..... 
مواضيع الساعة
ـــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
......
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
   .......
  
   
 ..............

.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


بلاغة التضاد في ديوان (( اطْفِئِينِي بِنَارِكِ)) ليحيى السماوي

يحيى السماوي

بلاغة التضاد في ديوان "اطْفِئِينِي بِنَارِكِ" ليحيى السماوي 

  

د . لعلـى سعـــادة

قســـــم الآداب واللغــة العربيــــــة

كليـــــــــة الآداب واللغـــــــــــــات

جامعـة محمــد خيضر، بسكــرة، الجزائر

البريد الإلكتروني: s.laala@univ-biskra.dz

 

ملخص:

ينهض هذا الموضوع على إبراز بلاغة التضاد في شعر يحيى السماوي، تحديدا في ديوانه "اطفئيني بنارِكِ"؛ إذ إن تجلّي هذه الظاهرة سمةٌ مميزةٌ في شعره. والتّضادّ يكشفُ، في الشّعر عامةً، خصائصَ الأدبيةِ والشعريةِ والمنظومةِ اللغويةِ، وسمات الجمال وروائعَ الأداءات الفنيةِ والإبلاغيةِ والبلاغيةِ في النص. ولئن صحّ ما ورد عن الشاعر (دوقلة المنبجي) قوله: «والضّدُّ يُظهِرُ حُسْنَهُ الضّدُّ»، فقد عمل في نصوص يحي السماوي على إبراز الدلالة، عن طريق الجمع بين الضدين، وشكّل صورا شعرية بديعة حققت لشعره ما يتميز به فنُّ الشّعر من خرقٍ وانتهاكٍ مقصودٍ للمعيار.

Résumé:

Cet article aborde la réthorique du paradoxe dans le reccueil "éteins-moi avec ton feu" de Yahya Assamaoui, où celui-ci a pu créer « un écart par rapport à la norme » en utilisant des figures antinomiques rapprochant des idées plus ou moins contrastées, portées par des antonymes plus ou moins polaires : il effleure le sens commun de la logique et produit ainsi un effet poétique, qui aura des répercutions sur le plan de la signification et de la communication.

 

مقدمــــة:

يتخذ الشعراء أساليب شتى للتعبير عن تجاربهم الشعرية؛ فمنهم من يعتمد أسلوب التهكم والسخرية، ومنهم من يوظف التكرار، أو التقديم والتأخير، ومنهم من يستعمل أسلوب الرمز، ومنهم من يوظف التضاد، كما فعل الشاعر يحيى السماوي في ديوانه "اطفئيني بنارك"، غير أن طرائق الشعراء تختلف في الإبانة عن هذه الأساليب، مثلما تتباين الأهداف المتوخّاة منها.

تتناول، إذن، هذه الدراسةُ التضادَّ الذي يعجّ به ديوان "اطفئيني بنارك" ليحيى السماوي؛ إذ يواجه التضادُّ القارئَ انطلاقا من عتبة العنوان، متّخذًا  ثلاثة مظاهر رئيسة:

ـ صراع الأنا والآخر.

ـ صراع الأنا والذات.

ـ صراع الأنا والمجتمع.

وقبل تفصيل الحديث في المظاهر المذكورة، أستعرض المفهوم اللغوي والبلاغي للتضاد.

تعريف التضاد:

ورد في لسان العرب لابن منظور: "الضِّدُّ كُلُّ شيءٍ ضادَّ شيئاً ليغلبه، والسّوادُ ضِدّ البياض، والموتُ ضِدُّ الحياة، والليل ضِدُّ النهار إِذا جاء هذا ذهب ذلك. ابن سيده: ضدُّ الشيءِ وضَدِيدُه وضَديدَتُه خلافُه؛ الأَخيرة عن ثعلب؛ وضِدُّه أَيضاً مِثْلُه؛ عنه وحْدَه، والجمع أَضداد"(1). فالتضادّ هنا بمعنى النقيض. كما يعني، أيضا، معاني تدل، في مجموعها، على المخالفة والتناظر والتعارض ـ حسب معجم لسان العرب: " يُقال: لَقِيَ القومُ أَضْدادَهُم وأَنْدادَهُم أَي أَقْرانَهُم. أَبو الهيثم: يقال ضادَّني فلان إِذا خالفك، فأَرَدْتَ طولاً وأَراد قِصَراً، وأَردْتَ ظُلْمة وأَراد نوراً، فهو ضِدُّك وضَديدُك، وقد يقال إِذا خالفك فأَردت وجهاً تذهب فيه ونازعك في ضده. وفلان نِدِّي ونَديدي: للذي يريد خلافَ الوجْه الذي تُريده، وهو مُسْتَقِلٌّ من ذلك بمثل ما تَسْتَقِلُّ به. الأَخفش: النِّدُّ الضد والشِّبْهُ؛ ويجعلون له أَنْداداً أَي أَضداداً وأَشْباهاً. ابن الأَعرابي: نِدُّ الشيء مِثْلُه وضِدُّه خِلافُه " (2) . يتضح أن التضاد يعني الشيء وما يخالفه، كما يعني الشيء وما يماثله. ونشير هنا إلى أن هذه المعاني المختلفة والمتعددة هي التي جعلت البلاغيين يختلفون في تسمية المصطلح؛ إذ هناك من يسميه "المفارقة". ولا يتسع المجال لاستعراض وجوه الاختلاف والتقارب بين المصطلحين، إنما تكتفي الدراسة بتعريف مصطلح "التضاد"؛ إذ عرفه قدامة بن جعفر بأنه " ما يشترك في لفظة واحدة بعينها"(3). وهذا التعريف قريب مما يُعرف بالمشترك اللفظي الذي يشترك فيه معنيان في لفظة واحدة. وهناك من عرّف التضاد بأنه "الجمع بين الشيء وضدّه (...) مثل الجمع بين البياض والسواد والليل والنهار"(4). ويقترب تعريف إبراهيم علي أبو الخشب من هذا التعريف حيث يقول: "المطابقة والتضاد، هو أن يجمع المتكلم بين معنيين يتنافى وجودهما معا في مكان واحد، في آن واحد، ولعل الحسن إنما جاء من هذه الناحية، لأن الشأن في الضدين ألا يجمعهما مكان، ولهذا كان من الغرابة الغريبة، والندرة النادرة، والعجَب العاجب أن يضمّها قَرَن"(5). فالجمع بين الضدين من الأمور المثيرة للغرابة لدى العامة، غير أن عالم الشعر ـ خاصة ـ لا يقرّ بالغرابة؛ ذلك "أن التضاد من الظواهر الشائعة في الأدب؛ فالشعر يقوم غالبا على بنية التضاد"(6).

ليس الأدب وحده الذي يقوم على التضاد، بل الوجود كله قائم على التضاد. ومادام التضاد سمة الوجود فهو أساس التقابل في اللغة؛ إذ "الوجود في مشاقة مع ذاته (...) التناقض جوهره، والتغيير قانونه، الذي يجري عليه في تحقّقه. والتغير معناه المغايرة، والمغايرة أن يصير الشيء إلى ذاته، وهذه الغيرية معناها وجود التضاد في طبيعة الوجود(...) وإذا كان التغير جوهر الوجود كان التضاد من جوهر الوجود كذلك (...) ومنطق الوجود يجب ـ من ثمَّ ـ أن يكون جارياً على نحو ديالكتيكي. ولذا كان الديالكتيك بمعنى السياق المنطقيّ من الموضوع إلى نقيض الموضوع، صحيحاً في التعبير عن حقيقة الوجود، وهو وحدة المنطق الوجوديّ، لا ذلك المنطق القائم على أساس مبدأ عدم التناقض، وهو المنطق الارستطاليّ، فإنّ هذا المنطق مجرد فكر مثاليّ"(7). وكأن لغة الإبداع الشعري تأسست على سمة التضاد في الوجود. وما يجدر التركيز عليه في هذا السياق هو أن "للثنائيات الضدية فاعلية في بناء النص الشعري من خلال توالد الأنساق وتناميها"(8). وفي التضاد، من الصور الشعرية الجميلة، ما يجعل القارئ أسيرَ الجمال الذي ترسمه تلك الصور.

هذا، و"لظاهرة التضاد دلالة سيميائية من حيث كونها تثير حركة ديناميكية في السياق النصي، وتجعل تفاعل المعاني والأخيلة والأحداث والشخصيات مُحَقَّقًا في جوهر واحد يمثله المعنى، مما يسمح بإعادة ترتيب بنية النص وجعله أكثر تكاملا وانسجاما"(9).

