..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


طه حسين في ميزان العلماء والادباء

مهدي شاكر العبيدي

أي علماء؟ وأي أدباء؟

بلية هذا الشرق , والعربي منه بوجه خاص , هي في هذا العناد الذي يركب الرؤوس والنفوس من سائرالآدميين العائشين فيه , وما يجر إليه و يورط فيه من قصور في النظر و تزمت في الرأي وتحجر في العقول , بحيث يخال أي مؤمن بفكرة ما أنها وحدها هي الراجحة دون سواها من ناحية سدادها وسوائيتها و استقامتها مع المنطق و شدة احتياج الناس لها و رغبتهم الملحة في تعريضها للتجربة و اختبارها على صعيد الواقع العملي , فتسعد حالهم و يزدهر واقعهم و يهنأ بالهم و تصفو طيات نفوسهممن كل أثر للقلق و التوجس لزوال الأنكاد التي تحيق بهم , و تلاشي الصعوبات التي تعترضهم أثناء انسيابهم في غمار الحياة.

وقديما تناول ابوالعلاء المعري هذه الظاهرة الغالبة في دنيا الناس ،وما تقود اليه ، ويستتبعها من مشاجرة واحتراب بين بني النوع ، ذيادة عن نوازعهم وما يدينون به من وجوه الرأي و النظر ، فأرسل قوله المعروف والذي كتب له البقاء على مدى الأيام ، ولا تني الاجيال المتعاقبة تلتمس فيه العزاء والسلوى ، كلما اعترتها الملالة والسأم من تفرق الاحباب وتجافي الصحاب وانعدام الأمل كل مرة في صلاح ذات البين بين من  تنافرا وتدابرا وكل ذهب في طريق ، لماذا ، فلاستيقان أي منهما بوجاهة ما يرتئيه من ضروب الاعتقاد والرأي :-

في اللاذقية ضجة             مابين احمد والمسيح

      كل يعزز دينه                 ياليت شعري ما الصحيح ؟

ساورتني هذه الخواطر حين انتهى اليه هذا المطبوع الضخم المفرغ في ستمائة وسبعين صفحة من الحجم الكبير والمعنون ب (طه حسين في ميزان العلماء والادباء )محتويا أوفر كمية وعدد من الدراسات والمقالات المسهبة في تفنيد ما صدم به الدكتور طه حسين عقول الملأ وظل يصدمهم به امدا طويلا ما امتدت به الحياة ، عبر ما اطلع به من مؤلفات وكتب ، فضلاً عن فصوله المبعثرة في الصحائف والدوريات ومحاضراته في المحافل والمواسم الأدبية والفكرية مما لم يتسن له تنسيقه وتبويبه في كتب ، مع ما انقطع له عقيب وفاته غير محبٍ ومعجبٍ ومنخطفٍ مسحور ومنبهر بتوجهاته وآرائه التي ظنها وحسبها كفيلة بنقلة خطيرة في حياة مجتمعاتنا العربية من وهدة التخلف الى الأخذ بقسطها من أسباب الحضارة ، فتوفر على صنعة غير سفر منها مراعياً الانسجام والملاءمة بين موضوعاته من هذا النتاج الطائل . وقد تولى إعداده بكلامٍ ضاف ، وعلّق عليه أي أنه أجرى شيئا من التعقيب والمداخلة في فصول منه ، مصححا ما توهمه خطأ مبايناً للصواب في حدود رؤيته أو رافضاً بصورة كلية لما تداوله رهط من الناس وتوارثوه واعتادوا عليه وركنوا لشروطه والتزاماته ، كما هو حاصل  بالالتزام بالنسبة للتقاليد الصوفية ، وينكرها على أربابها ومقتفيها والمتقيدين بها جامع هذه الكتابات من دوريات ومجلات قديمة الأديب السوري محمود مهدي الاستانبولي وطبعه عام 1983 م ، وقد يكون في عداد المتوفين اليوم والذاهبين الى رحمة الله ، بعد أن عمر طويلاً بدليل انه أصدر مجلة عام 1930 م ، ولابد أنه يجوز وقتذاك عمراً متقدماً جاوز سن الشباب ولو بقليل السنوات ، لأننا نعي أن هواية إصدار المجلات اذا جاز التعبير ، لايتأهل لها ولايضطلع بها من كان في سن الحداثة او نزراً في مطالعاته ومراجعاته يومها .

