..... 
مقداد مسعود 
.
......
مواضيع الساعة
ـــــــــــــــــــــــــــ
.
محمد عبد الرضا الربيعي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
......
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
   .......
  
   
 ..............

.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


ابن زيدون بولّادته تماما ً: حياته ، شعره ، رسائله ، ونونيته - الحلقة الأولى

كريم مرزة الاسدي

تمهيد :

  

على مهلك معي رويداً رويداً...!!

عاشقان ولهانان أصبحا  مضرب الأمثال على كلِّ لسان

الولاّدة تكتب على طرازين وضعتهما على عاتقيها :

  

أنا واللهِ أصلحُ للمعــالي ***** وأمشي مشيتي وأتيـه تيهاً
أمكّنُ عاشقي من صحن خدي** وأمنح قبلتي من يشتهيها

  

 وفي أول لقاء ابن زيدون  بها ، رماها بهذين البيتين :

  

ما جالَ بَعْدَكِ لحْظي في سَنا قمــرٍ *** *** إلا ذكرتُكِ ذكرَ العَيْـن بالأَثَرِ

فهمتُ معنى الهوى من وَحْي طَرفِكِ لي** إن الحِوارَ لمفهومٌ من الحَوَرِ

  

  ويودّعها  عند الانصراف بهذه الأبيات :

  

ودّع الصبر محبٌ ودّعكْ *** ذائع من سرّه ما استودعك
يقرع السن على أن لم يكنْ ** زاد في تلك الخطا إذ شيعكْ
يا أخا البدر سناءَ وسنـــاً ****** حفـظ الله زمـاناً أطلعكْ
إن يطل بعدك ليلــي فلكم**** بـــت أشكو قصر الليل معك

  

1  - من هو ابن زيدون :

  

مما جاء في (وفيّات أعيان ) ابن خلكان :

أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون المخزومي الأندلسي القرطبي الشاعر المشهور؛ قال ابن بسام صاحب الذخيرة في حقه : كان أبو الوليد غاية منثور ومنظوم، وخاتمة شعراء بني مخزوم . أخذ من حر الأيام حراً ، وفاق الأنام طراً، وصرف السلطان نفعاً وضراً، ووسع البيان نظماً ونثراً. إلى اديب ليس للبحر تدفقه، ولا للبدر تألقه. وشعر ليس للسحر بيانه، ولا للنجوم الزهر اقترانه. وحظ من النثر غريب المياني، شعري الألفاظ والمعاني. وكان من أبناء وجوه الفقهاء بقرطبة، وبرع أدبه،وجاد شعره، وعلا شأنه، وانطلق لسانه. ثم انتقل عن قرطبة إلى المعتضد عباد صاحب إشبيلية في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، فجعله من خواصه : يجالسه في خلواته، ويركن إلى إشاراته. وكان معه في صورة وزير. وذكر له شيئاً كثيراً من الرسائل والنظم، فمن ذلك قوله :


بيني وبينك ما لو شئت لم يضعِ **** سرٌّ إذا ذاعت الأسرار لم يذعِ
يا بائعاً حظه مني، ولو بذلــتْ  *****  لي الحياة بحظي منه لم أبعِ
يكفيك أنك إن حمّلت قلبي مـا ***** لا تستطيع قلوب الناس يستطعِ
ته أحتمل واستطل أصبر وعز أهن ** وول أقبل وقل أسمع ومر أطع

  

... وله القصائد الطنانة، ولولا خوف الإطالة لذكرت بعضها .
ومن بديع قلائده قصيدته النونية التي منها :


نكاد حين تناجيكم ضمائرنا *** يقضي علينا الأسـى لولا تأسينا
حالت لبعدكم ،أيامنا فغــــدت *** سوداً وكـانت بكم بيضاً ليالينا
بالأمس كناوما يخشى تفرقنا *** واليوم نحن وما يرجى تلاقينا

  

وهي طويلة، وكل أبياتها نخب، والتطويل يخرج بنا عن المقصود . "  (1)

  

  ولد ابن زيدون في رصافة قرطبة سنة (1003  م / 394هـ) ، كان والده فقيهاً  كبيراً شهيراً ، مستشاراً لقاضي قرطتبته ، رعى ابنه  ، وتلمذه على يده ، وأحاطه برعاية تامة ، وقرّبه من أصدقائه العلماء والفقهاء ، فأخذ منهم ، وتثقف وتعلّم منهم كثيراً ، توفي الأب سنة (405 هـ /1014م)  ، والابن في الحادية عشرة من عمره.

نشأ ابن زيدون في مدينته ، ولعبقريته الفذة ، ونبوغه الشديد شق طريق حياته العلمية والأدبية باقتدار كبير ، وإمكانية عالية ، وجهد مميز  حتى سما وذاع صيته ، وامتدّ نفوذه ، ولكن عصره كان مضطرباً قلقاً مليء بالدسائس والمؤامرات والانقلابات ، إذ محقت الدولة الأموية ، ففقدت سطوتها تماماً بعد سقوطها !!  

وعندما أسس أبو الحزم بن جهور دولته الجهورية ( 422 هـ  - 468 هـ ) ، ساهم ابن زيدون في إرساء ركائزها ، وتولى مناصب رفيعة فيها ، ولكن حيكت الأحابيل للإيقاع به ، فوقع بين جدر السجون لعام ونصف ، وفر من سجنه ، ثم عفا عنه أبو الحزم الحازم ،  ولما توّلى أبوالوليد سلطة الحكم ، تقرّب إليه ،وخدمه ، وتقلد مسؤولية ديوان أهل الذمّة ، وعدة مناصب دبلوماسية ، وتعرف على ملوك عصر طوائفه حتى وصل إلى بلاط المعتضد في إشبيلية سنة (441 هـ ـ 1049م) ، ففضل البقاء فيه لميول المعتضد الأدبية ، فقرّبه الأخير إليه ، بل صيّره وزيره الأول ، ولقّب بذي الوزارتين !!

 وبقى رفيعاً في منصبه ، عالياً في همته ، شهيراً في شعره وأدبه حتى توفي المعتضد ، وقام ابنه المعتمد ، والمعتمد ما قصّر في  حقّه ، بل كرّمه وزاده إلى أن دخل حسّاده بينهما ، فجفاه ، وقلب عليه ظهر المجن، إذ نزل تحت مشورتهم ، لإبعاده عن البلاط بإرساله على رأس حملة مهمتها إخماد ثورة العامة على اليهود بإشبيلية ، فتناهبته الأمراض والأسقام حتى لفظ أنفاسه في سنة (463هـ/1071م) (2)

 ويذكر الزركلي في ( أعلامه) عنه " وزير كاتب شاعر، من أهل قرطبة ، انقطع إلى ابن جهور (من ملوك الطوائف بالاندلس) ، فكان السفير بينه وبين الاندلس ، فأعجبوا به واتهمه ابن جهور بالميل إلى المعتضد بن عباد، فحبسه،ولكن المستشرق كور يرى ( أن سبب حبسه اتهامه بمؤامرة لإرجاع الأمويين) ،  وقد استعطف ابن زيدون ابن جهوربرسائل عجيبة فلم يعطف، فهرب ، واتصل بالمعتضد صاحب إشبيلية فولاه وزارته، وفوض إليه أمر مملكته فأقام مبجلاً مقرباً إلى أن توفي باشبيلية في أيام المعتمد على الله ابن المعتضد .
وفي الكتاب من يلقب ابن زيدون ب (بحتري المغرب) وهو صاحب (أضحى التنائي بديلا من تدانينا) من القصائد المعروفة .
وأما طبقته في النثر فرفيعة أيضا، وهو صاحب (رسالة ابن زيدون - ط ) التهكمية، بعث بها عن لسان ولادة إلى ابن عبدوس وكان يزاحمه على حب ولادة بنت المستكفي .وله رسالة وجهها إلى ابن جهور طبعت مع سيرة حياته في كوبنهاغن (3)

  
2 -  الولّادة :

  

جاء في (نزهة الجلساء في أشعار النساء )  للسيوطي :

 " قال :  وكانت ولادة في بني أمية بالمغرب كعلية في بني أمية بالمشرق. إلا أن هذه تزيد بمزية الحسن الفائق!!  وذكرها ابن بشكوال في الصلة فقال : كانت أديبة شاعرة ، جزلة القول ، حسنة الشعر، وكانت تخالط الشعراء، وتساجل الأدباء، وتعرف البرعاء، وعمرت طويلاً ، ولم تتزوج قط .

ماتت لليلتين خلتا من صفر سنة ثمانين، وقيل سنة أربع وثمانين وأربعمائة. وكانت قد كتبت في طراز جعلته في إحدى عاتقيها :


أنا واللهِ أصلحُ للمعالي ***** وأمشي مشيتي وأتيـه تيهاً


وكتب في الطراز الآخر :


أمكّنُ عاشقي من صحن خدي** وأمنح قبلتي من يشتهيها


وهي التي أولع بحبها أبو الوليد بن زيدون فكتبت إليه بعد طول تمنع :


ترقّب إذا جـــــنَّ الظلام زيـــــارتي **** فإني رأيـــت الليــــلُ أكتم للسرِّ
وبي منك ما لو كان بالشمس لم تلح **وبالبدر لم يطلع، وبالنجم لم يسرِ


ووفت له بما وعدت، ولما أرادت الانصراف ودعها بهذه الأبيات :


ودّع الصبر محبٌ ودّعكْ *** ذائع من سرّه ما استودعك
يقرع السن على أن لم يكنْ ** زاد في تلك الخطا إذ شيعكْ
يا أخا البدر سناءَ وسنـــاً ****** حفـظ الله زمـاناً أطلعكْ
إن يطل بعدك ليلــي فلكم**** بـــت أشكو قصر الليل معك

وكتبت إليه :


ألا هل لنا من بعد هذا التفـــــرّقِ **** سبيل ؛ فيشكو كل صب بما لقي
وقد كنت أوقات التزاور في الشتا ** أبيت على جمر من الشوق محرقِ
فكيف وقد أمسيت في حال قطعةٍ **** لقد عجّل المقـدارُ ما كـــنت أتقي
تمر الليالي لا أرى البين ينقضي *** ولا الصبر من رق التشوق معتقي
سقى الله أرضاً قد غدت لك منزلاً ***  بكل سكوب هــــاطل الوبل مغدقِ (4)

  

قصة ليست كبقية القصص ، والعرب أمة تشبّعت بقصص الحب والعشق والعذوبة والعاطفة والرقة والوفاء والإنسانية ، تراثها زاخر ، وتاريخهم مليءٌ بالمآثر ، ومما يحزّ في قلوبنا حاضرهم هذا الحاضر !! وعقلهم الجمعي هذا العقل بين سيفٍ وجلفٍ وجزرٍ وجهلٍ ورياءٍ ونفاقٍ وتصنعٍ وتحليلٍ وتحريمٍ وقيل وقال، فاختلط الحابل بالنابل ، فصار كبيرنا صغيراً مكبوتا  ، وصغيرنا كبيرا منفوخا ، لا رأي لمن لا يطاع ، ومن يطاع ليس له رأي :

  

لا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم **** و لا سراة إذا جهالهم سادوا

  

نعم نحن الحاضر  لسنا بأمة امرئ القيس بفاطمته ، ولا عنترة بعبلته ، ولا جرير بإنسانته ،ولا الرشيد بزبيدته وألف ليلته ، ولا المأمون ببورانته ( أعظم وأخلد وأثرى  زواج في الإنسانية كلها على امتداد تاريخها ، باعتراف الغرب قبل الشرق  هكذا نجل المرأة من قبل  )،  ولا أبي نؤاس بجنانه ولا أبي العتاهيه بعتبته ، ولا ابن الرومي بوحيدته ، ولا المتنبي بخولته ، ولا الشريف بظبية بانه ... ولا حتى بالسيد جعفر الحلي بقامة رشأه ، ولا الحبوبي بغزال كرخه ولا الجواهري بعريانته ...!!

