..... 
مقداد مسعود 
.
......
مواضيع الساعة
ـــــــــــــــــــــــــــ
.
محمد عبد الرضا الربيعي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
......
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
   .......
  
   
 ..............

.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


مهرجان تراثنا هويتنا ـ مدينة سبيطلة ـ الجمهورية التونسية / الحلقة السادسة

عبد الرزاق عبد الكريم

 

بدعوة كريمة من جمعية سنا سفيطلة لحضور المهرجان الثقافي والفني الذي تقيمه الجمعية تحت شعار ( تراثنا هويتنا ) وصلنا مطار قرطاج الدولي في العاصمة تونس الجميلة وكان في الاستقبال الشاعر الأديب الأستاذ عادل الجريدي ـ نائب رئيس إتحاد الكتاب التونسيين وبعد السلام والتعارف توجهنا لمكان الضيافة المخصص للوفود العربية في مدينة رادس التي تبعد عشرة كيلو متر عن العاصمة تونس وبعد استراحة,

 أوضح الأستاذ عادل الجريدي بأن هناك جولة في تونس العاصمة لمشاهدة بعض المعالم التاريخية والتراثية والثقافية وهكذا تحركنا نحو العاصمة لنزور أولا مقر إتحاد الكتاب التونسيين الواقع في شارع باريس وهو جمعية تونسية ثقافية تأسست في مطلع السبعينات وحصلت على الموافقة بالعمل رسميا بتاريخ 17 آذار 1971, يضم الاتحاد أعضاء من مختلف الميادين الأدبية والثقافية (قصة، رواية، شعر) وكذلك البحثية (تاريخ، حضارة...) وهناك عددا آخر من الكتاب ممن اختاروا الاستقلالية أو انضموا إلى روابط أخرى, يعقد اتحاد الكتاب مؤتمر عام انتخابي كل ثلاث سنوات لأعضاء الهيئة العامة وبدورها تنتخب هيئة الإدارية جديدة التي تتولى تسيير الاتحاد للمدة القانونية.
وأصدر الإتحاد مجلة فصلية تحت أسم ( المسار) وكان عددها الأول صدرفي خريف 1988م, رأس تحريرها محمد العروسي المطوي ثم أعقبه الميداني بن صالح.


بعدها كان توجهنا نحو تونس القديمة أو كما يعرف بـ (العتيقة) من خلال أبوابها وهي قسمان أبواب داخلية وأبواب خارجية: باب الأقواس, باب البحر, باب البنات باب الجديد, باب الجزيرة, باب الخضراء, باب سعدون, باب سوق القماش, باب السويقة, باب سيدي عبد السلام, باب سيدي عبد الله الشريف, باب سيدي قاسم, باب العسل, باب العلوج, باب عليوة, باب الفلة, باب القرجاني, باب قرطاجنة, باب المنارة.
تمتد (المدينة العتيقة)، لنحو ثلاث كيلومترات وهي في قلب العاصمة التونسية تونس، تقع فوق ربوة مطلة على البحر، وتمتد من باب الفلة وباب عليوة من الجهة الجنوبية، إلى باب سعدون في الجهة الشمالية، وتقع باب العلوج من الجهة الغربية، وباب البحر من الجهة الجنوبية, أما تاريخ (المدينة العتيقة) فإنه يرتبط بمجموعة من الأسواق التي تحيط جامع الزيتونة ومجموعة أخرى من الجوامع, فيلاحظ أن كل هذه الأسواق تحيط بالجامع ومن جميع الجهات، كما أن كل شوارع (المدينة العتيقة) تؤدي إلى الساحة الواقعة أمام الزيتونة, هذا وأن (المدينة العتيقة) تتكون من 40 سوقا تمارس معظم النشاطات التجارية، من بينها 26 سوقا مغطاة (مسقفّة), يتوسط المدينة منها 16 سوقا شيدت حول الجامع الذي يعد أحد أشهر جوامع العالمين العربي والإسلامي, ويقول بعض المؤرخين العرب أن وجود هذه الأسواق مرتبط بنشأة (مدينة تونس العتيقة) منذ القرن الثالث للهجرة, ومنها (سوق الفكة) وهو متخصص ببيع الفواكه الجافة يعود إلى القرن الـحادي عشر الميلادي، وبذا يعتبر من أقدم الأسواق المحيطة بالزيتونة، وهو يقع على المدخل الرئيسي للجامع, كذلك يعد (سوق البلاط) من الأسواق القديمة أيضا، وهو متخصص ببيع الحشائش الطبية وزيت الزيتون، وتعود تسميته إلى (بلاط الخرسانيين), وعموما يعود بناء الأسواق الأخرى المتاخمة للزيتونة إلى العهد الحفصي في القرن الـثالث عشر الميلادي، وبالتحديد في عهد أبي زكريا الحفصي الذي أسس (سوق العطارين) وفيها تباع مختلف أصناف العطور والبخور والمواد الأولية المستعملة في صناعة أدوات التجميل التقليدية، وقد عرفت تونس في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي ازدهارا اقتصاديا ملحوظا قام على مجموعة من الصناعات المحلية، من بينها على وجه الخصوص صناعة الشاشيّة، وذلك في (سوق الشواشيّة) الممتدة من جامع حمودة باشا إلى مشارف (سوق العطارين), أما الآن فيقدر عدد الحرفيين العاملين في (المدينة العتيقة) في الوقت الحاضر بحدود خمسة آلاف حرفي يشتغلون في قطاع الصناعات والحرف التقليدية، وهو ما يجعل (المدينة) مكانا يضج بالحياة طوال ساعات النهار.