وأجزم مجتليا أن هذه الكتابات الرافضة لأفكار طه حسين بخصوص حوادث التاريخ العربي والاسلامي وانطباعاته حول شعر العرب في الجاهلية وصحة تمثيله لحياتهم في العهدين الأموي والعباسي ، ودعاوته للأنفتاح صوب أوربا إذا أردنا اللحاق بالحضارة والحياة العصرية ، وذلك من خلال فحاوى كتابه مستقبل الثقافة في مصر ومحتوياته ، فضلا عن تضمنها النقود التي يبين افتعالها لبعض آثاره أمثال "من بعيد" و "الشيخان" جاءت جميعها مفرغة مصبوبة في اسلوب محكم وبيان قوي واداء نافذ ومتوسل لما يبغي أصحابها تصويره والعبارة عنه والاستناد اليه كذريعة لتجريد العميد الضرير من مزية الفضل على الدنيا العربية باعلانه وجوب احترام ادمية الانسان بتعليمه والاشفاق عليه من الفقر والمرض والجهل ، وشرع بتنفيذ بعض ذلك عملياً غداة العهدة له بوزارة المعارف ، فباشر توسعة الجامعات وأقر ان التعليم من حقوق المواطنة ولامناص من جعله مجانيا مرسلاً في ذلك قولته المشهورة: التعليم كالماء والهواء ينبغي أن يكون ميسوراً وميسراًأمام الافراد في الهيئة الاجتماعية دونما مواجهة لعوائق وصعوبات ، وما اطلاق هذا الرأي بالشيء القليل الهين عام 1950م يوم كانت ظروف الحياة في المجتمع المصري في غاية العسروالضيق ، وقبلها عانى من استبداد حكومات الاقليات وتحكمها بمعائشه ما عانى ، لكن ذمم منشئي الاكتوبات تلك تشتط وتقسو في انتقاصهوكيل المطاعن لذمته مزجيةً في ذلك ضروب القدح لسيرته وتعامله مع أودائه وخلصائه ، لتخلصَ بالتالي الى انه مجرد عميل للاستعمار وداعية للصهيونية ومروج للكفر بالاسلام وداعية للتغريب ومتبنٍ نزوعات المستشرقين لمسخ معالم تاريخنا ومحو ملامح الانسانية منها .