أمة فتك بها بعض فقهائها، بتحريك من سلاطينها ، أوباجتهادات غير مسؤولة ، وبسنود غير واعية ، ولا مؤهلة ، فأفتوا  بفتاوٍمتناقضة مكفرة ومتخلفة  ، فضلوا  عن طريق سيد الخلق آجمعين ، محمدنا الأمين (ص) ، وأضلوا ،  والفقه يمثل العقيدة ، والعقيدة لا يغلبها غالب !!. فتخلف الأمة ليس بسبب شعرها وفنها وأدبها ، بل نحن من أرقى أمم العالم بهذا المجال ، لو كان ينصف المنصفون ، ولكن كل مغلوبٍ مأكول !!   

 ونعود للقصة التي تعد من أجمل قصص الحب في تاريخ الأندلس وفي تاريخ الأدب العربي بصفة عامة . والولادة  - كما ذكرنا - كانت تتمتع بالجمال، وتمتلك ثقافة عالية،و لها مجلس بقرطبة إبان حكم أبي الحزم بن جهور، يجتمع فيه أشهر المثقفين والشعراء والأدباء. وكان ابن زيدون وزيراً في حكومة هذا الحزم ، ومن أولئك الأدباء الذين ارتادوا مجالسها الأدبية وكان آنذاك في شرخ شبابه ، ورونق بهائه . وفي أول لقائه بها ، رماها بهذين البيتين:

  

ما جالَ بَعْدَكِ لحْظي في سَنا قمــرٍ *** *** إلا ذكرتُكِ ذكرَ العَيْـن بالأَثَرِ

فهمتُ معنى الهوى من وَحْي طَرفِكِ لي** إن الحِوارَ لمفهومٌ من الحَوَرِ

  

ولكن بعد الحب والعشق واللقاءات ، استمع ابن الزيدون لجارية الولادة ، واسمها عتبة ، تغني ، فطرب ، وطلب الإعادة ، غضبت الأميرة الشاعرة ، وهدهدت له هذه الأبيات :

  

لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا *** لم تهو جاريتي ولم تتخيّر

وتركت غصناً مثمراً بجمالـــــه *** وجنحتَ للغصن الذي لم يثمر

ولقد علمت بأنّني بدر السمـــا **** لكن دهيت لشقوتي بالمشتري

  

وكان خصمه في حبها الوزير أبو عامر ابن عبدوس.وتتعاون الاضطرابات السياسية، التي كانت سائدة في ذلك العصر، وما نتج عنها من مؤامرات ووسائل لم ينج منها أي شيء حتى الحب الصادق بالإضافة إلى الغيرة، فلما سنحت هذه الفرصة تدخل هذا العبدوس بينهما متقرباً لولادة  ولم نتتظر الولادة كثيراً  حتى قطعت علاقتها بعشيقها واختارت الثاني ليكون العاشق الجديد نِكاية  بصاحبها العتيد :

  

لكل جديدة لذة غير أنني *** وجدتُ جديدَ الموت غيرلذيذِ !!

ونترككم لجديد  ، وكل آت قريب ، وما الموعد ببعيد !!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  

(1) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان : أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان -  المحقق : إحسان عباس - ج 1 - ص 40  - دار صادر - بيروت - ط 0 - 1900 م.

(2 ) مجلة الرافد تصدر عن دائرة  الثقافة والإعلام في حكومة الشارقة / ص 10

الشاعر ابن زيدون
د. سهـى محمـود بعيـون

الدكتورة تجعل وفاة ابن زيدون 1070م ونحن خرج لدينا بدايات 1071م ، وهو توفي في رجب  463هـ .

 (3) الأعلام :  الزركلي مصدر الكتاب : موقع يعسوب - 1 /158 - الموسوسعة الشاملة

  راجع في ترجمته كما يذكر الزركلي :وفيات الاعيان 1: 43 وقلائد العقيان 70 وآداب اللغة 3: 54 والذخيرة، المجلد الاول من القسم الاول 289 وفيه مجموعة حسنة من شعره ونثره.
ودائرة المعارف الإسلامية 1: 186 وجذوة المقتبس 121 وتاريخ الخميس 2: 360 والنجوم الزاهرة 5: 215 وانظر إعتاب الكتاب 207
(4) نزهة الجلساء في أشعار النساء : عبد الرحمن السيوطي جلال الدين - 1/ 10 - الوراق - الموسوعة الشاملة .

  

  

2 - ابن زيدون  ورسائله بين ابن عبدوس والولّادة ،الخاطفُ والمخطوف...!!

الحلقة الثانية

  

مهما يكن من أمر القطيعة الولّادية  الموجعة لابن زيدون العاشق المولع المستهام  ، سيّان بسبب استماعه لغناء الجارية عتبة الولّادة ، وتلذّذ واستمتع  به وبها ، فهدهدت إليه ولّادته ما ذكرنا من أبيات ، ونعيدها للإمتاع ولمؤانسة :

   

لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا *** لم تهو جاريتي ولم تتخيّر

وتركت غصناً مثمراً بجمالـــــه *** وجنحتَ للغصن الذي لم يثمر

ولقد علمت بأنّني بدر السمـــا **** لكن دهيت لشقوتي بالمشتري

  

أم بسبب الدسائس والمؤامرات والأحقاد والتنافس غير الشريف من قبل أبي عبد الله بن القلاس الذي انسحب من المنافسة أخيراً بعد عدّة قصائد من الهجاء الموجع والسخر  المقذع ، وأبي عامر بن عبدوس الذي واصل المسيرة مع أعوانه وشلته حتى الإيقاع بصاحبنا ، ورفيق مسيرتنا  ، وستأتيك الأخبار ما لم تزوّد ، فحاول هذا العاشق الولهان أن يصحح ما وقع فيه لحظة غرور ونشوةٍ ، أو كبوة جواد بعثرةٍ  ، ولكن لم يفلح ، لا بتوسلاته إليها  ، ولا باعتذراته منها  ، إذ لم تستمع لأنّاته ، ولم تستجب لنداءاته ، والله غالب على أمره وأمرها !!!

  

 ونجح هذا العبدوس وشلّته من الحفر الغادر لابن زيدون العاثر حتى أبعدوه عن البلاط  وولّادته  ، بل قدّموه للمحاكمة فالسجن. والسجن وما أدراك ما السجن؟!!، وحبيب القلب مخطوف وملعوبُ ، سكب الرجل كل وجدانه وأحلامه ، وأحزانه وأشجانه في قصائد خالدة ، وولّادته  خامدة جامدة ، لا تهش ولا تنش ، تركته لحاله وباله ، بل زادته الصاع صاعين  !! اقرأ معي وتأمل في هذه القصيدة الخالدة التي نظمها في مغاني مدينة ( الزهراء ) الأندلسية ، كيف مزج الرجل بين الطبيعة الخلّابه ، وحبيته الجذّابة ، الجمال هو الجمال ، وحدة عضوية واحدة ، غير قابل  للتجزئة في إحساس الشاعر العبقري لحبيبته بوجدانه ، وتخيّله لوجودها بجنانه ، ما أروع ابن الرومي عبقرينا الخالد  ، وأحسبه أول من وحّد  بين جمال الطبيعة وجمال المرأة ، كما تراه يصف رياض بغداد :

  

تبرّجتْ بعد حياء وخفرْ *** تبرّج الأنثى تصدتْ للذكرْ

  

وقد  كررت هذا المعنى من قبل ، وأنا أتمتع بظاهرة التعويض أو التكرار ، للرؤى التي أحسبها رائعة خافية، ومن الضرورة بمكان إبرازها ، نعم ربما يتخيل الفنان  العبقري الملهم وجه الطبيعة ، وسحر حلالها ، وجه حبيبته ، ودلع دلالها، فتتجسد أمامه وتتجسم ، فيتلاقفها  بسمعه ونظره ولمسه وشمّه ، بل حتى بذوقه ، وزد وجدان نفسه، فيتمازج الخيال بالواقع بلوحةٍ ولا أروع ، وجمالٍ ولا أبدع!! بعدنا  نتجول مع الفنان الملهم  ابن الرومي :

 
تلاعبها أيد الرياح إذا جـــرت *** تســـمو وتحنو تارة فتنكس
إذا ما أعارتها الصبا حركاتها ** أفادت بها أنس الحياة فتونسُ

  

ويكرر المعنى معوضاً - وقد علّمني كما علّمه الله !! - كأنّه يجرّنا من أذرعنا ، ويقول اقرأوا بربّكم ما قرضت عقداً:

 
ورياض تخايل الأرض فيها ... خيلاء الفتاة في الأبراد

  

ويزيدنا بيتين من قصيدة رثاء خالدة ، قالها في حق عمر بن يحيى الطالبي ( استشهد 250هـ) ، وكان عمر شاهدنا ابن الرومي 29 سنة هجرية:  :

  

بنفسي وإن فات الفداءُ بك الردى *** محاسنك اللائي تمجُّ فتُنهجُ

لمن تستجد ُّ الأرضُ بعدك زينةً ***فتصبحُ في أثــــــوابها تتبرجُ

  

نتوسم مما قال أن الطالبي الشهيد ، كان حسناً وسيماً ، فجعل الأرض المتبرجة له عروساً

لماذا إذاً لا أتعاطف مع ابن زيدون العاشق الخالد ؟!! وهو يصف الطبيعة الزهراوية  ، ويتخيل إلى جنبه ولّادته  الملائكية ، في لحظات اشتياقٍ بكائية ، ما أقسى الزمان على شاعرً ملهمٍ ، مرهف الحسِّ والإحساس يسيح جوالاً بين مغانٍ غنّاء زهراء، وقد خطفت حبيبته الحسناء !! :

  

