..... 
مقداد مسعود 
.
......
مواضيع الساعة
ـــــــــــــــــــــــــــ
.
علي الزاغيني
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
......
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
   .......
  
   
 ..............

.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الحنين للوطن بين ابن الرومي والمتنبي والمعري حتى الجواهري والسياب و جمال الدين

كريم مرزة الاسدي

  2 - الحنين للوطن بين ابن الرومي والمتنبي والمعري حتى الجواهري والسياب و جمال الدين

  يسكن ابن الرومي ( وطناً ) في بغداد ، وكان له جار اسمه ابن أبي كامل ، في رواية (زهر الآداب ) ، أغتصب بعض جدر دار ابن الرومي (221- 283 هـ \ 835-896 م) ، و أجبره على بيعها ،ففزع ابن الرومي إلى سليمان بن عبد الله بن طاهر شاكياً وذاكراً تلك الدار أو ذلك الوطن ، اقرأ يا عزيزي لابن الرومي البغدادي ! :

ولي وطن آليــــت الا أبيعـــــه*** وألا أرى غيري له الدهر مالكا
عهدت به شرخ الشباب ونعمة*** كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا
وحبّبَ أوطان الرجــال اليـــهمُ ***مآرب قضاها الشبـــــاب هنالكا
اذا ذكروا أوطانهم ذكرتهـــــم ***عهود الصـــبا فيها فحنوا لذالكا
فقد آلفته النفــــــــس حتى كأنه***لها جسد ان بان غودر هالكــــا


أعتقد أنه لم يسبق لأحد أن أستعمل كلمة (وطن ) بهذا المعنى غير ابن الرومي ،  و إن حدث ذلك فبكل تأكيد ،  كان ابن الرومي أول من حلل تحليلاً نفسياً رائعاً علاقة الإنسان بوطنه ،  ويتدرج بهذا التدرج المنطقي المتسلسل من عهود الصبا إلى شرخ الشباب ،  حتى تألفه النفس ،  ويصبح كالجسد ،  وبدونه يحل الهلاك ،  وله أبيات جميلة أخرى في التعلق بالبلدان ،  ومدى تمثلها بالضمير:


بلدٌ صحبت به الطفولة والصبـا*** ولبست ثوب العمر وهو جديدُ
فإذا تمثل في الضمير رأيتــــــه*** وعليه أغصان الشباب تميــــدُ


كأنني به لهذا التشبث بوطنيته وصدق إيمانه بعروبته ،  يتنصل من كنيته المفروضة عليه ،وكأنه يعلم ما يجر النسب عليه مما ليس لديه، والوطن يكبر بحجم العقول وسعة إدراكها ، أليس هو القائل ؟! :


وللنفس حالات تظل كأنما*** تشاهد فيها كل غيب سيشهدُ


وإذا عاش ابن الرومي طيلة حياته في بغداد ،  ولم يغادرها إلا نادراً ،  ويرجع إليها لائذا ، فالمتنبي (303 -354 هـ \ 915 -965 م ) منذ صباه الأول كان قلبه يعلم أن المعلوم ضائع ، والمجهول آت ،  والغربة حال واقع ،  والشعراء يهيمون ،  ويهيمون !....يرى ببصيرته  ، لا بباصرته ،  أريد أن أستدرجك إلى ما أعشقه أنا اليوم ، وأوظف شعره لصالح غربتي ،  ربما لك أن تقول : ليس كما يصب عشقه هو بالأمس لمحبوب يتطلع إليه ، والشعر -على كل حال - ليس بالضرورة يجري كما يرميه الشاعر ، ولكن كما يهدف إليه الناقد ، والحديث شجون ، اقرأ :


أرق على أرق ، ومثلـــــي يأرق*** وجوى يزيد ، وعبرةٌ تترقرقُ
جهد الصبابة ، أن تكون كم أرى ***عينٌ مسهدةٌ ، وقلبٌ يخفـــــقُ
ما لاح برقٌ ، أو ترنّـم طائــــــرٌ *** إلا أنثنيت ، ولــي فؤاد شيـــقُ


ومهما يكن من أمر ، بعدت أم قربت ، رضيت أم أبيت ، لقد جرب المتنبي العظيم مرارة الغربة ،وضياع التشرد باكراً ، حين هاجر الكوفة مكرها ، والحكم لله :