وقراءة أمثال هذه الأسفار لا تخلو من فوئد جمة ، أحراها انها تروضنا على انفساح صدورنا لتفهم الرأي المباين لوجهتنا ، على فرط لجاجة ذويه في الغلو والمكابرة ، ثم انها تقف بنا عند منوال السابقين في طرح ما يتشبثون به من حجج ودلائل ، منافحين عنها وباذلين ما في وسعهم من جهد لاِثبات صحتها ودحض ما يناقضها وانتفاء المنفعة منه ، لو ابتغينا تجديد حياتنا ورقي مجتمعنا ، ومن ذلك انه استوعب فصولا عدة من مداخلات مصطفى صادق الرافعي بكتابة (تحت راية القرآن) الذي صار اليوم معدودا من الكتب النادرة لكنها غير المنسية ، ولا يماري أحد في رصانة عبارة هذا الكاتب الجهبذ وحرارة إيمانه وإخلاصه وصدقه في ما يملي ويقول متحاشياً مشاكلة الاستانبولي مصنف الكتاب في الايغال بتجريح طه حسين وانكار اي دالة له ، وكثيرا ما استدل العميد في حقبة تالية وعبر اكثر من مقالة على سبقه في تدوين نشوء الرواية في الادب العربي من خلال استقرائه لها وبحثه فيها بكتابه(تاريخ آداب العرب) ثم انه يماثل مصنفات غيره وتنحو نحوه ، مع المزاوجة والجمع بين كلا الرأيين ، ككتاب (القديم والجديد) لمعده ومقدمه الباحث السوري محمد كامل الخطيب ، مع انحيازه ووقوفه بجانب التجديد والتغيير والنفور منأي التزام بجانب القديم  وما يوحي بالارتجاع والنكوص ، فد نشر فيه مقالة بعنوان (حماة القرون الوسطى) لسامي الكيالي من مجلته الحديث عددها السادس والصادر في الخامس من ايار عام 1932 ، أتى فيها على ما حاق بصاحب كتاب في الشعر الجاهلي من حيف وظلم واقصاء عن مركزه في الجامعة لا تشفياً من إيمانه الديني ، وانما نكاية بمواقفه في عالم السياسة وتفنن الطغاة في تسخير الدين للتجني على من لا يميلون مع الأهواء ، مع احتواء كتابه المعد اكثر من مقالة في وصمه بالتخبط وبطلان تخريجاته واستنتاجاته ، وكذا لايستوي كتاب محمود مهدي الاستانبولي في توجهه ونزوعه للاستلال من قدر العميد والزراية به ،مع مجانبة التعفف والاحتشام من ذكر الميتين بالسوء ، بل تجاوز ذلك كله الى الشتم المنكر والهجو الصفيق ، قلت لا يستوي هو وكتاب آخر مطبوع بدمشق أيضا عن مؤسسة عيبال للدراسات والنشر بعنوان (طه حسين: العقلانية ، الديمقراطية ، الحداثة) ، وهذه هي الاثافي الثلاث التي تقوم عليها اثابته وتنزيهه من المراء والدخل واثبات نبالة قصده وشرف غايته وزكاء نفسه ، بل بره وحنوه ورفقه واشفاقه على الفئات الضعيفة المسحوقة من فقراء مصر الذين نالت منهم دواهي الايام وفتكت بهم الادواء والامراض الوبيلة في الأدهار الماضية ، كما شام في ذلك مريده ومصوب له اكثر من مأخذ على ما توهمه من سلبيته احيانا ، الاكاديمي العالم عبد العظيم انيس ، اضف الى ذلك عددي مجلة الهلال المصرية عام 1966 م ، والمعرفة السورية ، وقد صدر اولهما ابان حياته مستهدفا تقديم مثل تحية وفاء واعتزاز بسابقته في تنوير العقول والافهام ، وثانيهما بعيد وفاته ، ويحتوي الكتاب ذاك وعددا المجلتين الذائعتين من المباحث الرصينة والدراسات المكتملة في ابداعه وسمو أدبه وتنوع نتاجاته بين النقد والدراسه الادبية وكتابة الرواية ومراس الفن القصصي ، ثم التفرغ لاستيحاء هموم نفسه عبر رسائل يفتعلها مبكتا فيها أضداده لجفاوتهم ومغادرتهم طيبة نفوسهم لأول استهلالة عهدهم بالكتابة ووقوفهم بجانب المحروبين والمضامين ، حتى إذا لوّح لهم صاحب السلطان ببعض الجدى والهبات واستدرجهم لاقتناص اللذائذ واللبانات ، احسوا من نفوسهم ببعض التضاعف وفتر عزمهم الى ما لا نهاية في الذود والمنافحة عن أصالة الرأي ،فجنحوا للمهاودة وتنكروا للصديق وفرطوا بالأواصر والصلات وتخلوا عن خصلة ينبغي للرجل الشهم أن يبقى عليها ويحفظها في سرائده واطوائه ، معتصما بها ، ألا وهي الوفاء النادر حيال الاخلاء والأوداء ، مهما تتابعت الخطوب والرزايا في حياتهم ، واظل عيشهم الدرن والسوء ، ونزل بهم الاجحاف والغبن ، وريموا بالحيف والاضطهاد ، على نحو ما صوره بكتاب (مرآة الضمير الحديث) وبرع فيه من فصول الأدب الأنشائي ايام عزلته وانكماشه وانقطاعه عن الحضور في المنتديات والمحافل إبان عامي 47 ، 48 ، كما استجلى ذلك واستغوره الاستاذ انور الجندي وحدد الاشخاص بأعيانهم من الذين جفوه وتباعدوا عنه لتغليبهم منافعهم ومصالحهم على رعي ذمام الصلة بالمحلأ والمبعد ، وكان الباحث الجندي مراعيا للبواعث الحادية بمحرر مجلة الهلال محمود أمين العالم الا وهي مجرد تقديم تحية وفاء لعميد الأدب العربي في أخريات عمره ، وتعريف وتذكير بلومه ونعيه على رعيل الأدباء من الفتيان زهدهم في القراءة واحجامهم عن التثقف بمأثورات الأقدمين لتنصقل لغتهم ويتفرد الواحد منهم باسلوبه وبيانه الدالين على خصائصه وعناصر ذاته قبل ان يجعلوا وكدهم اشتهارهم وذيوع صيتهم ، لذا جاءت مقالة الجندي متعاطفة مع القصد ذاك ولاتشي بأحتمال ان يعدوها مستقبلا وفي مداخلات تلوها الى الخطابات المقذعة والتخرصات المتغرضة والمستدعية قائلا ومطلعا ليقولا ما للرجل وطه حسين من هذه الأوتار والذحول التي تعمي عن الاستبصار بالهداية وايثار القصد والاعتدال ، وتصم عن الاصغاء لصوت الناصح لمراعاة تقادم العمر في أهون الحالات وبالنسبة للعميد المستطيع بغيره . ثم اني عهدت الأستاذ أنور الجندي مؤلف الأسفار الضخمة عن المعارك الأدبية والفكرية والنقدية بين دعاة النهضة وأعيان الأدباء في القرن الماضي ، كلفاً مشغوفاً بنتاجات الدكتور زكي مبارك الذي يجمع النقاد على صدقه في ما يصور من أحداث حياته ، من معاناته وكدحه الطويل في سبيل ضمان العيش الواقي له من الأحتياج ، وما ينسب للدكتور طه حسين من تسببه فيإقصائه من الجامعة ، يعزيه العميد نفسه الى أنه لم يحتفظ طوال وجوده بين بقية الأساتذة بسمت العالم الاكاديمي وترفعه وتوقير نفسه ، بل كان يتقبل الهدايا ومنها العطور من ابناء الموسرين من طلابه ، كان ذلك في حديث عنه مع سكرتيرة الدكتور محمد الدسوقي ، إلا انه اثنى عليه ثناءاً خالصاً وامتدح دأبه وأشاد بما تولى عنه من نتاجات نافعة حين مرت بهما السيارة بالبلد الذي جاء منه الى القاهرة قبل سنين ، وان خلافه معه كان حول شؤون ومسائل أدبية لا غير ، ثم انه من تلامذته بالأصل ألِهذا الخلاف الناشب بين الأثنين العميد وتلميذه البار الذي لايني في الاعتراف بهذه التلمذة ، نؤثر الاصطفاف بجانب احدهما ونقطع له بالحق ، ونمضي في التشهير ونجازف بشتم الميتين الذين لا يقوون على الدفع ومقاومة الشر بمثله ، مما يتقاطع وجوهر الاسلام الذي نعتنقه أو ندعيه ؟