إنّي ذكرْتُكِ، بالزّهراء، مشتاقا،*** والأفقُ طلقٌ ومرْأى الأرض قد راقَا
وَللنّسيمِ اعْتِلالٌ، في أصائِلِـــــهِ ***** كأنهُ رَقّ لي، فاعْتَلّ إشْـــــــــفَاقَا
والرّوضُ، عن مائِه الفضّيّ، مبتسمٌ، ***كما شقَقتَ، عنِ اللَّبّاتِ، أطواقَا
يَوْمٌ، كأيّامِ لَذّاتٍ لَنَا انصرَمــــــتْ،***** بتْنَا لها، حينَ نامَ الدّهرُ، سرّاقَا
نلهُو بما يستميلُ العينَ من زهــــــرٍ*** جالَ النّدَى فيهِ، حتى مالَ أعناقَا
كَأنّ أعْيُنَهُ، إذْ عايَنَـــــــتْ أرَقى ،***** بَكَتْ لِما بي، فجالَ الدّمعُ رَقَرَاقَا
وردٌ تألّقَ ، في ضاحي منابتِهِ،** فازْدادَ منهُ الضّحى، في العينِ، إشراقَا
سرى ينافحُــهُ نيلوفرٌ عبـــــقٌ، ******  وَسْنَــانُ نَبّهَ مِنْهُ الصّبْحُ أحْدَاقَا
كلٌّ يهيجُ لنَا ذكرَى تشوّقِنَــــــــا *****إليكِ، لم يعدُ عنها الصّدرُ أن ضاقَا
لا سكّنَ اللهُ قلباً عقّ ذكرَكُـــــــــمُ ***** فلم يطرْ، بجنـاحِ الشّـوقِ، خفّاقَا
لوْ شاء حَملي نَسيمُ الصّبحِ حينَ سرَى **** وافاكُمُ بفتى ً أضناهُ ما لاقَى
لوْ كَانَ وَفّى المُنى ، في جَمعِنَا بكــــــمُ،***** لكانَ منْ أكرمِ الأيّامِ أخلاقَا
يا علقيَ الأخطرَ،الأسنى،الحبيبَ إلى** نَفسي،إذا ما اقتنَى الأحبابُ أعلاقَا
كان التَّجاري بمَحض الوُدّ، مذ زمَن،***** ميدانَ أنسٍ، جريْنَا فيهِ أطلاقَا
فالآنَ، أحمـــــدَ ما كنّا لعهدِكُــــــمُ، ******* سلوْتُمُ، وبقينَـا نحـــنُ عشّاقَا


الألم النفسي أعمق وأحزّ على القلب والمشاعر والوجدان من الألم الجسدي والمادي ، نعم :

  

كَأنّ أعْيُنَهُ، إذْ عايَنَـــــــتْ أرَقى ،***** بَكَتْ لِما بي، فجالَ الدّمعُ رَقَرَاقَا


لم يكتفِ الحاسدون له ، والحاقدون عليه ، والمتضايقون منه بهذا الفراق الأليم ، والطلاق الأثيم ، بل سعوا بسعايات للسلطان كي يقبعه بين الجدران ، وقبع مسجوناً ،واستطاع الشاعر الفذ المكلوم أن يهرب من سجنه المشؤوم ، وعفا عنه الخليفة المعلوم  ، فحاول أن يعيد الماضي وأيامه،وحبيبته وأحلامه،ولكن أنّى له ذلك، وما لا يكون ، لا يكون،يقول المعري :

  

أمس الذي مرّ على قربهِ *** يعجز أهل الأرض عن ردّهِ

  

كل إنسان يحنّ العودة إلى  الماضي ، أو يتمنى رجوعه ، كي يحقق ما فاتته من فرص لذيذة ، والدنيا عسيرة ، وما هي بيسيرة ، حقيقتها ألم دائم ، ولذاتها خداع خاطف زائل للترضية والتمويه !!!!

مهما يكن من أمر ، حاول ابن زيدون جاهداً أن يستعيد حبّه الفائت ، وعشيقه الخافت  

، ويُرجع بعض من يقول : إن سبب الخلاف القاتل ،هو نقد قاله ابن زيدوننا الفاشل في بيت قالته  ولّادته ، وهو :

  

سقى الله أرضاً قد غدت لك منزلاً **** بكل سكوب هاطل الوبل مغدق

  

كلّ ما قاله شاعرنا لشاعرته : إن البيت أشبه بالدعاء على المحبوب من الدعاء له. بمعنى أنها رمت محبوبها بالبخل والشح والقحط ، لذا طلبت من الله أن يسقي أرضه بكل سكوب هاطل ، وما هي جزما أرادت ذلك ، وإنما قالت : إن وجهك وجه الخير والعطاء والكرم ، لذلك يرزقك الله على عملك الخير ، فأنت سابق الخيرات .

لا أرى هذا النقد يحتاج لهذه القطيعة المؤلمة المريرة ، وإن كانت الولادة تضخم شاعريتها ، وتجلّ شخصيتها إجلالاً بتواضعٍ تام ، وتعظّم نفسها  دون تعالٍ أي إعظام ، على أغلب ظني - وربما لم يسبقني أحد إلى هذا الظن - قد مسكته بالجرم المشهود مع عتبتها المعبود !!وإلا لما وصل المآل إلى هذا الحال ، ، ولم تجد قريناً لها من بعد ، ولا ابن الحلال ، والله الأعلم بالخفايا والسرائر والأحوال !! 

نعم تطورت الأمور بينهما بشكل ملفت ،ما كان لابن زيدون أن يلعبها مع لاعبة ماهرة  ، والحق لعبتهما أثرت الأدب العربي بتراث خالد ، يا ليت كل اللاعبين كذاكا ، طبعاً هذا شطر بيت ارتجلته الآن ، وإلا لا يحق لي أن أقول (كذاكا) ، بإشباع حركة الفتحة !!

  

رسائل ابن زيدون :

  

 مهما يكن - يا قارئي الكريم -   قلت لك ستأتيك الأخبار، ومن الأخبار لمّا استطاع الوزير ابن عبدوس أن ينال من غريمه الزيدون ، ويسرق قلب حبيبته الغالية وولّادته ، ولم تستمع الأخيرة لأي نداء  من حبيبها الأول ، ولم تقبل أي اعتذار منه - كما ذكرنا -  ، فأرسل العاشق الثاني - ابن عبدوس -  إليها رسالة ، يذكّرها فيها بعلو شأنه ، وسمو مقامه ، وذائع ذكره ، مما حزّ في قلب  ابن زيدون ، فبعث إليها بـ ( رسالة هزلية) جداً ، يهزل فيها من العبدوس غريمه ، وكتبها بلسان ولّادة نفسها ، والولادة ما كانت تدري بما حاكه عشيقها السابق زيدون الظريف ، فصبّت غضبها عليه ، وسمحتْ به ، فلا شفاعة له عندها  ، وإن وقع بالمصائب حتى أخمصيه ، فوجدها العشيق اللاحق  العبدوس الخيف فرصة ، فألّب الأمير الحاكم عليه ، ليزجّه بالسجن،اشتهرت هذه القصة برسالتها الهزلية فيما بعد ،وبقت خالدة في التاريخ الأدبي ،لأنها تبين بجلاء واضح مدى ثقافة ابن زيدون ، ولما فيها من سخر لاذع ، وشعر ذائع ، ومشاعر متباينة من الحب العنيف الجارف لولّدته ، والحقد والبغض لغريمه العبدوس ، وقد شرحها ( جمال الدين بن نباتة المصري )  في كتابه:  (سرح العيون )، كما شرحها ( محمد بن البنا المصري) في كتابه: (العيون) ، يمكنك الرجوع إليها ، ونحن نشير إلى مقاطع موجزة منها :

" أما بعد ،أيها المصاب بعقله ، المورط بجهله ،البيّن سقطه ، الفاحش غلطه ، العاثر في ذيل اغتراره ، الاعمى عن شمس نهاره ،الساقط سقوط الذباب على الشراب ،المتهافت تهافت الفراش في الشهاب،فان العجب اكبر،ومعرفة المرء نفسه اصوب ، وانك راسلتني مستهديا ، من صلتي ما صفرت منه أيدي أمثالك ، متصديا من خلّتي ما قُرعت دونه أنوف أشكالك ، مرسلاً خليلتك مرتادة ، مستعملاً عشيقتك قوادة ، كاذبا نفسك أنك ستنزل عنها إلي ، وتخلف بعدها علي، ولست باول ذي همة دعته لما ليس بالنائل ولا شك انها قلتك اذ لم تضن بك ، وملتك اذ لم تغر عليك ، فانها اعذرت في السفارة لك ، وما قصرت في النيابة عنك ،زاعمة ان المروءة لفظ انت معناه والنسانية اسم انت جسمه وهيولاه ، قاطعة انك انفردت بالجمال، واستاثرت بالكمال ، واستعليت في مراتب الجلال، واستوليت على محاسن الخلال،حتى خلت ان يوسف -عليه السلام  - حاسنك فغضضت منه ، وان امراة العزيز رأتك فسلت عنه ، وأن قارون أصاب بعض ما كنزت  ، والنّطِفَ عثر على فضل ما ركزت ، وكسرى حمل غاشيتك ،  وقيصر رعى ماشيتك ،والسكندر قتل داراً في طاعتك ، وأردشير جاهد ملوك الطوائف لخروجهم عن جماعتك ، والضحاك استدعى مسالمتك ، وجذيمة الابرش تمنى منادمتك ، وشيرين قد نافست بوران فيك ، وبلقيس غايرت الزباء عليك ، وان مالك بن نويرة انما ردف لك ،وعروة ابن جعفر انما رحل اليك  ، وكليب بن ربيعة إنما حمى المرعى بعزتك ، وجساساً إنما قتله بأنفتك ، ومهلهلاً إنما طلب ثأره بهمتك ، والسموءل إنما وفى عن عهدك ، والأحنف إنما احتبى في بردك ، وحاتماً إنما جاد بوفرك ، ولقى الاضياف ببشرك "

يواصل الزيدون رسالته الهزلية بسرد موجز مدهش لأحداث تاريخ العرب ، والإشارة إلى رجالاتهم ورموزهم بمهارة فائقة ، وسخرية لاذعة من عبدوسه الوزير المتماهي  بولّادته العشيقة  الجديدة ، نواصل فقرة ثانية .

 " وأن هرمس أعطي بلينوس ما أخذ منك ، وأفلاطون أورد على ارسطاطاليس ما نقل عنك ، وبطليموس سوّى الأسطرلاب بتدبيرك ، وصور الكرة على تقديرك ، وبقراط علم العلل والمراض بلط حسك ، وجالينوس (....) وأنك نهجت لأبي معشر طريق القضاء ، وأظهرت جابربن حيان على سر الكيمياء ، وأعطيت النظّام أصلا أدرك به الحقائق ، وجعلت للكندي رسماً استخرج به الدقائق ، وأن صناعة الألحان اختراعك ، وتاليف الاوتار والانقار توليدك وابتداعك ،  وان عبدالحميد بن يحيى بارى اقلامك ، وسهل بن هارون مدون كلامك ، وعمرو بن بحر مستمليك ، ومالك بن أنس مستفتيك  ، وأنك الّذي أقام البراهين ، ووضع القوانين ، وحد الماهية ، وبين الكيفية والكمية ، وناظر في الجوهر والعَرَض ، وميز الصحة من المرض ، وفك المعمّى ، وفصل بين الأسم والمسمى ، وصرف وقسم ، وعدل وقوّم
وصف الاسماء والافعال، وبوب الظرف والحال ، وبنى وأعرب ،  ونفى وتعجب ،ووصل وقطع ، وثنى وجمع وأظهر وأضمر ،  واستفهم وأخبر ، وأهمل وقيد، وأرسل وأسند ،  وبحث ونظر ،  وتصفح الأديان "   
 

  لا أريد أن أكمل الرسالة الهزلية ) كاملة ، ولكن أوضح النقاط التالية :

  

1- نقلت المقاطع من موقع لم يهتم لوضع الهمزات فيمواقعها ، صححت بعضها ، وكتب الفاصلة بشكلها اللاتيني ، وصححتها أيضاً بالفواصل العربية .