 


عن أهمية (المدينة العتيقة)، بمساجدها وأسواقها وهندستها المعمارية، يقول المنصف الشابي، وهو تاجر من سكان نهج الباشا - أحد أعرق الأنهج (الشوارع) في المدينة -: (إن روحا عجيبة تسكن هذه المدينة, ففي كل حقبة تاريخية يذهب ظن البعض إلى أنها ستندثر وتزول .. فلا يبقى لها أثر، غير أنها مثل طائر (الفينيق) الأسطوري تنتفض كل مرة من جديد، وتبعث فيها الحياة والحركة، فإذا بها ندية متقدة بالنشاط والحيوية) كما يتساءل الشابي (كيف لمدينة فيها جامع الزيتونة المعمور ومجموعة التحف المعمارية الضاربة في التاريخ، من (المدرسة السليمانية) إلى (دار الجلد) و(القصبة) - فضاء الحكومات المتعاقبة على تونس - ومجموعة القصور التي كانت يوما تعج بأعيان (المدينة)، أن يتراجع دورها الاجتماعي والاقتصادي؟.. هذا، طبعا، من باب المستحيل).

 


بالفعل، تعتبر أسواق المدينة القديمة في تونس تحفا معمارية، بل هي رموز ناطقة للتطور المعماري الهام الذي عاشته تونس على امتداد قرون من الزمن, وتتركب هندستها المعمارية من أعمدة حجرية ذات أصول أندلسية تعلوها قباب من الآجر التقليدي وتحيط بها جدران سميكة توفر البرودة صيفا والاعتدال والحرارة شتاء, أما أرضية السوق فتتوسطها شوارع ضيقة في معظمها، تتوسطها ممرات مخصصة للمارة والمتجولين، أما جانباها فيفتحان على الدكاكين الموزعة على الجانبين, وكانت هذه الدكاكين لفترة زمنية طويلة تستمد نورها من أشعة الشمس عبر فتحات في أسقفها، قبل أن تتخذ من المصابيح العصرية مصدرا للإنارة, وتعتمد معظم دكاكين (سوق العطارين، خصوصا، على رفوف خشبية منقوشة ومزركشة مما يزيد المكان جمالا على جمال.(انسكلوبيديا)
أما عن مساجد (المدينة العتيقة) فهي متعددة ومنتشرة على كامل رقعتها، وتعد بحق من مميزاتها البارزة بالمقارنة مع غيرها من المدن التونسية الأخرى, ولكل من هذه المساجد مميزاته المختلفة إلاّ أن أبرزها يظل جامع الزيتونة المتربع في المكان الوسط بين الأبواب المحيطة بالمدينة، التي تتخذ شكلا دائريا, فهو لا يبعد كثيرا عن باب البحر إذ لا تزيد المسافة عن 300 متر، والمسافة نفسها تقريبا تفصله عن الباب الجديد وباب الجزيرة وباب عليوة وباب منارة، وتزيد قليلا المسافة الفاصلة بين الزيتونة وبقية الأبواب المكونة للمنظومة التقليدية لحراسة المدينة وهي في حدود الكيلومتر أو أكثر بقليل بالنسبة لباب الخضراء وباب العسل وباب سعدون.
جامع الزيتونة: الحافظ باستمرار على رونقه، على الرغم من مرور 1300 سنة على بنائه، فبقي شاهدا على كل الأحداث التي عرفتها تونس، من موقعه في مساحة هامة بقلب المدينة, ومن المساجد التي مثلت امتدادا للزيتونة جامع صاحب الطابع، الواقع في ساحة الحلفاويين بوسط المدينة العتيقة، وهو آخر جامع بني في العهد الحسيني قبل الاحتلال الفرنسي لتونس, وشيد هذا الجامع - كما يدل على ذلك اسمه - على يد الوزير يوسف صاحب الطابع، خلال الفترة بين عامي 1868 و1874 ميلادية (نحو 6 سنوات)، ويشرف هذا الجامع الضخم على حي الحلفاويين بأكمله، مطلا عليه بقبابه المتعددة وبمئذنته المرتفعة, أما بالنسبة لمجموعة الديار (أو الدور) الكبرى والقصور، التي كان الأعيان يملكونها، فقد تحولت في معظمها إلى مراكز وفضاءات ثقافية بعدما رممتها اليد العاملة المتخصصة.