  

تغرّب لا مستعظماً غير نفسه*** ولا قابلاً إلا لخالقه حكما


ومهما كانت الأسباب ، فالحقيقة واحدة ، لقد عانى المتنبي كثيرا من الغربة عن الأهل والوطن ،تحمل من تبعاتها كثيراً ، واتهم اتهامات عديدة ،  رد عليها بقوة حزم ،  وشدة عزم ، فمن مثله لمثلها ، ففي مجلس أبي العشائر( 338هـ )أجاب من يهمه أمر نسبه :


أنا ابن من بعضه يفوق أبا البا*** حث , والنجل بعض من نجله
أنا الذي بين الإلــــــــــه به الـ*** ـأقدار , والمـرء حيثما جعلـه
إن الكــذاب الذي أكـــاد بـــــه*** أهون عنـدي من الذي نقــــله
وربـّــــما يشهد الطـعام معي*** مــن لا يساوي الخبز الذي أكله
ويظهر الجهل بي و أعرفــه*** والدرّ ُ درّ ٌ بـرغم من جهلـــــــه


والدكتور طه حسين يعد هذه الأبيات من أروع ما كتب المتنبي طيلة حياته في كتابه ( مع المتنبي ) , مهما يكن من أمر ، يعّرّفه أبو العشائر على سيف الدولة الحمداني , ويحتل المركز الأول في بلاطه كشاعر ، ويلقي بين يدي حضرته غرر القصائد ، وأروع القوافي ، وأبدع المعاني ، فيغطي على خمسمائة شاعر ،  ويمحي ذكرهم ، ولكن وقف له الحساد  ، والأنداد ممن هم أكبر شأنا ، وأعلى همة ، من أؤلئك الذين خلفهم عند أبي العشائر ، فما كان له إلا أن يطلق صرخته المدوية :

وا حرَ قلبـــاه ممن قلبه شبم*** ومن بجسمي وحالي عنده سـقمُ
ما لي أكتم حبَاً قد برى جسدي*** وتدعي حبَ سيف الدولة الاممُ


لا أريد أن أسرد لك مسيرة حياة المتنبي ، وإنما أسلط الضوء على بعض مشاعر غربته ، وشجون لوعته ، يترك الشاعر الأكبر بلاد الشام ،  وبلاط سيف الدولة الحمداني مكرهاً أيضاً ،بسبب النفاق  ، وكيد الكائدين ، وحسد الحاسدين ، حيث قضى حياته بين مد وجزر ،  فتوجه نحو كافور الأخشيدي لغاية لم تتحقق ، برغم الوعود ، ويرمى أخيراً في طي النسيان ،  ويجزى على الإخلاص بالجحود ،  وتتوارد الأخبار إليه أن قوماً نعوه في حضرة سيف الدولة بحلب ، فيسكب كل مواويل الغربة بقصيدته الرائعة :


بم التعلل لا أهــــل ولا وطـنُ*** ولا نديم ولا كـــأس ولا ســكنُ
أريد من زمـــني ذا أن يبلغني***ما ليس يبلغه من نفسه الزمنُ
يا من نعيت على بعدٍ بمجلسه***كلٌّ بما زعم الناعـــون مـرتهنُ
رأيتكم لا يصون العرض جاركمُ***ولا يدرُ على مرعاكم اللـــبن
جزاء كلِ قريـــب منكـــــــم مللُ*** وحظ كلّ محبٍ منكمُ ضـــغن
وتغضبون على من نال رفدكمُ*** حتى يعقابه التنغيص  والمننُ
فغادر الهجر ما بيني وبينكمُ *** يهماء تكذب فيها العين والاذن
إني أصاحب حلمي وهو بي كرمٌ*ولا أصاحب حلمي وهو بي جبن
ولا أقيم على مالٍ أذلُّ بــــــه** ولا ألذ بما عرضي بــــــــــه درن
سهرت بعد رحيلي وحشة لكـمُ*ثم استمر مريري وارعوى الوسن
وإن بليت بودٍ مثـــــل ودكـــــمُ ***فأنني بفـــــراق مثلـــــه قمن