2 - الرسالة على عظمتها وبلاغتها ، وجماليتها ، فيها من التكلف  والتصنع تقلل من قيمتها ، لأن ليست عفوية ، وإنما وضعت لرد اعتبار على انكساراته ، واتكاساته أمام عشيقته الولّادة ، وأمير دولته الجهورية ، أبو الحزم بن جهور الذي أقاله من الوزارة ، ونصّب ابن عبدوس المسخور منه بدلاً من الزيدون الساخر  . ليرجع إليها من يشاء ، وقدمت من شرحها ودوّنها سالفاً.

3 - وكتب ابن زيدون صاحب الوزارتين السابق  القابع في سجنه بأمر من أمير دولته أبي الحزم بن جهور ، وبتحريض من غريمه وخصمه اللدود ابن عبدوس  الرِسالة الجِدية ،وأرسلها مُستعطفاً أبا الوليد بن جَهور ولي العهد لعله يستشفع له عند والده أبي الحزم بن جَهور ليُطلق سراحة ، وسُميت هذه الرسالة بالجِدية لتفريقها عن سابقتها ، وجزما صاحبنا قد أفرط كثيراً بمدى تعلق أبي الحزم  بثقافته العالية ، السياسة والسلطة غير الثقافة والفن والأدب والمتعة !! ، على كل حال ازدهر هذا الفن الرفيع من كتابة الرسائل في القرن الرابع الهجري ، ولا ريب أنّ الرسالتين من أجود وأرفع وأرقى ما كتب بهذا الفن ، وإليك مقدمتها :

" يامولايَ وسيّدي ، الّذي ودادي له ، ومَنْ أبقاه الله تعالى ماضِيَ حدّ العزم ، واري زَند الأملِ ، ثابتَ عهدِ النّعمه ، أظمأتني إلى برودِ إسعافكَ ، ونفضتَ بي كفَّ ِحياطَتك ، وغضضتَ عني طرفَ حمايتك ، بعدَ أن نظر الأعمى إلى تأميلي لكَ ، وسَمِعَ الأصمُّ ثنائي عليك ، وأحسّ الجماد بإستنادي إليكَ ، فلا غرو : قد يغصُّ بالماءِ شاربهُ ، ويقتلُ الدواء المستشفيَ به ، وُيؤتى الحذرُ من مأمنه ، وتكونَ منيّةُ المُتمني في أمنيتهِ والحين قد يسبقُ جَهدَ الحريصِ :

كل المصائبِ قد تمرُّ على الفتى **وتهونُ غير شماتـةِ الحُسّـاد ِ

وإنّي لأتجلدُ ، وأُرِي الشامتينَ أنّي لريبِ الدَّهرِ لا أتضعضعُ ، فأقول :
هل أنا إلا يد أدماها سُوارُها ، وجبينٌ عضَّ به إكليلهُ ، ومشرفيٌٌ ألصقهُ بالأرضِ صاقِلهُ ، وسمهريٌّ عَرَضَه على النُار مثقفُه ، وعبد ٌ ذهب به سيده مذهب الذي يقول :


فَقَسَا ليزدجروا ومن يك حازماً** ًفليقسُ أحيانا ً على من يرحـم

 ُ
هذا العتبٌ محمود ٌعواقبه ، وهذهِ النّبوةُ غمرةٌ ثم تنجلي ، وهذه النكبةُ سحابةُ صيف ٍ عن قريبٍ تُقشّع ، ولن يريبني من سيّدي أن أبطأ سَحَابُه ، أو تأخر ـ غير ضنين ـ غَناؤه ، فأبطأُ الدلاءِ فيضا ً أملؤُها ، وأثقل السحائبِ مشيا ً أحفلُها ، وأنفع الحيا ماصادف جدبا ، وألذُّ الشَّرابِ ما أصابَ غليلا ، ومع اليوم غد ٌ ، ولكل أجل ٍ كتاب ، له الحمد على اغتِنَامِهِ ولا عتب عليه في إغفاله .
فإن يكنِ الفعلُ الذي ساءَ واحدا ** ًفأفعالهُ اللاتي سَرَرنَ ألـوف ُ "
تجد الرسالة الجدية في كتاب :" إظهار المكنون من الرسالة الجدية لابن زيدون" - تأليف مصطفى عناني ، المطبعة الرحمانية بمصر - الطبعة الثالثة المنقحة - 1345 هـ / 1927 م.

يكيفنا هذا من هذا ، وهذا قلمي يستميحكم العذر ، لما بعد هذا من هذا ...!!!

  

  

3  -ابن زيدون بين موقفٍ ضيّعهُ وشعرٍ أبدعهُ

ابن الرومي والبحتري استطراداً

الحلقة الثالثة

    

يسألني سائل  كيف غلب ظنّك أن الولّادة قد مسكت ابن زيدون بالجرم المشهود مع جاريتها عتبى المعبود ؟ الحق لا الولّادة خبّرتني ولا عتبتها ، ولا هو سرّني  بما سرّه !! ولكن هو الشعر يشعرنا بأحاسيس السرّ الخفي ، وشعاع الخلّ الوفي ، تأمل بفطنة قول الولّادة الساخطة :

  

وتركت غصناً مثمراً بجمالـه *** وجنحت للغصن الذي لم يثمرٍ
ولقد علمت بأنني بدر السما ****لكن ذهبت لشقوتي بالمشتري


   
إذاً الرجل ذهب بالمشتري ، وهذا المشتري لم يثمر!! لماذا لم يثمر ؟ هل كان خوفاً ، أم لأمر خافٍ ؟ لا أدري ، ولكن الأميرة كانت شقية بهذا العمل الجافي ، وبقت على شقائها لآخر عمرها ، ولم تتزوج ، وقد عمرت طويلاً ، وليس هذا فقط ، بل هي  ضربت جاريتها في حينها ، وعلل الأمر هو بالتمويه قائلاً ، إنما ضربَتْها لتضربه !! اقرأ أبياته :

  

وما ضربت عتبى لذنب أتت به *** ولكن ما ولاّدة تشتهي ضـربـي
فقامت تجر الذيل عاثرة بــه ***** وتمسح طل الدمع بالعنم الرطب

  

وبعد يوم كتبت له الأبيات الأولى لتفضحه ، ثم توالت عليه النكبات ، وضيق عليه خصومه السبل  ، وخطفوا حبيبته الولّادة منه  ، وساهمت هي نفسها بالوقيعة به انتقاماً ، وأراد هو إبراز عضلاته ، وتبيان مواهبه وعبقريته وثقافته الواسعة ، فكتب رسالته الهزلية البليغة والرفيعة والثمينة والخالدة باسم الولادة وأرسلها إلى الوزير ابن عبدوس خصمه السياسي اللدود ، وسارق حبيبته الأميرة الأديبة ، هذه الرسالة  جعلته هدفاً للإيقاع به ، فدست عليه الدسائس عند الأمير الحاكم أبي الحزم أبن جهور رئيس الدولة الجهورية حتى وقع فريسة السجون كما ذكرنا في الحلقة السابق ، ولكن نريد أن نصل إلى ما وصفه المسكين ابن زيدون لخصمه العبدوس من الأوصاف  - في نقاط معينة - تليق به هو ، ولوضعيته المزرية بعد إقالته من الوزارة ، وفقدانه جوهرته المنارة ، هاك هذه الفقرات وتأمل ، وهو يخاطب خصمه  :  " بل رضيت من الغنيمة بالأياب ،وتمنت الرجوع بخفي حنين ، لأني قلت :

  

* لقد هان من بالت عليه الثعالب *
وأنشدت :


على انها الايام قد صرن كلها*** عجائب ، حتى ليس فيها عجائب "

  

ثم ينتقل إلى أوصاف قاسية يلبس بها خصمه تدل على مدى تأزمه النفسي القاتل :
" ولم تكن كاذبةً فيما أثنت به عليك ، فالمعيدي تسمع به خير من ان تراه هجين القذال ،  ارعن السبال، طويل العنق والعلاوةِ، مُفرط الحمق والغباوة، جافي الطبع ،سيئ الأجابة والسمع ،  بغيض الهيئة ، سخيف الذهاب والجيئة ،  ظاهر الوسواس ،  منتن الانفاس ، كثير المعايب ، مشهورالمثالب، كلامكَ تمتمة ، وحديثُك غمغمة ،  وبينك فهفهة ، وضحكك قهقهة ،  ومشيُك هرولة ، وغناك مسألة ، ودينُك زندقة ، وعلمُك مخرقة "

ثم يعترف بجهله لخصمه  ، فكيف نقبل برسالته الهزلية !! بل ينوّه بشكلٍ لا واعٍ أنّ علاقته بولادة كانت غير متكافئة على نحو ما ، وكأنما يفرغ شحنات الألم النفسي المتراكم في عقله الباطن ، ويسكبها على خصمه العبدوس !!:  

" كيف رأيت لؤمك لكرمي كِفاء، وَضِعَتُكَ لشرفي وفاء ، وإني جهلت إن الاشياء إنما تنجذب إلى أشكالها، والطيرإنما تقع على آلافها ،  وهلا علمت أن الشرق والغرب لا يجتمعان ،  و شعرت أن المؤمن والكافر لا يتقاربان ، وقلت : الخبيث والطيب لا يستويان ، وتمثلت :


ايها المنكح الثريا سهيلاً *** عمرك الله كيف يلتقيان"

  

غادرت الولّادة  حياته ، وغادرت دنياها دون زوج يذكر ،   ولم تلتقيا من بعد ، والله غالب على أمره ... وما لنا إلا أن نتعاطف مع ابن خلدون وولّادته ،  وإن نحلل ما بين السطور لتفهم الأمور ،  وخدمة الجمهور !! 
ونحن نغالب أمرنا للوصول إلى النونية الخالدة بعد المرور مرةً ثانية وثالثة على بعض أشعاره  ، لعلكم تتذكرون !! فالرجل كان شاعراً متمكناً ، مقتدراً ، يجول ويصول في كل فنون الشعر و ضروبه وأبوابه وأغراضه، مجدداً تارةً، ومبتكراً للصور الجميلة  الحسية والتخيلية ثانيةً ، وبكل أحواله مرهف الحس ، صادق العبارة ، وإليك من وجدانياته المجددة هذه الأبيات الأخوانيه الرقيقة  لصديقه الوفي  أبي القاسم :

  

يا أبا القاسم الذي كان ردائي*** وظهيري من الزمان وذخري

هل لخالي زماننا من رجوعٍ *** أم لمــــاضي زماننا من مكرِّ؟

أين أيامنا ؟ وأين ليــــــالٍ **** كرياضٍ لبسن أفــــــــاق زهر؟

  

