..... 
مواضيع تستحق وقفة 
.
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.....
 ÙˆØ§Ø«Ù‚ الجابري
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
  
.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الهجرة من القدر

سحر سليمان

تهب الحكايات والأقاويل في حارتنا كما تهب زوابع العجاج في الصيف ، فتغشى الأبصار ، ويتعالى السباب والشتائم لتطال كل شيء ، مقدسا كان أم ملعونا ، فتختلط هذه الزوابع بدمائنا ، ومع ذلك يستمر تيار الحياة في الجريان ، بإصرار وعناد يحمل معه ركام الأيام والساعات بل والسنوات ولا يخلف سوى الأسى أو الفرح القصير .

قلت (حارتنا) وأنا أعني كثيرا بهذه الكلمة المفردة ، فهذه الحارة بركة فيها كل أنواع السمك ، منها المقيم دائما ومنها الطارئ الذي يعاود الهجرة والترحال ، بعد إنتهاء مواسم القطن أو حصاد القمح طالبا لعمل جديد ورزق جديد ، ومن هنا تأخذ كل حكاية فيها لونا مغايرا ومجرى مختلفا تبعا للشخصية التي تلعب دور البطولة .

فأمام بيتنا. افتتح عسكري متقاعد من أصل شركسي محلا متواضعا ، معظم بضاعته حلوى وألعاب للأطفال وكان يقف عملاقا أشقر متين البناء ، ينتعل حذاء عاليا يصل إلى ما تحت الركبة من الجلد الأسود مزينا بمهمازين من الفضة ، وعلى رأسه قلبق من جلد الخروف ، وله شارب مفتول خطه الشيب ، وعينان صافيتان زرقاوان بلون الفيروز القاسي ، تلقيان الرعب في قلب أشجع الرجال وبيده على الدوام عصا من الخيزران يجلد بها حذاءه فتصدر عنه طرقعة عالية ، تزيده هيبة .

كان الرجل يجلس في صدر الدكان الذي لم يجرؤ زبون على الدخول أو شراء شيء منه ، فالصغار فروا مذعورين كالأرانب ، والكبار ينظرون إليه بحذر ودهشة ، ويوما بعد يوم يئس الرجل من بيع بضاعته ، فوضع كرسيا خشبيا عاليا وكأنه عرش وجلس عليه ، يدخن النرجيلة ، ويستعيد ذكرياته بلذة وكسل معددا المخافر التي خدم فيها ، والقرى التي مر بها ، والحناشل واللصوص الذين انهاروا بين يديه أذلاء خائفين ، وحصانه الأدهم الذي تعرفه كل مناطق الجزيرة وعفرين وبادية الشام كما تعرف فارسه ، وحين يداعب النوم أجفانه ، يغلق المحل وينصرف في موكب صاخب يصدره حذاؤه ، وصوت مهمازه الفضي أو يظل غافيا على الكرسي ، وخرطوم النرجيلة بين أصابعه الثخينة ، ورائحة الدخان تفوح من شواربه الكثة ، وذات يوم بينما كان خور شيد يحمل صندوق " البوية " ويمر من أمام دكانه ...... ناداه بصوت آمر :

-أنت يا ولد ......... تعال

وجاء الصبي كالمصعوق.أمام الرجل ، فمد له قدمه وتابع تدخين النرجيلة ، ففهم الصبي ما يريد ، فانحنى على الحذاء يلمعه بينما فر أخوه علو باتجاه البيت .

ومع مرور الأيام بنى الرجل صداقة مع بعض المتقاعدين الذين جاؤوا من الحارات الأخرى ، فأحضر عدة الشاي والقهوة المرة وطاولة الزهر التي شهدت أعنف المعارك بينه وبين آكوب الأرمني قبل أن يهاجر ، آكوب الذي كان في اللحظات الحرجة يتمتم بصلاة قصيرة بلغته القومية فيثير غضبه لأن الله استجاب له بسرعة ووقف إلى جانبه ، فيقذف ببعض الشتائم الشركسية الصغيرة التي لا يفهمها الأرمني ، لأنها باللغة الشركسية ، وهكذا قنعا ولم يختصما ، فهذا يصلي بلغة لا يفهمها الآخر وهذا يشتم بلغة لا يفهمها صاحبه ، وعند نهاية اللعبة يتصافحان ويضحكان من القلب ، يومها اكتشفت الحارة الخائفة أن الرجل الذي بث الرعب قي القلوب ، مسالم ووديع كطفل كبير ، فأصبح أحد أركانها ، والمستشار القانوني لأهلها في المنازعات والخلافات .

