..... 
مواضيع الساعة
ـــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
......
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
   .......
  
   
 ..............

.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الموت رأس مال الحياة

رياض المعموري

( قراءة ضد فكرة الأنتحار )  

 الموت يعني المكوث خارج المنزل والى الأبد ، ورويدا رويدا تكرُّ من فوقنا الدهور فنضيع تماماً في ذلك النسيان ، وهنا تغريني الكتابة عن الموت الذي أقترب منه في كل لحظة ، إنه هناك ينتظرني في أقاصي اللحظة الأخيرة من حياتي ، طبعا سيجدني الموت ميتا وهذه مروية مليئة برائحة الخيال ، مثلما سأجد الموت غير موجود ، وهذه غرابة تكمن في أن يلتقي كائنان لقاءً شديد الرهبة دون أن يرى أحدهما الآخر ، وهذا ببساطة لأننا التقينا خارج الحياة .. هناك على مصاطب العدم ، هذا لان الموت هنا غير موجود بل إننا نموت فحسب !

  

    ثمة الخلود ، يقف مقابلا للموت حاملا مخاتلةً مرعبة ومفعمة بدلالة تتصل بأثر الميت ، أي ما تركه وخلّفه هذا الميت في مخازن الحياة وسلات مهملاتها المليئة بما يتركه الميتون ، وهنا يكون للميت وجودان وجوده هو عندما يكون وبكل جدية في اللاوجود ، ووجود ما خلفه من اثر يحكي عن سيرته التي تبتعد يوما بعد آخر عن وجوده ، ليظل الأثر موجودا في الوجود بينما صاحبه يتوارى في سُدم اللاوجود ، يتوه ، يضمحل ، يتلاشى ، يذوب في الميتافيزيقيا ، هنا يبدو وكأن الخلود يسرق من الموتى تلك الآثار التي عاشوا من أجلها وأفنوا وجودهم وحياتهم بسببها ليهبوها الى الوجود الفيزيقي ، الأحياء ، يسرقون مخلفات موتاهم في النهاية وفي وضح الموت ، يجردونهم من كل ما عاشوا من أجله ثم يطوحون بهم الى المقبرة ، وسرقة الأحياء للموتى تُنبأ عن غباء الموتى أنفسهم ، لان الأحياء ما كانوا ليسرقوهم لولا أنهم أضاعوا وبكل جدية ممتلكات الخلود في لحظة سريعة وغامضة وخاطفة ألهتهم عما يملكون ، لأنهم وباختصار كانوا يموتون ، وهناك موتى مفلسين لن يفتش الخلود جيوبهم لانها خالية وفارغة فيمضون لحال سبيلهم عابرين الى عدمهم لا يلتفت إليهم أحد .

  

       لكن دعوني أتواصل في فك دلالة العلاقة ما بين الموت والخلود ، فعلى طول الحياة الموغلة في القِدم ثمة موتى أضاعوا كنوزا تهافت عليها الأحياء ، سرقوها فحسب ، ففي سرديات التاريخ وكما روت ليّ الكتب ذلك ، ثمة ألواح طينية مكتوبة باللغة الأكدية تتحدث عن ملك ثلثيه بشر وثلثه الباقي إله ، هذا الملك وذات يوم جال في خاطره أن لا يموت فهام على وجهه يعبر القفار والفيافي وظلام الغابات باحثا عن عشبة الخلود ليبعد الموت عنه ، وفي أحدى محطات استراحاته دخل حانة سومرية ، فثمل وروى حكايته لصاحبة الحانة التي قالت له :- إن الحياة التي تبغي لن تجد ، هذا الملك الدكتاتور مات في النهاية ، دون أن يترك سوى هذه الحكاية التي دوّنها مؤلف أكدي مجهول ، لا أدري إن مات هو الآخر أم ما زال حيا ، الخلود سرق الألواح ثم أطلق ساقيه للريح ، واضعا هذه الحكاية وبطلها في بطون سرديات التاريخ لكن البطل الملك والدكتاتور توارى الى الأبد فيما ظل الأحياء يرددون حكايته ويثملون لفيض جمالها ، هكذا يلعب الخلود بمخلفات الموتى .