قالوا عن ابن زيدون ، إنّه بحتري المغرب ،  لمطولاته في الرثاء والمديح ، وزخرفة دلامه  بالبديع ، وصوره الرائعة كطلق الربيع ، وإن كان البحتري مدح من مدح ، ورثى من رثى من خلفاء عصره ووزراثهم وقوادهم كالمتوكل والفتح بن خاقان والمنتصر نفاقاً  والمستعين ...، كذلك فعل ابن زيدون في مغربه ، فمدح   أبا الحزم بن جهور ، وابنه أبا الوليد ، ومن ثم المعتضد وابنه المعتمد ، ورثى من بعد أبا الحزم والمعتضد وغيرهما من رجالات عصره ، وما بجديد في المدح والرثاء إلا الأسلوب  ، فالأسلوب هو الإنسان نفسه ، وما عدا ذاك فالشجاعة والكرم والجود والتسامح والخلق والتقوى .....معان مطروقة ، المهم من قصائد ابن زيدون هذه القصيدة الفريدة التي يهجو بها أبا الحزم بن جهور مؤسس الدولة الجهورية ، والشاعر من أركانها ، وباني ملكها ، ولكن عندما خلعه الأمير من كرسي الوزراة الأولى ، و أودعه السجن ، قال هذه القصيدة :

  

قل للوزير ، وقد قطعت بمدحه *** زمني فكان السجن منه ثوابي

لا تخش في حقي بما أمضيـتـه ****من ذاك في ، ولا توق عتابي

لم تخط في أمري الصواب موفقاً **** هـــــذاجزاء الشاعر الكذاّبِ


 
هذا هجاء مقذع بما فيه من ألم نفسي ، وعقاب للذات الشاعرة ، وقد سبق ابن الرومي ( ت 283 هـ) ابن زيدوننا بهذا المعنى، يقول ابن الرومي:

  

إذا ما مدحتُ المرءَ يوماً ولم يثبْ *** مديحي ، وحقّ الشعر في الحكمِ واجبُ

كفاني هجائيهِ قيـــــــامي بمدحهِ ****خطيباً ، وقول النـــــــاس لي أنت كاذبُ

  

 لنستطرد قليلاً مع ابن رومي ، لتغيير الأجواء ، وربط الأشياء ، كان الرجل الرومي  عديم الحيلة ، فقير الحال ، موسوس البال ، قال بيتيه من باب الترهيب ، ومن يرهبه ؟ !! هذه غاية حيلته ، يرى للشاعر حقاً على المجتمع ، والمجتمع في شغل شاغل عن أمثاله من العباقرة الذين لا يملكون شدة النفوذ بالدهاء والتملق والرياء ، على حين كان معاصره البحتري ( ت 284 هـ)  الانتهازي الجبار قد وصل إلى كرسي الخلافة ، وأصبح نديم وجليس المتوكل ووزيره الفتح ابن خاقان ، وقد  ذكرنا فيما سلف من مقالات ، إن ابن الرومي قد تجرأ في لحظات سخط على هجاء السيد البحتري بقصيدة بائية مطولة ( 86 بيتاً ) ، منها :

  

البُحْتُريُّ ذَنُوبُ الوجهِ نعرفُـــــــهُ ****  وما رأينا ذَنُوبَ الوجه ذا أدبِ

 أَنَّى يقولُ من الأقوال أَثْقَبَهَـــــــا**** من راح يحملُ وجهاً سابغَ الذَنَبِ

 أوْلى بِمَنْ عظمتْ في الناس لحيتُهُ * من نِحلة الشعر أن يُدْعَى أبا العجبِ

وحسبُه من حِباءِ القوم أن يهبــــــوا *****له قفــــاهُ إذا ما مَرَّ بالعُصَبِ

ما كنت أحسِبُ مكسوَّاً كَلحيتــــــه ***** يُعفَى من القَفْدِ أو يُدْعى بلا لقبِ

  

الله الله يا ابن الرومي ، كم أنت مسكين في حياتك البائسة  !! هذا الكلام لا يصل إلى باب بيتكم ، و لا إلى  باب جيرانكم الأحدب ، ولما سمع البحتري هذه الملحمة الهجائية الرومية بحقه ، كل ما فعله بعث إلى ابن الرومي تخت طعام وملابس ، وبه كيس دراهم ، ووضع بداخل التخت ورقة ، تحمل بيتين من الشعر ، تقول :

  

شاعرٌ لا أهابهُ *** نبحتني كلابهُ

إنّ من لا أحبّهُ ****لعزيزٌ جوابهُ

  

خلاص ، حكم الأقوياء على الضعفاء !! المتبرجز الارستقراطي الانتهازي المادي - أوصاف أعني بها ما أقول!!-   نديم الخلفاء والوزراء والقادة العظام ، يقولها لشاعر موسوس ضعيف ، يسخر به من يسخر ، يعيش بين خباز] فيصف  بلوحة تصويرية مركبة خالدة ، أو بين بائع الزلابية ليصنع شبابكيه الذهبية ، أو بين ضرّاط وأحدب ، وطنطلٍ وملتحٍ وبخيل ، رغم معرفته لنفسه وقدره وما يستحق من تبجيل وتعظيم ، ولكن هكذا قضت الدنيا بين أبنائها!!

نرجع إلى ابن زيدوننا وحاله غير هذا الحال ، وحال هذا الرجل يعيش في بلاد الأندلس ، وحدائقها الغناء ، وسحرها الحلال ، بين الطرب والغناء ، والجمال والنساء ، الوزير الأول حيث القصور والخدم والحشم ، والولائم والدلع والدلال ... جنات تجري من تحتها الأنهار ، والراح والكوثر وسهر الأسحار ، وإذا بين ليلة وضحاها يخلع من منصبه ، ويعزل عن مرتعه ، ويزج بين جدران سجن موحش رهيب ، لايعرف فيه ليله من نهاره ، دعنا نستمع إليه بين الندم والحرمان ، والتوسل ، والتهكم ، والحكم ،      

ألَمْ يَأْنِ أنْ يَبْكي الغَمامُ على مِثْلي **** ويَطْلُب ثأري البَرْقُ مُنْصَلِتَ النَّصْلِ
 
وهَلاَّ أقامَتْ أنْجُمَ اللَّيلِ مأْتَمـــــا *****لِتَنْدُبَ فــــي الآفاقِ ما ضاعَ مِنْ تَتْلي
 
ولَوْ أنْصَفَتْني وهي أشــــــكالُ همّتي ***** لألْقَتْ بأيدي الذُّلِّ لَمّــا رَأتْ ذُلّي
 
ولافْتَرَقَتْ سَبْعُ الثُّريّا وغاضَــــــها ******بمطلَعِها ما فرَّق الدَّهْرُ من شَمْلي


وابن زيدون هنا يهيب بالطبيعة، ناطقة وصامتة، حية وجامدة، أن تشاركه في نكبته، وتَهتّم بمصيره، فتقيم النجوم المآتم، وتسلّم نفسها للهوان مثله، ويستبدّ به الخيال فيطلب من نجوم الثريا السبع أن تتفرق بعد ائتلاف، وتنقص بعد تمام، وكأنّ ابن زيدون في هذه الأبيات جزء من الطبيعة، ممتزج بِها، متجاوب المشاعر معها.

ماذا أقول لك يا ابن زيدون ، وأنا تعبت ، وكللت ، رحمة بي وبالقارئ الكريم ، إليك ما قاله متنبي المشرق ( ت 354 هـ)  من قبلك !!

كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا **** وحسب المنايا أن يكنَّ آمانيا

ولو أنك حظيت بالعفو من بعد ، وتوزّرت عند المعتضد وابنه المعتمد ، ولكن نحن نتكلم عن ذات اللحظة ، والدنيا دولٌ وصور !!!

   


4 - ابن زيدون : يَجْرَحُ الدَّهْرُ وَيَأسُو

الحلقة  الرابعة

  

 

ابن زيدون (مشطور الرمل) :

ما على ظني بأس *** يجرح الدهر ويأسو

ربما أشـرف بالمر*** ء على الآمــال ياسُ

ولقد ينجيك إغفا *** لٌ ويرديــــك احتراسُ

ولكم أجدى قعودٌ **** ولكم أكـــدى التماسُ

وكذا الحكم إذا ما **** عزَّ نـــاسٌ ذلَّ نــاسُ

  

ابن زيدون صائغ  ولا أمهر ، فنان ولا أبرع ، بليغ ولا أجود ، لغوي ولا أثرى ، يجيد ما يختار من ألفاظ ، ويحسن الفخر بنفسه زاهياً كأقرانه  من عمالقة الشعر والفن ، فالشاعر أزهى بني الإنسان - على حد تعبير غوته ، شاعر الألمان العظيم - وإنّما لكل مقال مقام ، وإن كان مقامه رفيعاً ، يشار إليه بالبنان ، لكن من هنا يثير كوامن الحقد والحسد في وجدان الخلان والأقران  !!

نعم ومع حذره وحذقه ، أُوقِع به حساده وخصومه في غياهب السجون ، بعد أن أوقَع هو بنفسه في الدواهي والمهاوي حين راح بالمشتري ، وترك بدر الدجى !! ولِمَ لا يُوقع به ؟ وما العجيب ؟!! لديه منصب رفيع ، وفن بديع  ، وعشيق لمّيع ، ومال وديع ، والرجل خليع صريع !!

مهما يكن من أمر ، خاب ظن من تربص به الشر وأوصله للسجن المر !! عندما قالوا : الرجل مات شعره وقضي أمره ، يذكرني هذا الموقف بدعبل الخزاعي وأبياته :

  

نعوني ولمّا ينعني غير شـــــامتٍ *** وغير عدوٍ قـــــدْ أصيبت مقاتله

يقولون إن ذاق الردى ماتَ شعرُهُ ** وهيهاتَ عمرالشعرِ طالت طوائله

سأقضي ببيتٍ يحمدُ الناسُ أمــــرَهُ ***** ويكثرُ من أهلِ الروايةِ حامله

يموت ردي الشعرِ من قبل أهــــلهِ ***** وجيدهُ يبـقى وإن مـــات قائله

  

لا أدري كيف يحكم القائلون ؟!! والشعر والشاعر - أمثال دعبل وابن زيدون - خالدان ، فبأي آلاء ربّكما تكذبان ،  قضى سجنه ، وعمق شعره ، وسار على نهج شرقه ، فأحكمه بحكمته ، فالسجن  صيّره حكيما ، وعلّمته التجارب بما لم يكن بها عليما ، لذلك يمكننا القول ، إنّه مزج الأصالة والموروث بالتّحضر الأندلسي المبعوث ، ولهذا ذهب الدكتور شوقي ضيف بقوله  " كان ابن زيدون يحسن ضرب الخواطر والمعاني القديمة أو الموروثة في عُملة أندلسية جديدة، فيها الفن وبهجة الشعر وما يفصح عن أصالته وشخصيته".