صبّ المتنبي كل مواويل غربته في هذه القصيدة المعلقة ، بل قل أشجانه وأشجان كل من لا يستطيع أن يعبر عن ذاته في لحظات الغربة المميتة ، والحنين المكبوت ، إنها آهات نفس مكلوم ٍ موجع ، ونواصل مسيرة الحنين لغريب لديار ، وبعد رحلة العذاب إلى مصر ،  وخيبة أمله ، وانقطاع رجائه ، يستستلم المتنبي للقدر ، ويعترف أن الظروف أقوى من الإنسان ،  والإنسان بمفرده ضعيف لا حول له ولا قوة ،  والأحبة دونهم البيداء ، فالحياة أصبحت عنده بلا طعم ولا ذوق :


لم يترك الدهر من قلبي ولا كبدي*** شيئا تتيمه عينٌ ولا جيدُ
أما الأحبة ، فالبيداء دونــــــهم***  ياليت دونك بيد دونها بيدُ
أصخرةٌ أنــا مالي لا تحركني*** هذي المدام ولا هذي الأغاريدُ
اذا أردت كميت اللون صافية*** وجدتـها وحبيب النفس مفقودُ


تخنقه الكآبة ، ويعصر قلبه الأسى ، وتضنيه الغربة ، وتبخرت كل أمانيه ، وما من حيلة إلا ان يحث الخطى ، تاركا وراءه أرض النيل إلى أرض الفرات ، فالكوفة الحمراء ، مسقط رأسه ، ومكان نشأته الاولى ، فواصل الخطوات متلهفا للعودة إلى الوطن ،  ليسترجع قواه المعنوية والنفسية ،  ويلملم جراحه ،  يتفس الصعداء ، وينظم قصيدته الرائعة المقصورة ،  يذكر فيها معظم الأمكنة التي مرّ بها ،  كأنما يعدها عدا مستعجلاً الوصول :


ألا كل ماشية الخيزلى *** فدى كل ماشــية الهيذبى
وقلت لهاأين أرض العراق** فقالت ونحن بتربان ها
وهبّت بجسمي هبوب الدبو**رمستقبلات مهب الصبا
لتعلم مصر ومن بالعراق***ومن بالعواصم أني الفتى
وأني وفيت وأني أبيتُ  *** وأني عتوت على من عتا
ولا كل من قال قولا وفى ** ولا كل من سيم خسفا أبى


وصل المتنبي إلى الكوفة بعد جهد جهيد ،  ومكث فيها سنتين ، وغادرها إلى بلاد فارس ليمدح عضد الدولة البويهي ،  وما أن مدحه ، وأراد الرجوع إلى مسقط رأسه ،  قتله فاتك الأسدي ، خال ضبة ، الذي هجاه المتنبي ، وذلك قرب النعمانية سنة 354 هـ \965 م ، مات الرجل ،  وبقى شعره وذكره، نعم بقى المتنبي مالىء الدنيا ،  وشاغل الناس على حد تعبير ابن رشيق القيرواني.

  

وأبو العلاء المعري (973 - 1058م / 363 - 449هـ) ، أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي ، عربي النسب من قبيلة تنوخ اليمانية ، ولد في معرة النعمان ، وأكسبها شهرته ، بالرغم من أنّ عائلته  كريمة فاضله شهيرة بالرئاسة ،  يسودها  القضاة والعلماء والأدباء ، ثم نكبه الدهر   بفقد بصره عقبى إصابته بالجدري  ـ  وعمره أربع سنوات وتمم عماه في السادسة ، ولم يرَ إلا اللون الأحمر، و خرج علينا بتعليل غريب عجيب :

قالوا العمــى منظرٌ قبيحٌ  *** قلتُ بفقدانكم يهـــونُ

واللهِ ما في الوجودِ شيءٌ ** تأسى على فقده العيونُ

ولكنه  حينما غادر مدينته، وبالأحرى قريته حينذاك، معرة النعمان، متوجهاً إلى بغداد سنة 398هـ ، وأطل على اشراف بغداد  ، وقال بيته الشهير:

  

وردنا ماء دجلة خير ماءٍ ****وزرنا أشرف الشجر النخيلا

  

لم ينسَ قريته المعرة وحنّ إليها قائلاً :

  

يا ماء دجلة ما أراك تلذ لي ***شوقاً كماء معرة النعمان

  

ويقول مرة ثانية :

  