  

   المقبرة كتاب مفتوح بالوسع قراءته بأكثر من مستوى ، يوفر لنا فرصة لفهم المعنى الذي ينطوي عليه توق الأحياء لآنسة الموت ، ليس هذا فحسب ، بل أن المقبرة عالم ضاج بالحياة لكنه مختوم ومملوك باسم الموتى ، فالقبور عكس البيوت لا تُشترى ولا تُباع ، ولا يمكن وهبها لميت آخر ، أو مبادلتها أو حتى نسيانها وتركها بلا إدامة إذا ما ناشتها عواتي الزمن ، أنها مُلكٌ موجود لمالك غير موجود ، لذلك فهي مقفلة على الدوام تنفتح لمرة واحدة عندما يوارى فيها جسد الميت ، ويتم بعد ذلك قفلها والى الأبد ، أنها مكان مغري لفهم معنى السكون الذي يلفها وهي المليئة ببشر كثر بوسعهم ملأ بلدان كاملة بالضجيج ونشر الرذيلة كما الفضيلة فيما لو أطلق سراحهم ، فيهم نساء ، رجال ، أطفال ، متعلمون ، أميون ، قديسون ، سفلة ، علماء ، فنانون ، ساسة ملئوا الدنيا صراخا ، هؤلاء جميعهم دخلوا قبورهم وخلدوا للعبة الصمت الأزلي والذوبان والتحلل في أعماق القبور الساخنة .

  

    القبر لا خصوصية له أنه مجرد شاهدة ، توجز لنا حياة الميت بعبارة مقتضبة تشير لتاريخ ولادته وتاريخ موته وأسمه وما عداها لا نستطيع فهم أي شيء ، هذا إذا دققنا بقبر ميت لا نعرفه ، فيما الذين نعرفهم من الأموات نتذكرهم فقط ، يصيرون قطعة حية ولكن تلاشت في الزمن الماضي وهنا نتذكر المتلاشي من حياتنا ، أما المتبقي لنا منها فتحدثنا الآمال أنه طويل طويل ، يكفي لان نتمتع ونعمل لدرجة الاعتقاد إننا نموت قطعا ولكن ليس الآن على الأقل ، القبر الفردي يذوب في كلانية القبور فتنفي ذاته بحسبان توحد الفرد بالجماعة ، لهذا يتسع معنى المقبرة ويضيق معنى القبر .

  

    القبر ، كل قبر ، هو محض قصة منتهية لا معنى لها الا في نفوس من عرفوا الميت ، فقد يبغضوه أو يحبوه ، أو يؤلهونه فيصير معناه وهو ميت أكبر من معناه وهو حيّ ، هذه سرديات القبور كما أستنطقُها ، وفي تاريخ القبور يدخل كلٌ من التاريخ والآركلوجيا ليساعدانا في فتح معنى القبر والامتداد بهذا المعنى لاستجلاء رمزيته بوصفه مثال متعالي على الدنيوي ، فالفرعون المصري القديم لم يكن يريد ان يفهم أنه سيموت فجره مخيالٌ تراكم من حقب سحيقة ليقول له أن الحياة في مكان آخر وستكون أجمل بكل تأكيد ، لهذا وعندما دنا موته حزم أشياؤه وإلا سيعيش فقيرا بدونها في الضفة الأخرى من الحياة ، أجل حمل أباريقه وحليه وخدمه وعبيده ومحضياته وأسلحته وجسده المصان من عبث الطبيعة بالميت ، فحنّط جسده وغط في سبات عميق مكشوفا تحت قبر عال ومتعالي بناه عبيد ومأجورين لفحتهم سياط الحرس وريح السموم في صحارى الجيزة المصرية ، هكذا كان المصري يموت تحت الأهرام  بالضبط .