 نرجع لشعره في سجنه ، إذ يتحفنا بهذه الرائعة السينية الزيدونية ، والتي تعدّ من روائع الشعر العربي ، وقد نظمها خلال فترة سجنه المأساوية  ، و ارسلها الى صديقه الوزير الاديب ابي حفص بن برد ليشفع له عند امير قرطبة ابن جهورحاكم قرطبة انذاك ، وهي من (مجزوء الرمل) ، ويذكرها العماد الأصبهاني في ( خريدة قصره وجريدة عصره) ( ج 2 ص 486 - 487 ) :

ما على ظني بأس *** يجرح الدهر ويأسو

ربما أشـرف بالمر*** ء على الآمــال ياسُ

ولقد ينجيك إغفا *** لٌ ويرديــــك احتراسُ

ولكم أجدى قعود **** ولكم أكـــدى التماسُ

وكذا الحكم إذا ما **** عزَّ نـــاسٌ ذلَّ نـاسُ

وبنو الأيام أخيا **** فٌ سراةٌ وخســـــاسُ

تلبس الدنيا ولكنْ ***** متعةٌ ذاك اللبـــاسُ

يا أبا حفص وما سا*** واك في الفهم إياسُ

من سنا رأيك لي في**غسق الخطب اقتباسُ

وودادي لك نصٌ **** لـــم يخالفه القيــاسُ

أنا حيرانٌ وللأمـــ ** ــر وضــــوح والتباسُ

ما ترى في معشرٍحا * لوا عن العهد وخاسوا

ورأوني ســــــارياً *** يتقى مــــــنه المساسُ

أذؤبٌ هامتْ بلحـــمي*** فانتهــــابٌ وانتهـاسُ

كلّهم يسأل عن حـــا **** لي وللذئب اعتساسُ

إن قسا الدهرُ فللما **** ءِ من الصخر انبجـاسُ

ولئن أمسيتُ محبـــو***** ساً فللغيث احتبــاسُ

ويفت المسك في التـر ***** بِ فيوطاً ويـــداسُ

يلبد الوردُ الســـبنتى****** وله بعــــد افـتراسُ

فتأمل كيـف يغشــــى ****  مقلة المجــد النعاسُ

لا يكن عهـدك ورداً ***** إن عهـــدي لـــك آسُ

وأدر ذكـــــريَ كاساً ***** مـــا امتطت كفك كاسُ

واغتنم صفو الليالي******* إنّمـا العيش اختلاسُ

وعسى أن يسمح الدّهــ*** ر فقـــد طال الشماسُ

  

انتهى نص الخريدة الأصبهانية ، ونعقب موجزين :

تجارب الأيام ، وتقلب الدهر ، وقضاء الله وقدره ، يذلُّ من يشاء ، ويعزّ من يشاء ، وهو العزيز الحكيم  ، والدنيا عمرها دنيا الأضداد، فوفِّق في طباقاته بين جرحٍ ودواء ، ويأس وآمال ، وعزّ ناسٍ وذلّ ناس ، ووضوح والتباس ، وورد وآس ، وسراة وخساس، ونص وقياس ، ثم يزيد الطباق للمقابلة، فيزيد بصفتين على التوالي في التضاد  ،ينجيك إغفال ـ يرديك احتراس ، وأجدى قعود ـ أكدى التماس .

من لطف الشعر ، وخصائصه الفنية الخفية ، أنّى وجدت الطباق  والمقابلة ، ترقبت الجناس  بكامله  وناقصه  ، وهما من المحسنات اللفظية الشائعة في ذلك العصر البديعي ، فلك من التجانس التام ما بين ( ياسو و ياسُ) ، فلفظهما مخفف ، ومعناهما مختلف ، فالأولى بمعنى يداوي ، والثانية تعني القنوط ، والناقص يتجلى بين المحاذير والمقادير ، وأجدى وأكدى ، فكل لفظتين متقاربتان نطقا ، إلا بحرف أو حرفين .  والجرس الموسيقي الداخلي لهما واحد !!

ولا أراك تحتاج إلى دليلٍ على لطف موسيقى الأجراس ، وبث آهات الأنفاس  ، فما لظنّه من باس !!  تارة يلوم نفسه بالاحتراس من الشرور ، ولماذا الاحتراس؟!!  ربما في الغفلة نجاة من شر الوسواس الخناس ، وطوراً يشكو إلى صاحبه أبي حفص من حسّاده الأعداء، ممن يرتدي قناع الأصدقاء ، ومرة ثالثة يشبّه مودته بالآس ثابت الرائحة ، ويرجومن صديقه  أن لا يكون كالورد سرعان ما يفقد عطره والإحساس ، نفس مضطربة لا تدري كيف تحرر من الاحتباس ، في حيرة والتباس ، ثم لِمَ الضيق من الحبس والضيق؟!! أليس المطر يزخر بالخير بعد احتباس ، والمسك لا يعجّ بالعطر إلا حين في الترب يداس ، والأسد تلبد ولكن من بعد ذاك افتراس ؟!!!!

ندع  ابن زيدون مع قصيدة شكواه الرائعة يدور بها كما يشاء ، باستعاراته التصريحية والمكنية وكناياته وصوره الحسية والتخيلية واقتباساته ...

ومن روائع ابن زيدون قصيدته التهديدية التي  كتبها إلى خصمه اللدود ، ومنافسه لفردوسه المفقود ، وولّادته بدر الدجى  المعبود ، الآ وهو الوزير ابن عبدوس  ، والحق أردت أن أفسح  المجال للعماد الأصبهاني أن يزوّدنا بما خزنه في ( خريدة قصره وجريدة عصره) ، ولكن وجدت البرقوقي في مجلة ( بيانه)  / العدد   59 ، ص 13 )  ينقل قبلها أبيات أخرى مع خصم آخر ، أقل وطأةٍ من العبدوس ، قلت والله تأتي بمحلها ، فإليك والترتيب لي  !!!

أ - ابن زيدون وأبو عبد الله البطليوسي :

 كان مجلس ولاّدة بقرطبة منتدى لأحرار المصر، وفناؤها ملعباً لجياد النظم والنثر. يعشو أهل الأدب إلى ضوء غرتها، ويتهافت أفراد الشعراء والكتاب على حلاوة مسامرتها. وهي مع ذلك محافظة على علو النصاب، وكرم الأنساب، وطهارة الأثواب. ولقد طمع بعضهم في الاستئثار بها دون ابن زيدون. فنازعه على حبها، وزاحمه في ودها، رجل من رجالات عصره. وهو أبو عبد الله البطليوسي. فكتب إليه ابن زيدون يزجره بهذا الرجز:

  

أيا عبد الإله اسمــــعْ***** وخذ بمقالتي أو دع

وأنقص بعدها أو زد **** وطر في أثرها أو قع

ألم تعلم بأن الدهـ *** ــر يعطي بعـــــد ما يمنع

فإن قصارك الدهـْ * ليز حيث سواك في المضجع

  

ب - ثم بين ابن زيدون وابن عبدوس المذكور في ما قدمناه :

  

ومنهم الوزير أبو عامر بن عبدوس الملقب بالفار، وكان ممن أكابر رجالات قرطبة، فاغتاظ ابن زيدون وبعث له بهذه الأبيات :

  

أثرت هزبر الشرى إذ ربضْ ** ونبهته إذ هدا فاغتمضْ

وما زلت تبسط مسترسلاً **** إليه يد البغي لمّـا انقبضْ

حذار حذار فإن الكريــم  ****إذا سيم خسفاً أبى فامتعضْ

وإن سكون الشجاع النهو **** س ليس بمانعه أن يعضْ

عبثت بشعري ولم تتئبْ*** تعارض جوهره بالعـــــــرضْ

أضاقت أساليب هذا القري** ض أم قد عفا رسمه فانقرضْ

لعمري لفوقت سهم النصال**** وأرسلته لو أصبت الغرضْ

  

ولما  فرّ من محبسه وإساره، وإقامته متوارياً كالقمر في سراره، وهو في قرطبة ، خاطب ولادته    حبيبة الأمس ، إذ خصّته وحده من دون خلق الله ، وما كانت الولادة في عصرها إلا الولادة وحدها لا غير ، واستنهض  صديقه الأديب أبا بكر للشفاعة، واستنزل أبا الحزم بن جهور:

  

شحطنا وما بالدار نأي ولا شحطُ  ** وشطّ بمن أهوى المزار وما شطوا

أأحبابنا ألوتْ بحـــــادث عهدنا ***** حوادث لا عهد عليها ولا شرطُ

لعمركم إن الزمـــان الذي قضى ***** بتشتيت جمع الشمل منا لمشتطُ

وأمّا الكرى مذ لم أزركمْ فهاجــــرٌ  ****** زيارته عبّ ٌ وإلمامـــه فرطُ

وما شرق مقتول الجوانح بالصدى **** إلى نطفـةٍ زرقاء أضمرها وقطُ

بأبرح من شوقي إليكم ودون ما****** أدير المنى عنــه القتادة والخرطُ

وفي الربرب الأنسي أحوى كناسه ** نواحي ضميري لا الكثيب ولا السقطُ

غريب فنون السحر يرتاح درعـه **** متى ضاق ذرعاً بالذي حازه المرطُ

كأن فؤادي يوم أهوى مودعاً ******** هوى خافقاً منه بحيث هـوى القرطُ

إذا ما كتاب الوجد أشكل سطره ****** فمن زفرتي شــكل ومن عبوتي نقطُ

ألا هل أتى الفتيان أن فتاهـمْ  ******** فريسة مـــن يعدو ونهزة من يسطو

وأن الجواد الفائت الشأو صـافن********* تخـــــوّنه شــكل وأزرى به ربطُ

وأن الحسام العضب ثاو بجفنـه ********* ولا ذم مــــن غربيه قدٌّ ولا قـــطُ

عليك أبــا بكرٍ بكرت بهمـةٍ ********** لها الخطر العــــــالي وإن نالها حطُ

أبي بعدمـــا هيل التراب على أبي ******* ورهطي فذاً حين لم يبق لي رهط

لك النعمــة الخضراء تندي ظلالها *********** علي ولا جحد لدي ولا غمطُ

ولولاك لم يثقب زنــاد قريحتي ***********  فتلتهب الظلماء من نارها سقطُ

ولا ألّفت أيدي الربيع أزاهــراً*********** فمن خاطري نثر ومن روضه لقطُ

هرمــت وما للشيب وخط بمفرقي**********ولكن لشيب الهم في كبدي وخطُ

وطاول سوء الحال نفسي فأذكرت ********من الروضة الغناء طاولها القحطُ

مئون مـــن الأيام خمس قطعتها ************أسيراً وإن لم يبد سرّ ولا قسطُ

أتت بي كما ميط الإناء من الأذى********** وأذهب ما بالثوب من دنس مسطُ

أتدنو قطوف الجنتين لمعــــــشر************ وغايتي السدر القليل أو الخمطُ

وما كان ظني أن تغرنيَ المنى************* وللغر في العشواء من ظنه خبطُ

  

وقبل أن نغلق باب هذا المشوار ، نمر على غزله المعتاد  لحبيبة الفؤاد ، ومدحه

  للمعتضد وهو المراد ، ونكتفي بهذه الأبيات   :

  

أما في نسيم الريح عرفٌ يعرفُ** لنا هل لذات الوقف بالجزع موقفُ

ضمان علينا أن تزار ودونها ****** رقاق الظبى والسمهري المثقفُ

وقوم عدى يبدون عن صفحاتهم ***** وأزهرها من ظلمة الحقد أكلفُ

يودون لو يثني البعاد زمامنا ... وهيهات ريح الشوق من ذاك أعصف

كفانا من الشوق التحية خلسةً ******** فيومئ طرفُ أو بنـانُ مطرفُ

وإني ليستهويني البرق صبوة ******* الى ثغر برق إن بـدا كاد يخطف

وما ولعي بالراح إلا توهمـــــاً ********** لظلمٍ لها كالــراح إذ يترشفُ

وتذكرني العقد المرن جمانهٌ ******* مرنات ورقٍ في ذرى الأيــك تهتف

فما قبل من أهوى طوى البدر هودجٌ **** ولا ضم ريم القفر خدر مسجفُ

ولا قبل عباد طوى البحر مجلس *********ولا حمل الطود المعظم رفرفُ

هو الملك الجعد الذي في ظلاله ******** تكفُّ صروف الحادثات وتصرفُ

على السيف من تلك الشهامة ميسم * وفي الروض من تلك الطلاقة زخرفُ

يظن الأعادي أن حزمك نائــــــــم****** لقد تعد الفســــــل الظنون فتخلفُ

رأيناك في أعلى المصلى كأنما **********تطلع من محراب داوود يوسفُ

ولما حضرنا الأذن والدهر خادم *********تشير فيمضي والقضاء مصرفُ

وصلنا فقبلنا الندى منك في يد ********* بها يتلف المــال الجسيم ويخلفُ

لك الخير أنّى لي بشكرك نهضة*********وكيف أؤدي شكر ما أنــت مسلفُ

ولولاك لم يسهل من الدهر جانب******** ولا ذل منقـــــاد ولا لان معطـــفُ

  

ماذا ؟!!! كانّه أبو تمام بين يدي المعتصم ، أو البحتري أمام المتوكل ، أو المتنبي في مجلس سيف الدولة ، وهاك  !!!

