

فكان ذهولها يغزو الغرابة في عيوني  4+

حينها أجثو

أصير شحوب طفل فرّ من فك الأذى 6+

وهي التي تنساب مني بسمة خجلى3+

في صمتها أرمي بثقل إرادتي 4+

فأخالها تدنو وترشقني بصوت سكينة

من نغمتي قلق 2+

حزين فرّ يبحث عن رباب في الضجيج 5+

هي التي سكبت إناء الذكريات فحطم آل ....6+

فرّت تطاردها بليلها التتري تعوي 5+

والغبار الممتلئ بسموم عانس 4+

شرر الغياهب يبعث الحمى  4+

تصول كما التعطّش 2+

تطلي الشموس دما ًوتبتلع الضحى 5+

أين النزول غدا 3+

وأنا الذي في موسمي ترسمين لي الصبا 4+

بشعاع عينيك المحملتين بالغبش 4+

الندى ... آه الندى  4+

ضحكاته تأوي إلى حضن الفراغ 4+

الفراغ

المتملي هوسا  3+

وطفل خيالك الأمي لا يبدي امتثالا  5+

مذ رمى كرة الدماء ولطخ الحلم

المدى 6+

رباه إني لم أزل أرنو إلى شعل الجفاء تطير مني

موسما 6+

وبريق عينها غدا يرمي الربيع

يلف صيفي

غابتي

مدني  7+

ويمرق صوت من أنين الطفولة وقفتي 5+

أكبو... يكور همتي 4+

ويرشها بالانطفاء فأستعير من الرماد توهجا 5+

ثم أستدير إلى الجوانب نافضاً صدى القطيعة5+

أحرق الأزمات  2+

وأنطفأت شموع الهمس في مضض4+

تمردت النوافذ ليلة الأمس المقامر في الحشا

أغلقتها 6+

فترقرق الطيف النحيل يسيل من شفة السكون عتاب فجر 8+

ثم ودعني ... تلاشي عند بابي 4+

كان ينحب, يستجير, وعند ... ركن الصحو خاطبني :6+

أيا عتب الأزقة ... والمدائن 5+

والسواقي ... والمكاتب ... والسنين العاريات6+

لسوف تأتيك الطيوف على جناح 4+

قد يصفق للصدى ...4+

ونظرتني فوجدتني شحبا 3+

تقشر عمره الدنيا / وتقهر موج رغبته المرايا ... يا 9+

فأدرت وجهي عن شبيهي 3+

إغرز ... النصل ... المرارة في امتثالي 6+

لم يكن بجوار صحوي ... غير دمعة قحطها 5+

والاحتضار يلوك صمت مسامعي 4+

ثم الكرى يدنو 2+

يخاطب مبحرا 2+

سأعير عينيك انتظاري

والمدى 4+

 

مجموع الدالات الفلسفية = 351 مكون فلسفي

وعملت تلك المكونات بشكل تعبيري براغماتي وبمفاهيم مؤجلة ذرائعية لا حدود لها, وبالشكل التالي :

  

دالات العاطفة :

مطر = دموع :5

نحيب :2

أوردتي :2

أسى :2

لوعة

سكر - خدر :2

خجل :2

أسف

مريض _ كسيح:2

عتب

أفول

أماني

حلم

أوجاع

برودة

خوف

رعشة : 2

هروب:4

عواطف

غضب

بوح

هدوء :2

ذهول

غرابة

شحوب :2

صمت :2

ذكريات

قلق

جفاء

فراغ :2

طفولة :3

تمرد:2

وداع

عينيك: 4

دماء:3

حرق :5

مجموع الدالات العاطفية =65 مكون حسي عاطفي

  

دوال الحكمة والموعظة :