  

     والى الشرق من مصر حيث البلاد العظيمة التي تقع ما بين النهرين ، يكون معنى الموت مختلفا ، فثمة قوارب تمخر عباب العالم السلفي الذي لا رجوع منه ، قوارب خلّقتها متخيلات شعراء وكهنة ، وهناك كان الميت الوحيد الذي ظل ، يظهر ويختفي مترددا بين عالمي الموت والحياة هو الآلة ديموزي ، الذي أغوته أميرة من ذلك الزمان أسمها أنانا ( عشتار ) ، ضاجعها في حقول الحنطة فطردته للعالم السفلي فصار إله الحنطة والشاب القتيل ، القبر المصري تنبعث منه روائح النفتالين الحادة والمركبات الكيماوية التي تحفظ جسد الملك من التحلل غارقا   في سوائلها كاملا ، يتلألأ من تحتها وحيدا سادرا في غيبوبة أبدية ، فيما كان الموت عند العراقيين من الرعيل الأول هو بحر يتصاعد منه البخار الحار ، تمخره مراكب على شكل بطة سماوية تروح وتغدو بالموتى في عالم مقفل بالأقفال والسلاسل في الأسفل البعيد الذي لا سماء له ، هذا هو القبر الجماعي الذي سكنه موتى ما بين النهرين .

  

        مقبرة وادي السلام الكبرى والتي تقع عند الطرف الشمالي لمدينة النجف ، تقدم مستلات عظيمة تساعد على فهم الرمزية العالية التي تكتنز هذه المقبرة ، وهنا لابد من انتهاج سبيلين معا لا ثالث لهما لتفجير الرمزية العالية لهذه المقبرة العظيمة ، السبيل الأول هو أن تُقرأ بكليتها والتحليق فوق مساحتها الشاسعة لنعاين جلال الموت ومدى قوة اللزوجة التي جعلت من الموتى يتشبثون بمكانهم الى هذا الحد ، حد عدم النهوض والمغادرة بتاتا ، ومدى قوة تلك الصرخة المجلجلة التي أمرت الجميع بالصمت فانصاعوا لذلك ، ثمة ألوف الأجساد تعود لشهداء هتكهم دوي المدافع وصليل السيوف وأطفال لفتهم سوّرات الماء أو نزيف الكوليرا أو دهستهم إطارات عجلات مسرعة ، وشيوخ لفظتهم الحياة لفرط ما أطالوا المكوث فيها ، وفتيات متنَّ في طرق الحب السريعة والمتهورة ، وغرباء مروا من هنا لأمر ما ، هكذا يقدم لنا نمط المعاينة البانورامية تصورا عن مقبرة شاسعة وموحشة ووحيدة على أطراف مدينة تقع في قلب الصحراء حيث الريح تسفي الرمال حبات تنثر ضياعها فوق قبور موتى ضائعين مروا بنا ذات يوم .

     أما السبيل الثاني لفتح ذاكرة القبر وحملها على الروي ، فهي رصد قبر ما ( أيّ قبر ) ، كان الميت فيه وقبل موته مشبعا بمرويات تحكي بكل سذاجة العقل البشري عن عذاب القبر والمنكر والنكير والأفاعي والعقارب والسلاسل كل هذه الكائنات والأشياء تنتظر الميت ، ولا ندري ولا يمكن لنا أن ندري ، هل الموتى يحلمون بذلك على طريقة النائم ؟ ، أم إن الأمر يحصل فعلا وكما ورد في مرويات التخويف لحمل الإنسان على الكف عن ارتكاب المعاصي والاندكاك بعالم الفضيلة ؟

  

إننا نفر من الموت لأنه فتاك ومفترس وغير ودود بالمرة ، ولأننا نموت فحسب فهذا يعني أن الطبيعة تفعل ذلك من أجل ترميم ذاتها عبر التخلص منا واحدا مهما كان موقعنا أو الأهمية التي نحظى بها قديسين كنّا أم من أراذل القوم ، لذلك تندر الحكماء طويلا عن موت الملوك الأقوياء مبجِلين عزرائيل هذا الذي رسموه لنا على شكل سوبرمان حاملا عدة الموت أغلالا وسلاسل يقبض الأرواح صاعدا بها نحو السماء وهابطا من جديد وهو يمارس هذه المهنة الأزلية بكل إخلاص ، صاعدا هابطا دون أن يراه أو يحس به أحد ، وظل الحكماء يغوصون حتى الركب في النوّل على منوال الموت تخويفا وترويعا مصوّرين لنا أن السعادة هناك في الأعالي أما الأرض فهي فانية وبذلك حالوا دون الإنسان وبهجته وصاغوا فصوصا من الحِكم إمتلئت بها بطون ألوف الكتب ، تلك واحدة من تجليات الموت ، نافي الإنسان بعيدا عن عالمه ومكانه المألوف .

