..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


(عودة النص) الإبداعي المغربي بالفرنسية إلى العربية

د. فاتحة الطايب

من منظور ما بعد استعماري

 

0- بدأت عملية ترجمة الأدب العربي المكتوب بلغات أجنبية إلى العربية تشكل ظاهرة ملموسة في الحقل الثقافي العربي، الذي شهد ، في النصف الثاني من القرن العشرين والألفية الثالثة تخصيصا ،حركة ذات أهمية قصوى في مجال ترجمة النصوص الفكرية والإبداعية المكتوبة بلغات أجنبية (فرنسية ،و إنجليزية ، وإسبانية ،...) من قبل كتاب عرب . لنصبح بذلك أمام حركتين في الترجمة الأدبية إلى العربية الحديثة : حركة " استيراد النصوص " وحركة "استردادها / استعادتها " .

ومساهمة منا في إيلاء الحركة الأخيرة ما تستحقه من عناية (1) ، نخصص هذا البحث لدراسة عملية " استعادة "النصوص الإبداعية المغربية المكتوبة بلغة أجنبية- ممثلة في الترجمة التي أنجزها رشيد بنحدو (2) لروايتي الطاهربن جلون "Harrouda " (3) و" La réclusion solitaire " (4) - وذلك من خلال مبحثين اثنين :

أ- مبحث نحاول فيه الإجابة على سؤالين أساسيين متداخلين: لماذا تعود هذه النصوص إلى العربية ؟ وفي أي سياق ؟ ويغوص هذان السؤالان عميقا في النسيج الثقافي العربي الحديث ، إذ يطرحان للنقاش- من بين ما يطرحانه - العلاقة المعقدة والمتشابكة الأبعاد بين الهوية واللغة، وبين الكتابة بالفرنسية ومؤسسة الفرنكفونية العتيدة.مما يلزم الناقد المقارن بإجراء تحديد دقيق لمفاهيم التعدد اللغوي والثقافي، والهجنة ،والاختلاف ،من شأنه الحد من استعمالها السائب في الحقل الثقافي العربي .

ب- ومبحث نخصصه للإجابة على السؤال:كيف تعود ؟ عبر التركيز على أوجه التعدد اللغوي والثقافي في النصوص العائدة،مما سيسمح لنا بمناقشة نظرية الترجمة من زاوية تمحورها من جهة حول ثنائية الذات والآخر بمعناها التقليدي ، ما دام "الآخر" الذي يتعامل معه المترجم العربي في هذه الحالة هو ذاته " الأخرى " وقد استعارت لغة المستعمر كرها و"طوعا"! . ومن زاوية تنصيصها من جهة ثانية على ضرورة الربط بين الترجمة والكتابة ، أثناء عملية نقد الترجمة ، لأن العلاقة بين الترجمة والكتابة تأخذ بعدا مختلفا في حال المواجهة بين النصوص المغاربية بالفرنسية وترجماتها العربية : فإذا كان "الأصل" بالفرنسية " ترجمة" في العمق ، والترجمة إلى العربية الكتابة المرغوب في تحققها ، فهل يشبه هذا النص الذي "كتب" بعد أن" ترجم "، النصوص المغربية المكتوبة أصلا بالعربية ؟ أي هل هو نفسه النص الذي كان سيكتبه المؤلف لو كان يجيد (أو كان قد اختار ) الكتابة بالعربية ؟

1- المبحث الأول : مشروع الاستعادة وأسئلة ثقافة مابعد -الاستعمار :

 

أعلنت النصوص المغربية المكتوبة بالفرنسية عن رغبتها في العودة إلى لغتها الأصلية ، منذ ستينيات القرن العشرين مع ترجمة محمد عبد العزيز الحبابي لديوانه الخاص " بؤس وضياء "(1962). وتعد ترجمة هذا الشاعرلإنتاجه الخاص إلى العربية، بعد أربع سنوات من صدوره بالفرنسية (1958) ، أكبر شاهد على الوعي الشقي الذي أصبح صفة ملازمة لزمرة من المثقفين المغاربة بعد الاستقلال ، حيث تبنوا الفرنسية لغة للكتابة - وهم يؤمنون في أعماقهم بضرورة الكتابة باللغة العربية التي يتقنونها - لأسباب لها علاقة بموازين القوى بين العربية والفرنسية، التي نظروا إليها بصفتها نافذة على العالم، ووسيلة لفك الحصار ،أي بمثابة وسيط بين الثقافة العربية الحديثة والقارئ العالمي بل والعربي نفسه .

فهذا عبد الله العروي ، يختار الفرنسية بعد تردد وتفكير لكتابة مؤلفه الشهير " الايديولوجية العربية المعاصرة " ، ضمانا لمكان لائق في الحقل الثقافي العربي ، كما يشهد بذلك قائلا : " ماذا كان يكون رد فعل القارئ المشرقي لو ألفت الكتاب أصلا بالعربية كما كانت نيتي أول الأمر ؟ الإهمال بدون شك . كل اتصال بيننا - المغاربة أوالعرب أو المسلمين - يمر عن طريق الغرب. كما هو حال الأوربيين اليوم بالنسبة لأمريكا . هذا مؤدى الكتاب في الواقع " (5).

إلا أن الغائب في شهادة العروي- التي دونها في الجزء الأول من مذكراته "خواطر الصباح " الصادر سنة 2000 ، والتي تؤكد المساهمة الفعالة للفرنسية في رواج الكتاب في المشرق - هو استحضار تاريخ كتابة الإيديولوجية العربية المعاصرة ، ذلك أن الإهمال الذي توقعه لهذا الكتاب لو كان قد كتبه بالعربية ليس مرتبطا باللغة بقدرما هو مرتبط بتقاليد النسق العربي زمن صدوره في أواخر الستينيات من القرن العشرين (1967)، حيث كان المشارقة آنذاك لا يزالون يسيطرون على الساحة الثقافية العربية بإنتاجاتهم الأدبية والفكرية المكتوبة بالعربية. وبهذا يكون رواج كتاب العروي بفضل قوة أفكاره في لباس فرنسي، قد أدى إلى إثارة انتباه المشارقة إلى الإضافة النوعية للإنتاج المغربي ، فعملوا على ترجمته إلى العربية سنة 1970 (6) . لتنضاف إلى مختلف وظائف الترجمة إلى العربية ، وظيفة إعادة التوازن إلى العلاقة مشرق / مغرب .