عنوان الديوان والتضاد:

الشاعر يحيى السماوي، شاعر عراقي معاصر، أغنى المكتبة العربية بما يتجاوز اثنين وعشرين ديوانا شعريا، وهو إنتاج شعري غزير، إذا ما قيس بما كتبه كثير من معاصريه. وما يميّز كتاباته، توظيفه اللغة الشعرية عالية الدقّة، متينة السبك، آسرة للقارئ بجمال صورها، وبلاغة إيجازها. لغةٌ مشرَعةُ النوافذ على حقول التأويل.

"اطفئيني بنارك" عنوان ديوان شعري يطفح بلغة التضاد، إذ يستقبل التضادُّ القارئَ في عتبة العنوان قبل الولوج إلى المتون النصية. هذا العنوان يفتح ملكة تخيّل القارئ على مصراعيها، فالنار تَحرق ولا تُطفئ، لكن عندما تتأجّج نار الشوق إلى المحبوب تصبح كل الوسائل التقليدية المُستعملة في الإطفاء غير مجدية، وهكذا فالنار لا تطفئها إلا النار!!.

إن هذا العنوان ـ الموغل في الإيجازـ يمثل بمفرده قصيدة شعرية، و"إن الشعر يفسره الشعر؛ ذلك أن الشاعر يبدع في سياق من الصور المتراكمة في ذاكرته، وعلى القارئ أن يُحضر هذه الذاكرة في تأويلاته. ولعل هذا المبدأ أن ينطوي على أن للشعر أساليب خاصة ينبغي الوعي بها حتى يكون التفسير المفتوح مقبولا. وغير خاف ما يترتّب على الجهل بأسلوب الشعر وبخصائصه في التعبير من جفاء طبع الناظر وقصور الفهم وخطل التقدير أو فساده. من هنا اقتضت الضرورة تعرّف السياق الشعري الذي يشكّل خلفية الصورة لأجل تذوقها وتفسيرها على نحو سليم"(10).

المتمعّن في الصورة يجد فيها كثيرا من الابتكار، "فابتكار الصور الملائمة لهذه المجالات الصغيرة، والجرأة في اللغة والصورة معا، هما أقوى ما يميّز هذا المنزع الشعري الجمالي"(11). كما أن الصورة شديدة التكثيف والتشويق معا؛ هي، من جهة، صورة إيروتيكية يتوجّه فيها التأويل إلى الجسدِ الشّبقيِّ وفتنتِهِ وغوايتِهِ القاتلةِ. ومن جهة أخرى، صورة شديدة الشفافية، شبيهة بالشاشة التي تُعرض فيها قصة مليئة بعنصر التشويق، وهو ما يجعل المُشاهد مشدودا لمتابعة مشهد إطفاء النار/الحريق إلى نهايته. !

امتدت الأنا الشاعرة إلى أعماق نص العنوان وما وراءها، لتدخل إلى مناطق التأويل والسيميولوجيا ودرس القراءة التأويلية وفواعلها، لهذا لا يمكن للقارئ أن يبقى مهادناً مع عنوان مشاكس ومختلف كهذا. لقد تمظهرت تضاريس التضاد فيه كعناقيد حبوب الطلع تلقّحُ باطن العنوان بشعرية الكلمة وبلاغة الصورة لتجترح له خطاباً إيقونيا متوحشاً باللحظة الحرجة، وبالصورة التي تزدهي بالأسطورة.

مظاهر التضاد وبلاغته في ديوان "اطفئيني بنارك":

يتمظهر التضاد في المتون النصية في ديوان "اطفئيني بنارك" بشكل بيّن، ويكشف عن ثلاثة أشكال للصراع:

•1.  صراع الأنا والآخر:

لا يتوانى الشاعر يحيى السماوي  في إبراز التضاد بداية من العنوان ـ كما سلف القول ـ ففي قصيدة "كذّبتُ صِدْقي كي أُصدِق كِذْبَها" يكشف التضادّ عن الصراع مع الآخر(الحبيبة)؛ ففي ذلك ما يدلّ على محاولة إرضاء غرور الآخر، وعدم خدش كبريائه. يقول الشاعر:

كذّبتُ نفسي

كي أصدِّقَ ما تقولُ..

وكنتُ أعرف أنها كذَبت عليّ(12).