ولنعد الى كتاب الاستاذ محمود مهدي الاستانبولي هذا الذي تربى فيه حصة التجميع والاعداد والتنسيق على مدى ما يميزه من الوضع والتأليف ، فنسوق الماخذ والملاحظات الاتية :-

 (1)اقحم المعد على موضوعات سفرهِ المجموعة والمنقولة من مظانها السابقة ، مقالة الكاتب منير نصيف والمنشورة بمجلة العربي عدد 272 يوليو 1981 ، والتي يبين انها واهية الصلة بمحتواه وهي بعنوان (مع الخوف تعيش امريكا) غير انه يستهدف منه تنفير شبيبة العرب عامة من حياة الغربيين المحفوفة بالجرائم والانتهاكات وحوادث السطو والتعدي في الدقائق والثواني ، ويحذرهم مما يغلب على المجتمعات الأمريكية من ابتلاء فتيانها وفتياتها بالاضطراب والامراض النفسية هي التي شارفت اوج الحضارة والتقدم ، وفي هذا من التناقض مافيه من ناحية نكوص الكاتب عن التجويد في صوغ العبارة ليتحدد المعنى ، إذ كيف يتلاءم افتقاد الأمن من حياة الناس وتمكن الخوف والرعب والفزع منهم دواما ، مع هذه الحضارة ذات المتارف والمناعم . ؟

وانها لوسيلة بائسة أن نستهجن عيش البعداء ، لنستدل منها على قدسية ديننا الاسلامي الحنيف وضمانه لوجودنا على هذه المسكونة في غاية الصفو لو التزم كل واحد منا بتعاليمه وتوجهاته ، وانصاع لأوامره ونواهيه ، دون الاغضاء عما يجني علينا ذوو الشأن من أسيادنا وحكامنا ، إذ ماالفرق بين من يغتصب حقوقنا وينتهب مواردنا ويتفنن في أساليب التزوير والتعمية والتضليل والخداع ، ليوفي على الثراء الفاحش ويدعنا فريسة للحرمان والافتقار والعوز وبين من يستلب منك حافظة نقودك اذا كنت تسير وحدك بالليل ، كما يملي الكاتب منير نصيف من مبالغاته في تصوير المجتمع الامريكي بان لا شغل له غير المسك بالمنحرفين والمجرمين ، متعاونا في ذلك مع الرجال الأمنيين على طول الوقت وخلال الدقائق والثواني ، ؟                                                                  

