..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


خطبة نارية لأمير المؤمنين{ الإمام علي ابن أبي طالب {عليه السلام}

محمد الكوفي


، تَحُث على إحياء الجهاد في نفوس المؤمنين،

وهم بها أقوى من جميع القوى التي وقفت في طريقهم،

* * *

الحمد للّه رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله بيته الطيبين الطاهرين المعصومين المـكـرميـن المنـتجـين ،

* * * * * * * * * * * *

قال تعالى : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ {البقرة:193}.

* * * * * * * * * * * *

إلى أبطــال الحشــد الشعبي والقوات الامنية وإلى كل عراقي شريف دافع ويدافع عن عرضه وعن ارض العراق ارض المقدسات وبلد الانبياء وال البيت الطاهرين المعصومين{عليه السلام}،

فالدفاع عن الوطن لِزامٌ على كل إنسان عراقي غيور مهما كان دينه أو اعتقاده أو مذهبه أو قوميته أو اجتهاده طالما يؤمن بحرية الراي والاختلاف، واحترام الاخر، والتعايش المشترك،

يعتبر حب الوطن من الايمن والدفاع عنه من أهمّ واجبات المواطن ، إنّه واجب مقدس ينصّ عليه الدستور وتعترف به كل القوانين والشرائع السماوية والوضعية.

حب الوطن عند الإنسان لا بُد من تحقق صدق الانتماء إلى الدين أولاً ، ثم الوطن ثانياً ، الوطن هو بضع أحرفٍ تُكوّن كلمةً صغيرةً في حجمها، ولكنّها كبيرة في المعنى، فالوطن هو بمثابة الأمّ والأسرة، وهو الحضن الدّافئ لكلّ مواطنٍ على أرضه، وهو المكان الذي نترعرع على أرضه، ونأكل من ثماره ومن خيراته، فمهما ابتعدنا عنه يبقى في قلوبنا دائماً.

يُولد حبّ الوطن مع الإنسان، لذلك يُعتبر حبّ الوطن أمراً فطريّاً ينشأ عليه الفرد، حيث يشعر بأنّ هناك علاقةً تربط بينه وبين هذه الأرض التي ينمو ويكبرُ في حضنها. وحبّ الوطن ليس حكراً على أحد، حيث أنّ كلّ فردٍ يعشق ويحبّ وطنه، وديننا الإسلاميّ يحثّنا على حبّ الوطن والوفاء له،

والوطن هو أغلى ما يعتز به الإنسان، لأنه مهد صباه، ومدرج خطاه، ومرتع طفولته ومأوى كهولته، ومنبع ذكرياته ونبراس حياته، وموطن آبائه وأجداده، وملاذ أبنائه وأحفاده،

* * * * * * « 1 » * * * * * *

{ إن حب الوطن والانتماء له والسعي لمصلحته والبعد عما يضر به والحرص على وحدته وطاعة ولي أمره في غير معصية مطلب شرعي أمر به الإسلام وهو إحدى الوسائل الإسلامية التي من شأنها أن تحقق الكثير لدى المسلمين من الأمن الفكري، والأدلة من القرآن والسنة على ذلك كثيرة منها : قوله تعالى آمرًا المؤمنين بالمحافظة على وحدة الوطن وقوة لحمته: المصدر:http://www.alifta.net/Fatawa/fatawaDetails.aspx?View=Page&PageID=13403&PageNo=1&BookID=2،

* * * * * * * * * * * *

ومن خطبة له {عليه السلام}، و قد قالها يستنهض بها الناس حين ورد خبر غزو الأنبار بجيش معاوية فلم ينهضوا. و فيها يذكر فضل الجهاد، ويستنهض الناس، و يذكر علمه بالحرب، ويلقي عليهم التبعة لعدم طاعته

* * * * * * « 2 » * * * * * *

مقدمة في مناسبة الخطبة: يقول ابن أبي الحديد عن هذه الخطبة انها من اشهر خطب الأمام علي {ع } وقد ذكرها الشريف الرضي{قدس} وغيره الكثير من المحققين والرواة ... الى ان يقول : انتهى إلى الأمام علي {ع } أنّ خيلاً لمعاوية وردت الأنبار {في العراق}وقد قاد هذا الهجوم سفيان بن عوف الغامدي ـ والذي عبّر عنه الإمام {ع } في خطبته بـ{أخو غامد} ـ فقتلوا عاملاً {للأمام} يقال له "حسان بن حسان" وطائفة من المسلمين وقد نهبوا أموالهم وخربوا بيوتهم دون أن يواجهوا أدنى مقاومة ثم عادوا إلى الشام سالمين.