تشَكَّل التضاد في هذا المقطع بناء على رغبة الشاعر العاطفية، وانطلاقا من فهم الحالة النفسية للحبيبة التي هي في أمسّ الحاجة إلى من يدلّلها. لذلك فإن  "معرفة العلاقات والشروط الضرورية لإنتاج قدر معين من التضاد في نوع خاص من السياق يتيح لنا فرصة توقع الآثار الأسلوبية وإجراء التحليل الموضوعي الشكلي لها. فأسلوب العمل الأدبي يمثل طبقا لذلك نظاما من التقابلات تقدم تعديلات معبرة، من تكثيف للتمثيل، وتلوين عاطفي، وإيحاء جمالي للعبارة اللغوية، ولعملية التوصيل في حد ذاتها. ووصف نظام «الكلام» في علاقته «باللغة» لا يكفي لكي نمسك بالأسلوب؛ إذ إن هذا الكلام لا يبيّن لنا البنية الخاصة للتأثيرات، تلك التأثيرات التي تدخل في متواليات الرسالة اللغوية قطيعة تفرض الانتباه للرمز اللغوي في حد ذاته"(13).

والرمز اللغوي له سننه الخاصة، وإلا كيف نفسّر استعمال الشاعر للتضاد بوجهين مختلفين؛ مرة كذّب نفسه ليصدّق ما تقول (المقطع السابق). ومرّة يصدّق كذبه كي يكذّب صدقها. يقول الشاعر:

صدّقتُ كِذبي

كي أكذّب صدقها..

فأنا صديقي مرّة..

وأنا عدوّي والعَذولْ(14)

هما صورتان تكشفان عن الصراع المركب بين الشاعر والحبيبة. صراع فيه محاولة إرضاء ثم تراجع. وكأني بالشاعر ـ في الحالتين ـ  يبيّن أنه هو الغالب والمتحكم في زمام الأمور في صراعه مع الآخر. كما أنه هو الصديق تارة والعدوّ تارة ثانية والعَذول تارة أخرى. ومهما يكن فإن الاكتفاء بفهم وشرح عمل ما انطلاقا من قرائن معينة، وانطلاقا من ظروف معينة. "إن ذلك يعني الحكم نهائيا على أنفسنا بعدم القدرة على اقتحام أعماق المعنى وإلى الأبد" (15).

يعترف كثير من النقاد أن القصيدة "تستمد وجودها من الشعر. والشاعر، وهو يكتب قصيدته، يضع نفسه في مواجهةٍ مع كل سالفيه من الشعراء ومع الشعر المخزون في ثقافته"(16). إن فهم بلاغة التضاد في الصورتين السالفتين يقتضي مساءلة كل قصائد الديوان قصد امتلاك خلفية معرفية لكثير من الجوانب النفسية والعاطفية للشاعر والمحبوبة، والإلمام بأطراف الثقافة السائدة في البيئة والمجتمع.

يواصل الشاعر استعراض بنية التضاد الكاشف عن صراعه مع الحبيبة / الآخر، لكن بنبرة مغايرة. يقول:

كذبتُ عليّ..

ها أنذا أقول الصدق

أنت حبيبتي الأحلى

وأنت بدايتي طفلا..

وأنتِ

نهايتي كهلا(17)

ما بين البداية والنهاية عمرٌ يمتدّ من الطفولة إلى الكهولة، عمرٌ بكل أفراحه ومسراته،  وأقراحه  وأحزانه. عمرٌ كان فيه التعلق شديدا بالمحبوب، وطنا كان أم امرأة. 

ويتواصل الصراع مع الآخر ببنية التضاد، لكن بشكل حاد. والتضاد "كلما كان حادا، كان أكثر قدرة على الربط النصي " (18). يقول الشاعر:

فضَح الجهرُ عذاباتي..

وزاد السرُّ والتأويل فضحا

فأنا المفضوح في الحالين

إن صمتا وبَوحًا..(19)

شكلت الثنائيات الضدية (الجهر، السر/ الصمت، البوح) قوة أو جبهة متحالفة ضد الشاعر للكشف عن فضائحه. وقد عمل هذا التضاد على إظهار حالة الشاعر الموغلة في اليأس والإحباط. ورغم نبرة الانكسار البادية إلا أن المقطع بتضاداته يشكّل شبكة إغرائية توقع القرّاء في حبالها، ولذلك فإنه "من المستحيل الفصل بين عالم القارئ وعالم النص وعالم الشاعر. فاللغة الشعرية توحّد بين كل هذه العوالم"(20).