فيا برق ليس الكرخ داري وإنما ***رماني إليها الدهر منذ ليالِ

فهل فيك من ماء المعرة قطـــرةٌ ****تغيث بها ظمآن ليس ببالِ

  

أقول ولو أن المعري خلد معرته باكتساء كنيتها، ولكن المعري نفسه الإنسان ، عندما أراد مغادرة بغداد بعد وفاة أمه 400ه، تحسر على لوعة الفراق، مفضلاً بغداد وأهلها على الشام وأهله، ولو أنهم قومه وبينهم ربعه :

  

أودعكم يا أهل بغداد والحشـــا  ****على زفرات ما يبين من اللذع

وداع ضناً لـم يستقل وإنّمــا****تحامل من بـعد العثار علــــى طلع

فبئس البديل الشام منكم وأهله *****على أنهم قومي وبينهم ربعـي

ألا زودوني شـــربةً ولو أننـــــي****قدرت إذاً أفنيت دجلة بالكــرعِ

  

وبدر شاكر السياب المولود في قرية جيكور قضاء أبي الخصيب التابع لمحافظة البصرة في 25-كانون الأول - 1926 على أغلب الظن ، والمتوفي في الكويت في 24 كانون الأول 1964م ، ونقل جثمانه إلى البصرة ليدفن فيها  في ليلةٍ مطيرةٍ كئيبة ،  ما فعل هذا...!!

بل زاد.....وزاد في ذكر جيكور وبويب حتى ظنهما الدنيا كلها، فهو غريب حتى على الخليج، والخليج على مرمى حجر منه !!

وما ذلك إلا لفترة بيئة طفولته المبكرة، وما لها من أهمية قصوى لنتاجه الشعري و الفكري، فقد مدته باخصب الأفكار، واروع الصور، واجمل العبارات، ، فبادلها العطاء بالوفاء، والجزاء بالثناء، وما جزاء الاحسان إلا الاحسان، فمن قصيدته أفياء جيكور يقول:

  

لولاك يا وطني

لولاك يا جنتي الخضراء ياداري

لم تلق اوتاري

ريحا، فتنقل آهاتي واشعاري

لولاك ما كان وجه الله يا قدري

أ فياء جيكور نبع سال في بالي

ابل منها صدى روحي

  

وجيكور رفيقة مسيرته،  ورمز وطنيته، ومنبع طفولته، وعنوان محبته، ومركز حنينه، ومجال عشقه لرفيقته ومن بعد هالته،  ففي قصيدة ليلة باريس، يناجي الذكريات والحنين قائلا:

  

تأتين انت إلى العراق

أمد من قلبي طريقه

عشتار فانفجر الربيع لها وبرعمت الغصون

توت ودفلى والنخيل بطلعه عبق الهواء

اعتل بالبرد، ارتجفت، فلفني برد الهواء

وهو الاصيل، وانت في جيكور تجتذب الرياح

منك العباءة، فاخلعيها

ليس يدثر الضياء

يتماوج البلم النخيل بنا فتنتثر النجوم

من رفة المجذاف كالاسماك تغطس او تعوم

ويحار بين الضفتين بنا كأنا منه في ابد الزمان

 

 ولابد أن نعرج على الجواهري ( 1899-1997 ) ،  و(دجلة خيره ) ، عندما هزه الشوق ،  ودفعه الحنين - أعوام غربته البراغية - ليغرف من ذكريات أيامه الخوالي عن بساتين بغداد ،  وضفاف دجلة ، والقوارب الشراعية ،  والسهرات النؤاسية ،  والليالي الهارونية ،  وأعياد الشعانين ،  وقرى الدهاقين ،  القصيدة من روائعه ،  بعذوبة إنسيابها ، وجزالة لفظها ،  وحسن معانيها ،  وصدق تعبيرها ،  لك مطلعها وبداياتها :


حييت سفحك من بـــــــــــــعد فحييني*** يا دجلة الخير ، يا أم البساتينِ ِ
حييت سفحــــــــــك ظمآنا ألوذ به***   لوذ الحمائم بين المــــاء والطين ِ
يا دجلة الخير،يا نبعــــــــــــا أفارقه*** على الكراهة بين الحين والحين
إني وردت عــــــــــيون الماء صافية*** نبـــعاً فنبعاً ، فما كانت لترويني
وأنت يا قاربا تلوي الريـــــــــــاح به *** لي النسائم أطــــــراف الأفانين
وددت ذاك الشراع الرخص لو كفني**** يحاك منه ، غداة البين يطويني
يا دجلة الخير : قد هانت مطامحنا *** حتى لأدنى طمـــــاح غير مضمون
أتضمنين مقيلاً لــــي سواسيـــــة *** بين الحشائش ، أو بين الريـــــاحين
خلوا من الهم إلا هم خـــــــــــافقة *** بين الجوانـــــــح أعنيـــها وتعنيني