أصبح من المألوف إذن ،بالنظرإلى الشرط التاريخي، أن يؤلف المغاربة والمغاربيون تعميما باللغة الفرنسية (أوبلغات أجنبية أخرى :إسبانية ، إنجليزية ، ... )، وقد أدى هذا الوضع إلى احتدام النقاش ،وخاصة في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، حول علاقة اللغة والكتابة بالهوية ، ووصل الأمر إلى حد الإقصاء كما هو الحال بالنسبة للروائي إدريس الشرايبي الذي لم يجد بدا من طلب الغفران تحت وطأة الهجوم العنيف الذي شنه عليه النقاد الوطنيون . وتكمن المفارقة ، في أن الموقف من الأدباء الذين يكتبون بالفرنسية - والروائيين تخصيصا -ليس هو نفسه الموقف من النقاد والمفكرين ، فلم يحدث في تاريخ النقد المغربي ،على حد علمنا ،أن تم الطعن في هوية أي ناقد أنجز مؤلفه النقدي أو الفكري بلغة المستعمرالسابق !

ويبين هذا الموقف الذي يميز بين الفكر والأدب ، خطورة هذا الأخير وارتباطه الحميم بالروح ، وهو ما عبر عنه الكاتب الهندي" راجا راو في مقدمة روايته " كانتابورا " قائلا: " لم يكن القص سهلا . على المرء أن ينقل روحه بلغة ليست لغته . وأن ينقل مختلف ظلال ومحذوفات حركة فكرية معينة ،تعرضت إلى سوء المعاملة،إلى لغة غريبة " (7) .

هذا مع العلم أن أحد مفكرينا الذين يكتبون مؤلفاتهم الفكرية بالفرنسية والإبداعية بالعربية ، يشكك في استثناء الفكر ، أثناء تأكيده على علاقة اللغة بالثقافة ف " القول أو الاستمرار في القول بفكرة أن اللغة في مجال الخلق الأدبي خصيصا ، وحتى الفكري عموما ، وسيلة تعبير ليس غير ، ما هو سوى قول لا أصل له في الحقيقة ، إذ أنه تستر مريب على هذا التداخل بل التناسل العضوي بين اللغة ومحمولاتها الثقافية والرؤيوية" (8).

إن السؤال حول علاقة اللغة التي يكتب بها المبدع بهوية الأدب ، يعد من الأسئلة المهيمنة على الحقل الثقافي المغربي، شأنه في ذلك شأن الحقول الثقافية التي طبعت التجربة الاستعمارية مسارها، و قد تباينت الأجوبة بخصوصه ،تباين التوجهات الفكرية للمثقفين المنخرطين في النقاش ، حيث اعتبر العروي مثلا (ومعه بنسالم حميش ) أن الكتاب المغاربة بالفرنسية وعلى رأسهم بن جلون كتاب فرنسيون لأنهم يكتبون بالفرنسية ، وهم جزء لا يتجزأ من تراثها اللغوي والجمالي . واعتبر آخرون أنهم كتاب مغاربة رغم كتابتهم بالفرنسية .وانتهى هذا الجدال الدائر حول الأدب الذي يكتبه مغاربة بالفرنسية ،إلى تقسيم المثقفين الوطنيين الى ثلاث فئات :

- فئة تعتبره ابن الظرفية التاريخية ، وهو إما الى زوال أو يعيش مأساة الانتماء

-و فئة ترى في انبثاقه فضيحة تاريخية وفي استمراره دليلا على تمكين المستعمر من تحقيق مساعيه ، بل وأكبر مساعد على ترسيخ الاستعمار الجديد ، على اساس أن السيطرة على اللغة مثلت " أحد الملامح الرئيسية للاضطهاد الذي مارسته الامبراطورية " الفرنسية (9) .

- وفئة أخرى ترى فيه إغناء للمشهد الإبداعي المغربي والعربي تعميما ،دون أن يعني ذلك الانحياز للكتابة بالفرنسية أو تشجيعها كما هو الشأن بالنسبة لفئة أخرى مستلبة استلابا تاما .

ومن الملاحظ ، أن الفئتين الأولى والثانية - مع الفارق- تنطلقان من "الوعي بالموقع المركزي الذي يحتله الأدب بالنسبة إلى مشروع الامبراطورية" الفرنسية خلال الفترة الاستعمارية وإلى فرنسا بعدها بصفتها مركزا فرنكفونيا ، كما تدل على ذلك حالات التبني السعيد لآداب أبناء المستعمرات السابقة . والتي تتضمن خطر الانغماس في الثقافة المستوردة مع إنكار الأصول، كما حدث لبعض كتاب المستعمرات البريطانية الذين أصبحوا " أكثر إنجليزية من الإنجليز " (هنري جيمس وت. س . إليوت مثلا ) (10) .

أما الفئة الثالثة ، فتنطلق من خصوصية الإنتاج المغربي بالفرنسية لتدفع عن الكتاب المغاربة تهم التبعية وخيانة أوطانهم : فإذا لم يلجأ هؤلاء الكتاب ، حسب هذه الفئة ،إلى إقصاء لغة المستعمر السابق إقصاء تاما ، فقد عمدوا إجمالا في المقابل إلى استيعابها وإعادة بنائها،أي إلى'" امتلاكها وإعادة تشكيلها ،بحيث تتسع لتشمل استخدامات جديدة تمثل علامة على الانفصال عن موقع الامتياز الكولونيالي " (11). مما يفيد ، أن كتاباتهم تطرح الأسئلة حول الفرضيات المتعلقة بالملامح العالمية للغة ، و تجبر الفرنسية على استيعاب نسقهم اللغوي والثقافي الخاص ، لتتولد عنها لغة أخرى هجينة .

وضمن هذه الفئة يندرج المترجم رشيد بنحدو الذي انخرط في الجدال الدائر ببحوثه الأكاديمية أولا ، حيث أنجز في السبعينيات من القرن العشرين ، بحث الإجازة دفاعا عن إدريس الشرايبي ، وأنجز في الثمانينيات أطروحة السلك الثالث حول هذا النوع من الأدب بعنوان : الأدب المغربي (دراسة ومتن ترجمي (12) ، قبل أن تشكل ترجماته الإبداعية والنقدية بعد ذلك إضافة نوعية لترجمات السبعينيات التي ساهمت في تشكيل صورة المغرب الثقافي في الحقل العربي .