ولأهمية جامع الزيتونة ولكونه من المعالم الإسلامية ليس لتونس فحسب بل للعالمين العربي والإسلامي نعود بشيء من التفصيل حتى يعرف المشرقيين من العرب والمسلمين بعض من الحضارة الإسلامية في المغرب العربي وخاصة تونس.
جامع الزيتونة أو جامع الزيتونة المعمور أو الجامع الأعظم: هو المسجد الجامع الرئيسي في مدينة تونس العتيقة, تونس العاصمة، وأكبرها وأقدمها تأسس في عام 698م (79 هـ) بأمر من حسان بن النعمان وأكمل بنائه عبيد الله بن الحبحاب في عام 732م، ويعتبر ثاني أقدم مسجد في تونس بعد جامع عقبة بن نافع, تبلغ مساحته خمسة آلاف متر مربع, وفيه تسعة أبواب, تتكون قاعته الداخلية من 184عمود جلبت من الموقع الأثري في قرطاج, تدير الجامع هيئة تسمى مشيخة الجامع الأعظم, شيد جامع الزيتونة في أرض تتوسطها شجرة زيتون ومنه سمي جامع الزيتونة, هناك بحوث تقول أن الجامع بني على أنقاض كاتدرائية مسيحية، وهو ما يؤكد رواية ابن أبي دينار في وجود قبر القديسة سانت أوليفيا باليرمو (أو قديسة الزيتون)، شهّدها الإمبراطور هادريان في 138، وذلك في مكان الجامع, كما يعتبر جامع الزيتونة ثاني جامع بني في إفريقية.
الترميمات منذ إنشائه، شهد الجامع عمليات ترميم وتبديل عبر مختلف السلالات الحاكمة التي مرت على تونس.
أخيرا، المنارة وهي من طراز المرابطين والموحدين، للمعماريين طاهر بن صابر وسليمان النيقرو، تم إضافتها للمسجد في 1894م، في مكان المنارة التي تم بنائها خلال حكم الباي حمودة باشا المرادي في 1652م.
الهندسة والزخرفة: جامع الزيتونة يشبه جامع قرطبة وجامع عقبة بن نافع في القيروان، مع فنائه الخماسي، المحاط برواق من القرن العاشر, وهو الرواق الذي يحيط صحن الجامع, يرتكز علي أعمدة قديمة، بينما الأروقة الثلاثة الأخرى ترتكز على أعمدة من الرخام الأبيض المستورد من إيطاليا في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي, أما في منتصف الفناء أو الصحن، توجد مزولة شمسية، تساعد على تحديد أوقات الصلاة.
قبة الصحن الموجودة في مدخل قاعة الصلاة، تتكون من زخارف من حجر المغرّة والطابوق الأحمر, والمحاريب الموجودة في المسجد ترجع للطراز الفاطمي, أما قاعة الصلاة المعمدة فإنها ذات الشكل المربع(56 متر على 24 متر)، تغطي مساحة 344 1م2، بينما حوالي 160 عمود حددوا 15 فناء و6 أروقة, الصحن (الفناء) الأوسط والرواق ورواقه أعرض من البقية بقليل (4.80 متر مقابل 3) وهي تتقاطع أمام المحراب الذي هو نفسه تسبقه قبة مكتوب عليها اسم الخليفة العباسي المستعين بالله, المنارة المربعة في الزاوية الشمالية الغربية للفناء، يبلغ طولها 43 متر، وهي تشبه زخرفة المنارة الموحدية في جامع القصبة، وهي مصنوعة من الحجر الجيري على خلفية الحجر الرملي.