ولكن ليست حكايات حارتنا من جنس هذه الحكايا ، لها هذه النهاية السعيدة ، فقد تتخذ الأحداث أحيانا جانبا مأساويا وفاجعا إلى درجة لا يمكن أن يقوم بها إلا أناس من جنس أبطالها ، كما جرى في حادثة أخرى ، حادثـة (( فرحة ))

.      .      .       .        .

كنت أرى (( فرحة )) كثيرا .

أراها حين أذهب في الصباح إلى مدرستي،أنا أنحدر من التلة التي يقوم عليها منزلنا ، تقف أمام مأواها الذي كان يوما طاحونة ازدهرت أحوالها وشهدت عصرا ذهبياً ، بصوتها الأصم القوي الذي يتصاعد ليهز الحارة ورائحة البشر والحيوانات والطحين وضحكة صاحبها آكوب الأرمني التي تتردّد وهو ينحني بجسمه الربعة المتين على الأكياس ليدفعها إلى جوفها الهادر ، وهو يمسح العرق على جبهته العالية ، آكوب الذي لا يعرف من أين جاء ؟ هكذا تواجد في الحارة ، بنى الطاحونة ، وكان وحيدا مع كلبه ، يخرج  بعد انتهاء العمل إلى النزهة أو صيد السمك في الآحاد ، وفي الليل يتحول آكوب إلى كائن آخر ، يجلس إلى الطاولة وزجاجة العرق أمامه ، يطعم كلبه ويشرب ثم يندفع في غناء حزين ، يبكي أناساً وأياماً لا تعرف عنها الحارة شيئاً، ثم يبدأ حكاية طويلة ، يرويها بلغة أخرى للكلب وحده فهو الوحيد الذي يفهمها .

ويوم توقفت الطاحونة بسبب انتشار الأفران حزن آكوب كثيراً ولأول مرة في حياته ، يكتشف أنه وحيد ومهجور ومقطوع من شجرة ، فاختفى من حياة الحارة فجأة كما جاء إليها وإذا كانت حارتنا تنسى أشياء كثيرة فإنها  بالتأكيد ما زالت تذكر اليوم الأخير قبل رحيل آكوب أو اختفاءه الغامض بشيْ من الحسرة والألم

فمنذ الصباح الباكر أفاق الرجل من نومه ، دار طويلاً حول الحارة النائمة ، كأنه يرى بيوتها وحجارتها وأشجارها وأزقتها الضيقة لأول مرة .

ولأنه كان يشعر بالاختناق بشدة،ذهب الى النهر وكلبه يتبعه وهناك جلس على صخرة يراقب جريان الماء الهادىْ

تحت شمس دافئة وقلبه يخفق بشدة ، ولم يُحضر معه عدة الصيد ، بل ظل ينعم بالدفْ وجمال المنظر وكأنه يقيم صلاة خاصة للماء والرمل الناعم ، ثم عاد إلى الطاحونة أعد طعامه ، وشرب قدحاً ونام .

وعند الغروب جاءإلى دكان صديقه الشركسي وهناك جلسا متقابلين وللمرة الوحيدة لم يشتم آكوب أو

يرتل صلاته الغامضة ، ولم يدمدم صديقه بلغته الشركسية ، لعبا طويلا ً بصمت . وبدون اعتبار للربح أو الخسارة وفي الليل أشعل آكوب كل ما عنده من الشموع وكأنه يقيم قداساً أخيراً ثم بدأ يشرب ويغني أغانيه

الحزينة التي طالما سمعها الأهالي من بعيد ، وفي لحظة جنون مد أصابعه إلى الأزرار فانطلق هدير الطاحونة قوياً يرج الحارة هذا الصوت الذي نسيه الناس منذ زمن بعيد .