* * * * * * « 3 » * * * * * *

يقول سفيان بن عوف الغامدي {وغامد قبيلة من اليمن وهى من الازد من شنئوة،« أزد شنوءة أو أزد شنوّة هي قبيلة عربية تنتمي إلى الأزد وهم أبناء كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، وحالياً زهران و غامد و بلقرن. وهم أعظم بطون الأزد وأصرحهم نسباً. » قال: دعاني معاوية فقال : إنّي باعثك في جيش كثيف ذي أداة وجلادة فألزم جانب الفرات حتى تمر بهيت {اسم منطقة } فتقطعها فان وجدت بها جنداً فأغر عليهم وإلاّ فامض حتى تغير على الأنبار فان لم تجد بها جنداً فامض حتى توغل في المدائن ثم أقبل إلي واتق أن تقرب الكوفة واعلم انك إن أغرت على أهل الأنبار وأهل المدائن فكأنّك أغرت على الكوفة إن هذه الغارات يا سفيان على أهل العراق ترعب قلوبهم وتفرح كل من له فينا هوى منهم وتدعو الينا كل من خاف الدوائر فأقتل من لقيته ممن ليس هو على مثل رأيك وأخرب كل ما مررت به من القرى واحرب {اسرق} الأموال فإن حرب الأموال شبيه بالقتل وهو أوجع للقلب .

* * * * * * « 4 » * * * * * *

قال{اخو غامد}: فخرجت من عنده فعسكرت وقام معاوية في الناس خطيباً فقال :

أيّها الناس انتدبوا مع سفيان بن عوف فانّه وجه عظيم فيه أجر ... انشاء الله.. ثم نزل

قال: فو الذي لا إله غيره ما مرت ثالثة حتى خرجت في ستة آلاف ثم لزمت شاطئ الفرات فأغذذت السير حتى أمر بهيت فبلغهم أني قد غشيتهم فقطعوا الفرات فمررت بها وما بها عريب كأنّها لم تحلل قط فوطئتها حتى أمر بصند وداء ففروا فلم ألق بها أحداً فمضيت حتى أفتتح الأنبار.

يروي ابن أبي الحديد انه عندما انتهى إلى الأمام علي {ع } هذا الأمر خرج مغضباً يجر رداءه حتى أتى النخيلة {اسم منطقة}، وتبعه الناس فرقى رباوة في الأرض فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيّه {صلى الله عليه وآله} ثم شرع يستنهض الناس فقال : أما بعد فان الجهاد باب من أبواب الجنّة ....

* * * * * * « 5 » * * * * * *

حال اهل الأنبار والكوفة عامة

قبل الخوض في الخطبة لا بد ان نتطرق الى الحالة التي كان يعيشها اهل الأنبار انذءاك وذلك للوقوف على الدوافع التي من اجلها غضب الأمام {ع } وخرج فألقى هذه الخطبة العظيمة والتي تحوي داخلها وفي كل تفاصيلها عناوين كبيرة.

* * * * * * « 6 » * * * * * *

يقول {اخو غامد} عندما وصلنا مشارف الأنبار خرج صاحب المسلحة {مسؤول الثغر او المرابطة) إلي فوقف لي .. فلم أقدم عليه حتى أخذت غلماناً من أهل القرية فقلت لهم: أخبروني كم بالأنبار من أصحاب علي {ع } ؟

* * * * * * « 7 » * * * * * *

قالوا: عدة رجال {المسلحة} خمسمائة ولكنهم قد تبددوا ورجعوا إلى الكوفة ، ولا ندري كم يكون فيها قد يكون مائتي رجل.

* * * * * * « 8 » * * * * * *

فنزلت فقسمت أصحابي كتائب ثم أخذت أبعثهم إليهم كتيبة بعد كتيبة، فيقاتلونهم ويطاردنوهم في الأزقة، فلما رأيت ذلك أنزلت إليهم نحواً من مائتين وأتبعتهم بالخيل، فحملت عليهم الخيل وأمامها ثلاثين رجلاً، وحملنا ما كان في الأنبار من الأموال ثم انصرفت...،

* * * * * * « 9 » * * * * * *

فو الله ما غزوت غزوة كانت أسلم ولا أقر للعيون، ولا أسر للنفوس منها ، وبلغني والله أنّها أرعبت الناس، فلما عدت إلى معاوية، حدثته الحديث على وجهه، فقال: كنت عند ظني بك، لا تنزل في بلد من بلداني إلاّ قضيت فيه مثل ما يقضي فيه أميره، وإن أحببت توليته وليتك، وليس لأحد من خلق الله عليك أمر دوني، قال فو الله ما لبثنا إلاّ يسيراً، حتى رأيت رجال أهل العراق يأتوننا على الابل هرّاباً من عسكر علي {ع }، {للتذكير} فمن تركه {الجهاد} رغبة عنه البسه الله ثوب الذل وشملة البلاء .

* * * * * * « 10 » * * * * * *

حال بعض العسكر المرابطين

بعد ان شاهدنا حال الاستسلام والخنوع التي كان يعيشها اهل الأنبار والكوفة عامة وما جرى من فرار البعض امام جحافل معاوية بقيادة سفيان بن عوف الغامدي الذي مر معنا انه من ان بانت جحافل جيوشه على مشارف الأنبار حتى تقلص عدد المسلحة المولجة حماية ثغور المسلمين في الانبار من خمسمائة شخص الى مائتين وهذا الفرار من شانه دب الرعب في نفوس الأهالي والعسكر في آن .