الواجهة الشرقية، تم إتمامها بفناء مزخرف بأعمدة من الطراز الحفصي. ويعتبر الجامع كمكان عبادة رئيسي في مدينة تونس العاصمة، يتم القيام فيه بعدة احتفالات دينية وبحضور مسؤوليين دينيين، وكذلك في الاحتفالات الكبرى رئيس الجمهورية التونسية ورئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب ووزراء وقيادات، إضافة إلى أشراف ونبلاء مدينة تونس قديما، مثل المولد النبوي الشريف وليلة القدر في رمضان, كانت هذه العادة بادرة من إبراهيم الرياحي الذي استدعى باي تونس أحمد باي بن مصطفى للاحتفال في المسجد وهو ما تم قبوله.
جامعة الزيتونة أول جامعة إسلامية وأول جامعة في العالم : لم تكن العمارة وجماليتها الاستثناء الوحيد الذي يتمتع به جامع الزيتونة، بل شكّل دوره الحضاري والعلمي الريادة في العالمين العربي والإسلامي إذ اتخذ مفهوم الجامعة الإسلامية منذ تأسيسه وتثبيت مكانته كمركز للتدريس، وذلك عبر جامعة الزيتونة، وقد لعب الجامع دورا طليعيا في نشر الثقافة العربية الإسلامية في بلاد المغرب، وفي رحابه تأسست أول مدرسة فكرية بإفريقية أشاعت روحا علمية صارمة ومنهجا حديثا في تتبع المسائل نقدا وتمحيصا، ومن أبرز رموز هذه المدرسة علي بن زياد مؤسسها وأسد بن الفرات والإمام سحنون صاحب المدونة التي رتبت المذهب المالكي وقننته.
وكذلك اشتهرت الجامعة الزيتونية في العهد الحفصي بالفقيه المفسر والمحدث ابن عرفة التونسي صاحب المصنفات العديدة وابن خلدون المؤرخ ومبتكر علم الاجتماع, لقد تخرج من الزيتونة طوال مسيرتها آلاف العلماء والمصلحين الذين عملوا على إصلاح أمة الإسلام والنهوض بها, إذ لم تكتف جامعة الزيتونة بأن تكون منارة تشع بعلمها وفكرها في العالم وتساهم في مسيرة الإبداع والتقدم وتقوم على العلم الصحيح والمعرفة الحقّة والقيم الإسلامية السمحة، وإنما كانت إلى ذلك قاعدة للتحرر والتحرير من خلال إعداد الزعامات الوطنية وترسيخ الوعي بالهوية العربية الإسلامية ففيها تخرج المؤرخ ابن خلدون وابن عرفة والتيجاني وأبو الحسن الشاذلي وإبراهيم الرياحي وسالم بوحاجب ومحمد النخلي ومحمد الطاهر بن عاشور صاحب التحرير والتنوير، ومحمد الخضر حسين شيخ جامع الأزهر ومحمد العزيز جعيط والمصلح الزعيم عبد العزيز الثعالبي وشاعر تونس أبو القاسم الشابي صاحب (ديوان أغاني الحياة) وطاهر الحداد صاحب كتاب امرأتنا في الشريعة والمجتمع والتعليم الإسلامي وحركة الإصلاح في جامع الزيتونة، ومن حلقاته العلمية برز المصلح الجزائري عبد الحميد بن باديس والرئيس الجزائري السابق هواري بومدين وغيرهم كثير من النخب التونسية والمغاربية والعربية.