ارجو ان يكون الباحث مايزال على قيد الحياة بعد هذا الذي كتبه لمجلة العربي ونشره فيها قبل اكثر من ثلاثة عقود ، وان امتد به العمر ليغدو شاهدا على المظالم والمآسي التي نزلت بالناس في المحيط العربي ، وما اجلبه الجهال والساقطون وشواذ الخلق في المجتمعات العربية من كوارث وفجائع لبني جلدتهم بدعوى نشدان هدايتهم وصلاحهم واستمساكهم بالدين ، كما تفعل زمرة القاعدة والنصرة مثلا ، هذا بالنسبة للمتخلفين وغير المنفتحين على قيم التجدد والحضارة ، لكن ما رأيه بزمر الرعناء والمخاتلين ممن يزينون شوارع المدن العربية كل مرة بالشعارات الرنانة المدعية سعيهم لاسعادنا من وراء مراسهم الديمقراطي وخوض الانتخابات من نحو في سبيلكم ولأجلكم ، وعلى شاكلتها في الاستغفال والتضليل والاحتيال والنصب ، حتى اذ ادركوا بغيتهم وتوصلوا لمناهم زادوا ، بنتيجة تهافتهم على نيل الاوطار والرغائب ، في همومنا واكدارنا ، وضاعفوا في نحوسنا واسقامنا ، واستلبوا منا صفونا وامننا هذا بالنسبة للمتعلمين في الدنيا العربية ، ونتحشم او نتردد في اطلاق صفة المثقفين عليهم .

لكن كيف انسجم وكيّف ألوفُ العرب والعراقيين حياتهم لنمط الحياة في امريكا ، وتعين النابغون والنبهاء منهم بحكم تخصصهم العلمي وتحصيلهم الاكاديمي اساتذة في الجامعات منذ عقود سلفت ولحد هذا الظرف ، استذكر منهم د. صالح جواد الطعمة من كربلاء المقدسة ، وهو صاحب مجموعتين شعريتين هما ظلال الغيوم والربيع المحتضر نسجهما في اول عهده بالحياة الادبية قبل اكثر من ستة عقود ، وكذلك هو ملقٍ لمحاضرة ادبية بمنتدى ثقافي ببغداد عشية 14 تموز اتسمت حينها بشئ كثير من الجرأة والتنديد بأرباب الحكم عهد ذاك ، من خلال استدلاله بالشواهد الشعرية المحظورة والمعدودة من الممنوعات من وجهة نظر المسؤولين وأهابت بواحد من الحضور وهو الشاعر رشدي العامل رحمه الله ، ان يقول له هيئ نفسك للحبس والاعتقال ، قاصداً بذلك تخويفه أو راميا لمداعبته ، وبعد فجر الليلة صار ما صار ، وبعد مدة قصيرة آثر هجرة البلاد مفضلا اياها على احتمال تفرق شمل القائمين بالحركة من العسكر وأشياعهم من جهال المدنيين !. وقبل سنوات قرأت كتابا لأديب مصري طبعته دار الشؤون الثقافية يثني فيه على خلق الدكتور صالح جواد الطعمة وتميزه بين اساتذة الجامعة الاميركية التي تخرج فيها ، كما اعرف مَن كان مدرساً للرياضيات في ثانوية الحلة سنة 1948 م ، نفر من العيش في العراق لأسباب ودواعٍ أجهلها ، حتى اذا واتته الفرصة للهرب والفرار أحسن اهتبالها واغتنامها فقد ترشح دارسا في الولايات المتحدة على حساب ما سمي يومها بمشروع النقطة الرابعة ، وتقطعت اسبابه بالبلاد ، وثمة طرفة ذات صلة بتصرفه هذا نسوقها متظرفين ، فقد جالست في يوم ما سيداً معمماً في محل خياطة محمد ماضي بقصبة طويريج ، وجاء ذكر رسول الهاشمي على لسانه وهو من أرحامه ،فعابه على طول اغترابه سنين طوالاً ، إذ كيفَ يرتضي لأولاده وقد كبروا الآن ان يجهلوا انتسابهم الى العترة النبوية ، وأن جدهم الأكرم رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام . هنا جاوبه أحد الحضور : سيدنا الدنيا انقلبت والأحوال تغيرت والعالم تطور ، وكلامك لا ( يوكل خبز) ولايملأ جيوبنا وجيبك بالدنانير.