* * * * * * « 11 » * * * * * *

يقول ابراهيم بن عبدالله بن قيس كنت مع أشرس بن حسان البكري بالأنبار على مسلحتها، إذ صبحنا سفيان بن عوف في كتائب تلمع الأبصار منها، فهالونا والله، وعلمنا إذ رأيناهم أنه ليس لنا طاقة بهم ولا يد، فخرج إليهم صاحبنا وقد تفرقنا فلم يلقهم نصفنا، وايم الله لقد قاتلناهم فأحسنا قتالهم حتى كرهونا ثم نزل صاحبنا وهو يتلو قوله تعالى:{فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَـدَّلُوا تَبْدِيلاً}.

* * * * * * « 12 » * * * * * *

ثم قال لنا: من كان لا يريد لقاء الله، ولا يطيب نفساً بالموت، فليخرج عن القرية ما دمنا نقاتلهم، فان قتالنا إياهم شاغل لهم عن طلب هارب، ومن أراد ما عند الله فما عند الله خير للأبرار، ثم نزل في ثلاثين رجلاً، فهممت بالنزول معه، ثم أبت نفسي، واستقدم هو وأصحابه، فقاتلوا حتى قتلوا رحمهم الله، وانصرفنا نحن منهزمين.

هذا كان حال بعض العسكر الذين فروا من المواجهة ولم يبقى الاّ القليل ممن ابوا الفرار من الزحف فنالوا شرف الدنيا والاخرة ونال ما نال الفارين من الخزي والعار الذي سيمر معنا في سلبيات الفرار.

* * * * * * « 13 » * * * * * *

عندما علم الأمام علي {ع }، بالخبر صعد المنبر فخطب الناس وقال إن أخاكم البكري قد أصيب بالأنبار وهو معتز لا يخاف ما كان واختار ما عند الله على الدنيا فانتدبوا إليهم حتى تلاقوهم فإن أصبتم منهم طرفا أنكلتموهم عن العراق أبدا ما بقوا ، ثم سكت عنهم رجاء أن يجيبوه أو يتكلم منهم متكلم فلم ينبس أحد منهم بكلمة ... : قلت لكم... اغزوهم قبل ان يغزوكم ، فوالله ما غزي قوم في عقر دارهم الاّ ذلوا ، فتواكلتم وتخاذلتم حتى شنت عليكم الغارات .

* * * * * * « 14 » * * * * * *

خطبة الجهاد الخطبة {27 }، من نهج البلاغة،

فضل الجهادرد: قراءات في خطبة الجهاد للأمام علي {ع }،

الجزء الرابع 4/7

. من خطب أمير المؤمنين{ الإمام علي إبن أبي طالب {عليه السلام }: التي وردت فينهج البلاغة في فضل الجهاد وإستنهاض الناس أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَتَحَهُ اللَّهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى وَدِرْعُ اللَّهِ الْحَصِينَةُ وَجُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ الذُّلِّ وَشَمِلَهُ الْبَلَاءُ وَدُيِّثَ بِالصَّغَارِ وَالْقَمَاءَةِ وَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالْإِسْهَابِ وَأُدِيلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْيِيعِ الْجِهَادِ وَسِيمَ الْخَسْفَ وَمُنِعَ النَّصَفَ.

* * * * * * « 15 » * * * * * *

أما بعد فهذه هي الخطبة السابعة والعشرين من نهج البلاغة وتعد من مشاهير خطب الإمام أمير المؤمنين على بن أبى طالب {ع }، تحمل الطابع السياسي والاجتماعي والعقائدي، حيث يذكر فيها الإمام على {ع } فضل الجهاد في سبيل اللّه والدعوة إليه، وتخاذل أصحابه عن نصرة الدين... علما أنّ الجهاد ركن من أركان الدين حيث يقول الباري سبحانه: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ }(آل عمران ـ 241}

* * * * * * « 16 » * * * * * *

فنبدأ الآن بشرحها ثم الوقوف على مقوماتها من الأفكار والعواطف والأسلوب و...و...و... ونختم الحديث بمقارنة مع ابن نباتة، آملين من اللّه العزيز أن يجعله نافعاً للمسلمين.

* * * * * * « 17 » * * * * * *

الآن نقف معاً عند الخطبة أولاً ثم نخوض في البحث ثانياً:

أَمَّا بَعْدُ فَإنَّ الْجِهَاد بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَتَحَهُ اللّهُ لَخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ وَهُوَ لِباسُ التَّقْوَى وَدِرْعُ اللّهِ الْحَصِينَةُ وَجُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ.

فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ الْبَسَهُ اللّهُ ثَوْبَ الذُّلِّ وَشَمْلَةَ الْبَلاَءِ. وَدُيِّثَ بَالصِّغَارِ وَالْقَمَاءَةِ وَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بَالاْءَ سْدَادِ وَادِيلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْيِيعِ الْجِهَادِ وَسِيمَ الْخَسْفَ وَمُنِعَ النَّصْفَ.

* * * * * * « 18 » * * * * * *

استنهاض الناس

ألاَ وَإنِّى قَدْ دَعَوْتُكُمْ إلى قِتَالِ هؤلاء الْقَومِ لَيْلاً وَنَهَارا، وَسِرا وَإعْلاَنا، وَقُلْتُ لَكُمُ اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَعْزُوكُمْ، فَوَاللّهِ مَا غُزِىَ قَوْمٌ في عُقْرِ دَارِهِمْ إلاَ ذَلُّوا. فَتَوَاكَلْتُمْ‏وَتَخَاذَلْتُمْ حَتَّى شُنَّتِ الْغَارَاتُ عَلَيْكُمْ وملكت عَلَيْكُمُ الأَوْطَانُ. وَهْذَا اخُو غَامِدٍ قَدْ وَرَدَتْ خَيْلُهُ الأَنبَارَ وَقَدْ قَتَلَ حَسَّانَ ابْنِ حَسَّانَ الْبَكْرِىَّ وَأَزَالَ خَيْلَكُمْ عَنْ مَسَالِحِهَا وَلَقَدْ بَلَغَنِى أَنَّ الرَّجُلَ مَنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَالْأُخْرَى الْمُعَاهِدَةِ فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وَقُلْبَهَا وَقَلاَئِدَهَا وَرِعَاثَهَا.

مَا تَمْتَنع مِنْهُ إلاَ بِاِلاسْتِرْجَاع وَالاِسْتِرْحَامِ ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ مَا نَالَ رَجُلاً مَنْهُمْ كَلْمٌ وَلاَ أُرِيقَ لَهُمْ دَمٌ. فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِما مَاتَ مَنْ بَعْدِ هذَا اسَفا مَا كَانَ بَهِ مَلُوما بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِى جَدِيرا.

فَيَا عَجَبا وَاللّهِ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيَجْلِبُ الهمَّ مِنِ اجْتِمَاعِ هؤُلاَءِ الْقَوْمِ عَلَى بَاطِلِهِمْ وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ فَقُبْحا لَكُمْ وَتَرَحا حِينَ صِرْتُمْ غَرَضا يُرْمَى يُغارُ عَيْكُمْ وَلاَ تُغِيرُونَ. وَتُغْزَوْنِ وَلاَ تَغْزُونَ. وَيُعْصَى اللّهُ وَتَرْضَوْنِ فَاذَا أَمَرْتُكُم بِالسَّيْرِ إلَيْهِمْ في أَيَّامِ الْحَرَّ قُلْتُمْ هذِهِ حَمَارَّةُ الْقَيْظِ أَمْهِلْنَا يُسَبَّخْ عَنَّا الْحَرُّ وَإذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إلَيْهِم في الشِّتَاءِ قُلْتُمْ هذِهِ صَبَارَّةُ الْقُرِّ أمْهِلْنَا يَنْسَلِخْ عَنَّا الْبِرْدُ. كُلُّ هْذَا فِرَارا مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرِّ فَإذَا كُنْتُمْ مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرِّ تَفِرُّونَ فَإذا أَنْتُمْ وَاللّهِ مِنَ السَّيْفِ أفَرُّ.

* * * * * * « 19 » * * * * * *

البرم بالناس

يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ وَلاَرِجَالَ. حُلُومُ الأَطْفَالِ. وَعُقُولُ ربَّاتِ الْحِجَالِ. لَوَدِدْتُ أَنِّى لَمْ أَعْرِفْكُمْ . مَعْرِفَةٌ وَاللّهِ جَرَّتْ نَدَما وَاعْقَبَتْ سَدَما. قَاتَلَكُمُ اللّهُ لَقَدْ مَلاُتُمْ قَلْبِى قَيْحا. وَشَحَنْتُمْ صَدْرِى غَيْظا. وَجَرَّعْتُمُونِى نُغَبَ التَّهْمَامِ أَنْفَاسا. وَأفَسَدْتُمْ عَلَىِّ رَأيِى بِالْعِصْيَانِ وَالْخِذْلاَنِ حَتَّى لَقَدْ قَالَتْ قُرَيْشٌ إنَّ ابْنَ أَبِى طَالِبٍ رَجُلٌ وَلكِنْ لاَ عِلْمَ لَهُ بِالْحَرْبِ. للّهِ أَبُوهُمْ! وَهَلْ أَحَدٌ مَنْهُمْ أَشَدُّ لَهَا مِرَاسا وَأَقْدَمُ فِيهَا مَقَاما مِنِّى؟ لَقَدْ نَهَضْتُ فِيهَا وَمَا بَلَغْتُ الْعِشْرِينَ، وَهَا أَنَاذَا قَدْ ذَرِّفْتُ عَلَى السِّتِّينَ. وَلكِنْ لاَ رَأىَ لَمِنْ لاَ يُطَاعُ.