وفي الصباح اختفى آكوب ، وصوت الطاحونة وقيل هاجر إلى أمريكا ومع ذلك ظل صوت أغنيته الحزينة يتردد في أماسي الآحاد .

كنت أرى فرحة  أمام الطاحونة المتهاويةإلى السقوط ، وكانت تبتسم وفي عينيها سماوات من دفْ قديم وحزن آسر تعتق على مر الأيام فأصبح له معنى آخر تتزود به في أيامها الباردة ، وليالي الشتاء الطويلة ، حين يتكوم إلى جانبها ذاك الجسدان الناحلان طلباً للحماية فتدفع عنهما قسوة الوقت بالابتسامة و الحكايا السعيدة

التي تكثر فيها من أوصاف القصور والحلوى ، ونور القنديل الهرم يساعدها في رسم جو أسطوري ، فيشيع

شعور حار ان بالمساء،أمل ، بينما تقف الآلة العملاقة ككائن خرافي من الخشب والحديد تفوح منها رائحة الدخان والطحين والعث الذي خلفته الرطوبة .

ثم أراها في المساء ، بعد أن تكون قد انتهت من الخدمة في البيوت التي تحتاج إلى خدماتها الصغيرة وهي تقف مثل شجرة أمام الباب تنتظر عودة الصغيرين من رحلتهما اليومية ، وهما يحملان صندوقي " البويه "

المزينين بالمرايا والخرز الأزرق ، وقد انحنى القدان الناحلان من الثقل الباهظ وفي جيب كل منهما تخشخش القطع النقدية الصغيرة بفرح ، وقد تلوث أصابعها بخليط لا يمكن تمييزه من الألوان وإذا ما تأخر

الصغيران لشأن من شؤونهما فإنها تندفع كالمجنونة في أزقة الحارة ، تبحث عنهما ، فتسأل كل من تصادفه

كبيراً كان ام صغيرا

-هل رأيت علو وخور شيد ؟ ثم تضرب وجهها : نادبة بحرقة :

-خور شيد...ربي..... أو ووف يا ربي .

فإذا ما رأتهما قادمين، أسرعت إليهما ملهوفة، تضمهما إلى صدرها،، ويعود السلام إلى روحها

والهدوء إلى وجهها الشاحب .

هذه هي " فرحة " أما بقية الاسم فلا أحد يعرفه ولم يحاول أحد معرفته ،لأن الحارة تفقد ذاكرتها أحياناً

فقبل خمسة عشر عاماً جاءا الى الحارة ، رجل شاب وفتاة سكنا عند امرأة عجوز وعمل الرجل عتالا في مواسم الصيف ، فقد كان يملك جسداً قوياً ومعافى ، أما في باقي الفصول ، فقد كان يجلس في سوق الهال بانتظار من يحتاج إليه . في إفراغ حمولات الشاحنات القادمة محملة بالخضار والبضائع ، وهكذا سارت حياتهما هادئة غامضة ، وصامته فلم يعرف أحد عن الرجل والمرأة شيئاً ، ومع الأيام نسيتهما

الحارة ،وبعد ان ولدطفلهما الأول والثاني ، واستمرت الحياة على وتيرتها حتى قتل الرجل في حادث فاجع

وهو يعمل ، فاحتلت المرأة مع ولديها مبنى الطاحونة المهجور ، بحجة أن الحيّ أبقى من الميت ، فالغائب بحكم الميت وآكوب لو عاد فلن يسكن هذا الحجر .