  

    مازلت أطوف في الأزقة الضيقة في مقبرة وادي السلام ، أقرأ شواهد القبور المتلاصقة جدا ، أدرك إن لهذا التلاصق سرٌ مفاده إن الإصرار على دفن الموتى هنا تسبب في ضيق المكان ، وهذا التوصل يعود لأول ميّت دُفن هنا فهو بالقطع له أنصار ومريدون ومحبون وعاشقون ولن يجد الموتى راحتهم إلا بأن يُدفنوا معه في الأرض التي كانت ذات يوم صحارى تذروها الرياح ، مات غريبا وبطلا حتى سطا التاريخ بكل أشواقه  ليغترف مما خلفه هذا الميّت البطل ، فالخلود توقف طويلا ها هنا ينهل من الميّت البطل وسيبقى ينهل ، الجميع ينهل ، المؤرخ والفنان والبسيط والعالم واللص ، وحتى من دبّرَ أمر قتله وهو يصلي في محرابه ، لهذا السبب يضيق مكان مقبرة وادي السلام فتتمدد نحو الشمال عاما بعد عام ، وبموّت البطل صارت الصحراء حاضرة من حواضر العالم ومحجا للقادمين من كل بقاع الأرض ، وأتسعت المقبرة حتى صار ت مساحة القبر تباع بالدنانير الثقيلة ، لهذا ضاقت المقبرة ورُصتْ القبور وقد تضطر وأنت تخترقها لان تقرر تغيير مسارك أو القفز فوق القبور لتتقدم الى الأمام ، القبر لصق القبر ، فيما حوالي المقبرة صحارى تلهب رياح السموم وجهها ، لماذا أيها الموتى العاشقون تتزاحمون ؟؟

  

     تلوح مقبرة وادي السلام من البعيد ، أول ما يبدو منها قبة الأمام علي المذهبة واللامعة ، القبة التي تنشطر الى قبب فتنظرها كما لو إنك دائخا أو نعسان ، لكن الأمر ليس هذا ولا ذاك ، القبة تنشطر لقباب ، أجل ، فالناظر إليها يشاهدها من خلف غشاوة الدمع والخشوع ، ثم يظهر الوادي العظيم لمقبرة السلام كبحر هادئ وموغل في صمت لا حدّ له ، قبور تمتد وتمتد سادّةً حلق الأفق ، موتى يتبادلون موتهم بصمت مهيب ، هذه المقبرة تدخلها يوميا عشرات الجنائز ومن شتى أنحاء العراق ، تصل الجنازة أولا الى المغتسل لتستحم لآخر مرة قبل أن تغادر الى عدمها ، وبينما الجنازة على دكة الاغتسال سيباشر حفارو القبور بحفر قبر الميّت ، لن يستغرق الوقت أكثر من ساعة ، ثم يُطاف بالجنازة حول ضريح الأمير البطل في آخر ملامسة بين العاشق والمعشوق ثم تُوراى الجثة وينسحب المشيعون .

  