جلد يجر اللحظة الثكلى ذنوبا فوق منتجعي مضى 7+

رعشة الروح التي نزفت مغالطة الزمان قذى 6+

وتزحف مثلما الخجل المراهق يدهن الذنب الصبي

ويحتسي عرقه 8+

إني أغادر موضعي وأجرها عربات قحط غدت  5+

مسكونة أسفا كما ذعر الخطايا ... يا  5+

مقعرة الزمان هي المرايا 4+

تعكس الموتى تبث رؤى الحياة بهم منى 6+

وتبيت من لبس القناعة في الثنى  4+

إذن فهي المشيئة يا رشا لا تنظري 5+

بوقا يصيح مشاكسا صلفي 4+

يزيح النقطة العمياء عن قمري 4+

مراهقة التطلع هي الأماني 3+

إن تذوب كما الجليد يقبل النار , الدخان المنحني 6+

هي أعين الحلم الذي نسي الرجوع وباع بيت صباهُ يوماً للمزاد  9+

هو نزف أوجاع البرودة خائفاً 5+

يتسلق الرؤيا 2+

وترتعش الطيوف ذبيحة بين المجامر إذ تكورها لظى6+

شرر الغياهب يبعث الحمى4+

تصول كما التعطش 2+

تطلي الشموس دما وتبتلع الضحى5=

أين النزول غدا3+

تمردت النوافذ ليلة الأمس المقامر في الحشا

أغلقتها 6+

فترقرق الطيف النحيل يسيل من شفة السكون عتاب فجر 8+

ثم ودعني ... تلاشى عند بابي 3+

كان ينحب , يستجير , وعند ... ركن الصحو خاطبني :  7+

أيا عتب الأزقة ... والمدائن

والسواقي ... والمكاتب ... والسنين العاريات  10+

لسوف تأتيك الطيوف على جناح

قد يصفق للصدى ...7+

ونظرتني فوجدتني شحبا3+

تقشر عمره الدنيا / وتقهر موج رغبته المرايا ... يا 9+

فأدرت وجهي عن شبيهي 3+

إغرز ... النصل ... المرارة في امتثالي 6+

ثم الكرى يدنو2+

يخاطب مبحرا 2+

سأعير عينيك انتظاري

والمدى 4+

مجموع مكونات الحكمة والموعظة =173

  

سادساً - حساب الميل البراغماتي لرصانة النص وشاعرية الشاعر : The Final digital evaluati

تجمع الدالات الحسية لشاعرية الشاعر لاستخراج نسبة الشاعرية والميل البراغماتي وحسابه بعدة المرات وكما يلي : فلسفة ٣٥١+ عاطفة ٦٥+ ١٧٣حكمة = ٥٨٩ وحدة حسية براغماتية  ...٥٨٩ً بتقسيم هذا الرقم على ٣= ١٩٦ دالة حسية وهو معدل الدوال ....

ولو قسم هذا المعدل على٢ تكون شاعرية الشاعر ٩٨٪‏ وهي أعلى نسبة تعطى لشاعر

v   الميل البراغماتي لمدلولات الشاعر الفلسفية=٣٥١٪‏ أي بميل براغماتيكي نحو الفلسفة3,5 بثلاث مرات ونصف عن الحد العادي الدوال الأخرى فهو شاعر فلسفي بأمتياز

v   اما الميل البراغماتي للحكمة والموعظة = ١٧٣ ٪‏ = ٢ مرتين تقريباً فهو شاعر فيلسوف حكيم, ولو اجتمعت الحكمة بالفلسفة تتعقلن العاطفة لذلك أصبحت العاطفة لدى الشاعر بمقدار :

=٦٥= فوق النصف بقليل وهذا ما ينبئ بتوازن عاطفي يعطي للشاعر توازن انفعالي متحفظ.....

وفي الختام إنه شاعر فيلسوف حكيم متحفظ

 

سابعاً- الخاتمة :

كلما تناولت قصيدة بدراسة, أعيش معها, أتفحصها دون أن أشعر بالخجل أو العيب أو عدم اللباقة من إطالة النظرإليها, فهي في حوزتي, ولي أن أدقق في كل معالمها, لأجدني في النهاية قد وقعت بصداقتها, خصوصاً إذا كشفت لي عن كل أسرارها, ولي أن أستر بعض هذه الأسرار, فهناك حرمة عند حد معين, أقف عنده ملتزمة بأسس النظرية الذرائعية التي نكتفي فيها بتحليل أولي, متناولين الشكل والمضمون بقدر عادل , وبما يفرضه علينا تميز النص, إن كان من ناحية الشكل أم من ناحية المضمون , أم من كليهما معاً, وأودّع هذه القصيدة معتذرة من كل مضامينها, ومعتذرة من الشاعر الرائع د. صباح عباس عنوز, ومن حضرات جميع النقاد, إن كنت أغفلت شيئاً, فأنا لست بمهارتكم في النقد وإنما أنا مطبقة لنظرية البراكماتيك .... تحياتي

  

                                 عبير خالد يحيي

 

 

  

  

 

النص الأصلي

  