* * * * * * « 20 » * * * * * *

مناسبة الخطبة:

وعلة ذلك كما ذكرها صاحب الكامل {انه انتهى إلى على {ع } إنّ خيلا لمعاوية وردت الانبهار فقتلوا عاملاً له يقال له حسان بن حسان، فخرج مغضبا يجر ثوبه حتى أتى النخلية، واتبعه الناس، فرقى رباوة من الأرض فحمد اللّه وأثنى عليه، وصلى على نبيه{ص } ثم قال أما بعد فإنّ الجهاد....} {ع }،

* * * * * * « 21 » * * * * * *

هذا وان الحملة كانت عنيفة جداً كما أشار إليها ابن أبى الحديد نقلاً عن كتاب الغارات{أنه قال {الغامدي}، دعاني معاوية فقال: أني باعثك في جيش كثيف ذي أداة وجلاد، فالزم لي جانب الفرات حتى تمربهيت فتقطعها، فإنّ وجدت بها جنداً فاغر عليهم، وإلا فامض حتى تغير على الانبهار، فإنّ لم تجد بها جنداً فأمض حتى توغل المدائن، ثم اقبل إلي، واتق أن تقرب الكوفة، واعلم انك إن أغرت على أهل الانبهار وأهل المدائن فكأنك أغرت على الكوفة إنّ هذه الغارات ياسفيان على أهل العراق ترعب قلوبهم، وتفرح كل من له فينا هوى منهم، وتدعو ألينا كل من خاف الدوائر {المصائب والشدائد}، فاقتل من لقيته ممن ليس هو على مثل رأيك، وأخرب كل ما مررت به من القرى واحرب الأموار
{اسلب} فإنّ حرب الأموال شبيه بالقتل وهو أوجع للقلب...}
{ع }،

* * * * * * « 22 » * * * * * *

شرح الخطبة:

قيل إن كلام الملوك ملوك الكلام، وبناءً على هذا فإنّ كلام المعصوم ما هو إلاّ عصمة للكلام، فإنك تجد في هذه الخطبة أنّ الحديث جاء مناسباً للمخاطبين، بلا لغو ولا إبهام، يصب في الضمائر الحية حميم الغضب ضد أعداء الدين، يذكرهم أولاً بفضل الجهاد في سبيل اللّه والتمسك بسنة رسوله{ص }، والتر غيب في الدخول إلى الجنان، والجلوس عند الحور الحسان، ومن جانب آخر ـ يحذهم نار جهنم وغضب الجبار، ثمَّ يحذرهم من الذال والاحتقار عند ترك الجهاد، وكان هذا العمل منه دؤوباً، يدعوهم ليلاً ونهاراً، سراً وإعلاناً.

* * * * * * « 23 » * * * * * *

ثم بدا باستنهاض الهمم العالية للرجال، وترغيبهم للقتال، وإثارة الحماسة في قلوب الجماهير، من قبل أن يستفحل الأمر، وينقادوا لسيطرة الأجنبي، ولكن لا أمر لمن لا يطاع، حينئذ استصرخ ضمائرهم، وحاول أن يحرك الوجدان لديهم، وذلك لما ذكر المرأة التي تعد ناموساً وعرضاً للإنسان العربي المسلم، وبين كيف تجاوز عليها الأعداء، وسلبوا منها الذهب من خلخال وسوار وقلادة وقرط وفى النهاية يبدي الإمام على {ع }أسفه الشديد بالموت لسماع هذه الأخبار الموحشة، وبهذه الجمل عساه أن يكتسب الأعوان وينفروا معه إلى سوح القتال، ولكن للأسف الشديد، لقد ماتت الضمائر الحية، وخرست الألسن الناطقة، وكان الموت يرفرف على رؤوسهم، فراراً من الزحف، وأخيراً دعا عليهم بقوله: قبحا لكم وترحا، وان ينحيهم اللّه عن الخير، ذاماً لهم بقوله: قاتلكم اللّه لقد ملئتم قلبي قيحا {صديدا} وشحنتم {ملأتم} صدري غيظا{غضبا} وجرعتموني نغب{جرع} التهمام {الهم} أنفاسا... فهو {ع } يذكر في خطابه هذا بعض المحن التي لاقاها من قبل الكوفيين.

* * * * * * « 24 » * * * * * *

النص والأفكار:

احتوت الخطبة على البحوث التالية: فضل الجهاد، الدعوة إليه، تخاذل الكوفيين عن نصرته، الرؤية المستقبلية، إظهار التحسر والتلف عليهم، التنفر منهم، وأخيراً ذمهم.