كل ذلك تعرفه الحارة ، ولكن الجزء المفقود الذي لم تعرفه الحارة هو الجزء الأهم لما سيأتي من حكاية

عاشت في قرية من قرى الشمال ، تتاخم الحدود ، وكان اسمها الحقيقي " دلبرين " ولم تكن تعلم يومها أن ذلك المعلم القروي الذي اختار لها هذا الاسم يوم ولدت إنما كان يرسم مصيرها الذي قادتها إليه خطاها العمياء، فقد كانت جميلة ، ومن عائلة ميسورة قياساً إلى أهل قريتها لها أب شيخ وثلاثة أخوات وأخ مازال في سنته الثالثة ، تقضي وقتها في تطريز الثياب وحياكة البسط التي اشتهرت

به قريتها وكان من الممكن أن تسير الأمور بشكلها المألوف لو لم يظهر في حياتها ( عارف ) ذلك الراعي الوسيم الذي جاء من قرية أخرى يحمل خنجراً ومزماراً وشوقاً لأنثى تشاركه رحلة حياة طائشة

ومجنونة ،كانت تعلم أن الزواج به مستحيل ، فأبوها يكره الرعاة والفقراء وإن العيش بدونه مستحيل ،

ومن هنا أختارت الهروب معه دون تبصّر بالعواقب ، ومن مكان إلى مكان حتى استقّّرا في الحارة ،

حارتنا التي تفتح قلبها للجميع .

كانت فرحة تظن أنهم نسوها ، نسوا (دلبرين ) التي حملت في مساء عاصف ( بقجة ) ثيابها وهربت حتى هي نفسها تظن أنها أصبحت امرأة أخرى ، باسم آخر ، بقلب ودم غريبين ، ومع ذلك ظل قلبها يقظا وروحها لا تنام كالسمك ، فمثل عارها لا يمكن أن يغسله سوى الدم ومن هنا كان يمتد سهرها طويلا في المساءات العاصفة ويوما في مساء بارد وعاصف . تأخر فيه علو وخور شيد ، كانت داخل الطاحونة توقد قنديل الكاز وقد خيم عليها ظل كئيب وشعور غامض بالخوف ، وإذا بحركة خلفها ظنتها في البداية صادرة عن الأخوين ، فالتفتت رأته ينزرع أمامها طويلا رشيقا يذكرها بأبيها في شبابه ، وقد برقت عيناه بشّر وشوق قديم للذبح ، لم يتكلم ، فتلمست رقبتها لكن الخنجر كان أسرع منها ، فسقطت تغرق في دمائها وانسحب مخلفا وراءه الصمت والدم .

وذهلت الحارة ، عاشت ليلة عصيبة ، فما حدث لا يحدث إلا في حالات نادرة ، ومع ذلك بدأ الحدث يتراجع وتتراجع معه الإثارة وظل علو وخور شيد ، يحملان كل صباح صندوقي ( البوية ) المزينين بالمرايا والخرز الأزرق وينطلقان إلى الساحة العامة والمقاهي بحثا عن الرزق ويوم غادر الحزن عيونهما ، رحلا إلى جهة مجهولة وراء الطريدة ، وقد اعدّا للهجرة الخنجر والعزم والشوق إلى الذبح . 

 

سحر سليمان


التعليقات

الاسم: سلام نوري
التاريخ: 10/12/2008 17:56:30
كل عام وانت بالف خير سحر
عيدك مبارك سيدتي
ود لعينيك

الاسم: خالد القطان
التاريخ: 02/12/2008 09:08:15
العزيزة سحر .. مازلت احتفظ بمجموعتيك القصصيتين ( حرق الليل ) والهجرة من القدر ) وعليهما اهداءيك .. عندما كنت في دمشق اثناء صدورهماآنذاك .
انت قاصة رائعة ومتمكنة من ادواتك القصصية.. وتكتبين شعرا له خصوصية مميزة .. لقد قرأت جميع ما نشر لك سواء في مجموعتيك القصصيتين او في موقع القصة السورية، او في المواقع الالكترونية الاخرى ..
دعواتي لك بالموفقية الدائمة ..
لقد انقطعت عني اخبارك .. كيف حالك وكيف حال الاخ العزيز محمد، سلامي له .

الاسم: عبد اللطيف الحسيني
التاريخ: 07/10/2008 23:43:12
ليست غريبة علي لا الاسم ( سحر ) ولا المجموعة( الهجرة ) . كان لي حوار معها عي عامودا . هل لها العودة الى تلك المدينة الميتة و مقابلة عبداللطيف الحسيني و ابراهيم اليوسف .alanabda9@gmail.com




5000