وقال ابن زيدون في المعتمد بعد المعتضد من قصيدة طويلة جميلة:

  

وإذا غصون المكرمات تهدلت ***** كان الهديل ثناؤك المترنمُ

الفجر ثغر عن حفاظك باسم ****** والمجد برد من وفائك معلمُ

  

نعم المدح مدح ، تذكرت بيتي المتنبي ، واعتراض سيف الدولة ، وتحليل  الشاعر الحائك لهما ، ولبيتي امرئ القيس ، وإقرار السيف البزاز ، الذي لا يرى في القماش إلا جماله ، والحائك يعرف كلّ خفاياه وأسراره ، فمنح سيف الدولة خمسين دينار صلاة ، وتعادل خمسمائة دينار كجائزة للمتنبي على هذين البيتين الرائعين ، ولك أن تحكم بين الاثنين :

  

وقفت وما في الموت شك لواقفٍ **** كأنك في جفن الرّدى وهو نائمُ

تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمــــةً ***** ووجهك وضّـــــاحٌ وثغرك باسمُ

السلام عليكم ، والشعر إليكم ، والسماح منكم !!!

  

 

5 - هذا ابن زيدون أخيراً :أَضْحَى التَّنَائِي بَدِيْلاً مِنْ تَدانِيْنا

الحلقة   الخامسة

  

تكلمنا عن حياة ابن زيدون ونشأته ، وعن ولّادته وعشقه ، وما دار بينهما من شعر غزلي ، وبوح وجداني ، وكيف تعثر بعتبته حتى أوقعه الزمان بداجير سجنه ، لعام ونصف ، هاج وماج فيه ، مرّة ينتقض ، وطوراً يتوسل ، وأخرى يتفلسف ، ونقلنا من أروع أشعاره ، ما يكفي للإشارة عن عبقريته وأثاره ، ، ولم يفتنا  نثره لماماً ، وتطرقنا إلى رسالتيه الهزلية والجدّية ، ونقلنا ما تيسر عند تعرّضنا لأسباب سجنه ، وموقفه من خصمه ، وهزله كي يبرز أدبه وعلمه ، وجدّه حين جدّ الجد للعودة إلى حكمته وعقله ، وقد كان نثره أشبه بشعره ، لأن الرجل خلق والموسيقى  تجري في دمائه ، والصور تتزاحم على خياله ،  والأدب ينسكب من لسانه ، والقلم طوع بنانه.

ولشاعرنا  كتاب ( التبيين) في تاريخ بني أمية ، وقد يكون ألّفه تقرّبا لهم ، وما وصل إلينا ، سوى أنّ المقري التلمساني ينقل منه مقطوعتين في كتابه القيم  (نفح الطيبه من غصن الأندلس الرطيب) ، وقد حققه الدكتور إحسان عباس.

لا أريد أن أطيل المشوار مع السيد ابن زيدون وولّادته أكثر مما كتبت عنه ،وقدمت له ، وهذه الحلقة الثامنة ، وإن زدت ، ربّما سأصل إلى الحلقة النائمة ، لأن الإنسان بطبعه يحب التغيير ، فالحركة بركة ، والسكون جمود ، لذا في هذه الحلقة لا تجد الإيجاز المقصّر ، ولا الإطناب المكثر ، فالأمر بين بين ...!!

مهما يكن من أمر ، بعد قيل وقال ، وتوسل وعناد بين الشاعر المنكود ، وأميره أبي الحزم بن الجهور ، ظفر الزيدون بعفوه ، فتحرر من ضنكه ، ولمّا مات أبو حزمه ،وتوّلى ابنه أبو الوليد

زمام حكمه في قرطبة  ، وكان بين الرجلين مودة ورحمة ، قرّبه إليه ، لمعرفته بما لديه، فعينه على رأس ديوان أهل الذمة حتى ضاق الأمير الجديد به ذرعا ، وعفا عنه ترفّعا ، فجعله سفيراً له لدى  عدد من  ملوك الطوائف ، فوجد شاعرنا هذه فرصه السانحة لتوثيق علاقاته معهم ومع وزرائهم ، والرجل لا تعوزه الفصاحة والبلاغة والشاعرية والأدب والعلم .

بعد التجوال ، والتأمل بالمآل ، ولكي يبعد نفسه عن القيل والقال ، ويرتاح البال  ، قرر الانتقال من حالٍ إلى حال ،، فتوجّه إلى أشبيلية  سنة (441 هـ ـ 1049م) حيث    المعتضد    وبلاطه الباذخ  الشهير بأدبه ، وإن الطيور على أشكالها تقعُ ، وجزما ما كان المعتضد بجاهل لابن زيدون ومقامه السامي الرفيع في دنيا الشعر والأدب والسياسة والدبلوماسية ، ولا بغافل عنه ، فتمسك به ، وقرّبه  إليه  ، وأعلى مقامه حتى رتبة الوزارة ومقاليدها !! وتشعب نفوذه ،وتغلغل في مجالات المجتمع الإشبيلي كافة ، فهو الأول إلا الملك ، فأصبح ( ذو الوزارتين) ، وبقى في حضرة هذا المعتضد عشرين سنة ، أنيساً ، جليساً ، أديباً ، مادحاً ، باراً ،وقضى المعتضد حياته بين ( 407 هـ - 461هـ / 1016 م - 1069 م ) ، وكان الرجل شجاعاً فاتكاً داهيةً ، أراد التشبّه بأبي جعفر المنصور ، وأن يوّحد الأندلس تحت لوائه من بين أيدي ملوك الطوائف ، ويذكر الصفدي في ( وافي وفياته) ( ج5 ص 331 ) : وسُئِل وزيره ابن زيدون عن كيفية نجاته من فتك المعتضد طوال حياته، فقال: (كنت كمن يمسك بأذني الأسد، ينقي سطوته تركه أو أمسكه)،وقال عنه بعد موته :

                        لقد سرنـــــــا أن الجـــحيم موكــــلٌ *** بطاغيـــةٍ قد حمّ منه حمامُ

تجانفَ صوب المزن عن ذلك الصدى ** ومر عليه الغيث وهو جهامُ

  

مضى المعتضد بن عبّاد ثاني ملوك بني عبّاد وأشهرهم إلى رحمة ربّه ، وقام ابنه المعتمد ، وسار الرجل على سرّ أبيه في إكرام ابن  زيدون ، ورفع شأنه  ، ومجالسته ومعارضته في قصائد الشعر ، ولكن الحسد والحقد  قد جبل عليه الإنسان ، ولاسيما في مجالس السلطان ، وكما ذكرنا في الحلقات السابقة ، أشار بعض خصومه على المعتمد على إرساله لتهدئة ثورة العامة على اليهود في إشبيلية ، وهكذا كان الأمر ، فسار الرجل على رأس الحملة حتى أصابته الأمراض ، فغلبته حتى أن قضى أمره ، ولفظ أنفاسه ( 463 هـ / 1070م)

ترك لنا ديوانه الكبير بما يتضمن من قصائد معظمها في المدح والغزل والاستعطاف ، ومن النثر رسالتيه الهزلية والجدية ، وكتابه ( التبيين) في تاريخ بني أمية كما أسلفنا.

وما هو بالسرٍّ  المكتوم ، ولا بالأمر الخافي ، حين أقول لولا الولادة ما كان ابن زيدون ، ولولا ابن زيدون لما كانت الولادة ، وما كلّ (كان)  بـ (كان) ، وعلى الله التكلان ...!! هذا الارتباط  ما هو حاصل جمع فردين ، وإنما حاصل ضرب جنسين ، من يوم تعشّقا حتى يومنا هذا ، وإلى يوم يبعثان ، فبأيِّ آلاء ربّكما تكذبان .

قال في الولادة بنت المستكفي ما قال من غزلٍ وهيام ، وشعرٍ وأنغام ،  وتوسّلٍ وعتاب وملام ، كل هذا مررنا به والسلام !! ، وبقى لدينا القصيدة الخالدة ، وهي المرام ، فلما خرج من سجنه ، كما يخرج الأنام ،إذ  يسترجعون ما تعلق بذهنهم من سالف الأيام ، فراجع ذكرياته مع ولادته والإلهام ، فلملم كل خوالج نفسه ، وما يدور في الوجدان ، من رجاء وعاطفة وشكوى وحنان ، فإليك هذا الإلمام بقصيدته التي تناقلتها العصور والأعوام :

  

أَضْحَى التَّنَائِي بَدِيْلاً مِنْ تَدانِيْنا ** وَنَابَ عَنْ طِيْبِ لُقْيَانَا تَجَافِيْنَا