وتجدر الإشارة ، إلى أن الحقل الثقافي المغربي شهد بين أواخر ثمانينيات القرن العشرين التي أنجزت في سياقها ترجمة كل من "حرودة "(1982) و"غزالة ...وتنتهي العزلة "(1987)، وبداية الألفية الثالثة الذي صدرت فيها الطبعة الثانية لكلتا الترجمتين منقحة من قبل المترجم (13)، تحولات عميقة تماما كما شهدت الكتابة المغربية بالفرنسية تطورا في المسار داخل النسق المغربي و الفرنسي.

1-1- أفق نهاية الألفية الثانية :

 

عرف النصف الأول من السبعينيات - الذي كان لا يزال تحت تأثير الحساسية الأدبية والفكرية المتحكمة في الإنتاج والترجمة السائدة في الخمسينيات والستينيات و التي اتسمت بوعي إيديولوجي حاد ، ساهمت في تشكيله عوامل سياسية داخلية وخارجية (14) - عرف تنوعا في النصوص العائدة في المغرب بقلم مترجم مغربي واحد هو محمد برادة ، نجملها في ثلاثة نصوص (نص نقدي (15) ، وفلسفي (16) وشعري (17) ): ساهمت على قلتها ، إلى جانب ترجمة نص العروي ، في التغيير الذي سيشهده أفق الثمانينيات ، التي تعتبر بحق فترة انطلاق فعلي لاستعادة الإنتاج الفرنكفوني المغربي شعرا ونقدا وسردا ، وهي الفترة التي حققت فيها الترجمة في المغرب" طفرة نسبية كانت بمثابة امتداد رمزي لزخم السبعينات ورهاناتها الكبيرة. وبدا الإقدام المتزايد للمترجمين والكتاب وحتى بعض الشعراء المغاربة على تعريب أعمال فكرية وإبداعية أساسية إسهاما آخر في تعميق الوعي الحداثي بقضايا الثقافة والمجتمع والسياسة (.... ) "(18) .

في سياق استعادة النصوص ، افتتح أفق الثمانينيات بترجمة ثلاثة كتب نقدية لعبد الكبير الخطيبي (19) ،مما ساهم في خلق قطيعة مع أسئلة وتوقعات المرحلة السابقة ، وتشكيل أفق جديد يكاد يمثل ثورة في التفكير والحساسية (20) ،كما تدل على ذلك شهادة المترجم محمد الشركي،الذي سينضاف اسمه لاحقا إلى أسماء المترجمين المغاربة المستعيدين إلى السيادة الوطنية قوة فكرية وإبداعية مهاجرة حسب تعبيره ، حيث يقول : " ويمكن أن أذكر(...) أنني وبعض الأصدقاء (...) تلقينا هزة نظرية ورؤياوية عميقة الغور إثر قراءتنا للترجمة المغربية لعملين أساسيين لعبد الكبير الخطيبي ، هما " في الكتابة والتجربة " الذي ترجمه الكاتب والناقد محمد برادة ، و" الاسم العربي الجريح " الذي أنجز ترجمته الشاعر محمد بنيس . فرغم أن تكويننا اللغوي المزدوج مكننا قبل ذلك من الاطلاع على بعض نصوص هذين الكتابين بالفرنسية، إلا أننا تلقفنا ترجمتهما إلى العربية بغبطة من استعاد إلى سيادته الترابية قوة فكرية مهاجرة . وهي الاستعادة التي أطلقت مثل هذه الأعمال الاجرائية أو الإبداعية للتداول العربي " (21).

نخلص مما سبق، إلى أن ترجمة "حرودة " لبنحدو ،كانت مسبوقة بترجمات نقدية وفكرية للإنتاج الفرنكفوني المغربي، إلا أنها لم تكن مسبوقة على مستوى الإنتاج الأدبي سوى بترجمة محمد عبد العزيز الحبابي لديوانه الخاص، وبترجمة محمد برادة لديوان الطاهر بنجلون . وبهذا يحق اعتبارها ترجمة رائدة في مجال ترجمة السرد الفرنكفوني المغربي (22).

1-2- أفق الألفية الثالثة :

 

عندما هلت الألفية الثالثة،كانت كثير من النصوص المغربية السردية والشعرية ناهيك عن النصوص الفكرية بالفرنسية قد استقرت أخيرا في العربية ، بوتيرة أسرع نسبيا من السابق ، إلا أنها أبطأ بكثير من وتيرة الكتابة بالفرنسية ، التي تصاعدت بعد حصول الكتاب المغاربة على الجوائز الفرنسية واستحداث جائزة أطلس (23).

وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار تسارع وتيرة الكتابة بالفرنسية، مقابل السعي وراء ترجمة الإنتاج بالعربية إلى الفرنسية ،سيتضح لنا بأن مبررات من قبيل التعدد اللغوي والثقافي ، تخفي وراءها اسبابا معقدة متشابكة من بينها أكيد الرغبة في مخاطبة جمهورعالمي في سبيل خلق فرص لدخول الثقافة العربية دائرة الحوار النقدي العالمي أمام ضعف فاعلية العربية عالميا مقارنة باللغات الكبرى، إلا أن هذه الرغبة لا تعبرعن توازن إلا عند فئة من الكتاب الذين يزاوجون بين الكتابة بالعربية والفرنسية ، أما الذين لا يتقنون أصلا سوى الفرنسية ، فيتمسكون بمقولة حرية الكاتب في اختيار لغة تعبيره ، متحاشين الإجابة عن هذه الأسئلة البديهية:

- هل يستقيم الحديث عن حرية الاختيار مع امتلاك لغة واحدة هي لغة المستعمر السابق؟

- لماذا لم يحدث لكاتب فرنسي أن فكر في اختيار العربية لغة كتابة ؟

- ولوكانت العربية هي التي تحتل نفس المرتبة التي تحتلها الفرنسية دوليا ، هل كان أبناؤها فكروا مجرد التفكير في استعارة لغة الأجنبي ؟

- ثم لماذا لا يقع الاختيار استنادا إلى نفس منطق الحرية على لغات أخرى، مثل اللغة الفلامندية أواليابانية أو المجرية ؟

إن الحرية في هذا السياق حرية متوهمة ، خاصة وأن منظمة الفرنكفونية لا تألو جهدا في محاولات ترسيخ الفرنسية في بلدان المغرب العربي ، ونظن أن الإحساس الداخلي بهذا الوهم ، إلى جانب المصلحة الشخصية وعمل الفرنكفونية الحثيث ،هو الذي شكل ويشكل بالفعل مأساة أدبنا الفرنسي ،فلعل مأساة إنتاج الروائيين المغاربة (المغاربيين تعميما ) بلغة المستعمرالسابق، لا تكمن فقط في وضعيته الهامشية المزدوجة : وضعية هامشية داخل الحقل الثقافي المغربي (العربي تعميما ) رغم محاولات بعض النقاد الجادة للتسوية بينه وبين الإنتاج بالعربية ، ووضعية هامشية داخل الحقل الثقافي الفرنسي نفسه رغم المساعي المبذولة للتسوية بينه وبين إنتاج الفرنسيين ،وإنما تكمن في موقف الكتاب المتذبذب من الفرنكفونية نفسها و يترجمه اختلاف الوسائل للتجذر داخل الثقافتين الأم والفرنسية،بسبب عدم التمكن من اللغة العربية أحيانا وبسبب التمسك الشديد بما تدره الفرنسية من ربح أحيانا أخرى (24).