•2.  صراع الأنا والذات:

يتبدّى الصراع بين الأنا والذات في شعر يحيى السماوي في التضاد الماثل في قوله:

هاجرتُ وحدي

حَاملاً بًعضي مَعي..

وتركْتُ بَعضي في مَلاذِكِ لائذًا

خَوفًا عليّ من احْتمال اللارُجوع (21).

هذا المقطع من قصيدة عنوانها "عيناي نائمتان.. لكن النوافذ ساهرة"، وفيه نسج الشاعر بنية التضاد محاكيا صراعاته النفسية والفكرية(22). جاء هذا التضاد ليبرز التشتت النفسي والجسدي عند الشاعر؛ إذ عند هجرته حمل بعضه معه وترك بعضه يلوذ في ملاذ الحبيبة.

يكتسب التضاد أهمية متزايدة؛ إذ إنه يلقي بظلاله في كل أجواء القصيدة، ويعمل على إغواء القارئ، ويُبرَم "اتفاقٌ" سريٌّ بين القارئ والنص في اللحظات الأولى للقاء، ويتعمّد القارئ السير في حقل الألغام اللغوية متتبعا إشارات صانع التضاد. وهو بذلك يَدخل القصيدة مشبعا بوعي بلاغة التضاد "لا بعفوية أو «حسن نية» ليرتقي إلى آفاق صانع التضاد، أو ينحدر إلى خطاب الجنون، حسب تعبير فوكو"(23).

•3.  صراع الأنا والمجتمع:

يتبدّى التضاد بين ذات الشاعر والمجتمع في ردّه على من يناوئه ويسبه. يقول الشاعر:

كم سبَّني نَذلُ بحبّكِ..

وابنُ فاحشةِ خؤونْ !

"ومُخنّثٌ"

لا فرق

بين "قِفاه" ـ خِزْيًا ـ والجبينْ !!! (24).

يُظهر التّضاد في السطر الأخير غريم الشاعر، وقد تساوى "قِفاه" وجبينه، وهذا ـ في عرف المجتمع ـ يُقال لمن يتجرّد من حيائه وحشمته.

وفي موضع آخر يستهدف الشاعر، موظّفًا التضاد، اللصوصَ الذين تمتدّ أيديهم إلى أموال الشعب، فيخصّهم بهذا المقطع:

فإنّ الدار حين تُذلّ

يصبح ماؤها جَمرا

وبَيْدَرُ حقلها تِبْنا

وعزّة أهلها ذُلاّ

ويغدو حُرُّها عبدًا

وخير خيولها بغلا

وحارسُ حقلها لُصًّا

وَنَاسِكُ دَيْرِها نَذْلا(25).

مجموعة من الثنائيات الضدية (بيدر/تبن، عِزة/ ذل، حرّ/عبد) تكشف عن رفض الشاعر للممارسات التي يقوم بها من يُفترض فيهم أنهم يقومون بخدمة الشعب، لا خيانة أمانته.

خاتمـــــــة:

تناول هذا البحث بلاغة التضاد في ديوان "اطفئيني بنارك" ليحيى السماوي، تم التعرض فيه لمفهوم التضاد عند علماء اللغة والبلاغيين، مبرزا سمات الجمال، وبلاغة التضاد في الأثر الإبداعي.

وقد تتبّعت الدراسة تجليات التضاد وبلاغته في ثلاثة مواضع كشف فيها عن الصراع الذي اشتمل عليه الديوان. وتتمثل هذه المواضع في: صراع الأنا والآخر "الحبيبة"، وصراع الأنا والذات، وصراع الأنا والمجتمع. وقد حاولت الدراسة أن تبيّن أثر التضاد في كسر رتابة التعابير العادية، المألوفة. كما حاولت أن تبرز قدرة التضاد على توضيح المعنى بالنقيض، وجعْل الصورة أكثر جمالا ونصاعة، ولا يخفى ما للتضاد من دور في إغراء المتلقي وتحفيزه ليكون عنصرا فاعلا في عملية التلقي.


الهوامــــــــش:

[1]. أبو الفضل جمال الدين بن مكرم بن منظور، لسان العرب، دار صادر للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، (د.ط)، 1997، مادة: (ضدد).

2 .نفسه، مادة: (ضدد).

 

3 . أبو الفرج قدامة بن جعفر، نقد الشعر، تحقيق وتعليق عبد المنعم خفاجي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، (د.ت)، (د.ط)، ص162.