  


لقد تجاوز إشعاع جامعة الزيتونة حدود تونس ليصل إلى سائر الأقطار العربية و الإسلامية ولعل المفكر العربي الكبير شكيب أرسلان يوجز دور الزيتونة عندما اعتبره إلى جانب جامع الأزهر والجامع الأموي وجامع القرويين أكبر حصن للغة العربية والشريعة الإسلامية في القرون الأخيرة.
ومع دوره كمكان للصلاة والعبادة كان جامع الزيتونة منارة للعلم والتعليم على غرار المساجد الكبرى في مختلف أصقاع العالم الإسلامي، حيث تلتئم حلقات الدرس حول الأئمة والمشايخ للاستزادة من علوم الدين ومقاصد الشريعة وبمرور الزمن أخذ التدريس في جامع الزيتونة يتخذ شكلا نظاميا حتى غدا في القرن الثامن للهجرة، عصر ابن خلدون، بمثابة المؤسسة الجامعية التي لها قوانينها ونواميسها وعاداتها وتقاليدها ومناهجها وإجازاتها، وتشد إليها الرحال من مختلف أنحاء المغرب العربي طلبا للعلم أو للاستزادة منه.
وقد ساهم جامع الزيتونة خلال فترة الاستعمار الفرنسي في المحافظة على الثقافة العربية الإسلامية لتونس، وقاوم بصلابة محاولات القضاء على إنتماء تونس العربي الإسلامي، وكان جامع الزيتونة هو المدافع عن اللغة العربية في هذه الفترة الحرجة من تاريخ تونس بعد أن فقدت اللغة العربية كل المدافعين عنها تحت تأثير وسيطرة الاستعمار، مما جعل المقيم العام الفرنسي يقول: (عندما قدمت إلى تونس وجدت أكثر من عشرين ألف مدافع عن العربية), وهو يقصد طلاب العلم في جامعة الزيتونة.
بعد هذه الجولة الممتعة والمفيدة بما فيها من معالم تاريخية وتراثية وسياحية عكفنا نبحث عن مكان إستراحة وكان ذلك في مطعم تونسي تراثي يقع في شارع مرسيليا وكانت وجبة الغداء (سباكين) وهي أكلة شعبية تونسية أصلها إيطالية تتونست بمرور الزمن تتكون من مكرونا مضاف لها أعشاب البحر المتنوعة وهي أكلة لذيذة تناولناها ونحن نستمتع بالأغاني التراثية التونسية المؤدّاة من قبل الفنانين التونسيين وقد أنستنا تعب التجوال بين معالم تونس الجميلة كما أعطتنا جرعة كبيرة للاستمرار بإكمال جولتنا في تونس القديمة (العتيقة) الأصيلة .
كانت زيارة مقبرة البايات الحسينيين وهي مقبرة كبرى خاصّة بأمراء الدولة الحسينيّة وذويهم. وقد حكمت هذه الدولة البلاد التونسية من 1705 إلى 1957 . 
يعود تاريخ المقبرة إلى النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وهو معلم مهيب، رباعيّ الأضلاع في غير تناسق، تطلّ منه على الخارج نوافذ مستطيلة الشكل وتزيّن سطحه قباب أهمّها مكسوّة بقرميد أخضر في شكل حرشفيّ.
يتمّ الدخول إلى المقبرة من بوّابة ضخمة تفتح على بهو عريض يلاحظ في زخرفته تأثير إيطاليّ واضح، ويتأكّد أكثر داخل المعلم متزاوجا مع الأسلوب العثمانيّ في القاعة الرئيسية التي دفن فيها البايات ممّن تولّى الحكم والتي تبدو كأنها انعكاس بعيد لهندسة آيا صوفيا في تركيا. أمّا الصحن المبلّط والذي تنتشر فيه القبور، فهو يفصل البهو عن القاعة الرئيسيّة ويفضي إلى قاعات أخرى بعضها متّصل ببعض، وفيها مدافن آباء البايات وأمّهاتهم وأقاربهم, وتعلو قبور الرجال عمائم منحوتة من الرخام، في حين تدلّ على قبور النساء مجرّد شواهد, أمّا السقوف فهي تارة في شكل قبو وطورا في شكل قبّة، وهي كلّها محلاّة بزخارف هندسيّة ونباتيّة منقوشة في الجصّ، متعدّدة الألوان أحيانا, وأمّا الجدران فهي في الغالب مكسوّة بجلّيز خزفي.
البايات الحسينيون.. حكموا تونس ثلاثة قرون 