والحال، أننا لا نعتبر إضافة نوعية إلى الإنتاج العربي تعميما ، سوى الإنتاجات المغربية بالفرنسية التي نجحت في عملية تفاوضها مع ثقافة المستعمر السابق ، لتخلق فضاء ثالثا لا تستطيع بالفعل كشف معالمه سوى الدراسات النقدية مابعد الكولونيالية (25).

1-3- في مشروع استعادة إنتاج بن جلون :

 

لم يفكر رشيد بنحدو، المهتم بأدب الكتاب المغاربة بالفرنسية منذ أن كان طالبا ، بترجمة "حرودة " (26) زمن قراءته الأولى لها رغم إعجابه بطريقة كتابتها ومواكبته ل " ما حظيت به من احتفاء إعلامي ومن تقريظ نقدي نادرين في فرنسا "، لقد كانت تحمل داخلها مشروع ترجمتها وترجمة ما سيليها ، ففي نهاية الرواية يقول السارد : "كان لازما قول الكلام ل (في)مجتمع يأبى سماعه، ينكروجوده حين تكون امرأة هي من يجرؤ على ممارسته.ولعل ممارسة الكلام هذه وهمية مادامت تتم بلغة الآخر ".( ط2،ص 14 )

ومن أجل رأب الصدعين النفسي والحضاري (27)، بادر بن جلون إلى اقتراح ترجمتها على رشيد بنحدو سنتين بعد صدورها .أي سنة 1975 ، وهي نفس السنة التي ستصدر فيها ترجمة ديوانه "حديث الجمل " من قبل محمد برادة.مع العلم أن سنوات السبعينيات ، وهي سنوات انبثاق الطاهربن جلون كروائي بالفرنسية منضافا بذلك إلى روائيين مغاربة ومغاربيين قبله ، شهدت جدالا حادا في النسق المغربي بخصوص ربط الهوية باللغة .

إلا أن بنحدو الذي استهوته الفكرة فورا، لم يستجب ساعتها لطلب الكاتب بتحقيق مشروع العودة الذي تحمله الرواية داخلها. رادا الأمر إلى تخوفه من التشويش الذي كان بالإمكان أن يحدثه على مشروع الترجمة ابتهاجه الأول بالرواية من جهة ، وتحذير محمد شكري له من جهة ثانية و قد جاء على شكل مزاح مفاده ، أن على بنحدو أن يتخذ قفازا من حرير لمداعبة حرودة بالعربية !( 28) .

وهكذا لم ينجزبنحدو ترجمته للرواية إلا سنة 1980 ، ولأنها الترجمة العربية الأولى لحرودة ، نتساءل إن لم يكن بن جلون قد اقترح فكرتها على كتاب ونقاد آخرين، وإذا ما كانوا قد اعتذروا لسبب من الأسباب ؟.

ويستمد هذا السؤال مشروعيته، من غبطة بن جلون بصدور ترجمة عربية لروايته كما يتجلى ذلك في قوله : " .... لا يسعني سوى أن أعترف (...) بأنني مدين لصديقي رشيد بنحدو بكون نص "حرودة " قد عاد إلى أصله الحقيقي والطبيعي بعد أن اضطر إلى استعارة أصل آخر وهمي . فبفضله أمكن لحرودة والأم وأطفال مارس وعبد الكريم الخطابي. . أن يزاولوا بعربية رشيقة حقهم في الكلام" (29).

وبما أن هذه الغبطة ممتدة في الزمن إلى حدود صدور الطبعة الثانية للترجمة في الألفية الثالثة ، يمكن أن نخلص إلى أن إحساس بن جلون بخيانة الفرنسية له وبخيانته لواقعه إحساس مستمر، وإن كان أكثر تجذرا في كتاباته الأولى كما تدل على ذلك نهاية روايته " غزالة ...وتنتهي العزلة / هلوسات على جدران الوحدة ":" الكلمات أمعنت في خيانتي إلى حد أن هذا الكتاب جسد متنكر "(ص 111) .

في هذا السياق، يرى بنحدو أن:"خيانة اللغة العربية للكاتب المغربي باللغة الفرنسية تستتبع خيانة أخرى وهي خيانة الكاتب للواقع الذي يسعى إلى ترجمته (..) فالكاتب المخون يخون بدوره واقعه، مادام يعبر عنه بغير لغته الشرعية . وهذه حقيقة تؤكدها اللسانيات ،ذلك أن اللغة القومية أقدر من غيرها على نقل خصوصية الواقع المحلي "(30).

وتجدر الإشارة إلى أن حرص بن جلون على عودة النص إلى أصله ، يوازيه حرص على أن تكون العودة ميمونة ، كما نستشف من شهادة بنحدو : " وقبلت بطيبة خاطرأن أرسل نص الترجمة إلى المؤلف ، ربما تقديرا لغيرته على "حرودة ". فكانت إيجابية نتيجة "الخبرة الفنية " التي اعترف لي لاحقا بأنه أجراها على نصي بواسطة عبد المعطي حجازي وأدونيس وكاظم جهاد "(31) .

إن الفرنسية أصل وهمي ، لا خلاف في ذلك . إلا أنه أصل سمح بتحرير الكلام ، كما يؤكد ذلك استقبال دور النشر لترجمة "حرودة " : ف" بعد عامين من التجوال الحزين والمحبط عبر دور نشر مشرقية ( حيث أصدر في حقها ، هي التي مجدت الحق في ممارسة الكلام والاختلاف ، حكم بالرفض المطلق بدعوى إباحيتها !)، اضطرت حرودة إلى اللواذ بصمت الأدراج ، إلى أن تدخل (...) محمد برادة وليلى شهيد اللذان فكا عنها الحصار ، فظهرت في بيروت (دار ابن رشد)، لكن في طبعة بئيسة ، ومن غير أن يتعدى عدد النسخ الموزعة منها بالمغرب عدد صفحاتها "(32) .