* * * * * * « 25 » * * * * * *

العاطفة:

نشير قليلا إلى تجلي عنصر العاطفة في هذه الخطبة فنقول؛

أولاً: أنّه {ع } خاطب الوجدان، حيث خاطب الإمام {ع } نفسه الكريمة والمستمعين قائلا: ـ أني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً و...و...، فانك ‏ترى من خلال الكلام، نفسه {ع } مطمئنة ارتياحا، لأنّه أدى الواجب الملقى على عاتقه بقوله: دعوتكم ليلاً ونهاراً... ولكن المستمعين اتخذوا التواكل والخذلان طريقا لهم كي لا يفلحوا أبدا، والحال هم المسؤولون أمام هذا الخراب والدمار لأنهم هم المستهدفون والمقصرون في أداء واجباتهم، ورضوا بالغزو وتمسكوا بالمعاذير الواهية.

* * * * * * « 26 » * * * * * *

ثانيا: تحريك المشاعر، فإنّه {ع } أثار الأحاسيس لدى المخاطبين عن طريق حب الوطن، حيث قال: «وملكت عليكم الأوطان»، فاحتلال الوطن من قبل الأعداء يثير الغضب عند الجمهور حتى يصل بهم الحال إلى الأخذ بالثار من المعتدين، وكما يقول الرسول العظيم{ص }: « حب الوطن من الإيمان»، وكذلك آثار المشاعر عن طريق العرض، فانظر إلى تدرجه في إثارة العاطفة لدى الجماهير الحاشدة، فإنّه {ع } ابتدأ بذكر المرأة المسلمة ثم المعاهدة، ثم تدرج في كلامه من سلب الحجل (الخلخال) في الإقدام وصعوده إلى السوار في المعاصم {الأيدي} والى القلادة في الجيد، وأخيراً إلى القرط في الأذان، فمع هذا التصاعد يتصاعد لهيب الحماسة والغيرة وتثار الحمية في النفوس وتشحنها حقداً وحنقاً على العدو علماً أنّه {ع } كان يعلم ما للمسلم من بذل نفسه وماله للحفاظ على سمعة المرأة وعلى شرف الفتاة، فإذا هو يعنف هؤلاء القوم على القعود دون نصرة المرأة التي استباح العدو حماها ثم انصرفوا امنين من دون مقاومة وكذلك أثار مشاعر الجمهور عن طريق إثارة الشعور الديني، حيث يقول {ع } « فيا عجبا عجبا، واللّه يميت القلب ويجلب الهم من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم... صرتم غرضا {هدفا} يرمى، يغار عليكم ولا تغيرون، تغزون و لا تغزون، ويعصى اللّه وترضون، فكل من التفرق عند الدين الحق، وعصيان الرب و...و... » أحاسيس ومشاعر دينية صادقة تفجر بركان الغضب عند المسلمين ضد أعدائهم وكذلك نراه {ع }أثار الشعور عند الجمهور عن طريق الخوف: فقد استولى الخوف على نفوس الكوفيين حيث يقول: فإنتم واللّه من السيف أفر، وليست المسالة مسالة الصيف والشتاء، والحر والبرد، وإنما هو الخوف من العدو و يستمر في إثارة العواطف عند الناس عن طريق صدق العاطفة، حيث يقسم باللّه العظيم قائلا: « فواللّه ما غزى قوم قط في عقر دارهم {وسطها} إلاّ ذلوا»، ثم تراه {ع } ينفعل مراراً خلال الخطبة، فيقول مخاطباً الناس: «قاتلكم اللّه لقد ملأتم قلبي قيحا {صديدا} وشحنتم {ملأتم} صدري غيظا {غضبا} وجرعتموني نغب التهمام أنفاساً.

* * * * * * « 27 » * * * * * *

وأخيراً تبدو إمارات اليأس في كلامه حيث يقول: «لوددت أني لم أراكم ولم أعرفكم معرفة {واللّه} جرت ندماً وأعقبت سدماً {هماً}»، ويختم الخطاب في النهاية بالمثل المعروف: «ولكن لا رأي لمن لا يطاع»، آيساً من الجمهور عارضاً عنهم صفحاً {ولا جرم أنّ صاحب الخلافة الكبرى أمير المؤمنين عليه السلام قال هذه المقالة تحسراً عليهم من قلب ملاه حب وحنان، وعن يقين إنّ في الطاعة نجاتهم، وفى الخلاف هلاكهم، ولا يقول قائل هذا الكلام إلاّ تحسراً على فوت الهدف الأفضل بالعصيان، علما منه بالعافية المحسودة بالطاعة} {ع }

* * * * * * « 28 » * * * * * *

الخيال والبلاغة:

في قوله {ع }: لباس التقوى، وثوب الذل، استعارتان، ففي لباس التقوى، استعارة مكنية، شبه التقوى بإنسان وحذف المشبه به وأبقى بعض صفاته لتدل عليه، وهو لباس، على سبيل الاستعارة المكنية، وهكذا القول بالنسبة لقوله{ع }: ثوب الذل.