(2) كان المفكر الثبت والأديب النابغ المجني عليه سيد قطب ، من اشياع الكاتب الجهير في مصر عباس محمود العقاد ، قبل ان يرتبط بجماعة الإخوان المسلمين بعد ثورة 23 يوليو عام  1952 م ، وقد استقال من وظيفتة المرموقة في ديوان وزارة المعارف المصرية مراقباً فنياً ليعمل بعدها في الصحافة ويسجن ويُعدم ، حتى إذا حلت بعدة مدة قصيرة كارثة حزيران المسماة بالنكسة جزافا كاننا كنا قبلها متغلبين ، وان أسيادنا حرصاء على أمننا وسلامتنا وعيشنا ، قال علال الفاسي قولته من بلاد المغرب "ما كان الله لينصر حرباً يقودها قاتل سيد قطب" ، وذهبت مثلا لم أسمع به من قبل ، وهو أنفس ما صار اليه فهمي وسوغي من هذه الإضمامة من المقالات ، ومنها مقالة سيد قطب الموسومة مصر شرقية أم غربية في سجال يغلب عليه الهدوء والبعاد عن العنف وتحاشي اللهجة الخشنة في الخطاب ، لمؤلف كتاب (مستقبل الثقافة في مصر) طه حسين الذي احتفى بدوره ابان سني الأربعينات وازدانت مجلته(الكاتب المصري) بنشرها في أعدادها المتتابعه لفصول كتاب (النقد الادبي اصوله ومناهجه) لمؤلفه سيد قطب ، فكلاهما إذا كما يتحصل من هذا لم يشتجر بينهما العداء والنبو والقطيعة ، وقبل تصفية سيد قطب تقدمت المرجعية الدينية في النجف بطلبها من القيادة المصرية ان تتأنى وتتمهل في انفاذ مشيئتها ، فلم تكترث له وتجاهلته متغاضيه عن ان شعب الغري كان السباق لأدانة حاكميه في العراق جراء تخاذلهم وتوانيهم في انجاد مصر ابان العدوان الثلاثي في ال 56 إثر تأميم القناة . كما عمت الأوساط الأدبية حينها عندنا موجة من السخط والغضب واستهجان المبادرين لهذا التصرف الاخرق.

وفي وقتها كان العقاد قد رحل عن عالم الكون والفساد منذ ثلاث سنوات ، وصمت طه حسين ولزم دارته منذ مدة وتوالت عليه الأدواء والأوصاب ولم يعد له قبل بالصيال ، فأما نجيب محفوظ فماضي حياته لم يسجل له سابقه في الرفض واستنكار مثل ذينك الوزر والإجتراح علنا ، على انه لم يدع امتنانه لسيد قطب لتناوله في نقده أعماله أويبقيه مطوياً ، فقد أشاد غير مرة برفعه روحه المعنوية ، وليس هذا بالشي القليل بعيد انصرام وقت يسير على تصفيته ، وولي الأمر وصاحب الشأن مايزال حياً.