     مدينة النجف ومركزها المقبرة ، تنفتح على الموت يوميا بوصفه الحدث الذي يشكل جزءً من تاريخها ، هذه المدينة لطالما ظلت تعتاش على الموتى في دورة تنامي نظام صارم يحدد علاقة الميّت بذويه ، لتدخل المدينة الى عمق هذا النظام الذي ساهمت في صناعته على النحو الذي يسمح لها بأن تكون وسيطا بين الميّت وبين ما يُقَدَم له ، فتنشط تجارة تكاليف الغسل والتكفين وتكاليف الدفن وبناء القبر وقُراءة التراتيل وتجارة باعة البخور وماء الورد ثم يتصاعد هارموني التبادل ليصل الى السوق العام ، حيث المطاعم تستقبل المشيعين والفنادق لمبيت القادمين من أقاصي الجنوب ، يصير السوق معروضا لطالب أسمه مرافقي الجنازة ، حتى إن البعض يخطف رجله لمكان مقدس يسدد ما بذمته من ديون الى الغيب ، الغيب الذي ظلّ يحتكر ويبتز الانسان ويذكره بتقصيره آزاء الرب ، هكذا تكون الجنازة مدلولا باذخا للترف وتوسيع رقعة الثراء ، وبهذا تقدم لنا المقبرة كشفا بالغ الدلالة عندما تصبح سوقا رأس ماله الموت نفسه ، حتى أن الكثير من الناس يدخر مبلغا من المال ليوم مماته لتُسدد كل نفقات موته كي لا يشعر بالإذلال عندما يتصدق الآخرون عليه فيدفعون أجر نفيه الى العدم ، فالميّت هنا يدفع ثمن موته مالا ، وتتصاعد التجارة بالميّت لنصل الى تلك التكاليف الباهضة التي تُنفق على المآتم ، فتدخل الوجاهة الاجتماعية على الخط وتنتعش تجارة النادبات الباكيات اللاطمات على ميّت لا يعرفنّه البتة، هكذا ينفتح الموت خلف الميّت يصير عالما باذخا وزاخرا بالحياة ، وها هي مخيلتي تطلب مني السكوت لتنطق هي ، تقول ، في مواسم المآتم وفي الليالي المتسوّدة بالحزن على الميّت حيث تجتمع العوائل ، تُعقد صفقات الحب السري ، ليكون المأتم طقسا جماعيا تذوب فيه الذات لتندمج بذات الجماعة ، تتحرر هذه الذات من أحزانها فيصير المأتم مناسبة للدوخان ، تكبر الحياة فيه وتتجلى السعادة بين النسوة المتشحات بالسواد ، إنهم يقهرون الميّت عندما يزفونه الى النسيان بهذه السرعة ، فما معنى ذلك ؟ 

  

    في دلالات الفرح والنسيان ينشَّد الإنسان الى ذاته ، يتماهى مع أنويّته العليا ويميل بكامل الثقة منتصرا لذاته ، لا يريد ان يكون وحيدا تفترسه العزلة والتذكر ، لأنه وببداهة سينكسر ، لهذا يمارس الانسان أشد إندمجاته الحقيقية في طقس الجماعة الحية واللاهية ، أنه يمارس خيانة الميّت ولكن ليس بوسع المخان الاعتراض أو العتب ، لان الخائن أيقن تماما بأن المخان غدا بعيدا جدا ، فتتزوج أو تعشق أرملته رجلا كان غريبا ذات يوم ، تفتح له ساقيها ، تتوهج ، وتكرر توهجها مرات ومرات ، تديم مكياجها للغريب في حركة بمنتهى القبح ، والرجل يفعل ذلك أيضا وبيقين أكثر رسوخية ، ينسى ، ينطلق في جادات الحياة ، وهذا عيّن ما فكر به ذلك الشاعر الأعمى والفيلسوف الكبير ، جال بخاطره أمرا كهذا فصرخ صرخته المدوية :-

  

لا تظلموا الموتى وإن طال الزمان بهم

                                   إني أخاف علــى البعد أن تلتقـــوا

   

     هكذا يخلب الموت الألباب ، والمقبرة كانت صفحة في كتاب الموت مزدحمة بالدلالة ، الموت الذي ليس علينا أن ننتظره ونخشاه بل علينا مقاومته لتبقى الحياة التي ليس هناك غيرها سوى العدم والنسيان  .

  

  

  

  

  

  

  

  

  

  

  

  

  

  

  

  

  

 

رياض المعموري


التعليقات

الاسم: Muna Shabo
التاريخ: 27/09/2016 11:08:26
المقاله ممتعه تتكلم عن حقيقة الموت وجاء الانساان باسطورة الحياة مابعد الموت يعيشها في عالم اخر .........لم افهم لماذا اعتبرت من يتزوج بعد موت الاخر الزوج مثلا هو فعل خيانه ؟ شكرا للمقاله الممتعه




5000