* * * * * * « 29 » * * * * * *

وفى قوله {ع }: ليلاً ونهاراً، سراً وإعلاناً، مقابلة، وكذا في قوله {ع }: يغار عليكم ولا تغيرون وتغزون ولا تغزون، طباق سلب، وبين الحر والقر جناس ناقص، وفى عبارة:«عجبا واللّه يميت القلب ويجلب الهم من اجتماع هؤلاء....» صناعة بديعية تؤكد على القسم{4 } الذي فيه هجاء.

* * * * * * « 30 » * * * * * *

الأسلوب:

أولاً: متأثر بالقران الكريم كما يلوح للناظر، وذلك أما عن طريق الاقتباس مباشرة كما في العبارات التالية:

* * * * * * « 31 » * * * * * *

1- قوله {ع }: وهو لباس التقوى، مقتبس من قوله تعالى: قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ {الأعراف/ 62}.

* * * * * * « 32 » * * * * * *

2- قوله {ع }: دعوتكم ليلاً ونهاراً وسراً وإعلاناً، مقتبس من قوله تعالى: رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا... ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارً... وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا {نوح/ 4-9}.

* * * * * * « 33 » * * * * * *

3- قوله {ع } وهذا اخو خامد، مقتبس من قوله تعالى: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا{الأعراف/ 85} وأما الاقتباس الغير المباشر فتصوره الأمثلة التالية:

* * * * * * « 34 » * * * * * *

1- قوله {ع }: وديث بالصغار، مشابه لقوله تعالى: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا{البقرة/

* * * * * * « 35 » * * * * * *

2- قوله {ع }: وضرب على قلبه بالإسهاب، مشابه لقوله تعالى: طُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ {التوبة / 87}.

* * * * * * « 36 » * * * * * *

3- قوله {ع }: وأديل الحق منه، نظير قوله تعالى: قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا {يونس/ 89}

* * * * * * « 37 » * * * * * *

4- قوله {ع }: وسيم الخسف، يشابه قوله تعالى: وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء {هود/ 44}

* * * * * * « 38 » * * * * * *

5- قوله {ع }: ما غزى قوم قط، تشبه قوله تعالى: وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ {الأعراف / 204}ولها نظائر أخرى اعرضنا عنها صفحا خوف الإطالة.

* * * * * * « 39 » * * * * * *

الفصاحة:

وهى من ابرز الصفات عند الإمام على {ع }، حيث قيل في شان نهج البلاغة انّه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق فأولاً: الكلمات الفصيحة والبليغة جاءت مناسبة لمواقعها من هذه الخطبة، فأدنى تغير في المحل أو استخدام المرادف لاختلف المعنى ؛ فعلى سبيل المثال نأخذ كلمة {تواكلتم}في هذه الجملة {فتواكلتم وتخاذلتم...}، لو عوضت بكلمة {تعاجزتم}، لما أدت ذلك المعنى الملقاة على عاتق {تواكلتم}، فالكلمة الأولى فيها معنى الفرار من المسؤولية وهو غير معذور، والحال الكلمة الثانية‏ ترى العجز عذراً ثانياً: اتخاذ الجمل الإنشائية والخبرية منطلقاً في الكلام،

* * * * * * « 40 » * * * * * *

فتارة يميل إلى الإنشائية كقوله {ع }: قلت لكم اغزهم {أمرية} قبل أن يغزوكم؛ فواللّه{قسم} ما غزى قوم...

* * * * * * « 41 » * * * * * *

وأخرى يستعين بالخبرية كقوله {ع }: فتواكلتم وتخاذلتم حتى شنت عليكم الغارات وملكت عليكم الأوطان... فالتنوع هذا جاء حسب ما يقتضيه المعنى حيث يجعل القارئ يتمتع بالكلام ولا يمل الخطاب، وهذه الصبغة الحاكمة على إرجاء الخطبة.

* * * * * * « 42 » * * * * * *

موازنة:

من اجل الوقوف على الصياغة الأدبية، ومن اجل بيان محاسن الخطبة الجهادية لمولانا أمير المؤمنين {ع }، نشير هنا إلى مقايستين قام بهما ابن أبى الحديد في شرحه؛