ويؤكد إصراربنحدو على الترجمة رغم عراقيل النشر ، كما يعبرعن ذلك انتقال ترجمة "غزالة.. وتنتهي العزلة " هي أيضا من ناشرعربي إلى آخر، واستقبالها بالرفض بدعوى مسها بالأخلاق واحتفائها بالجنس (33) ،إيمان بنحدو بمشروع العودة الذي تحمله الكتابة داخلها، وبذلك تنتمي ترجمته إلى نوع الترجمات الذي " يندرج ضمن مشروع إبداعي أو فكري تتصاهر فيه الأنا مع الآخر ، بحيث تتم الترجمة على أساس وجود توافق حميم بين المترجم ومؤلف النص المترجم ،اي علاقة تشارك رؤيوي وتواد شخصي بينهما . (34) والدليل على ذلك ،اكتفاؤه بترجمة نصوص بن جلون ، رغم أنه يعتبر كتابات محمد خير الدين " بحق آثارا فنية رائعة في الأدب العربي المكتوب بالفرنسية ، لا تضاهيها روعة سوى روايات كاتب ياسين الجزائري مبدع رواية نجمة " (35) .

المبحث الثاني : أوجه التعدد اللغوي والثقافي في النص المستعاد

1.الكتابة الترجمة :

 

يرى أحد الباحثين المغاربة الذين تناولوا بالدرس ترجمة بنحدو لرواية "حرودة "، أن هذه الترجمة هي الكتابة الأصل ، على أساس أن نص "حرودة" ترجم بداية إلى الفرنسية من قبل بن جلون قبل أن يكتب بلغته العربية من قبل المترجم (36) ، مما يعني ، أن اللغة الفرنسية التي كتبت بها "حرودة" وكذا (غزالة .. وتنتهي العزلة / هلوسات على جدران الوحدة ) أداة تحملت عبء خبرة الكاتب الثقافية الخاصة (37) .

وإذا كنا نتفق،إجمالا، بخصوص اندراج كتابات ابن جلون الأولى ضمن هذا التيار العام من الكتابة الذي يتموقع في الما-بين ، فإننا نختلف مع الباحث بخصوص تشبيه ترجمة " حرودة " بالكتابة الأصلية ، على اعتبار أن ابن جلون كان ولاشك سيكتب النص المترجم لو كان يكتب بالعربية، لأن قراءة واحدة لهذه الترجمة ولترجمة " غزالة ...وتنتهي العزلة / هلوسات على جدران الوحدة " فمختلف ترجمات روايات ابن جلون ، تحيل القارئ على بصمات تفاوض الكاتب مع اللغة الفرنسية / المصدر ، وعلى آثار القارئ الضمني الفرنسي والأجنبي القارئ بالفرنسية تعميما .كما سنحاول البرهنة على ذلك من خلال أمثلة نموذجية .

2- الترجمة الكتابة :

2-1- السجل الفرنسي أو ظلال اللغة المصدر :

 

 

ولجت بفعل عامل المثاقفة كثير من التشبيهات و الاستعارات الغربية إلى حقل التداول العربي ، حيث لا تكاد تخلو قصيدة حديثة من لغة إيحائية مستوحاة من تفاعل الشاعر العربي مع الشعر الغربي ، والشيء نفسه نلاحظه في الكتابة السردية بمختلف أنواعها : إلا أن من بين هذه التشبيهات والاستعارات ما أصبح مألوفا إلى درجة تبني الثقافة العربية له ، ومنها ما يحيل مباشرة على مصدره سواء توفر في العربية ما يقابله أم لم يتوفر :

الأصل

الترجمة

- Froid comme du marbre .(Harrouda, P43

 

- باردا مثل المرمر ( حرودة ،ص33)

 

Il me mit à la porte et me dit que j'étais une chaussette. ( La réclusion solitaire , p26)

 

 

- أضحكني المشهد ، فطردني من شقته ، واصفا إياي بأنني جورب . ( غزالة ...وتنتهي العزلة ص18)

 

 

يحيل التشبيه "بارد مثل المرمر"، القارئ على سجل اللغة الفرنسية الإيحائي من جهة ،وعلى تفضيل ابن جلون من جهة أخرى للتشبيهات غير المتطابقة في هذا السجل مع تشبيهات تزخر بها الثقافة العربية ، حيث كان بالإمكان مثلا التعبير عن نفس المعنى بواسطة القول :

Froid comme la glace ou la neige

إلا أن التشبيه الأول الغريب عن النسق العربي -إضافة إلى التعبير البياني الثاني الذي لا تتوفر العربية على مقابل إيحائي متطابق يؤدي معناه(مثل جورب) - إذ يربط قارئ الترجمة مباشرة بلغة الكتابة وبتفكيرها المجازي ، مادام الروائي بالعربية سيوظف لا محالة تعابير بيانية مختلفة ، يقوم في الآن نفسه بإغناء المحيط التصوري لمستعملي اللغة العربية ،وهذا ما نظن أن المترجم راهن عليه، خاصة وأنه لا ينفك يصرح في الخطابات الموازية لترجماته أن " تطور العربية رهين أساساً بتجاسر الأدباء والمترجمين عليها ".مما يفيد ، أن اختيار المترجم للترجمة الدلالية ، مع توفر طرق أخرى للترجمة - كأن يتم تعويض التشبيه الأول بتشبيه عربي يؤدي نفس المعنى (38) ،وكأن يتم استبدال التعبير الإيحائي بمعناه في المثال الثاني - لا يفيد انحيازه إلى الأصل أو مجاراته له . وهو الذي نحا في ترجمتيه منحى الترجمات الانزياحية التي تراهن على خلق نص إبداعي يمثل كتابة أخرى للنص ، عبرتوظيفه لمختلف مستويات اللغة الكفيلة بتزويد النص المترجم بطاقة شعرية خاصة به. (التقديم والتأخير مثلا / التكرار، معجم شعري ،... إلخ) :

 

الأصل

الترجمة

 

 

Dans mes yeux un arbre et un enfant .(p14)

 

في عيني تنبت شجرة و يسكن طفل (ص9)

 

-Le soleil passe la main sur le blé .De nouveau le Mur .(p23)

 

أنامل الشمس تداعب سنابل القمح . يواجهني الحائط من جديد . (ص16)

 

-La lueur et l'absence dans l'œil argenté (p.28)