(3) أشار الاستانبولي في أحد هوامشه الى ارتباط صاحب مجلة المقتطف بدوائر المحتل البريطاني لوادي النيل عقيب حوادث الثورة العرابية ، ونضيف اليه اتصاله بالمحافل الماسونية ، لكن كيف نوفق بين هذا الحال وبين قيام جهابذة الكتاب بنشر كتاباتهم بمجلة كهذه ، ومنهم العقاد ومصطفى عبد اللطيف السحرتي ، وهو من الجيل الثاني او الثالث للنهضة الأدبية وازدهار الكتابة ، اذ نشر سلسلة مقالات ضافية عن الشعر العربي على ضوء النقد الحديث ، في نفس المجلة وباعداد متوالية قبل أن ينتظمها كتاب ، ثم محمود احمد شاكر والذي نشر فصول كتابه عن المتنبي تباعا في الرد على طه حسين ، وفي اخرياته صرح لمندوب مجلة الكاتب ايام ولاية صلاح عبد الصبور عليها برّأ العميد ان يكون منحازاً لدعاة التغريب واشاعة العامية أيام اشتداد حملتهم على الفصحى وتجويزهم استبدال الحروف اللاتينية بنقيضتها العربية ، وشهد انه كان حريصا على فصاحة اللسان وجم الاعتزاز بالبيان العربي ، فقد خبر ذلك منه من ايام تتلمذه عليه زمن الشباب ، وأخيراً مصطفى صادق الرافعي كاتب تلك المباحث المسهبة في دحض آراء طه حسين حول الأدب العربي ونشأة الشعر العربي في الجاهلية ، والتي يبدو أنها راقت للأستاذ الاستانبولي وذهل لمحتواها وما اشتملت عليه من حجج ودلائل فنقل منها ما وسعه .

(4)يرفض الاستنابولي التصوف الاسلامي ، وينكرما نُسِب لذويه من الكرامات ، ويستهجن ما اسلف عقلاء المتصوفة من الاوراد والمناجيات المأثورة ، لكن من المحال نسيان شعر محي الدين بن عربي في المحبة الالاهية ولا شعر ابن الفارض عن لوعة المحبين وشقوتهم ، حتى ولا شطحات المجذوبين منهم ليأخذهم سبحانه إليه ويدخلهم حضرته ويريحهم من عذابهم الذي لايطيقونه ، وهذه المناجيات وما تنضح فيه من شجن ذات قالب من النثر الفائق العالي . وفي قوله عن شيخ الازهرالاسبق عبد الحليم محمود ، اجتلي شيئا من الكبر والتطاول اللذين لاداعي لهما البتة ، ذلك انه حل في القاهرة يوما وطلب من احد لداته المتنفذين هناك تهيئة مقابله له مع نائب رئيس الجمهورية حسين الشافعي كي يبين له مدى خطورة وجوده على الجيل لانحرافه عن الشريعة مادام يتمسك بعقائد المتصوفة ، ويوالي نشر كتبه عن عاداتهم ومسالكهم الغريبة ، فاسقط في يده حين أخبره صديقه بان الشافعي هو الذي عينه أو سعى في تعيينه وسبق للشيخ عبد الحليم محمود أن درس في فرنسا ولاتقانه لغة الفرنسيس ، وبمشاركة أحد ابنائه ، ترجم عنها كتاب الفرنسي المسلم والفنان الكلف بتصويره في لوحاته ، مشاهد الصحراء الممتدة في بلاد الجزائر حيث قطنها زمنا ونقل جثمانه إليها ودفن فيها عام 1928 م ، عَنيتُ به (آيتين دينيه) وكتابه ذلك عن ( محمد رسول الله ) ، وله تآليف أخرى عن إبي العباس المرسي والحسن الشاذلي وهما من أعلام المتصوفة الذين يرميهم المعاند محمد مهدي الاستانبولي بالخروج عن الإسلام ، ويتهمهم بالمروق والكفر موهماً نفسه أنه مصدر الإيمان ، لكن متى يعي هو وأمثاله ( أنّ كل فرد بما والى وما اعتقدا ) كما يقول بدوي الجبل شاعر الشام ، وان زمن التاليب والاستعداء على الذين نمقتهم ونجفوهم لمجرد اختلافنا معهم في وجهات تفكيرهم قد ولى .؟

(5) استدل الاستانبولي بمقطع للشاعر نزار قباني في ص 647 بعد ازجائه عبارات يتهم ضحيته فيها بالغواية والإلحاد وتضليل الجيل والمجاهرة بالعداوة للعروبة والاسلام ، وأن مضمونه يصح وينطبق على سيرة طة حسين واعوانه المرتزقة في البلاد العربية ، وقد تجاهل اسم الشاعر وأهمله تماماً واقتصر على نصه المبتسر على أساس صحَّ فيهم قول الشاعر المغفول الأسم ، لتليه الأبيات الشعرية البسيطة والمصورة الى حد الواقع الردئ الذي ارتكست فيه الثقافة العربية ، ومنها :