الحسين بن علي (1705 - 1735) قائد فرقة الخيالة في الجيش العثماني مؤسس عهد البايات الحسينيين في تونس, فبعد اضطراب الأوضاع السياسية، استولي علي الحكم علي حساب المراديين ثم أخذ يستقل بالأمر حتى أصبحت دولته كيانا قائما بذاته (علي حساب الأتراك العثمانيين), غير أنّ الحروب العائلية التي عرفتها دولة الحسينيين في تونس في عهد (ابن أخ المؤسس) علي باشا (1735-1756 م) أدّت إلي غزو البلاد سنة 1756، ثم قيام وصاية علي تونس من طرف حكام الجزائر (دايات الجزائر). ثم استعادت الدولة عافيتها أثناء عهد علي باي بن حسين (1759-1782) ثم حمودة باشا بن علي (1782 - 1814)، فسميت هذه الفترة بالفترة الذهبية, ليكتمل استقلال تونس سنة 1807 وتصبح بذلك دولة كاملة السيادة.
وفي هذه الفترة بدأت عملية تعريب البلاد، من خلال إحياء الثقافة، كما تمّ إدخال نظام تعليمي أشرفت عليه الدولة, بعد أن قامت فرنسا باحتلال الجزائر سنة 1830، ثم أصبحت تونس تحت رحمة القوي الأوروبية, وهو ما جعل أحمد باي (1837-1855) ثم محمد الصادق بن حسين (1859-1882) يحاولان القيام بإصلاحات علي الطريقة الأوروبية.
في سنة 1869، أصبحت الدول الأوروبية تتدخل مباشرة في تدبير الشؤون المالية (الخزينة) كما تمّ تعطيل الإصلاحات السابقة, وفي سنة 1881 وبموجب معاهدة باردو، أصبحت تونس تحت الحماية الفرنسية, فتأرجحت سياسة البايات بين الإملاءات الفرنسية ورغبتهم في دعم المطلب الشعبي والمتمثل في الاستقلال.
وقام الفرنسيون سنة 1943 بخلع الباي منصف باي بن الناصر باي بعد أن أبدي نزعة وطنية, ومع قيام الجمهورية سنة 1957، قام الحبيب بورقيبة (أول رئيس لتونس) بدوره خلع آخر البايات الحسينيين وهو الأمين باي بن محمد الحبيب (1943-1957), حيث صودرت الأملاك وتم وضعه تحت الإقامة الجبرية إلي حّد وفاته, وبذلك كانت نهاية العرش الحسيني الذي حكم تونس لمدة ثلاثة قرون.
بعد هذا الإستعراض الموجز لدولة البايات وحكامها ومقبرتهم القائمة لغاية اليوم الكائنة في تونس القديمة وهناك معالم أخرى مهمة فيها منها تخص العلامة إبن خلدون. 
ابن خلدون: ينحدر ابن خلدون من أسرة تنتمي إلى النخب الحاكمة في الأندلس، وكانت تملك باعاً في العلم وقريبةً من السلطة, غير أن هذه السلطة قد بدأت بالتفكك منذ منتصف القرن السابع هجرية تحت وطأة الضعف الداخلي الذي أصاب الممالك العربية الإسلامية في الأندلس وتعاظم قوة الخصم المسيحي الخارجية، إذ كانت حركة الاسترداد تعيش أيام عزها، زاحفةً نحو جنوب شبه الجزيرة الأيبيرية (إسبانيا) لإخراج العرب المسلمين إلى حدود المغرب الأقصى.
وقبل السقوط النهائي، بدأت الكثير من العائلات الأندلسية تستشعر خطر زوال المُلك العربي في إسبانيا وراحت تبحث عن موطن آمن تستقر فيه حاملةً معها ثرواتها، قبل أن تُجبر على الرحيل مكرهةً دون مال أو متاع.
في هذا السياق التاريخي هاجرت عائلة عبد الرحمن بن خلدون من الأندلس ليستقر بها المقام في مدينة تونس العتيقة، مركز البلاد حيث الثروة والسلطة والعلم, اختارت العائلة داراً فسيحة في "نهج تربة الباي"، أحد الشوارع المهمة في المدينة, في هذه الدار ولد نجلها عبد الرحمن يوم الأربعاء 1 رمضان 732 هـجرية، الموافق 27 مايو 1332.