 

- العين الفضية حبلى ضياء وغيابا (ص19)

 

 

2-2- سجل غارات الكاتب على الفرنسية :

أ- عملية الإبدال / الاختراق :

 

تحفل روايات ابن جلون بتشبيهات واستعارات احتفظ الكاتب بهيكلها العام، دون مدلولاتها المألوفة في النسق الفرنسي ،كما تحفل باستعارات مبتدعة في" تجانس اختلافي" مع النسق الفرنسي / الغربي تعميما .نمثل للنوع الأول بهذين النموذجين اللذين احتفظا بكل عناصرهما في ترجمة "غزالة .. وتنتهي العزلة / هلوسات على جدران الوحدة :

الأصل

الترجمة

- J'ai comme un chat dans la poitrine

.J'enfonce ma solitude dans ma gorge .Je monte les éscaliers ....(p24)

 

شيء كالقط يتحرك في صدري . أبتلع وحدتي وأصعد الدرج . (ص17)

 

- J'ai une Mort dans le ventre pour ceux qui- mentent -qui-se-lavent-et-prient....(p94-95)

 

 

إنني أحمل في بطني موتا للذين - يكذبون -

الذين- يتوضأون - الذين - يصلون .. (ص61)

 

 

إن المألوف في الاستعمال الفرنسي أن يقال :

Avoir un chat dans la gorge

بمعنى "صوت أبح "، فيما يتعلق بالمثال الأول ، وأن يقال فيما يخص المثال الثاني :

Avoir la mort dans l'âme

إلا أن هذين التعبيرين الإيحائيين خضعا لعملية تحوير تتجلى في استبدال الوحدة المعجمية حلق بصدر في المثال الأول ، واستبدال الوحدة المعجمية روح ببطن في المثال الثاني ، حيث ركز بن جلون على المحور الاستبدالي عبر استبدال وحدة بأخرى لينتج تغييرا على مستوى المحور التركيبي أيضا،الشيء الذي أدى إلى إسقاط محورالاستبدال على محور التركيب.وقد نتج عن هذا الإسقاط إخراج التعابير المألوفة من إطار اللغة العادية،التي أصبحت تنتمي إليها بفعل الاستهلاك ، وشحنها بطاقة شعرية جديدة بواسطة عملية التوليد التي قد تعيق فهم القارئ الفرنسي لمغزى هذه التعابير .

أما النوع الثاني فنمثل له بهذا النموذج :

الأصل

الترجمة

En quittant la chambre maure , je portais en moi un siècle de lassitude et l'empreinte de ma première désillusion .J'étais retombé dans une logique de charcutier

.(Harrouda,P 36)

 

عند مغادرتي للحمام ، كان جسدي مشحونا يقرن من العياء ، موشوما بندوب حبيبتي الأولى ، فكنت أسقط من جديد في منطق الجزار بائع لحم الخنزير (حرودة . ص 29)

 

 

 

 

والجدير بالذكر ، أن هذه العملية لا تنفصل عن مختلف استراتيجيات الكتابة التي تتحمل فيها اللغة الفرنسية عبء تجربتها الاستعمارية ، والتي استنادا إليها يقف الفرنسي اليقظ على حقيقة أساسية وهي أن تاريخه المعاصرالمعقد قد تمت كتابته في المستعمرات دون أن يعي ذلك . فالرغبة المشتركة لدى كتاب مستعمرات فرنسا القديمة ( أحمدوكوروما ، محمد خير الدين ، ....) في تدمير اللسان الفرنسي وجعله غير مفهوم من قبل القارئ ، أدت إلى أن تتفرع اللغة الفرنسية إلى لغات فرنسية .

من هنا نستنتج أن مهمة المترجم تصبح مضاعفة عند نقله لمثل هذه النصوص إلى العربية ، لأن عليه أولا أن ينتبه إلى مختلف أنواع الابتكار والتجديد استنادا إلى منطق التجانس الاختلافي ، كما عليه أن يحصر العبارات الفرنسية المألوفة التي تزخر بها ، وأن يستنتج دلالاتها الجديدة بعد عملية التوليد ، ليوصلها إلى القارئ في اللغة الهدف بعد ذلك . فإذا كان شكلها المألوف يسمح للقارئ الفرنسي - ولو بصعوبة - باستنباط دلالاتها في النص الروائي ، فإن القارئ العربي يفتقد إلى نفس السنن في حالة نقل هذه التعابير حرفيا إليه .

و في سبيل الإبقاء على تعدد الأساليب في الرواية عبر الحفاظ على الدال نفسه ، حتى لو كان هذا الدال يفقد ميزته كدال مستهلك نفخت فيه الروح من جديد بعد ترجمته إلى العربية ، نتيجة اختلاف الحقل الثقافي الذي أنتجه عن الحقل الذي ينتمي إليه القارئ العربي ، احترمت ترجمة بنحدو رهان النص الأصلي على اختراق اللغة الفرنسية من الداخل ، مما أدى إلى أن يحمل نص ابن جلون بالعربية سمات تدل القارئ على طبيعته وهي تصدمه :

(شيء كالقط يتحرك في صدري / أحمل في بطني موتا/ منطق الجزار بائع لحم الخنزير ).

ب -عملية التهجين :

 

يرى بنحدو في دراسته النقدية لحرودة ، أن أول ما تتمثل فيه جمالية البين- بين هو أن هذه الرواية - على غرار روايات بن جلون - تتجاذبها لغتان متناحرتان تعتمل إحداهما ضمن الأخرى. فإذا كانت الأداة اللغوية الأساس التي يعتمد عليها النص في صوغ ملفوظه الحكائي هي الفرنسية ، فإن هذه تتعرض باستمرار لغارات تشنها عليها اللغة العربية ، خاصة منها العامية المغربية المعبرة عن المخيال الشعبي . فعلى لسان السارد تارة ، وعلى لسان الشخصيات تارة أخرى ، تتوارد أمثال وأقوال مأثورة وعبارات تعمد المؤلف أن يترجمها إلى الفرنسية ترجمة حرفية لعل من آثارها المباشرة تشويش نقاء هذه اللغة نفسها وتهجينها ، بحيث إن القارئ المغربي النبيه وحده يستطيع ، خلافا للقارئ الفرنسي عموما،أن ينصت إلى اللهجة الشفهية تتردد أصداؤها وإيحاءاتها تحت اللغة الفرنسية.لذلك،لا يفتأ يوازي بين طرفي البين - بين اللغوي العجيب اللذين يتصارعان (39) .