ألا وقد حانَ صُبح البَيْنِ صَبَّحنا **** حِينٌ فقام بنا للحِين ناعِينا

مَن مُبلغ المُبْلِسينا بانتزاحِهم ****حُزنًا مع الدهر لا يَبلى ويُبلينا

أن الزمان الذي ما زال يُضحكنا*****  أنسًا بقربهم قد عاد يُبكينا

غِيظَ العِدى من تساقينا الهوى فدعوا * بأن نَغُصَّ فقال الدهر آمينا

فانحلَّ ما كان معقودًا بأنفسنا *****وانبتَّ ما كان موصولاً بأيدينا

لم نعتقد بعدكم إلا الوفاءَ لكم ********* رأيًا ولم نتقلد غيرَه دينا

ما حقنا أن تُقروا عينَ ذي حسد ****بنا، ولا أن تسروا كاشحًا فينا

كنا نرى اليأس تُسلينا عوارضُه ***** وقد يئسنا فما لليأس يُغرينا

بِنتم وبنا فما ابتلت جوانحُنا ******** شوقًا إليكم ولا جفت مآقينا

نكاد حين تُناجيكم ضمائرُنا ****** يَقضي علينا الأسى لولا تأسِّينا

حالت لفقدكم أيامنا فَغَدَتْ ******** سُودًا وكانت بكم بيضًا ليالينا

إذ جانب العيش طَلْقٌ من تألُّفنا*** وموردُ اللهو صافٍ من تصافينا

وإذ هَصَرْنا غُصون الوصل دانية**** قطوفُها فجنينا منه ما شِينا

ليسقِ عهدكم عهد السرور فما******* كنتم لأرواحنا إلا رياحينا

لا تحسبوا نَأْيكم عنا يُغيِّرنا *******8أن طالما غيَّر النأي المحبينا

والله ما طلبت أهواؤنا بدلاً *******منكم ولا انصرفت عنكم أمانينا

يا ساريَ البرقِ غادِ القصرَ فاسق به* من كان صِرفَ الهوى والود يَسقينا

واسأل هناك هل عنَّي تذكرنا********* إلفًا ، تذكره أمسى يُعنِّينا

ويا نسيمَ الصِّبا بلغ تحيتنا ***** من لو على البعد حيًّا كان يُحيينا

فهل أرى الدهر يَقصينا مُساعَفةً ******منه ولم يكن غِبًّا تقاضينا

ربيب ملك كأن الله أنشـــــأه ******مسكًا وقدَّر إنشاء الورى طينا

أو صاغه ورِقًا محضًا وتَوَّجَه**** مِن ناصع التبر إبداعًا وتحسينا

إذا تَأَوَّد آدته رفاهيَـــــــــة ******* تُومُ العُقُود وأَدْمَته البُرى لِينا

كانت له الشمسُ ظِئْرًا في أَكِلَّتِه ******بل ما تَجَلَّى لها إلا أحايينا

كأنما أثبتت في صحن وجنته ******زُهْرُ الكواكب تعويذًا وتزيينا

ما ضَرَّ أن لم نكن أكفاءَه شرفًا ***** وفي المودة كافٍ من تَكَافينا

يا روضةً طالما أجْنَتْ لَوَاحِظَنا ***وردًا أجلاه الصبا غَضًّا ونَسْرينا

ويا حياةً تَمَلَّيْنا بزهرتها *********** مُنًى ضُرُوبًا ولذَّاتٍ أفانِينا

ويا نعيمًا خَطَرْنا من غَضَارته *****في وَشْي نُعمى سَحَبْنا ذَيْلَه حِينا

لسنا نُسَمِّيك إجلالاً وتَكْرِمَــة******* وقدرك المعتلى عن ذاك يُغنينا

إذا انفردتِ وما شُورِكْتِ في صفةٍ ***فحسبنا الوصف إيضاحًا وتَبيينا

يا جنةَ الخلد أُبدلنا بسَلْسِلها *******والكوثر العذب زَقُّومًا وغِسلينا

كأننا لم نَبِت والوصل ثالثنا******والسعد قد غَضَّ من أجفان واشينا

سِرَّانِ في خاطرِ الظَّلْماء يَكتُمُنا ******حتى يكاد لسان الصبح يُفشينا

لا غَرْو فِي أن ذكرنا الحزن حِينَ نَهَتْ *عنه النُّهَى وتَركْنا الصبر ناسِينا

إذا قرأنا الأسى يومَ النَّوى سُوَرًا *******مكتوبة وأخذنا الصبر تَلْقِينا

أمَّا هواكِ فلم نعدل بمنهلـــــــه******* شِرْبًا وإن كان يروينا فيُظمينا

لم نَجْفُ أفق جمال أنت كوكبـــــه ******سالين عنه ولم نهجره قالينا

ولا اختيارًا تجنبناه عـــــــن كَثَبٍ ****** لكن عدتنا على كره عوادينا

نأسى عليك إذا حُثَّت مُشَعْشَعـــــةً *******فينا الشَّمُول وغنَّانا مُغَنِّينا

لا أَكْؤُسُ الراحِ تُبدى من شمائلنا****  سِيمَا ارتياحٍ ولا الأوتارُ تُلهينا

دُومِي على العهد، ما دُمْنا، مُحَافِظةً ***فالحُرُّ مَنْ دان إنصافًا كما دِينَا

فما اسْتَعَضْنا خليلاً مِنك يَحْبسنا *******ولا استفدنا حبيبًا عنك يُثْنينا

ولو صَبَا نَحْوَنا من عُلْوِ مَطْلَعِه**** بدرُ الدُّجَى لم يكن حاشاكِ يُصْبِينا

أَوْلِي وفاءً وإن لم تَبْذُلِي صِلَةً ******* فالطيفُ يُقْنِعُنا والذِّكْرُ يَكْفِينا

وفي الجوابِ متاعٌ لو شفعتِ به *** بِيْضَ الأيادي التي ما زلْتِ تُولِينا

عليكِ مِني سلامُ اللهِ ما بَقِـــيَتْ ******** صَبَابةٌ منكِ نُخْفِيها فَتُخفينا

  

قصيدة ملئت الدنيا ، وشغلت الناس ، من غرر الشعر العربي شجواً وغناءً وغزلاً وعتاباً ، وحداثة  وعذوبة وتجدداً ،  تناقلها الرواة ، وغنّها المغنون ، وأشاد بها كتاب الأدب العربي والأجنبي ونقادهم ، تذكر د. سهى محمود بعيون في بحثها عن ( ابن زيدون :  قال عنها المستشرق الإسباني إميليو غراسيا كومس: " إنّها أجمل قصيدة حب نظمها الأندلسيون المسلمون، وغرة من أبدع غرر الأدب العربي كله عارضها شعراء كثيرون وما زالوا يعارضونها إلى اليوم " ..

نعم .. نعم ... يبثّ خوالج وجدانه بأشجى العبارات ، وأدمى العبرات ، يكاد يجرفنا معه ويبلينا، وهذا طبع الدهر كما أضحكنا ، قد عاد يبكينا !!

  

مَـن مُبلـغ المُبْلِسينـا بانتزاحِهـم *** حُزنًا مـع الدهـر لا يَبلـى ويُبلينـا

أن الزمان الـذي مـا زال يُضحكنـا ****أنسًـا بقربهـم قـد عـاد يُبكيـنـا

غِيظَ العِدى من تساقينا الهوى فدعوا **بـأن نَغُـصَّ فقال الدهـر آمينـا

  

اللهم آمين !!

قد نكمل الحديث عن ابن زيدون وحديثه الحديث ، ورحم الله عبقرينا ابن الرومي ، وقوله :

  

ولقد سئمت مآربي ***  فكأن طيبها خبيثُ

إلا الحديث فأنه ****مثل اسمه أبداً حديثُ

  

ويذكر المعافى بن زكريا في ( جليس صالحه وأنيس ناصحه) بحديث مسنود  : بعث عبد الملك بن مروان إلى الشعبي، فقال : يا شعبي ! عهدي بك وأنك الغلام في الكتاب فحدثني ، فما بقي شيءٌ الآن إلا وقد مللته سوى الحديث الحسن، وأنشد :

  

ومللت إلا من لقاء محدثٍ  *** حسن الحديث يزيدني تعليما

  

يا الله ، ربّما نكمل ، وقد نعكف ، فــ :

  

 زماننا   كما ترى *** إلى الورا ...إلى الورا

  

 والدنيا قلبت ، والحياة صورٌ وعبر....!!!!

  

كريم مرزة الاسدي


التعليقات

الاسم: كريم مرزة الأسدي
التاريخ: 16/02/2017 00:33:06
كتبت أبياتي الارتجالية ردّاً للملاطفة على شاعرنا الكبير الحاج عطا المحترم ، إذ دمجت بعض كلماتها ، وتفرقت حركات إحدى كلماتها ، وهذه منقحة :
إنَّ العطاءَ بذي الحياة عطاكا
يا ليت ربّي في الهوى يرعاكا
ولّادةٌ تـأتـــي إليــك بليلةٍ
وتضمّها لثماً ، وتلثم فــاكا
وأنا البصيرُ،ولا أرى ماذا جرى؟
وأضمُّ سـرَّ الهمهمـــاتِ فداكا
احتراماتي

الاسم: كريم مرزة الأسدي
التاريخ: 13/02/2017 23:59:41
صديقي العزيز وأخي الكريم الشاعر والهايكواتي والمترجم الكبير الأستاذ جمال مصطفى المحترم
السلام عليكم والرحمة
أشكرك جدا على المرور الكريم ، والمداخلة الرائعة ،نعم مثل ما تفضلت ولادة أخت رجال ، جريئة ، وشخصية مؤثرة ، واثقة من نفسها ، ولها الحق أن تقول ( أنا والله أصلح للمعالي) ، وابن زيدون شاعر عملاق ، وناثر كبير ، وتطرقت إلى رسائله ، إضافة لذلك دبلوماسي من الطراز الأول ، ومثقف ثقافة عالية ....أرى عصرنا أضعف العصور وأفقرها ، وخصوصا من الخمسين سنة الأخيرة ... الله يكون في عون شعبنا وأمتنا ، احتراماتي ومودتي الخالصة .

الاسم: كريم مرزة الأسدي
التاريخ: 13/02/2017 23:09:16
صديقي العزيز وأخي الكريم شاعرنا المطبوع الكبير الحاج عطا الحاج يوسف منصور المحترم
سلام من الله عليكم ورحمة وبركات
إنَّ العطاءَ بذي الحياة عطاكا
يا ليت ربّيفي الهوى يرعاكـا
ولّادةٌ تأتي إليك بليلــــــةٍ
وتضمّها لثماً ، وتلثم فــاكا...!!!
وأنا البصيرُ ، ولا أرى ماذاجرى
وأضمُّّ ســـــرَّ الهمهمات فداكا
أحفادي خبصوني على الغداء ، ما أعرف النهاية هههههههههههه احتراماتي ومودتي الخالصة لصديقي الشاعر الأديب الكبير .من بعد أكتب الرد لصديقي الجمال المصطفى

الاسم: جمال مصطفى
التاريخ: 13/02/2017 17:05:32
استاذي الجليل كريم مرزة الأسدي
ودّاً ودّا

أحسنت وأجدت في عرضك الشيق لأبهى لحظة أدبية شعرية في تراثنا العريق
وفي أزهى عصوره .
ولادة بنت المستكفي مثال ناصع للمرأة المثقفة الشاعرة المتحررة فعلاً
وقولا فهي اخت الرجال وليست من الحريم .
ما قالته في ذلك الوقت لا تستطيع شاعرة معاصرة تدّعي الحداثة أن تقوله الآن
أمّا ابن زيدون فلم يكن شاعراً فقط بل هو ناثر كبير وموسوعة ثقافية تمشي على
قدمين .
كم هو كالح وفقير عصرنا هذا إذا ما قارنّاه بعصر بن زيدون وولادة .
دمت في بحث وصحة وإبداع استاذي الكبير

الاسم: الحاج عطا الحاج يوسف منصور
التاريخ: 13/02/2017 09:06:19
الاخ الاديب الموسوعي الشاعر الاستاذ كريم مرزه الاسدي

سلام عليكم ورحمة وبركات

انّي دعوتُ الله أن يرعاكا
وأنْ يُـديمَ عليكَ ما أعطاكا

هذا ابن زيدون تمخض حبُّهُ
بلوى فعاد بحبه أشـواكا

واللاعبون كما علمتَ نوابغًا
[ يا ليتَ كل اللاعبينَ كذاكا ]

لقد أعدتني في هذه المقالة الى أيامٍ خلت فلك مني كل الامتنان .

دمتَ مشرقًا

الحاج عطا




5000