مراتع الطفولة: لا تزال الدار التي ولد فيها في العاصمة تونس سنة 1332 محافظةً على نفسها من حركة الزمن, ففي زقاق طويل ضيق يشق مدينة تونس العتيقة من غربها إلى شرقها، ويسمى "نهج تربة الباي"، وتستقر في آخره مقابر مهيبة شيدها بايات (أمراء) تونس، ففي ذلك الزقاق تقع دار لا تختلف كثيراً عن الدور المنتشرة في المدينة، لكنها تحمل رمزيةً كبيرة اكتسبتها من مولد ابن خلدون داخل إحدى غرفها المُزينة بالسيراميك المميز لمعمار المدينة القديمة.
آنذاك، كانت تونس تحت سلطة "الدولة الحفصية" التي رحبت بالهجرة الأندلسية لدوافع اقتصادية ودينية وعلمية, وقد ترك المهاجرون الأندلسيون من مسلمين ويهود، وكانوا يسمون "الموريسكيين"، أثراً واضحاً في البلاد ما زال بادياً حتى اليوم في العمارة والأدب والتجارة والفنون والمطبخ كما أضافوا إضافة مميزة إلى المجتمع التونسي.
بقايا ابن خلدون دارٌ ومسجد: ما زالت دار ابن خلدون محافظةً على تماسكها برغم تقادم الزمن: بيت فسيح ينتمي إلى نمط البيوت التي سكنتها الطبقة الأرستقراطية التونسية منذ عهد الدولة الحفصية حتى منتصف القرن العشرين, وفي هذه الدار المكوّنة من طابقين ومدخل صغير يفضي إلى صحن الدار (الفناء) المفتوح على كل الغرف، والذي تتوسطه شجيرات، يتناظر الطابق الأول مع الطابق الأرضي تماماً في شكل الغرف وتصميمها, ويكسو الجدرانَ السيراميكُ العتيق الملون بالألوان الطبيعية المستخرجة من النباتات.
وفقاً للمؤرخ التونسي، منصور بوليفة، فإن الدار "حافظت على شكلها العام, فخلال القرون التي مرّت منذ ولادة ابن خلدون فيها وحتى اليوم لم تتغير هندستها بشكل جذري باستثناء بعض التغييرات الثانوية التي شملت زخارف الأسقف والأبواب الخشبية والباب الخارجي وكذلك التحويرات الحديثة والمعاصرة كربطها بشبكة الماء والكهرباء وغيرها، لكنها في العموم نجحت في إنقاذ نفسها من التشويه الذي طال معالم كثيرة أخرى" وبرغم القيمة الرمزية والتاريخية لهذا البيت، فإن السلطات التونسية لم تحوّله إلى متحف أو إلى مزار سياحي، إذ تشغل غرفه اليوم إدارة الأرشيف التابعة للمعهد التونسي للتراث, والحال أنه يمتلك كل مقومات المتحف الفنية والتاريخية.
غير بعيد عن البيت، وفي زقاق "مقبرة الباي" نفسه، يقع المسجد الذي تعلّم فيه ابن خلدون الكتابة والقراءة وحفظ بين ردهاته القرآن الكريم, وهو مسجد صغير جداً يسمى اليوم "مسجد القبة" وفيه قاعة صلاة دائرية الشكل تغطيها قبة أخذ منها المسجد اسمه، وكانت تتحول بعد أوقات الصلوات الخمس إلى مكان يلتقي فيه الصبية في حلقة دائرية حول الشيخ ويرددون خلفه آيات القرآن أو قواعد الصرف والنحو, بعد مرحلة مسجد القبّة، توجه ابن خلدون إلى جامع الزيتونة، الذي لا يبعد كثيراً عن بيت عائلته في "نهج تربة الباي"، مواصلاً دروسه في شتى العلوم والفنون، ليغادر بعد ذلك تونس في رحلات طويلة شرقاً وغرباً قبل أن يتقرّب من سلطان مصر الظاهر سيف الدين برقوق ويستقر فيها ويعمل قاضياً, وهنالك مكث حتى وفاته وله من العمر 76 عاماً, سنة 1406 ميلادية، ودفن في مقابر الصوفية عند باب النصر شمال القاهرة، غير أن قبره بقي غير معروف حتى اليوم.
إلى هنا إنتهت الجولة والتي كانت برفقة الأستاذ الشاعر عادل الجريدي الذي بذل جهودا كبيرة في الشرح والتوصيف وأتعبناه في الأسئلة الكثيرة وكان مثالا للإنسان الطيب والمضياف الرائع وهذا يدل على حبه لوطنه وشعبه نسأل الباري عزوجل منحه القوة والقدرة العالية في صحته

 

 

 

عبد الرزاق عبد الكريم


التعليقات




5000