وإذا لم يأخذ القارئ بعين الاعتبار خصوصيات الإنتاج الروائي المغربي بالفرنسية ، فقد يفترض أن استراتجيات التهجين لن تطرح أي إشكال أثناء الترجمة التي تعيد النص إلى أصله . والحال أن القارئ الفرنسي الذي يتوجه إليه النص المغربي بالفرنسية يلقي بظله على الترجمة . فإذا كانت إعادة المعتقدات الجماعية والخرافية إلى اللغة الأصل تتم في يسر كما يدل على ذلك المثال الآتي :

الأصل

الترجمة

Pour échapper à l'āne des

 

خرجت لأتخلص من حمار

 

nuits , je sortis. ( La réclusion, p36)

 

الليل ( غزالة ...وتنتهي العزلة / هلوسات على جدران الوحدة ص25)

 

 

وإذا كان المترجم يراعي في المجمل أفق انتظار القارئ المغربي ، وهو يعيد إليه حق قراءة الروايتين بلغته الأصلية ، فلا يعمد إلى تفسير العناصر المميزة لحضارته كما يستدل من هذه النماذج :

) / شربيل Cherbil لالة / / Lalla شريف / Cherif / جلباب /Jellaba(

فإن بعض العناصر الحضارية تبدي بالمقابل مقاومة أثناء عملية إعادة الكتابة بالعربية ، معبرة بذلك عن إصرار النص المترجم على وضعية الما-بين في غفلة من المترجم الذي يقع ضحية مأزق القراءة ،كما سيتضح من هذه الأمثلة :

الأصل

الترجمة

- La tête à l'envers , je suivais ma mère au bain maure .( Espace chauffé , compartimenté en fonction de la résistance physique de chacun , interdit à la lumière (la censure) , habité par des êtres invisible , propriétaires sans conteste des lieux , le vol dont je rends compte a été opéré avec leur complicité )( Harrouda , p 32)

 

دونما توازن كنت أتبع أمي إلى الحمام ( فضاء ساخن مقسم إلى مقصورات بحسب المقاومة الجسدية لكل واحد ، محظور فيه الضوء (رقابة) ، تسكنه مخلوقات غير مرئية لا ينازعها أحد في ملكيتها لهذا المكان . بتواطؤ هذه المخلوقات ، تمت مباشرة التحليق الذي عنه اتحدث .(حرودة ، ص26 )

 

J'ai de l'huile d'argan dans mes phrases( La réclusion , p71)

 

سأمنحك ... لوزا بربريا من كلماتي (غزالة .. وتنتهي العزلة ، ص 47 )

سأمنحك ... زيت أركان من كلماتي (هلوسات على جدران الوحدة ، ص 57)

 

Mon oncle , le frère de ma mère ...avait refusé de quitter sa ferme .(p132)

 

كان خالي شقيق أمي ....قد رفض التخلي عن ضيعته ( غزالة.. وتنتهي العزلة ص87 / هلوسات على جدران الوحدة )

 

 

يبدو واضحا أن القارئ الذي يتوجه إليه النص الأصلي ، والذي يختلف نظام تصوره للواقع عن نظام القارئ المغربي والعربي تعميما ، يعلن عن حضوره من خلال هذه الانزلاقات (خالي :شقيق أمي ، أركان :اللوز البربري ، الحمام : فضاء ساخن مقسم إلى مقصورات .... ) . ويؤكد هذا الحضور الذي يلقي بظلاله على النص المترجم ، اختلاف النص الذي تمت إعادته إلى العربية عن النص المكتوب بها أصلا .

3- تركيب عام :

 

نخلص إلى أن النصين المترجمين المدروسين يقاومان فكرة انتمائهما إلى فضاء واحد، مؤكدين خصوصيتهما بصفتهما يتموقعان في المابين : فإذا كان النص الروائي المغربي بالفرنسية يعلن اختلافه عن النصوص التي يكتبها فرنسيون ، فإن هذا النص مترجما إلى العربية التي يفترض أنها لغته الأصل ، يعلن بدوره اختلافه عن النصوص المكتوبة أصلا بالعربية ،كما يدل على ذلك الأثر الذي يتركه اختراق الفرنسية أثناء عملية الاستعادة ، وكذا الحمولة الثقافية للتعبير بالفرنسية مضافا إليها ظل القارئ الفرنسي . مما يفيد، أن عملية المقارنة بين الكتابة الروائية المغربية بالفرنسية وترجمتها إلى العربية ، إذ تحثنا على ضرورة إعادة النظر في ثنائية الأنا والآخر بصفتها ثنائية قاصرة ومضللة ، تسلط الضوء في المقابل على دوراللغة الأجنبية الكبيرفي تشظي الذات إلى ذوات ......

الهوامش :

 

1- إن نقد الترجمة في العالم العربي الذي راكم إلى حدود الساعة أعمالا رصينة لها وزنها حاولت ترسيخه حقلا أكاديميا تنظيرا وممارسة ، اهتم أساسا إما بترجمة الآداب الأجنبية إلى العربية أو بترجمة الأدب العربي إلى اللغات الأجنبية ، ولم يول هذه الحركة ما تستحقه من عناية، باستثناء بعض الدراسات المعدودة التي توقفت عند استراتيجيات بعض المترجمين.، أو تطرقت للموضوع بسرعة في معرض حديثها عن الترجمة الشعرية أو النثرية ، كما هو الشأن بالنسبة لكتاب " حصة الغريب " ، الذي تناول فيه كاظم جهاد باختصار ظاهرة ترجمة أدب الكتاب العرب بالفرنسية إلى العربية ،في سياق حديثه عن ترجمة النثر الحديث .

2- ناقد ومترجم مغربي ، ترجم لابن جلون بالإضافة إلى الروايتين المدروستين رواية " حين تترنح ذاكرة أمي " (2009) .

3- صدرت سنة 1973

4- صدرت سنة 1976

5- خواطر الصباح (يوميات 1967-1973) ،المركز الثقافي العربي ،ط1، 2001،ص 72

6-خيبت ترجمة محمد عناني أمل الكاتب فأعاد ترجمته بنفسه .

7- بيل أشكروفت ،غاريت غريفت ، هيلين تيفن ، ترجمة شهرت العالم ، المنظمة العربية للترجمة ، الطبعة 1 ، 2006 ، ص 19

8-- بنسالم حميش ، الفرنكفونية ومأساة أدبنا الفرنسي ،المعرفة للجميع ،ع 23، 1998، ص 67

9- بيل أشكروفت ،م. س. ص 25

10-نفسه ، ص 25

11- نفسه ، ص73

12-La littérature marocaine ,Etude et corpus de traductions, thèse de Doctorat de 3eme cycle , Dirigée par Ali Merad et Charles Bonn, UN.Molino, Lyon III, 1981.