    سقط الفكر في النفاق السياسي       وصار الأديب كالبهلوان

    يتعاطى التبخير يحترف الرقص     ويدعو لنصرة السلطان

    ذُبِحَ الشعر والقصيدة صارت         قينةً تُشترى ككل القيان

وكذا يدمغ ظاهرة تمادي منتحلي سمات الادباء في الدجل وتزييفهم الحقائق تقربا لصاحب السلطان ، وهي الرائعة التي أنشدها نزار قباني في حفل تأبين طه حسين الذي خطب فيه أساطين الكتابة في عموم البلدان العربية وبعض رجال الاستشراق وحتى بعض أضداده كالدكتور ناصر الدين الأسد ، وعبثا ما حاول أنور الجندي تفسير مقصده بغير وجهته ومرماه مدعيا أنه صك أسماع الحضور جميعا ، إذ عدد سقطاته وإساءاته المزعومة للأدب العربي والثقافة العربية ، أيجوز هذا في حفل تأبين يفترض أن تحصى فيه مناقب الميتين ؟ قرأت هذا التحريف للواقعة في رسالة الجندي الثقافية لمجلة (الكتاب) العراقية التي تصدرها جمعية الكتّاب والمؤلفين قبل سنين.

(6) اتهامه المجتهد الراحل سعيد الأفغاني أحد أساتذة جامعة دمشق السابقين بالكبر والغرور لمجرد انه ادعى تراجع العميد عن جملة آرائه بخصوص الشعر الجاهلي وكونه موضوعاً ومنتحلاً وانه لايصح الاستناد إليه في التعرف على أحوال القوم قبل ظهور الإسلام ، أو همّ بإعلان ذلك بعدما أهديت له مؤلفات محتوية على إثباتات ودلائل وحقائق لا مرية في صحتها ولايمكن تكذيبها أو الغض من أهميتها لاستقراء حياة العرب قديماً ، عين الوقت الذي يمتدح صهره ورفيق حياته علي الطنطاوي مِن أخصِ كتّاب مجلة الرسالة المصرية في أطوارها الأولى ، لأن في مقالته بعض الذم لطه حسين وجنفٍ عن استعذاب بيانه واسلوبه .

(7) غير مهم ومفيد ونافع بالنسبة لي اذا ادرج الاستاذ محمود مهدي الاستانبولي طوال حياته التي امضاها وتقضت في سورية المشتهرة بقراعها وكفاحها العنيد ومصاولتها الباسلة للاحتلال الفرنسي حتى نصلت منه وشارفته الى إقامة مجتمع الكفاية والعدل ، وظفر الناس بحرياتهم وحقوقهم ، قلت لايهمني بعد هذا أكان الأستاذ من أشياع الوهابية وأنصارهم أو لايكون ، شريطة أن لايكون زميتاً معانداً ومسرفاً في وصم مخالفيه في منازع تفكيرهم بالجمود والضلال والعمه عن الطريق المهيع والدال على الحقيقة التي يجنف روادها وملتمسوها عن الأثم والعدوان ، ويعفُون عن إشاعة الخراب والدمار في معالم تاريخنا.

ثم أننا لسنا بحاجة اليوم لمن يبصرنا بأحكام ديانتنا ، فكلنا مسلمون نرفض الفرد الذي يتصور نفسه مبعوثة في هذا العصر من لدن خالق الأكوان ليصلح أوضاعهم ، ومثل هذا الفرد وأشباههِ تكاثروا في الآونة الأخيرة في المجتمعات العربية بحيث سدروا في تخيلهم ذاك وترسخ في عقولهم الظاهرة والباطنة ، على حين ان نظرتهم للبقية تكرس فيهم إيغالا في الأرجاس والأدناس ، وإنهم وحدهم معدن الشرف والإيثار والنقاء والنزاهة. وحسبنا تعللاً بقول حكيم الدهور المتنبي :

ومَن جهلتْ نفسه قدرها       يرى غيره فيه ما لا يرى

 

ويقول العقّاد في كتابه عن فلسفة (إبن رشد) : "لو كان الاعتبار بالحوادث من عادات الانسان ، بل من عادات المشتغلين بالحكم من الناس ، لما صُودر بعد إبن رشد كتابٌ واحد ، ولا آمن أحدٌ بجدوى المصادرة في تفنيد الآراء.

والسلام.

 

مهدي شاكر العبيدي


التعليقات




5000