4 . أبو هلال العسكري، كتاب الصناعتين، تحقيق علي البغدادي وأبي الفضل إبراهيم، منشورات المكتبة المصرية، بيروت، لبنان، 1986، (د.ط)، ص307.

5 . إبراهيم علي أبو الخشب، الأدب والبلاغة، مطبعة المعرفة، القاهرة، 1959، (د.ط)،  ص202.

6 . صالح علي سليم الشتيوي، تجليات التضاد في شعر العباس بن الأحنف، مجلة دراسات، العلوم الإنسانية والاجتماعية، المجلد 32، العدد 1، 2005، ص61.

7 . عبد الرحمن بدوي، الزمن الوجودي، دار النهضة المصرية، القاهرة، 1955، ط2، ص 24 ـ 26.

8. سمر ديّوب، جماليات النسق الضدي شعر أبي العلاء المعري أنموذجاً ، مجلة التراث العربي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، العدد 110، السنة الثامنة والعشرون - حزيران 2008 - جمادى الآخرة 1429، ص 172.

9 . نعمان بوقرة، قراءة سيميائية في طوق الحمامة لابن حزم الظاهري، مجلة جذور، النادي الأدبي الثقافي، جدة، المملكة العربية السعودية، العدد 12، السنة السادسة، ص535.

10. محمد مشبال، البلاغة والأصول، دراسة في أسس التفكير البلاغي العربي، نموذج ابن جني، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، 2007،(د.ط)، ص224.

1[1]. إحسان عباس، اتجاهات الشعر العربي المعاصر، منشورات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، جويلية 1978، ص140.

12 . يحيى السماوي، اطفئيني بنارك، دار تموزة للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، سوريا، 2013، ط1، ص14.

13 . صلاح فضل، علم الأسلوب، مبادئه وإجراءاته، دار الشروق، القاهرة، 1419 هـ، 1998م،  ط1، ص232، 233.

14 . يحيى السماوي، اطفئيني بنارك، ص16.

15. ينظر ميخائيل باختين، جمالية الإبداع اللفظي، ترجمة وتقديم شكير نصر الدين، دال للنشر والتوزيع، سورية، 2011، ط1، ص380..381.

16 . الغذامي (عبد الله محمد)، الخطيئة والتكفير، من البنيوية إلى التشريحية، قراءة نقدية لنموذج الإنسان المعاصر، النادي الأدبي الثقافي، جدة، المملكة العربية السعودية، 1405هـ، 1985م، ط1، ص10..

17 . يحيى السماوي، اطفئيني بنارك، ص86.

18 . أحمد عفيفي، نحو النص، مكتبة زهراء الشرق، القاهرة، 2000، ط1، ص113.

19 . يحيى السماوي، اطفئيني بنارك، ص64.

20. أحمد الطريسي، النص الشعري، بين الرؤية البيانية والرؤية الإشارية دراسة نظرية وتطبيقية، دار عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية، 1423 هـ، (د.ط)، ص143.

21 .   يحيى السماوي، اطفئيني بنارك، ص5.

22 . منى الساحلي، التضاد في النقد الأدبي، منشورات جامعة قار يونس، بنغازي، ليبيا، 1996، ط1، ص213، 215.

23 . ينظر ناصر شبانة، المفارقة في الشعر العربي الحديث، أمل دنقل، سعدي يوسف، محمود درويش نموذجا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، 2002، ط1، ص252.

24 . يحيى السماوي، اطفئيني بنارك، ص124.

25 . المصدر نفسه، ص81، 82.

مصادر ومراجع الدراسة:

•1.      أبو الخشب (إبراهيم علي)، الأدب والبلاغة، مطبعة المعرفة، القاهرة، 1959، (د.ط)،  ص202.

•2.      باختين (ميخائيل)، جمالية الإبداع اللفظي، ترجمة وتقديم شكير نصر الدين، دال للنشر والتوزيع، سورية، 2011، ط1.

•3.      بدوي (عبد الرحمن)، الزمن الوجودي، دار النهضة المصرية، القاهرة، 1955، ط2.

•4.      بن جعفر (قدامة أبو الفرج)، نقد الشعر، تحقيق وتعليق عبد المنعم خفاجي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، (د.ت)، (د.ط).

•5.      بن منظور أبو الفضل (جمال الدين بن مكرم)، لسان العرب، دار صادر للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، (د.ط)، 1997، مادة: (ضدد).