13- مع تصدير الطبعة الثانية ل ترجمة "حرودة" (2003) بتقديم للمؤلف وحاشية للمترجم ، واستبدال عنوان "غزالة .. وتنتهي العزلة " ب "هلوسات على جدران الوحدة " (2008)14

14- رشيد بنحدو ، بين الترجمة والحساسية الفكرية أو حين تصبح الصدفة ضرورة ، ضمن : الترجمة في المغرب أية وضعية ؟ وأية استراتيجية ؟ ، (أعمال ندوة أصيلا 2002) ، منشورات وزارة الثقافة ، 2003، ص118

15- الرواية المغربية " لعبد الكبير الخطيبي سنة 1971

16- من المنغلق إلى المنفتح " لعبد العزيز الحبابي سنة 1973

17- " حديث الجمل " للطاهر بنجلون سنة 1975 .

18- محمد الشركي ، المغرب ممرا للتبادل الرمزي ، ضمن : الترجمة في المغرب أية وضعية ؟ وأية استراتيجية ؟ ، م.س.، ص 180

19- الاسم العربي الجريح ، ترجمة محمد بنيس (1980) ، وفي الكتابة والتجربة ترجمة محمد برادة (1980) ، وديوان الخط العربي ترجمة محمد برادة ومحمد السجلماسي (1981)

20- رشيد بنحدو ،م.س .، ص 118.

21- محمد الشركي ، م. س.، ص 180

22- ،كما يتضح من الترسيمة الآتية التي تضم الترجمات السردية التي عرفها المشهد الثقافي المغربي في هذا المجال خلال الثمانينيات : حرودة / بنحدو / 1982، يوميات قلعة المنفى / تزيلكاد والمؤلف / 1985، غزالة ....وتنتهي العزلة / بنحدو / 1987 ، طفل الرمال / محمد الشركي / 1987ليلة القدر / محمد الشركي / 1988 ، أيلان أو ليل الحكي / تزيلكاد/ 1988 ، تجاعيد الأسد / الشركي / 1988 ، ألف يوم ويوم /

23- تكمن المفارقة في أن ماري لوكليزيو الفرنسي هو الذي استطاع بروايته "صحراء " الصادرة سنة 1980 ، أن يكتب النص الأكثر قربا من روح المغرب والمغاربة حسب بعض النقاد الذين نشاطرهم الرأ ي.

 

24- كما يدل على ذلك مثلا سعي ابن جلون إلى ترجمة رواياته إلى العربية باعتبار الفرنسية أصلا متوهما، وتوقيعه في المقابل على البيان الذي أصدره 44 كاتبا بالفرنسية بجريدة لوموند في 16 مارس من سنة 2007 بعنوان : "من أجل أدب عالم بالفرنسية ". يطالبون فيه بإلغاء ثنائية أدب فرنسي / أدب فرنكفوني ، أو بمعنى أدق رفع الغيتو عن الآداب التي يكتبها أبناء المستعمرات السابقة بالفرنسية والتسوية بينها وبين الأدب الفرنسي .دون الانتباه إلى أن هذا البيان الذي ينتقد الفرنكفونية ، يكرس مثلها إشعاع الفرنسية .

25- Voir : Jean - Marc Moura , Littérature francophones et théorie postcoloniale , PUF, 2édition , 2013.

26- نعتمد في هذه الدراسة الطبعتين الأولى والثانية من ترجمة كل من "حرودة " و"غزالة.. وتنتهي العزلة " .

27- من الممكن ربط هذا الوعي البقظ ، بتشبع بن جلون آنذاك بخطاب مجلة "أنفاس" التي تعاون معها منذ العدد 12 سنة 1968 إلى العدد 18 سنة 1970.

28- تقديم ط2 من حرودة ، ص 6

29- نفسه ، ص 5

30 - بنحدو ، ترجمة الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية : من يخون من ؟ ، الثقافة المغربية ، ع 4 ، س1،نونبر - دجنبر، 1991

31- التقديم ، ص 6

32- نفسه، ص 7

33- نفسه ، ص6

34- بنحدو ، بين الترجمة والحساسية الفكرية أو حين تصبح الصدفة ضرورة ، م.س. ص 116

35- جمالية البين- بين ، جمالية البين -بين في الرواية العربية، منشورات مؤسسة نادي الكتاب بالمغرب ، ط1، 2011 ، ص259

إذا أخذنا بعين الاعتبار ، هجوم النقاد المغاربة على ابن جلون بتهمة الاستجابة لأفق انتظار القارئ الفرنسي والغربي تعميما - وخاصة بعد روايته "ليلة القدر " التي تم اعتبارها كتابة وفق شروط جائزة الكونغور (1987) - يحق السؤال : هل يعتبر الاستمرار في ترجمة إنتاجه دفاعا عنه ؟

36-Anouar Ouyachchi , De la traduction à l'écriture: réflexions sur la traduction de Harrouda de Tahar Ben Jelloun , in: Littérature Comparées et Traduction , Publication de la CCLMC, 1ère édition, 2006, p 119

37- بيل أشكروفت ، ك.س .، ص 74

38- من قبيل :أبرد من عَضرس.(العضرس هو البرد والثلج ) ، ولو كان هذا التعبيرسيطرح مشكل التلقي من قبل القارئ العربي المعاصر .

39- جمالية البين - بين،م. س.، ص136

وتجدر الإشارة إلى أن استرتيجيات الكتابة هاته بدأت مبكرا مع أول رواية بنينية بالفرنسية لفليكس كوشورو "العبد " (1929) ، وإذا كان الكتاب المغاربيون قد عمدوا من جهتهم إلى خلق لغتهم الفرنسية الخاصة ، فإن كتاب إفريقيا جنوب الصحراء يعدون أكثر راديكالية فيما يتعلق بخلق "البيلغة " نظرا لفرض الفرنسية لغة رسمية .مثلا كوروما في " شموس الاستقلال" : الرواية التي تم رفضها من قبل الناشرين الفرنسيين بداية ، و بعد نجاحها إثر صدورها عن دار كندية ، نشرت طبعة ثانية لها بفرنسا . انظر مورا،م .س.، ص 95

 

د. فاتحة الطايب


التعليقات




5000