* * * * * * « 43 » * * * * * *

فالأولى: القرآن الكريم والإمام علي {ع }، يقول ابن أبى الحديد: (فإنّ شئت أن تزداد استبصارا، فأنظر القرآن العزيز، واعلم أنّ الناس قد اتفقوا على أنه في أعلى طبقات الفصاحة، وتأمله تأملاً شافياً، وانظر إلى ما خص به من مزية الفصاحة والبعد عن التعقر{5 } والتعقيد والكلام الوحشي الغريب، وانظر إلى كلام أمير المؤمنين{ع } فانك تجده مشتقاً من ألفاظه، ومقتضباً من معانيه ومذاهبه ومحذواً به حذوه، ومسلوكاً به في منهاجه، فهو وأن لم يكن نظيراً و لا نداً، يصلح أن يقال أنّه ليس بعده كلام أفصح منه ولا أجزل ولا أعلى ولا أفخم ولا أنبل إلاّ أن يكون كلام ابن عمه عليه السلام، و هذا أمر لا يعلمه إلاّ من ثبت له قدم راسخة في علم هذه لصناعة، وليس كل الناس (العلماء)يصلح لانتقاد الجوهر، بل ولا لانتقاد الذهب، ولكل صناعة اله ولكل عمل رجال} {6 }،

* * * * * * « 44 » * * * * * *

وأما الثانية: الإمام على {ع } وابن نباتة: يقول ابن أبى الحديد {واعلم أنّ التحريض على الجهاد، والحض عليه قد قال فيه الناس فأكثروا، وكلهم اخذوا من كلام أمير المؤمنين{ع }، فمن جيد ذلك ما قاله أبي نباتة الخطيب: ـ أيها الناس إلى كم تسمعون الذكر فلا تعون، والى كم تقرعون بالزجر فلا تقلعون، كأن أسماعكم تمج ودائع الوعظ، وكأن قلوبكم بها استكبار عن الحفظ، وعدوكم يعمل في دياركم عمله، و يبلغ بتخلفكم عن جهاده أمله، وصرخ بهم الشيطان إلى باطله فأجابوه... فالجهاد الجهاد أيها الموقنون، والظفر الظفر أيها الصابرون، والجنة الجنة أيها الراغبون، والنار النار أيها الراهبون، فإنّ الجهاد اثبت قواعد الإيمان، وأوسع أبواب الرضوان، وارفع درجات الإيمان...،

* * * * * * « 45 » * * * * * *

ثم يعلق ابن أبي الحديد قائلاً: فأنظر إليها والى خطبته {ع } بعين الإنصاف، تجده إليها كمخنث بالنسبة إلى فحل، أو كسيف من رصاص بالإضافة إلى سيف من حديد، وانظر ما عليها من اثر التوليد، وشين الكتلف وفجاجة كثير من الألفاظ، ألاّ ترى إلى فجاجة قوله: كأن أسماعكم تمج ودائع الوعظ، وكان قلوبكم بها استكبار عن الحفظ... ومع هذا فهي مسروقة من كلام أمير المؤمنين {ع }، ألا ترى أنّ قوله{ع }: أما بعد فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنة، قد سرقه ابن نباتة فقال: فإنّ الجهاد اثبت قواعد الإيمان، وقوله{ع }: من اجتماع هؤلاء على باطلهم و تفرقكم عن حقكم، سرقه أيضاً فقال: صرخ بهم الشيطان إلى باطله فأجابوه... قوله {ع }: قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم... سرقه أيضاً فقال: كم تسمعون الذكر فلا تعون، وتقرعون بالزجر فلا تقلعون، وقوله {ع }: حتى شنت عليكم الغارات وملكت عليكم الأوطان، سرقه أيضاً وقال: وعدوكم يعمل في دياركم عمله ويبلغ بتخلفكم عن جهاده أمله....) {7 }،

* * * * * * « 46 » * * * * * *

وأخيراً كان من الطبيعي أن يغضب الإمام على {ع } في مثل هذا الموقف، فإذا بعبارته تحمل كل ما في نفسه من الغضب، فتأتي حارة شديدة مسجعة مقطعة ناقمة‏ حيث يقول: فقبحاً لكم حين صرتم غرضاً يرمى... وفى النهاية نحمد اللّه تعالى على جميع نعمه علينا، ونصلى ونسلم على اشرف أنبيائه محمد واله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــ

{1} القرآن الكريم.

{2} شهيدى سيد جعفر ـ ترجمه نهج البلاغة ـ ط 2 ـ 1370 ـ انتشارات اموزش انقلاب أسلامي.

{3} المبرد ـ محمد بن جرير ـ الكامل في اللغة والأدب ـ ج 1/13 ـ مكتبة المعارف ـ بيروت.

{4} ابن أبي الحديد ـ شرح نهج البلاغة ـ 1/441 ـ دار إحياء التراث العربي ـ بيروت

{5} الغروي ـ محمد ـ الأمثال والحكم ـ ص / 388 ـ مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم ـ 0741 ه.ج.

{6} قال النويرى في نهاية الأرب ج 7/150 ـ القسم هو أن يريد الشاعر الحلف على شي‏ء فيأتي في الحلف بما يكون مدحاً له وما يكسبه فخراً، أو يكون هجاء الغيرة، أو وعيداً، أو جارياً مجرى التغزل.

{7} تعقر في كلامه: أخرجه من حلقه.

* * * * * * * * * * * *

المصدر: خطبة الجهاد الخطبة (27) من نهج البلاغة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الكوفي


التعليقات




5000