•6.      بوقرة (نعمان)، قراءة سيميائية في طوق الحمامة لابن حزم الظاهري، مجلة جذور، النادي الأدبي الثقافي، جدة، المملكة العربية السعودية، العدد 12، السنة السادسة.

•7.      السماوي (يحيى)، اطفئيني بنارك، دار تموزة للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، سوريا، 2013، ط1.

•8.      الشتيوي (صالح علي سليم)، تجليات التضاد في شعر العباس بن الأحنف، مجلة دراسات، العلوم الإنسانية والاجتماعية، المجلد 32، العدد 1، 2005.

•9.      الطريسي (أحمد)، النص الشعري، بين الرؤية البيانية والرؤية الإشارية دراسة نظرية وتطبيقية، دار عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية، 1423 هـ، (د.ط).

•10.  عباس (إحسان)، اتجاهات الشعر العربي المعاصر، منشورات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، جويلية 1978.

•11.  العسكري (أبو هلال)، كتاب الصناعتين، تحقيق علي البغدادي وأبي الفضل إبراهيم، منشورات المكتبة المصرية، بيروت، لبنان، 1986، (د.ط).

•12.  الغذامي (عبد الله محمد)، الخطيئة والتكفير، من البنيوية إلى التشريحية، قراءة نقدية لنموذج الإنسان المعاصر، النادي الأدبي الثقافي، جدة، المملكة العربية السعودية، 1405هـ، 1985م، ط1.

•13.  فضل (صلاح)، علم الأسلوب، مبادئه وإجراءاته، دار الشروق، القاهرة، 1419 هـ، 1998م،  ط1.

•14.  مشبال (محمد)، البلاغة والأصول، دراسة في أسس التفكير البلاغي العربي، نموذج ابن جني، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، 2007،(د.ط).

•15.  الساحلي (منى)، التضاد في النقد الأدبي، منشورات جامعة قار يونس، بنغازي، ليبيا، 1996، ط1.

•16.  شبانة (ناصر)، المفارقة في الشعر العربي الحديث، أمل دنقل، سعدي يوسف، محمود درويش نموذجا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، 2002، ط1.

 

يحيى السماوي


التعليقات

الاسم: يحيى السماوي
التاريخ: 22/12/2016 02:32:32
يوسف لفته الربيعي : محبتي وشوقي صديقي الشاعر المبدع ..

لك من قلبي شكر المحب الممتن ، وامتنان المحب الشكور لتكريمك لي بيواقيت حسن ظنك وأريج لطفك .

زادك الله نعمى ومسرة وإبداعا ياصديقي المبدع الجميل . .

الاسم: يوسف لفته الربيعي
التاريخ: 21/12/2016 06:42:47
الأستاذ القدير الشاعر الفذ يحيى السماوي...أعزّكم الله
مرحباً لإطلالتكم البهية وألف سلام ، لاغرابة ماقرأنا من زرعكم وثماركم الطيبة كطيبتكم ، نصوص تستحق الثناء ، لقد كان إختيار الأخ الدكتور لعلي سعاده موفقاً بكم ولكم وأنتم أهل الأستحقاق دوماً ، سهل ممتنع جميل أطربني بكل حروفه ومعانيه المميزة ، إنّه الإبداع بعينه ، تحية لكم سيدي وأنتم تسطرون الكلم المفعم بوطنيتكم المآئزة وعشقكم السرمدي للمرأة والوطن والحياة ، تحية لكم من الأعماق وللرجل الإنسان الأصيل الناقد المبدع د.لعلي سعاده (أسعده الله)........باقات ورد عطرة لكما من أرض بغداد ...مع أجمل المنى .


المخلص يوسف الربيعي

الاسم: يحيى السماوي
التاريخ: 21/12/2016 02:51:27
أشكر لأخي الأديب والأكاديمي القدير د . لعلي سعادة تكريمه لي بوسام هذه الدراسة وإلقاء ضوء بصيرته على موضوعة التضاد في تجربتي الشعرية المتواضعة ، باعتبار التضاد إحدى أهم سمات أسلوبي في نسج الجملة الشعرية ، كما أشكره كل الشكر لإشرافه على رسالة الماجستير لطالبته الباحثة عائشة بريقل التي شرّفتني بانتقائها تجربتي الشعرية موضوعا لرسالتها .




5000