سأعير عينيك انتظاري

شعر: أ.د.صباح عباس عنوز

مطر أنا صمتي غيثها

مطر أنا ونحيب أوردتي الصدى

غجرية هذه الدموع تعيث بين شقائقي عبثا

وتزحف بين أوردتي أسى... سكراً وخضخضة

فترقص فوق عشبي لوعة

خدرٌ لها

جلد يجر اللحظة الثكلى ذنوباً فوق منتجعي مضى

وجنان حلمي

رعشة الروح التي نزفت مغالطة الزمان قذى

وتزحف مثلما الخجل المراهق يدهن الذنب الصبي

ويحتسي عرقه

إني أغادر موضعي وأجرّها عربات قحط غدت

مسكونة أسفا كما ذعر الخطايا ... يا

مقعرة الزمان هي المرايا

تعكس الموتى تبث رؤى الحياة بهم منى

وتبيت من لبس القناعة في الثنى

من أخبر الزمن الكسيح بعودتي

إني أدور وأغزل الليل

الثواني

والمدى

من أخبر الوقت المريض أفول الشعاع , الموجة الخضراء عن أفقي

إذن فهي المشيئة يا رشا لا تنظري

بوقاً يصيح مشاكساً صلفي

يزيح النقطة العمياء عن قمري

مراهقة التطلع هي الأماني

إن تذوب كما الجليد يقبل النار, الدخان المنحني

هي أعين الحلم الذي نسي الرجوع وباع بيت صباهُ يوماً للمزاد

هو نزف أوجاع البرودة خائفاً

يتسلق الرؤيا

وترتعش الطيوف ذبيحة بين المجامر إذ تكوَرها لظى

هي أضلع الريح التي هربت إلى جمر العواطف والأسى

رفعت خمار البوح عن قسماتها

ثم استدار غبار هدوئها غضبا

فكان ذهولها يغزو الغرابة في عيوني

حينها أجثو

أصير شحوب طفل فرّ من فك الأذى

وهي التي تنساب مني بسمة خجلى

في صمتها أرمي بثقل إرادتي

فأخالها تدنو وترشقني بصوت سكينة

من نغمتي قلق

حزين فرّ يبحث عن رباب في الضجيج

هي التي سكبت إناء الذكريات فحطم آل ....

فرت تطاردها بليلها التتري تعوي

والغبار الممتلئ بسموم عانس

شرر الغياهب يبعث الحمى

تصول كما التعطّش

تطلي الشموس دماً وتبتلع الضحى

أين النزول غدا

وأنا الذي في موسمي ترسمين لي الصبا

بشعاع عينيك المحملتين بالغبش

الندى ... آه الندى

ضحكاته تأوي إلى حضن الفراغ

الفراغ

المتملّي هوسا

وطفل خيالك الأمي لا يبدي امتثالا

مذ رمى كرة الدماء ولطخ الحلم

المدى

رباه إني لم أزل أرنو إلى شعل الجفاء تطير مني

موسما

وبريق عينها غدا يرمي الربيع

يلف صيفي

غابتي

مدني

ويمرق صوت من أنين الطفولة وقفتي

أكبو... يكوّر همتي

ويرشها بالانطفاء فأستعير من الرماد توهجا

ثم أستدير إلى الجوانب نافضاً صدى القطيعة

أحرق الأزمات

وأنطفأت شموع الهمس في مضض

تمرّدت النوافذ ليلة الأمس المقامر في الحشا

أغلقتها

فترقرق الطيف النحيل يسيل من شفة السكون عتاب فجر

ثم ودعني ... تلاشى عند بابي

كان ينحب, يستجير, وعند ... ركن الصحو خاطبني :

أيا عتب الأزقة ... والمدائن

والسواقي ... والمكاتب ... والسنين العاريات

لسوف تأتيك الطيوف على جناح

قد يصفق للصدى ...

ونظرتني فوجدتني شحبا

تقشر عمره الدنيا / وتقهر موج رغبته المرايا ... يا

فأدرت وجهي عن شبيهي

إغرز ... النصل ... المرارة في امتثالي

لم يكن بجوار صحوي ... غير دمعة قحطها

والاحتضار يلوك صمت مسامعي

ثم الكرى يدنو

يخاطب مبحرا

سأعير عينيك انتظاري

والمدى

  

د. عبير يحيي


التعليقات

الاسم: نايف عبوش
التاريخ: 2017-05-23 15:37:17
الناقدة المبدعة د. عبير يحيى.. امتعتي القراء بنقد باذخ عالي المهنية واستولدت بذلك نصا إبداعيا ساحرا يشد المتلقي للتشبث برحلة التمتع بلذة الغوص معك في أعماق الوص حتى جني اخر لؤلؤة من اعماقه.. دامت قريحتك متدفقة بالابداع.. ودام قلمك سيالا.. نايف عبوش




5000