يعزّ عليّ - من باب الحنين - أن أودعك ولا أذكر النجف الشريف ، أو(ظهر الكوفة ) ، كما كان عليه يطلقون ، هذا البلد الذي أنجب المتنبي ، وذكر بسيطته وثويته في شعره ، ومن بعد ألف من الأعوام يلد الجواهري ، وهما ممن مررنا على حنين شعرهما في هذه الإطلالة السريعة ، والآن أضعك أمام شاعر معروف من السادة الأجلاء ،  ولد في قرية ( المؤمنين ) التابعة لقضاء سوق الشيوخ سنة 1927 ، كما يذكر هو في ديوانه (الديوان ) ، ولي رأي أخر حول تاريخ الميلاد ، حسب تحقيقاتي الخاصة ،  أعرض عن ذكرها في الوقت الحاضر ،  بالرغم من تدويني عام ولادة الجواهري بشكلها الأصح في هذا المقال ،  جاء السيد إلى النجف الأشرف وعمره أحدعشر عاما ،وخرج منها وسنّه ثلاث وخمسون سنة (1938- 1979) ، نشأ وترعرع ، ودرس ، ودرّس ،واجتهد ، و برز , وأشتهر فيها ، على أغلب الظن أنك عرفت المقصود السيد مصطفى جمال الدين ، وأنا أريد أن أعرج على مقطع من رائعته (من أمس الأمة الى غدها ) التي ألقاها في مؤتمر إسلامي عقد في مدينة ( ديترويت ) في الولايات المتحدة الامريكية بمناسبة مرور أربعة عشر قرنا على وفاة الرسول الأعظم (29-12- 1991 ) ،  والمقطع المعني يتذكر فيه النجف , ويحن إلى أيام طفولته وشبابه وكهولته، إليك بلا إطالة ما يقول :

  

يا رملة النجف الشريف تذكري*** ظمأ العيون , ففي يديك الموردُ
حنّتْ ، فكــــــان لها بذكرك مسرح**وشكت ، فكـــان لها برملك إثمدُ
أشرقت بي نورا ، وغرسي نـــاعم**وزهوت بي ثمرا ، وعودي أغيد
ووقيتني غرر الشبـاب فما التوتْ*** قدم ، ولا أمتدت لنــــــاقصة يد
وعبرت بي نهر الكهولـة لم يضق** ذرعا بصاريتي الشراع المـجهد
حتى إذا (الستون ) أثقل جذعهـــا**ثلج الشتاء ، وباخ ذاك المـــوقدُ
ألفيتني وملاب رملك في مـــــــدى*** عينيّ من زهر الكواكـــب أبعد
ووجدتني أنأى ، وأحمل في دمــي ***  من ذكرياتك ما به أتجلـــــــدُ


مررت بك على الحنين ، و أحسبك قد حننت إلى الماضي ، ولا أعرف إنساناً إلا ويروم أن يرجع به الزمن القهقرى ، فالماضي هو العودة إلى نقطة بداية الحياة ، والقادم هو الاقتراب من حدود الموت ، والإنسان مجبول على حب الحياة ، ولكن العودة هيهات ،  فالمعري يقول :

  

أمس الذي مرّ على قربه *** يعجز أهل الأرض عن ردّه

  
والمعري وحده الذي كان يرى :


تعبٌ كلّها الحياة فما أعــــ ***ــجب إلا من راغب ٍ في ازدياد ِ


ولا أراه كان يعني ما يقول ، كان المعري عاشقاً للحياة ، وللخلود ، مكث  فيها وبعدها طويلاً  طويلاً   وإن بدا للناظرين أنّه من العاكفين، رحم الله أبا العلاء ، والناس أجمعين ،  آمين.

كريم مرزة الأسدي

كريم مرزة الاسدي


التعليقات




5000